تشويه وجوه المحاربين..!     

تشويه وجوه المحاربين..!
بقلم : أحمد عز الدين
أرجوكم ألا تقرأوا في هذا المشهد الساقط المُكتئب ، ما يعنى أن شخصاً أدركته شهوة الشهرة ، فأفرغ ما فى جوفه من فضلات على وجوه المشاهدين ، بعد أن دعاه مذيع لا يعرف الفرق بين تنوير الأفكار وتدوير الأموال ، فالمشهد من أوله إلى آخره بأشخاصه ومادته وتوقيته ، وقد حُشر فى قلبه محارب عربى عظيم تم الغدر به ، ليس إلا وجبة مسمومة سابقة الإعداد والتجهيز ، وليس ثمة خيط واحد فى بناء المشهد ومفرداته ، وليد صدفة ، أو خطأ ، فقد دأبت الأفكار المضادة للخصوصية المصرية ، وللتاريخ الوطنى والقومى ورموزه ، وفى مقدمتهم العسكريون والمحاربون ، على أن تأتى فوق أجنحة أمواج كهروماغنطيسية مدفوعة من وراء الحدود .
إن أول ما يستوقفك فى المشهد قبل المادة وقبل الحديث ، أمران متلازمان :
الأمر الأول هو الشخصية المنتقاة أى " صلاح الدين الأيوبى " بثقله التاريخى العسكرى ومكانته فى الذاكرة القومية ، ودائرة حروبه الدفاعية فى مواجهة عواصف جيوش غربية جّرارة ، تدثّرت كذباً بعلم المسيح وهو منها براء ، وذلك فوق خريطة محدّدة تتسع لتشمل مصر وسوريا والعراق وفلسطين واليمن ، وهى البيئة التى تشكل الأعمدة الحضارية التاريخية للعروبة والإسلام معاً .
الأمر الثانى هو التوقيت الزمنى ، فإذا كان " صلاح الدين " هو مجرد رمز غائب لمحارب عظيم ، فإن البيئة هى ذات البيئة ، والعواصف الممتدة هى ذات العواصف ، وهى ماضية فى إستخدام كافة أسلحتها لتحقيق القصد ذاته ، ولذلك فإن المقاربة المصطنعة ليست بين شخص وتاريخ ، وإنما بين تاريخ وتاريخ ، وبيئة وبيئة ، وحدود و حدود ، فإذا كان " صلاح الدين " القائد العسكرى المحارب ، هو أحد الأعلام الأكثر بروزاً وتعبيراً عن فكرة المقاومة شعبياً وعسكرياً فى الوجدان الجمعى العام ، فإن الفكرة فى حد ذاتها هى قلب الهدف قبل الشخص ، فهى مكمن الخطأ ، وربما الخطيئة التى حولت " أحقر شخصية فى التاريخ " – حسب وصف هذا المدّعى – إلى رمز عسكرى تاريخى مشعّ بقيم المقاومة والفداء ، فى سماء التاريخ العربى الإسلامى ، خاصة إذا كان هذا المدّعى قد أتبع حديثه الآثم ، بما أضافه على صفحته من أوصاف لا تقل تدنيّا ودناءه وتحقيراً ، الحقها بمحاربين عظام آخرين ، كان من بينهم ، قائدان عسكريان عربيان ، لكل منهما مكانة خاصة فى التاريخ الحربى العربى ، هما ( قطز ) و ( بيبرس ).
صلاح الدين هنا – إذن – هو مجرد الضوء الثاقب الذى يخطف الأبصار نحو إتجاه معاكس ، ولكنه فى الحقيقة الظل الذى يراد له أن يسلب العيون قدرتها على الإبصار .
ثم أن هناك وشائج أخرى بين البيئة والبيئة ، وعواصف الهجوم الغربى هنا وهناك ، يُراد أن تتمّم عملية " تخليق مشروعيات" جديدة منها ليتم حقن عقول الناس بها ، فإذا كان " صلاح الدين" طائفيّ النزعة على هذا النحو ، كما كان الصدام الذى أحاط به فى دائرة واسعة ، أوسع حتى من حدود مصر ، هو صراع وصدام طائفىّ فى جوهره وفى عمق هذا التاريخ ، أليس من شأن ذلك منح مشروع الحرب الطائفية فى الإقليم والنار تُنفخ فى حطبه على قدم وساق ، مشروعية قديمة معلّقة قبل مئات القرون ، أى أننا لسنا أمام صراع مختلف مستحدث للتغطية على جوهر الإستراتيجية الغربية تجاه الإقليم ، وإنما أمام صراع وصدام طبيعى ، بدليل أن ناره ما تزال متأجّجه فى باطن هذا التاريخ ؟!
وإذا كان " صلاح الدين " عند هذه الدرجة من التوحش وسفك الدماء ، وهدم مكتبات الحضارة ، وقطع النسل عن العباد ، الأ يمكن أن تتخلّق من ذلك مشروعية أخرى ، لسلوك أولئك الذين استعانوا بالصليبيين وملك صقيلية ، على شاكله الوزير ( ضرغام ) الذى عقد صفقة مع الصليبيين ليتولى الوزارة ، بعد احتلالهم لمصر! ، تنسحب بدورها على إختلاق مشروعية جديدة لاولئك الذين إستعانوا بإسرائيل والناتو ، وأدخلوهم إلى غرف عملياتهم العسكرية ، طلباً لمساعدتهم فى مواجهة " حقراء " عرب آخرين ، ما يزالون يقاومون وكأنهم يحاولوا أن يرسموا صورة مصغرة ، لصلاح الدين ؟!.
وإذا كان " صلاح الدين " قد قاوم الفتن والإنقلابات والمؤامرات التى أحاطت به ، وقد كانت خليطاً من بقايا الفاطميين وحلفائهم من أهل السنة ، ومن السودانيين ، بما يتناسب معها من الشدّة والحزم ، خاصة وأن معركتهم لم تكن غير صراع مباشر دام لإسقاطه والإستحواذ على السلطة ، بعد أن سقطت الدولة الفاطمية لعوامل ذاتية بحته ، الا يمكن أن يمتد ذلك إلى تخليق مشروعية موازية ، لإدانة أى مقاومة من جانب سلطة وطنية فى مواجهة فتن وإنقلابات ومؤامرات تحيط بها ، أو يمكن ان تُحاط بها ؟! ، ثم أليس من المدهش إذا أخذنا الأمور بظاهرها ، أن يتم إستدعاء قائد عسكرى محارب ، حرر القدس قبل قرون ، ليتم إلقاء كل هذه اللعنات والبذاءات على رأسه ، بينما الظّن الغالب أن مشروع نقل السفارة الأمريكية إلى القدس ، يتأهب للتحرك إلى الأمام ، بعد أيام ، قد لا تطول أسابيع ، وأن يتم – أيضاً – القاء كل هذه اللعنات والبذاءات على رأسه ، ليتم بالتالى تبرئة ساحة أهل الفتنة ، ومنحهم مشروعية السعى للحصول على السلطة بالقوة ، حدّ الإستعانة بجيوش معادية أجنبية ، لمقاتلة وإسقاط أهلهم ومن ينتسبون إليهم باللغة والحضارة والتاريخ والدين ، الا يعد ذلك تذكية ذهنية ، لتمرير بناء تحالف عسكرى تحت أى اسم ، يضم بعض العرب جنباً إلى جنب ، مع خصومهم وأعدائهم ، لقتال أهلهم ، أو من ينتسبون إليهم بالحضارة والدين والتاريخ ؟!.
فى عمق هذا الكلام الضال – إذن – ما هو أبعد من شخص " صلاح الدين " ، وما هو أبعد من تاريخه ، ومن التاريخ الإسلامى الوسيط كله ، فالخطاب ليس مشرعاً من أجل الماضى البعيد ، وإنما من أحل الحاضر ، ومن أجل المستقبل ، وإذا لم نفهم ذلك فهما صحيحاً فلن نرى فيه فى أفضل الأحوال ، الإ إعوجاجاً فى الفكر يستوجب الإصلاح ، أو كسراً فى المنهج قابل للجبر.
ليس عندى بعد ذلك فى معرض الجدل العام والتعليقات التى تلت المشهد ، ما أعتب به على بعض أولئك الذين رفعوا أقلامهم وأصواتهم كالسيوف تأييداً للطعن فى " صلاح الدين " المحارب ، على غرار إحدى عضوات مجلس الشعب ، التى أرسلت تأيدها بسرعة البرق ، فعذرها عندى أنها ما تزال تجلس تحت كرسى الملك فاروق ، لكن العتاب موصول لعدد من الإخوه الأقباط الذين أثق فى وطنيتهم ، فقد أغشى عيون بعضهم حديث الطائفية المنسوب زوراً إلى الرجل ،وربما لو عرفوا أن " صلاح الدين " أختار لمنصب الكاتب الأول لرأس الدولة ، قبطى مصرى هو الشيخ الرئيس صفىَ الدولة ابن أبى المعالى ، وهو منصب يكاد أن يمثل اليد اليمنى لرأس الدولة لكان الموقف مختلفاً ، بل أن ( المقريزى) وهو المؤرخ المنحاز للدولة الفاطمية تماماً ، هو الذى أقر أن فرقاً كاملة من المسيحيين المصريين ، شاركت الأيوبى فى كافة أعماله الحربية ، بما فيها معركة تحرير القدس ، وهو الذى منحهم بسبب ذلك ، دير السلطان ، وسمح لهم بالحج إلى الأراضى المقدسة بعد أن منعهم الصليبيون.
يضاف إلى ذلك أن قبر صلاح الدين فى دمشق لم يتحول من أنقاض حفرة مهدمة إلى ضريح ومقام مكسو بالرخام ، على يد عربى أو مسلم ، فالشخص الذى أقامه وأنفق عليه ، لم يكن مسيحياً فحسب ، ولكنه كان قيصراً ألمانياً هو " فيلهلم الثانى " عرفاناً بالرؤية الأوربية التى ظلت مستقرة فى كتابات المؤرخين والمستشرقين الغربيين ، الذين كانوا يرون الإسلام بعين السخط ، ويرون " صلاح الدين " وحده بعين الرضا.
أما بعض اولئك الذين استحسنوا الطعن فى صلاح الدين ، دفاعاً غريزياً عن الدولة الفاطمية ، فأظن أن الصواب توقيتاً قد جانبهم ، لأنهم إنما يساهمون بذلك فى وضع الأسلحة فى أيدى دعاة الحرب الطائفية فى الإقليم ، إضافة إلى أن " صلاح الدين " لم يأت إلى مصر غازياً ، وإنما جاء مصاحباً "لأسد الدين شركوه" بدعوة من رأس الدولة الفاطمية ، بينما كانت تعانى سكرات الإحتضار البطئ ، بعد أن تحول الطمع فى السلطة إلى مسلسل مفتوح لقتل الخلفاء ، و بعد أن أصبح الوضع الداخلى المصرى مأزوماً حدّ الإختناق ، بينما كانت أطماع الصليبيين لاحتلال مصر ، تتوثّب عبر الحدود ، كما أن صلاح الدين لم يسع إلى منصبه ، وقد عرض الخليفة عليه الوزارة " فتمنع " حتى ألزمه الخليفة " فأُحضروه إلى القصر وخلعت عليه الوزارة ".
إن عندى بعد ذلك ما أرغب فى الإعتراف به ، والإعتراف الأول هو أن " صلاح الدين " واحد من الذين أسروا شعاعاً عميقاً فى وجدانى وعقلى ، حتى أننى أسميت ابنى على اسمه ، وأسباب ذلك ربما ترجع إلى صفته الأساسية ، كمحارب صُلب ، لم يلن ولم يستكن ، وقد قضى فى صحبه جواده وسيفه من عمره ، أكثر مما قضى فى صحبة آله وناسه ، وربما ترجع – أيضاً – إلى فكرة العدل ، التى ظلت فى قلب إيمانه ، فقد ظل شعاره الثابت " العدل مقصد عمرى " ، وربما – أيضاً – لأن " صلاح الدين" لم يأسره من متاع الدنيا شيئاً ، فلم يترك داراً ولا بستاناً ولا عقاراً ، او على حد قول أحد مؤرخيه : " لقد هجر فى محبة الجهاد ، وقنع من الدنيا بالسكون، فى ظل خيمة تهبّ بها الرياح ميمنة وميسرة " ، وعندما مات فى الخامسة والخمسين ، وفتحوا خزانته ، لم يجدوا بها غير دينار واحد ، لم يكن يكفى مؤتة جنازته ودفنه ، حتى أن مستشاره القاضى الفاضل هو الذى تبرع بثمن أثواب دفنه وقبره ، وربما ما أسرنى بالدرجة الأولى فى شخصية الرجل ، انه كان على خلاف كثير ممن سبقوه أو تلوه ، قد تمتع بمفهوم ناضج للعلاقة بين الأمن الداخلى ، والأمن الخارجى ، وعلى جسر هذه العلاقة العميق ، كما امتدت يده لتحصين القاهرة وترميم سورها القديم الذى أحاط بكل أحيائها الفسطاط والعسكر والقطائع ، و أبتنى القلعة ، وعالج كافة الثغور والموانئ بأعمال التطوير والصيانة والتحصين ، امتدت يده فى الوقت نفسه لهدم سجن العامة ، الذى كان معروفاً باسم " دار المعونة " وأنشأ مدرسة أقرب إلى الجامعة مكانه ، قبل أن تتعدد المدارس التى أنشاها ، كما امتدت يده فى الوقت نفسه – أيضاَ – لإنشاء وزارات وداووين أو وزارات لم تعرفها مصر منذ الفتح الإسلامى كديوان الإنشاء ( الإعمار ) وديوان بيت المال ( وزارة المالية ) وديوان الجيش ( وزارة الدفاع ) ، وقد أصبح الأخير ديوان الدواوين أو وزارة الوزارات ، فى ظل ما كانت تواجهه مصر ، والأمة من غزو وأطماع وغزوات أجنبية ومؤامرات محلية .
أما الإعتراف الثانى ، ففيه كثير من الظن وبعض الظن إثم ، فقد اعترانى الشك لحظة فى أن بعضاً ممن يديرون سياسة الإعلام فى بلادنا قد دبّر الأمر بإفتعال قنبلة دخان كبيرة على مقاس صلاح الدين ووزنه العسكرى والتاريخى ، ليغطى دخانها على قضايا أخرى ، تشدّ أعصاب الناس كأنها أوتاراً كمان مشدود ، من الفتنة الطائفية إلى الأسواق المفتوحة للمحتركين والتجار ، إلى عجز الحكومة الذى يتبدّى كأنه ضوء النهار ، لكننى قلت لنفسى أن ذلك لا يمكن أن يكون صحيحاً ، لأن مردوده عند عموم الناس لن يخرج عن أحد سبيلين ، إما غضب عاصف تحت تأثير إحساس عميق بالإهانة بسبب عاصفة تحاول أن تقتلع من مسلمات الناس ، ما تعلموه فى المدارس ، وما استقر فى يقينهم على أنه أحد البديهيات ، وإما غضب عاصف لإهانة التاريخ ذاته ، وكلا الأمرين لن يكون حميداً ولن يكون حاصل طرح من الأزمات ، وإنما سيكون حاصل جمع إضافى ، لكن ذلك فى كل الأحوال لم يذهب بى بعيداً عما انتهيت اليه ، من أننا أمام عمل مدبّر شكلاً ، وموضوعاً ، مادة وتوقيتاً .
وأننا أمام نار حامية مهمتها إزهاق الذاكرة وملؤها بالشكوك ، وهى نار لن تبرد ، فإذا كان الهدف الإستراتيجى هو تدمير الجيوش ، فإن الهدف الموازى له هو تدمير الذاكرة ، وتشويه وجوه المحاربين ! .

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :