وزير مرضٍ، لا وزير صحة..!     

بقلم : أحمد عز الدين
لم يدهشني أن ينطق أحد وزراء هذه الحكومة ، بكلمات جارحة ومدبّبة كالدبابيس ويغرسها في رأس جمال عبد الناصر ، ولا أن يغمر جسده وهو في مرقده ، برشّاش مياة ملوثة بجراثيم الإدعاء والكذب ، فهو أمر أيا كانت درجة انحداره وهبوطه الفكري والإنساني والنفسي ، إنما يعبر عن آداء صاحبه في وزارته ، وعن واقعة مستشاريه اللذين قبض عليهما في جواره ، وهما يستحلّان أموال علاج هذا الشعب ، رشوة وضيعة ، لا يمكن أن يمد يده إليها ، إلا من هو أكثر من فِعلها تدنٍّ وخسّة .
ما أدهشني حقا يتوزع بين عدة أمور :
أولا : أن مبرر الإبقاء على هذا الوزير عند التعديل الوزاري الأخير ، سيق له من قبل الحكومة أمام مجلس الشعب ، مبررا وحيدا ، وهو أن الإبقاء عليه سببه منحه فرصة لتنفيذ استراتيجيته في قطاع الصحة ، وأحسب أن ما قاله عن دور جمال عبد الناصر التاريخي في تخريب الصحة والتعليم ، إنما يعكس على وجه الدقة استراتيجيته التي تم الإبقاء عليه لتنفيذها ، وهي بالضرورة – كما هي في حقل التطبيق العملي – استراتيجية أمراض لا صحة ، واعتلال لا سلامة ، وإفقاد ما تبقى من أهم وأغلى ثروات مصر وهي طاقتها البشرية ، ما تبقى ٍلها من قدرتها الصحية والحيوية ، على الحياة والإنتاج والعمل والتوازن .
والمشكلة في ذلك أن استراتيجية الوزير في الصحة على هذا النحو ، من الطبيعي أن تكون أحد أبعاد الاستراتيجية الشاملة لهذه الحكومة ، التي يظبط كثيرون – مثلي – أنفسهم عن التعرض لهل بشدّة مستحقة ، إدراكا لمصالح وطنية أخرى قد تقع في حيّز التهديد ، رغم أن سياستها ذاتها أصبحت تشكل تهديدا ..
ثانيا : نحن أمام وزير صحة ، لم يضف إلى صحة المصريين ، وإنما اقتطع منها ، ولم يطبّب جراحهم النازفة وإنما نكأها ، ولم يساعدهم في تحمل أعبائهم في وقت شدّة وعسر ، وإنما أضاف فوق ظهورهم أحمالا ثقالا ، وأعباءا جساما لا أحد يمكن أن يدعي قدرتهم على تحملها ، وهو في المحصلة النهائية ليس وزير صحة ، وإنما وزير مرض ، وليس وزير الشعب ، وإنما وزير مافيا الدواء والممستشفيات والشركات متعددة الجنسيات ، ولهذا يبدو مدهشا ولا يبدو مبررا أو منطقيا ، أن يصوّب الفشل الجسيم أسلحته الثقيلة ، ليقصف بها وجها وطنيا مشعّا ، ومرحلة مضيئة في التاريخ الوطني ، تمتد المسافات بينه وبينها بعدا بعشرات السنين ، فليس هناك ما يمكن أن يبرر ذلك أو يفسره ، إلا أن يكون الأمر ثأرا ذاتيا مبهما في التاريخ ، أو جهلا ذاتيا مطبقا بالتاريخ ، أو محاولة فجّة لتعرية التاريخ من ملابسه النظيفة واستخدامها في تغطية العورات والسوءات ، أو إعلانا مدويّا ، لمن يهمه أمر دمار صحة المصريين وسوء أحوالهم ، أن مهمة الرجل ناجحة ، وأن شجاعته في التنفيذ فاعلة !
ثالثا : ما يبعث على الدهشة حقا وما حرت في تفسيره طويلا ، وأنا أقلّبهٍ على كل وجه من وجوهه ، هو إجابة على سؤال مغلق : لماذا يبدو أكثر اللذين خرجوا من شقوق القرى الرثة ، ومن بين أحجار الشوارع المتآكلة ، ومن صفوف أكثر القوى الاجتماعية بؤسا في قاع السلم الاجتماعي ، ثم حملتهم ثورة يوليو بمجانية التعليم ، والرعاية الصحية ، والعدل الاجتماعي ، على أجنحتها الواسعة ، وأجلستهم حيث يجلسون على السلالم العليا عند شرفة المجتمع ، هم الأكثر عداوة ، ليس فقط للقواعد الاجتماعية السفلى التي خرجوا منها ، وإنما ايضا للطبقة المتوسطة بشرائحها المختلفة ؟!
أليس المفروض في حدود المنطق والعقل ، أن يكون الولاء والانتماء على النقيض من ذلك ، معينا على أن يعيد من أخذ بعضا مما أخذ لمن أعطى !
لماذا يعادي مثل هؤلاء الناس الطبقات والبيئات التي خرجوا منها ، ويتحولون إلى قطّاع طرق يخرجون عليها ؟
لكأن الأمر يبدو في بعض صوره تعبيرا عن غريزة دفينة مشبعة بالانتقام ، وظني في النهاية أن الأمر ، لا علاقة له بعقيدة سياسية أو أيديولوجية ، فأمثال هؤلاء لا عقيدة سياسية لهم ولا أيديولوجية ، حيث تتقلّب وجوههم مع تقلب مصالحهم الذاتية البحتة .
وظني في النهاية أن الأمر إنما يدخل في حيّز العلل النفسية ، فكأنك عندما تلعن تاريخا أعانك على الخروج إلى أفق الحياة الرحبة ، من حيث كنت محشورا بين حفره وأحجاره ، إنما تنكر على نحو نفسي خالص إنتماءك إليه وإلى بيئته ، لتقنع ذاتك أن مردّ الصعود ، إنما هو ذاتك المريضة المتضخمة لا سواها.
وظني في النهاية أنه عندما يبلغ الاعتلال النفسي مداه ، فإن الإنكار لا يتوقف عند حدود النظرة الدونيّة إلى الوراء ، أو إلى حدود النظرية ، وإنما يتحول عمليا إلى أداء أقرب إلى طلب الشفاء والسلوى ، بسحق أهلك وناسك ، تحت كعب الحذاء الذي يزيّن قدمك من آثار الماضي البغيض .
رابعا : هذا وزير في حكومة متضامنة ، لكنها لم تنطق بحرف ، ولم تصحح موقفا ، وإذا تواصل صمتها فلا يعني ذلك للرأي العام ، إلا أن كلمات الوزير جاءت معبرة عنها وعن توجهها ، وأن هذه الكلمات مجرد مفردة – دون الدخول في التفاصيل – في استراتيجية ( الصدمة ) التي تنتهجها .
وأمام تصريحات حركت دوائر واسعة في الرأي العام ، فإن الصمت ليس فضيلة فضلا عن أنه يضيف إلى وقود قابل للاشتعال ، وقودا جديدا !

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :