عقيدة السوق..!     

عقيدة السوق..!
بقلم : أحمد عز الدين
أسوء ما يمكن أن تُبتلى به عقول أمة ، أن تتحول من عقيدة الوطن إلى عقيدة السوق ، وأن تُعلى عقيدة السوق فوق عقيدة الوطن ، فتفكّر بمنطق السوق ، وتتنفّس هواء السوق ، ويتفصّد من مسامها عرق السوق ، وتخرج كلماتها وتصرفاتها وأحلامها وأفكارها وفق الرسم البيانى لخفقان قلب السوق ، لتبعث على أرضها قيامة سلطان السلعة محل سلطان القيمة ، وسلطان الربح محلّ سلطان القيمّ ، وسلطان النفعيّة ، محل سلطان العدل ، وسلطان اللحظة ، محل سلطان التاريخ ، وسلطان النزوة محل سلطان العقل ، وسلطان الآخر محل سلطان الذات ، وسلطان القلّة محل سلطان الشعب ، وسلطان السوق فى النهاية ، محل هؤلاء جميعاً ، سلطان القيمة والقيم ، والعدل ، والتاريخ ، والعقل ، والذات.
ذلك أن عقيدة السوق أو سلطان السوق مجبول على أن يذبح كل الأبقار المقدسة ، من التراث إلى الدولة ، ومن منظومات القوة إلى منظومات القيم ، ومن الخصوصية الوطنية إلى الأمن القومى ، ليتم الإبقاء على بقرة وحيدة مقدسة واحدة هى العولمة ، لكننا بذلك إنما نستعير من بقايا العولمة أو عالمها ، أخر ما تبقّى من ترابها لا تبرها ، و آخر ما تبقى من اضمحلالها وسقوطها ، لا من طاقة صعودها ، لنقْتدى بنموذج فكرى ، لتجربة غدت متراجعة ومأزومة ، بل ومهزومة ، فلم يتبق من هياكل العولمة القشيبة ، غير منتوجها الآسن ، من الديون والأزمات والفقر ، الذى يعصف بالدول ، وغير أنقاضها المتراكمة ، التى تعبث فيها الفئران السمينة التى تضخمت ، وماتزال مجبولة على أن توزع عدواها ، التى تشبه الطاعون.
وهكذا وصلت عقيدة السوق بنا ، إلى حد يستحيل السماح له بالمرور ، ليتم بيع هويّة مصر وجنسيتها مقابل المال ، فهذه فى النهاية ليست هويّة أو جنسية دولة مستحدثة خرجت فجأة من تحت فخذ البحر بعد أن انحسرت مياهه المالحة ، وهى ليست هويّة أو جنسية دولة لقيطة أكرهتها تفاعلات تناقض فى الهوية على رفع علم الإنفصال ، وإنما هى هويّة وجنسية أول وأقدم دولة فى التاريخ ، وهى هويّة وجنسية أول وأقدم آمه فى التاريخ ، وهى هويّة وجنسية أول وأطول و أثبت امبراطورية فى التاريخ ، وهى هويّة وجنسية أول جيش ومنظومة دفاع وأمن فى التاريخ ، وهى هوية وجنسية أطول وأصلب شعب محارب فى التاريخ ، ثم هى فى البداية والنهاية هويّة وجنسية ، حضارة أشعلت بعرقها ودمها وفكرها وعملها ، كل مصابيح حضارة أخرى سواها عبر التاريخ ، فهويتها وجنسيتها لا تحسب بالمال مهما كان حجمه أو وزنه ، ولكنها تحسب بخصوصيتها الوطنية ، وقيمتها الحضارية التاريخية التى لا توزن بكنوز من ذهب أو مال .
لذلك فإن أولئك الذين يبّررون منح هويّة وجنسية مصر ، بنهج مماثل لدول أخرى فاقدون لحاسة التناسب ، لأنهم يقارنون مصر بسواها ، يقارنون قلب العالم والشرق الأوسط الكبير من أوله إلى آخره فى جسد العالم ، بما يماثل زوائد دودّية فى هذا الجسد ، ويقارنون مكانة العاصمة الإستراتيجية للاقليم بل والعالم ، بأرياف صغيرة ، تبدو أظفاراَ فى أحد الأصابع الصغرى لهذا العالم ، ويقارنون دولة تتوثّب من حولها التهديدات والمخاطر والأطماع من كل حدب وصوب ، بدول ليس فيها ما يمثّل مطمعاً ولا مغنماً لأحد ، والخطورة البادية والعميقة ليست فى هذه الفكرة ، أو ما هو على شاكلتها ، وإنما فى منهج التفكير ذاته ، الذى أنبتها ، ودفعها ، ومازال يحاول اعانتها على الحياة ، لأنه بأفقه الضيق وحساباته المستلبة ، من شأنه وهو يضع الهوية المصرية والجنسية المصرية فى موضع استحلال بالمال ، أن يستحل خطوة بعد أخرى ، وكلما ضاقت به السبل ، ما أبعد منها ، فى مقدسات الدولة القومية ذاتها .
إننا لا نتكلّم بالعواطف ، أو الانشاء ، وإنما نتكلم بالمعرفة والعلم ، وكلاهما يبدو أنه أصبح غريباً فى أهله ، لأنه إذا بلغت الإستهانة بالخصوصية الوطنية هذ الحد ، فمعنى ذلك ، أن هناك خطأ جوهرياً فى الرؤية ، وشذوذاً معرفّياً فى المنهج ، وجموحاً مزلزلاً فى التصور ، وهو فى المحصلة النهائية ما يمكن أن يجعل الكيان الوطنى ، واقع تحت تهديد أنماط من التهديدات ، ليست محسوبة ولا مدركة .
إن علينا أن نفهم دون مواربة ، أن الأوطان لا تُبنى على ضفاف هذا السوق المفتوح من جانبيه ، وإنما تُبنى الثروات ، وأن الدول لا تتحصّن على ضفاف هذا السوق من جانبيه ، وإنما تتحصّن رؤوس الأموال ، وان المجتمعات لا تتوحد على ضفاف هذا السوق المفتوح من جانبيه ، وإنما تنقسم ، وأن الدول لا تكبُر على ضفاف هذا السوق المفتوح من جانبيه ، وإنما تتقزّم ، وأن القيم والأخلاق لا تنمو على ضفاف هذا السوق المفتوح من جانبيه ، وإنما ينمو الغنى والفقر معاً ، وأن الأجنبى لا يأتى ليعمل على ضفاف هذا السوق المفتوح من جانبيه ، وإنما ليتحكم ويسيطر .
غير أن هذه الحكومة تبتذل تراثنا الفكرى ، وقيمنا المجتمعية التاريخية ، وخصوصيتنا الوطنية ، إلى حدود تضّخ فى الناس أحساساً عميقاً بالخزلان والصغر والهوان ، ولذلك عليها أن ترفع أحذية أفكارها المدسوسة المستوردة عن صدورنا .
نريد أن نتنفس !

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :