أحداث محافظة قِنا -نزاع طائفي أم مخلفات النظام المخلوع؟     

أحداث محافظة قِنا -نزاع طائفي أم مخلفات النظام المخلوع؟

مشهد تلاحم بين المسلمين والأقباط في مظاهرة اثر حادث تفجير كنيسة القديسين بالاسكندرية بداية العام الحالي تتواصل في محافظة قِنا جنوب مصر احتجاجات على تعيين محافظ مسيحي.الطابع المثير الذي بدأت تأخذه الاحتجاجات، ومنها المطالبة بتعيين إسلامي متشدد محافظا في قِنا، تثير تساؤلات المراقبين حول خلفياتها الطائفية والسياسية.



تصاعدت في محافظة قِنا جنوب مصر، الاحتجاجات على تعيين محافظ مسيحي، وبعد سلسلة مظاهرات وتعطيل لمرافق النقل والخدمات تحول الأمر إلى شبه عصيان مدني، وذهب بعض المعتصمين أمام مبنى المحافظة، للتهديد بتعيين محافظ إسلامي متشدد، في حال لم تتراجع الحكومة عن قرارها بتعيين اللواء عماد ميخائيل محافظا.

وكانت الاحتجاجات قد انطلقت يوم الجمعة الماضي في محافظة قِنا (650 كيلومترا جنوب القاهرة) بدعوة من جماعات سلفية وجماعة الإخوان المسلمين، ورفعوا شعارات تطالب بتعيين محافظ مسلم بدل من المسيحي اللواء ميخائيل ومنع هذا الأخير من تولي منصبه. وتثير أحداث محافظة قِنا تساؤلات لدى المراقبين حول خلفياتها، وعما إذا كانت نتيجة صراع طائفي بين الأقباط والمسلمين أم لحسابات سياسية قد تكون وراءها أطراف من نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك.



"محافظة قِنا لها ظروف خاصة"



الينورا انسالاكو منسقة برامج مؤسسة آناليند للحوار الثقافي الأوروبي المتوسطي بالاسكندرية خلال مشاركتها أخيرا في مؤتمر بتونسليست أحداث محافظة قِنا الأولى من نوعها التي تحدث في مصر منذ ثورة 25 يناير 2011 بين مسلمين وأقباط، لكنها الحدث الأكبر حجما، وتأتي في سياق متعارض مع أجواء التعايش والدفء الذي اتسمت به علاقة المسيحيين بالمسلمين خلال أيام الثورة وخصوصا في ميدان التحرير. فهل هذه الاحتجاجات أساسها طائفي أم أنها موجهة ضد اللواء ميخائيل لأسباب سياسية؟ وفي رده على هذا السؤال يقول الناشط والمثقف القبطي الدكتور وسيم السيسي في حوار مع دويشته فيله، "هنالك تفسيرات متباينة للحادث، فبعض المحتجين يرفضون تعيين اللواء ميخائيل لكونه مسيحيا، والبعض الآخر يتهمونه بتجاوزات أمنية ضد المواطنين".

ويعتقد الدكتور السيسي أن العنصر المهم في هذه الأزمة هو أن"الحكومة أخطأت في تعيين مسيحي كمحافظ لهذه المنطقة المعروفة بظروفها الخاصة والتوتر الديني فيها"، وأضاف أن تأكيد أبعاد المواطنة والحكم المدني الديمقراطي بعد الثورة من خلال تعيين محافظين ذوي خلفيات مسيحية، يقتضي من الحكومة توخي الحكمة في اختيار المحافظات المناسبة لمثل هذه التعيينات، مشيرا مثلا إلى البحيرة والغربية والمنوفية والاسكندرية، وهي محافظات برأي الناشط القبطي "لايوجد بها التوتر العقائدي الذي نلاحظه مثلا في محافظة قِنا".





جماعات سلفية تطفو على السطح



لكن رفع شعارات طائفية في مظاهرات محافظة قِنا وذهاب البعض للمطالبة بتعيين محافظ إسلامي متشدد، وتصاعد التوتر في المحافظة، يؤشر برأي مراقبين إلى وجود عوامل متداخلة في هذه الأحداث، التي تكررت بعد الثورة عبر مظاهر متنوعة. ويري الدكتور وسيم السيسي أن من أسباب هذه الأحداث "تفشي الجهل والأمية في المجتمع المصري، حيث تصل نسبة الأمية إلى 60 في المائة في بعض المناطق، وهي أرضية سهلة للتلاعب بعقول الناس وعواطفهم" وأضاف " تهب علينا رياح وهابية عبر مجموعات من المصريين الذين يعودون من منطقة الخليج(السعودية) وهم متشبعون بالأفكار الوهابية المتشددة والسلفية"، وأشار في هذا السياق إلى "قيام بعض السلفيين بتدمير أكثر من عشرين ضريحا لأولياء مسلمين اعتقادا منهم بأنه حرام". إضافة للدور الذي لعبه النظام السابق في نهج سياسة "فرق تسد" كما يفعل المستعمر بالبلد الذي يحتله، موضحا أن نظام مبارك كان يسود المصريين اعتمادا على سياسة التفريق الطائفي والاجتماعي والطبقي بين أبناء الشعب.



ثورة 25 يناير وحدة المصريين مسيحيين ومسلمين


وبرأي اليونورا انسالاكو، منسقة برنامج فرع مؤسسة آنا ليند الأوروبية المتوسطية لحوار الثقافات في الإسكندرية، فإن عنصر الدين يشكل عاملا مهما في اتجاهات التغيير في مجتمعات بلدان جنوب الأبيض المتوسط، وقد أظهرت دراسة حديثة أنجزتها المؤسسة أظهرت أن 50 في المائة من المصريين يعتبر تلقين القيم الدينية لأبنائهم أمرا مهما جدا، وبأن عنصر التدين معطى ملحوظ في المجتمع المصري. وبرأي الباحثة اليونورا انسالاكو، فإن ما تشهده مصر من حين لآخر من أحداث تكتسي أحيانا طابعا طائفيا،"لا يعبر بالضرورة عن وجود خلفيات عميقة للنزاع الطائفي بقدر ما هي حوادث محدودة ومبالغ فيها أحيانا لدى الرأي العام المحلي والدولي، دون الانتباه إلى أن هذه الجماعات السلفية لم نكن نسمع عنها بهذا الشكل في ظل النظام السابق لأنه لم يكن هنالك مناخ حرية مثلما تعيشه مصر الآن".





"ميدان التحرير نموذج أصيل للتعايش"



ولاحظت الباحثة الايطالية، أن الأجواء التي طبعت مظاهرات ميدان التحرير وباقي المدن المصرية كانت أجواء مدنية وسياسية ولم تكن ذات طابع ديني، أي أن الثورة كانت حركة تعبر عن توحد المصريين حول هدف التغيير، وقد اتسمت بتعايش ولم يظهر خلالها أي توتر طائفي أو ديني. لكن بعد الثورة ظهرت بعض الحوادث، وبدأ الحديث بالخصوص على دور الجماعات السلفية التي تريد فرض نمط مجتمعي محافظ في مصر، لكنها لاحظت أنه يتعين عدم المبالغة في حجم هؤلاء، فهي ظاهرة لا تعبر عن الغالبية العظمى من المصريين. وأضافت أن تضخيم دور الجماعات السلفية المتشددة قد يكون وراءه بقايا النظام المخلوع بهدف إدخال البلاد في حالة عدم استقرار.

ومن جهته أكد الناشط القبطي ان "ثورة 25 يناير وحَّدت بين أبناء الشعب مسيحيين ومسلمين، وهو المظهر الأصيل للشعب المصري عبر التاريخ وهو الذي سينتصر في نهاية المطاف"، لكنه لاحظ أنه رغم التغييرات السياسية الكثيرة التي تمت في مصر بعد الثورة، فقد عادت بعض فلول النظام المخلوع للظهور، كما ظهرت جماعات متطرفة، وعاد إلى مصر حوالي ثلاثة آلاف عنصر من أفغانستان، وبالاضافة إلى هذه العوامل فإن الدولة "تنتهج سياسة رخوة تغيب في ظلها سلطة القانون" مشيرا في هذا الصدد إلى "حوادث عديدة ارتكبت ولم يعاقب مقترفوها مثل حادثة كنيسة صول في أصفيح التي دمرت ولم يعاقب مقترفو الجريمة وتم احتواء الحادث بعملية صلح". ويعتقد الناشط أن هذه العناصر متداخلة تنتج أوضاعا مأساوية على غرار ما تشهده محافظة قِنا، وأن الحل المناسب هو " توخي الصرامة في تطبيق القانون ضد الخارجين عنه".





مبادرات لتشجيع التعايش



البابا شنودة مع شيخ الأزهر الشريف احمد الطيب


وفي رده على سؤال عما إذا كانت مظاهر التطرف تشمل أيضا الجانب المسيحي، قال الناشط القبطي "أجل هنالك من يعترف بوجود تطرف من الجانبين، وهنالك بعض مظاهر التطرف المسيحي أيضا لكنها تبقى في إطار أفكار متطرفة ولا تتحول إلى أعمال، بينما نلاحظ في الواقع أن تطرف بعض الجماعات الإسلامية ينتقل إلى أعمال وممارسات ضد أماكن عبادة المسيحيين". ويرى الدكتور وسيم السيسي أنه يتعين نبذ التطرف مهما كان مصدره وأضاف أنه ينتقد أيضا "مظاهر السلبية لدى فئات من المسيحيين"، مشيرا في هذا الصدد إلى ضرورة قيام الكهنة والباطريارك بمبادرات خلال الاحتفالات الدينية لجمع المسلمين والمسيحيين، بهدف التأكيد على تقاليد التعايش العريقة في مصر.

وتتفق الباحثة اليونورا انسالاكو مع الناشط القبطي في التفاؤل ب"مبادرات واعدة بترسيخ قيم التعايش"، مثل الأحزاب الناشئة ومنها حزب "المصريون الأحرار" الذي يضم مسلمين مسيحيين وحزب "شباب التحرير" الذي أسسه المستشار حمدي بهاء الدين الذي يقوم على فكرة المواطنة والمدنية، وحزب "مصر الأم" الذي يعتبر الدكتور السيسي أحد مؤسسيه منذ سنوات ورفض الترخيص له في عهد النظام المخلوع. وبرأي الناشط القبطي فإن "آمال المصريين معقود على شباب التحرير كنموذج للتعايش المدني والديمقراطي". ومن جهتها أضافت منسقة برامج مؤسسة آنا ليند أن المؤسسة تشجع مشاريع ومبادرات للحوار والتفاهم والاحترام المتبادل بين الأديان وخصوصا مع فعاليات المجتمع المدني في مصر وباقي دول المنطقة، وهو ما سيشكل عنصر ثقل يرجح التعايش على حساب الأصوات المتطرفة التي تنتعش لأن "وسائل الإعلام تبالغ في حجمها".





منصف السليمي

مراجعة: يوسف بوفيجلين



دوتشيه

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :