معركة الإختراق : 3 – فقه التبعيّة ..!     

معركة الإختراق :
3 – فقه التبعيّة ..!
بقلم : أحمد عز الدين
[ إن المغلوب مولع بالإقتداء بالغالب,في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده, والسبب في ذلك أن النفس تفقد الكمال في من غلبها وإنقادت إليه,إما النظرة بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه,وإما لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي, وإنما لكمال الغالب,فإذا غالطت بذلك واتصل لها,حصل اعتقاد فانتحلت جميع مذاهب الغالب,وتشبّهت به,وذلك هو الإقتداء، أو لما تراه – والله أعلم- من أن غلب الغالب ليس بعصبيه أو قوة بأس, وإنما هو ما انتحلته من العوائد والمذاهب,تغالط بذلك أيضا عن الغلب وهذا راجع للأول ]
ابن خلدون

(1)
يصعب أن تجد في متون علم الاجتماع السياسي, نصا يحيط بتفسير ظاهرة استحسان التبعية,كما تحيط بها الكلمات السابقة لابن خلدون,فاستحسان التبعية عنده يتحول إلى عقيدة عندما ينتهي المغلوب إلى قناعة بأن الهزيمة أو الغلب, قد أصبح قدره المحتوم, وعندما يرى هذا الغالب من إحدى زاويتين : :
إما تحقير الذات وتعظيم الغالب والنظر إليه على أنه يمثل الكمال,وإما مغالطة الذات بأنه مرد الهزيمة أو الغلب,ليس ضعفاً ذاتياً, في مواجهة بأس وقوة,وإنما مرجعه ثقافة الغالب ومذاهبه, ليبدأ المغلوب في الانقياد إلى الغالب,بل ويصبح مولعا بالاقتداء به في شعاره,وزيه, ونحلته ,ومذاهبه, وسائر أحواله وعوائده,وهو ما يطلق عليه ابن خلدون الاقتداء, وما أطلقت عليه:استحسان التبعية,وأطلق عليه غيري:القابلية للاستعمار.
والحقيقة أنك لا تستطيع أن تجد تفسيرا عقلانيا لقدرة الظاهرة الاستعمارية على أن تفرض نفسها استعمارا عسكريا مباشرا, على مساحة من العالم,تتجاوز مجموع مساحات الدول التي تشكلت منها مجتمعه,بمقدار 26 ضعفا,بغير ذلك التفسير,فقد احتلت الظاهرة الاستعمارية مساحة من العالم تساوى 57 مليون ميل مربع,مع أن مساحة مجموع دولها في حدود 2 مليون ميل مربع,إذ كيف يمكن لبريطانيا,أن تحتل بالقوة المسلحة,مساحة من دول العالم,تساوى قدر مساحتها 142 ضعفا,وكيف يمكن لدولة كهولندا أن تحتل قدر مساحتها 57 ضعفا, أو لدولة كبلجيكا, أن تحتل قدر مساحتها 50ضعفا, لا طاقه القوة العسكرية المجردة, ولا طاقة القوة البشرية أو المادية,كان يمكنها أن تتيح مثل هذا التمدد الجغرافي الهائل,لو لم تكن مستنده إلى طاقه أخرى,هي التي تمكنت من تجريد العالم الثالث,من معنويات صموده ومقاومته, وحولت الاستعمار إلى ظاهرة من ظواهر الطبيعة,أو أقل من خوارقها, لا قبل بمواجهتها, أو اعتراضها,وحولت الهزيمة إلى قدر محتوم, تبدأ في العقل قبل الواقع , فتخلع عليه أسبابها السابقة,تحقيرا للذات , وتعظيما للغالب, وتحويلا له إلى قدوة, ونموذج, ومثل يحتذي .
والحقيقة –أيضا- أن نخبا سياسيه واجتماعية بعينها هي التي لعبت أدوار الجسور المادية والمعنوية, التي عبرت عليها الظاهرة الاستعمارية. وتمكنت من فرض سطوتها وحضورها,ولا يخجل مفكرون هنود,من تفسير استحواذ بريطانيا على شبه القارة الهندية, قبل أن تبدأ الظاهرة الاستعمارية نفسها تاريخيا,بالدور الذي لعبته النخبة السياسية والاجتماعية والفكرية الهندية السائدة آنذاك,كمعبر فكرى ومعنوي للاحتلال البريطاني للهند .
ولا سبيل-إضافة إلى ذلك-إلى إنكار أن للهزات السياسية والاجتماعية على المستوى الدولي,أصداء أكثر عمقاً في العالم الثالث الذي ننتسب إليه, وأن هذه الهزات تترك أثرا معنويا أكبر بكثير مما تتركه على غيره, بل وربما أكثر من الأثر المادي المباشر ذاته,وإذا كان( أنور عبد الملك),قد استطاع بنفاذ رؤية, أن يلتقط فائضا ماديا أسماه " فائض القيمة التاريخي" هو الذي استقطبه الغرب,وصادره لحسابه,من بنيه وقوة العمل الوطنية في العالم الثالث,وأضافه وقوداً إلى ماكينة تقدمه وسبقه , فإنني اعتقد أن هناك فائضا آخر,أكثر أهميه وتأثيرا,هو ما يمكن أن أسميه," فائض القيمة المعنوية" وهو فائض تراكمي تاريخي ، لا يتعلق فقط بتجريف البنية المعنوية لشعوب العالم الثالث, وإنما بناء صورة مزيفه للغرب في عيونه, وهذا الفائض هو الذي أنتج آله لتوليد الشعور بالعجز والاستلاب, وبالتالي الدونية,وعدم القدرة على المنافسة وانتزع روح التحدي, الأمر الذي أدى إلى شعور متراكم بالهزيمة واليأس وبعدم جدوى المقاومة,وإلى أن البقاء مرهون بالتكيّف مع شروط المنتصر وضغوطه,وهذا الفائض المعنوي هو الذي أسبغ على الاستغلال والتبعية نوعا من القداسة ,وولد حالة من الجاذبية المعنوية, التي أعادت ترتيب الأفكار,واصطفاف المواقف في إطارها,وأشاعت حالة عامة من الوهن الوطني.

عندما نصب "نابليون"دواوينه تحت ظلال مدافعه في مصر كان المناخ الوطني هو مناخ مقاومة,لكن نفرا من الشيوخ تحلقوا حول نابليون,وناصروا منطق المهادنة, وحاولوا إشاعة فضائلها بين الناس,ووزعوا أسلحة الاستسلام عليهم,وقد فطن "الجبرتي" إلى دور هذه النخبة, وأطلق عليها تعبيرا موحيا,هو (فقهاء الوقت) واعتبرهم فقهاء السلطان الغالب, الذين يستحسنون صورته, وهو كذلك بالفعل سواء أكان السلطان الغالب هو "بونابرت" جالسا في صحن الأزهر,وعلى رأسه عمامة السلام, أو كان "بوش الابن" أو غيره جالسا في البيت الأبيض,وعلى رأسه قبعة الإمبريالية الجديدة, لكن المفارقة الباقية في وظيفة هذا النسل القديم من" فقهاء الوقت" أنهم أنفسهم, الذين مدوا من ظهورهم جسورا بعد ذلك,قبل ظهور الناس, صعد عليها محمد على إلى سدة الحكم منفردا,ولم تفطن الهبة الشعبية المصرية,إلى ذلك إلا بعد أن أخمدها محمد على وأطفأ جذوتها,أما الحكام المماليك فلم يفطنوا إلى ذلك أبدا,لأن سكين الذبح ,قد سبقت فطنتهم و قدرتهم على استخلاص الدرس .

(2)
لماذا يخون المثقف طبقته الاجتماعية؟ لقد حاول (ماركس) أن يجيب على هذا السؤال,ولكن الإجابة التي قدمها قبل أكثر من مائة عام, لم تكن عملية خالصة .
كانت الإجابة تقول: يخون المثقف طبقته الاجتماعية لأنه لا يرى اتجاه التاريخ .ومن الواضح أن الإجابة عن السؤال قد تمخضت عن سؤال آخر هو: ولماذا يرى بعض المثقفين اتجاه التاريخ ولا يراه بعضهم الآخر؟
يكاد الأمر يكون متشابها مع إجابة أخرى قدمها" توينبى"عن سؤال أهم: لماذا تنهار الحضارات؟وكانت إجابة " توينبى" تقول :عندما تجف منابع الإبداع في نخبة المجتمع ,حيث تلد هذه الإجابة سؤالا آخر ولماذا تجف منابع الإبداع في النخبة ؟ أظن أن كلتا الإجابتين ينطبق عليهما ما قالته بطلة إحدى روايات (ريجيس دوبريه) "ليس المهم أن تطرح سؤالا ,المهم أن تجد إجابة".وأظن-أيضا-أننا نطرح أسئلة أكثر مما نقدم إجابات وحين نقدم إجابات فإنها تتمخض عن أسئلة أكثر,وقناعات أقل ..
أذكر أنني استخدمت تعبير " الهرولة الفكرية" مبكراً وبالتحديد في عام1988- في مقال نشر بـ"الأهرام"- عندما تصورته تفسيرا صحيحا للحالة التي بدت تعترى بعض عناصر النخبة المصرية, إذ خيل إلىَ أن أسباب هذه الهرولة إنما ترجع إلى الفزع من القديم,والبحث عن الجديد, وأنها تجيء كموجة مقاومة لحالة من السلفية العامة,كادت تسود كل المدارس الفكرية والأطر السياسية في بلادنا, في الوقت التي أصبحت فيه و متحدّاة أكثر بمتغيرات دولية عاصفة من حولها .
وفى أعقاب مؤتمر مدريد وحين قابلت مثقفا مصريا لامعا,عائدا لتوه من المشاركة فيه ، بادرني بالإجابة قبل أن أشرع في السؤال قائلا:"أسمع ...لقد تغير العالم",بعدها لم أجد أن تفسيري السابق لمسألة الهرولة الفكرية يحيط بما يحدث للنخبة في الواقع, فلم يكن الأمر-كما ظننت- نزوعا صحيحا إلى التجديد,وإنما كان فزعا عميقا من التهميش,تهميش الأدوار قبل الأفكار بل لم تكن الهرولة إلا مظهرا لعملية تجرى بعمق واتساع, تستهدف إعادة الاصطفاف فكريا واجتماعيا, وإعادة بناء الصور والمفاهيم من الأساس وعند الجذور.
وفى حمأة البحث عن نقطة توازن,ظهرت تبشيرية جديدة,أخذت في حقن المجتمع برهانات خاسرة,على أنها اليقين, رهانا مبكرا على "البروسترويكا" التي ستعيد بناء الفكر الاشتراكي, وتطعمه بقيم إنسانية جديدة , تعينه على تجديد نفسه وأنظمته, ثم سقطت"البروسترويكا"وسقط معها ثلث أنظمة الدنيا"وانهزمت الاشتراكية ,وضاع الرهان .
ثم قدمت رهانا على النظام الدولي الجديد,الذي سيرسل عربات إطفاء إلى كل مواطن الحرائق في العالم, ليفرض السلم والاستقرار,ثم انقشع الدخان عن النظام الدولي الجديد ولم نر عربات إطفاء,أو خراطيم مياه, بل كادت الحرائق تمسك بتلابيب ثيابنا وضاع الرهان.
ثم تحول الرهان إلى المشروع الصهيوني, الذي تغير جوهرا, وتحلل منطقا,بعد أن أصبح مقيدا في الزمان والمكان,بالجغرافيا السياسية,وبتوازنات المصالح,ثم انقشع الدخان,وبدأ المشروع الصهيوني وهو يعيد تجديد نفسه بشكل فريد,وفى هذه المرة-أيضا-ضاع الرهان.
وفى أعقاب كل رهان خاسر, لم يصدر عن المجتمع سياسيا أو فكريا,أي رد فعل نقدي يحبس هذه التبشيريّة الجديدة في حدود رهاناتها الخاسرة , ويمنعها من إعادة إنتاج أزمتها, في رهان فكرى,خاسر جديد, بل على العكس من ذلك, ظلت تتقدم الصفوف وهى تخلع على ما عداها أوصافا تبدأ بالسلفية وتنتهي بالتحجر والجمود .
وكان الفضاء مفتوحا أمامها للاستقواء على المجتمع كله,وللصعود إلى كبد سمائه, وتوزيع أسلحة الاستسلام الفكري والسياسي عليه.ولماذا؟! أظن أن الإجابة تطول سؤالا آخر هو :لماذا تظل النظريات والأفكار صامدة في وجه الوقائع التي تكذبها؟ لأن النظريات والأفكار لا تستمد تماسكها من الوقائع المؤيدة لها فقط, وإنما تستمده من فشل النظريات والأفكار الأخرى, سواء في إحباطات تجارب ماضية, أو في قلة تجاوب راهن مع ضرورات التجديد, كما أنها تستمده-أيضا-من طبيعة القوة الاجتماعية التي تعبر عنها , وبالتالي من النظام المعنوي الذي يمدها بأسباب البقاء.
لقد قال أحد الكتاب ذات مرة إننا تصرفنا في أوج انتصارنا بروح المهزومين ولكن المشكلة أن هذه الروح لم تبق الإحساس الكاذب بالهزيمة في إطار أنظمة سياسية,ولكنها خرجت بها إلى المجتمع نفسه, وهكذا لم تعد الهزيمة في السياسة أو النظام السياسي ، وإنما في الاقتصاد والنظام الاقتصادي, وفى الثقافة والنظام الثقافي, وفى المجتمع والبناء الاجتماعي , وفى التاريخ والتطور التاريخي, وأصبحنا –أو أصبح بعضنا – ينظر إلى كل ما في أيدينا ، على أنه حصاد هزيمة أو أسباب هزيمة : قيم مهزومة , ومنظومات فكر مهزومة, ورؤى مهزومة وثقافات مهزومة,أيضا .
(3)
هكذا بدا وكأننا نخرج من مرحلة تفسير الأزمة بالآخر إلى تفسير الأزمة بالذات وبينما كانت للمرحلة الأولى أصداء تهويمية على العقل مثل غلبة فكر المؤامرة الخارجية ، كانت للأخرى نتائج مأساويه في الواقع, فقد انتقلنا من شعار " الآخرون هم الشر" على حد تعبير "سارتر" – إلى " نحن البشر" ،لأن ثقافتنا معاقة وتراثنا قاصر وقيمنا مانعة.
وإذا كان الموروث يلعب دور النخاع الشوكي الذي يقوم بإنتاج الدم في جسم الإنسان فقد رأى البعض أن العلاج يستوجب تغيير النخاع الشوكي للوطن,لأن علّة الوهن الكامنة فيه, ساعد على مضاعفة تأثير ذلك عدة عوامل : :
أولاً: إن النخب الفكرية والثقافية العامة في بلادنا ظلت متمسكة بان تتنفس داخل نمط"الحقل المغلق" وهو حقل مغلق من عدة جوانب مغلق على جانب بحكم العزلة عن الجماهير.. ومغلق على جانب ثانٍ معنى احتكار التفكير, ومغلق على جانب أخير, بمعنى احتكار جيل.
وفى إطار الحقل المغلق يجيء الجديد صورة من قديمه، لأن الأفكار تتناسل أيضا ولكنها تتوالد في هذه الحالة وفق سلسلة كسلسلة زواج الأقارب,حيث تتحكم قوانين الوراثة والعزل الطبيعي في تنحية أفضل الصفات, وبقاء أسوأ المواريث, فينشأ التشوّه,وتولد الإعاقة وتتأكد السلفية .
لقد بدت مظاهر تأثير مثل هذا الحقل المغلق في الفكر العربي الإسلامي منذ القرن الرابع الهجري ، وانتهت به بعد قليل إلى استبدال العقل بالنقل ، والتفكير بالتقليد ، والشروح بالمتون ، ولم تكن بعض هذه الظواهر بعيدة عن الفكر الغربي ذاته ، فعندما أخرج"نيوتن"نظريته في الحركة, حولها الحقل الأكاديمي المغلق إلى إنجيل ، وأسبغ عليها هالة من القداسة ولم يكن الذين تجرأوا على الإطاحة بها-من"فراداى" إلى"فرانكلين" سوى تلاميذ هواه من تلاميذ الشوارع .
ثانيا: إن حالة الوهن, قد تغذّت على إحساس عميق باهتزاز الشرعية,وهو إحساس طال كل القوى والمدارس السياسية والاجتماعية دون استثناء فالمثقف الماركسي,الذي سقط مشروعه تحت انهيارات الاتحاد السوفيتي , يواجهه أزمة تطول الفكر والعقيدة حتى الجذور, والمثقف القومي الذي تآكل مشروعه ثم تعرضت بقاياه للتفكك بعد حرب الخليج يواجه أزمة طالت الهوية قبل الوظيفة والدور ، والمثقف الليبرالي القديم يواجه هو الآخر ,أزمة شرعية,حيث يبدو مشروعه محشورا في التاريخ ,ومحاصرا في الحاضر, فهو يتحدث عن مجتمع مدني لا وجود له,وعن رأسماليه رشيدة لم تعد قائمة في الواقع, وعن ليبرالية على الصعيد الدولي تبدو على النقيض من نزوعه ،ملوثة بالاستبداد والإكراه .
ومع اتساع اهتزاز الشرعية ازدادت مظاهر انقطاع بين الخطابات السياسية والفكرية وبين الحقائق المادية في الواقع حتى كاد الانقطاع يصل أي قطيعة , ومع ذلك لم تتوقف الخطابات السياسية عن تقديم نفسها باسم الأغلبية فتارة باسم الأغلبية الاجتماعية التي لم تعد موصولة بجمهورها ، وتارة باسم الأغلبية السياسية التي لم تعد موصولة بقواعدها ,وتارة باسم الأغلبية التاريخية التي لم تعد موصولة بتاريخها .
وهكذا مهدت الأرض لظهور مشروع اللا مشروع , وبدت مشروعية الذوبان والتكيّف هو الأكثر حضورا وتأثيرا بل تأثيما لغيرها من المشروعات أيضا.
ثالثا:ضاعف من تأثير الوهن,تلك الزلزلة الاجتماعية التي كنت تجرى على قدم وساق ، فقد تم ذلك كله في ظل حراك اجتماعي عنيف ومزدوج ، فعلى امتداد القرنين الأخيرين غلب على الحراك الاجتماعي التوجه من أسفل إلى أعلى ، فقد ولدت في البداية شرائح الطبقة العليا ثم ولدت شرائح الطبقة المتوسطة ونمت وانتعشت ولكن الحراك الاجتماعي هذه المرة أخذ اتجاهين متناقضين :
حراك من أسفل إلى أعلى كون طبقة جديدة مشبعة بالسيطرة,على رأس المال يقدر حجمها بنحو 6% إلى 8% من المجتمع تستحوذ على أكثر من نصف رأس المال الاجتماعي ، وهى طبقة في الوقت نفسه اختلفت أصولها عن تلك الطبقة العليا القديمة التي أخذت في التكون منذ بواكير القرن التاسع عشر , وتبلورت ونشأت من أحسن الفئات الاجتماعية حالا في المجتمع المصري.
وحراك اجتماعي آخر أشد عنفا ,يهبط بشرائح اجتماعية كاملة من أعلى إلى أسفل , وكما احتكرت الطبقة المتوسطة المصرية في ظل صعودها لنفسها أكبر الأرباح والمغانم لحقت بها في ظل هبوطها أكثر الخسائر والضربات. إن هناك مؤشرات على سقوط ثلثي شرائح هذه الطبقة إلى أوضاع اجتماعية اقرب إلى أوضاع الفلاحين والعمال, وهو ما يعزز القناعة بأن 80%من إجمالي المجتمع قد طالته أكثر مظاهر الأزمة الاقتصادية,ومضاعفتها المختلفة بكل انعكاسات ذلك على الإنتاج الاجتماعي,ومنظومات القيم قبل المشاركة السياسية, وهكذا على حصاد الأزمات المتداخلة ,من أزمة الفكر إلى أزمة الشرعية, إلى أزمة الطبقة الوسطى والطبقات الدنيا ,انتعش الوهن واكتسبت صيغ التكيف, نزعة استسلامية واضحة .

(4)
لقد ظل خطاب "فقهاء الوقت" المحدثين يحاول أن يحقن الرأي العام المصري بعدة قناعات ,معتبرا إياها قدرا لا فكاك منه, أو نوعا من الحتمية التاريخية الجديدة :
الإيهام بان عددا من الظواهر السياسية والاقتصادية ذات الأبعاد الدولية هي ظواهر طبيعية ، بمعنى أن لها صفة القانون الطبيعي, مثل تعاقب الليل والنهار, الأمر الذي يخضع الجميع لشروطها,ويفرض عليها بأن يقبلوا بهذا الخضوع,وأن يكيفوا أوضاعهم وأوطانهم معها .
الإيهام بأن هناك صفقة تاريخية متكاملة للحاق بالعصر والاندماج فيه, فلا حرية سياسية دون حرية السوق, لأن الأخيرة هي أساس الحرية,وكل الحريات نابعة منها,ولا حرية سوق دون تغييب كافة المرجعيات الوطنية والقومية,من الخصوصية الثقافية إلى الذاكرة التاريخية,لأن هذه المرجعيات هي العلة الذاتية للتخلف .
إن العولمة تعنى أن هناك نمطا عالميا واحدا,اقتصاديا وثقافيا وسياسيا , هو القابل للتقليد أو المحاكاة, إنه الليبرالية التي هي نهاية التاريخ, فالمصالح الدولية فوق المصالح الوطنية,ومصالح الأعلى فوق مصالح الأدنى,ومصالح المركز فوق مصالح المحيط,ومصالح التجارة الدولية فوق مصالح التنمية الوطنية,ومصالح رأس المال فوق مصالح المجتمع ,ومصالح السوق فوق مصالح الدولة.
لقد انتهت ,أو أنهيت مرحلة صياغة التوفيقات السياسية والفكرية, التي أصبغت الفكر المصري الحديث في أوج توهجه الليبرالي, فلا حلول توفيقية بين الموروث والوافد,أو بين الخصوصية الذاتية وقيم الحضارة الغربية,ولا بين الدولة القومية والطبقات الاجتماعية , ولا بين الطموح الوطني والنظام الدولي,ولا بين الحرية السياسة والحرية الاجتماعية ,لان الحرية للسوق وحده, فهي الأصل وكل شيء سواها تابع لها, ولهذا لابد وأن تذبح كل الأبقار المقدسة,من التراث إلى الدولة,ومن النظام العام إلى منظومة القيم, ليتم الإبقاء على بقرة مقدسة واحدة,وهى السوق باعتبارها وحدها تتمتع بقداسة العولمة, والتي رغم رفضها للقولبة,ليست إلا قالبا كبيرا على مقاس رأس العالم, أو رأس المال, ورغم نعيها للأيديولوجيات,فإنها أيديولوجية يتيمة يجب أن تنفرد وتسود, ورغم إعلانها سقوط الحتميات , إلا أنها حتمية الحتمية,لأنها نهاية التاريخ.
ولهذا فإن الحل هو اللا حل أو اللا حلول, أي هجران الذات، هو الهجرة إلى أعلى لاستحالة الهجرة إلى الأمام, أي الهجرة إلى العمومية الفضفاضة,وهكذا- كما يقول "ميشيل فوكو" فإن مبدأ القتل من اجل العيش الذي كان يدعم تكتيك المعارك القبلية القديمة, غدا مبدأ استراتيجيا بين الدول, أي قتل الآخر بمعنى الهوية,وقتل الآخر بمعنى الخصوصية الذاتية,لأن البقاء يعنى التكيف,ولأن التكيف يعنى العيش في اللحظة الكونية الراهنة, أي انه يعنى نفى الذات,ونفى الخصوصية,ونفى الطبقات الاجتماعية المنتجة,بل نفى الدولة,وقبل ذلك كله,نفى الذاكرة التاريخية, للشعب والأمة.
الإلحاح على تحويل الدولة إلى بنيه مكروهة في ذاتها,وبمقدورنا أن نلاحظ المسافة بين مقدمات الاقتراب من صياغة هذه القناعة, ومحطة الوصول إليها, فقد بدا الحديث بإيحاءات ايجابية مثل تخفيف الأعباء عن الدولة, ومساعدتها لكي تتفرغ لمهامها السياسية, وإكبار الدولة على أن تقوم بدور بائع وجبات الفول والطعمية,قبل أن توصف تحت قبة البرلمان من ممثل الحكومة,بأنها"تاجر فاشل وصانع غير ماهر" فهي لا تحسن التجارة, ولا تتقن الصناعة ,ومجبولة على تحقيق الخسائر,ومع إحاطة الدولة وكل ما هو عام,بهالات العجز والفشل والخذلان, وإسباغ آيات النجاح والتفوق على كل ما هو خاص,تتحول نتائج الاستقطاب الاجتماعي, بما تحمله من مظاهر الفاقة والهبوط, ونقص القدرة على إشباع الحاجات الأساسية,إلى وقود لإنتاج مزيد من الكراهية للدولة, ومن تآكل نظامها المعنوي, فيصبح القطاع العام هو سبب المشكلات ومصدر الأزمات,وتعلق النموات الرأسمالية غير الرشيدة, كل ملابس أزماتها وقصورها وأخطائها ,على مشجب الدولة ذاتها,بينما تساعد البيروقراطية التي تبرز كمظهر احتجاجي لتداعيات أوضاع الطبقة الوسطى,على زيادة عوامل تفشى هذه الكراهية, وهو ما يعنى في النهاية مزيدا من الضغوط الداخلية,لكي تتنازل الدولة عن مزيد من صلاحيتها واختصاصاتها لتحل السوق محلها بانتظام وهو ما يعنى مزيدا من تدهور أوضاع الطبقة الوسطى,واستعار أزمتها وزيادة حرمانها لتتحول إلى طبقة معوقة بالمعنى النفسي والروحي,قبل المادي والبدني, ثم تتحول من طبقة معوقة إلى طبقه معيقة, ففي وطن لا يملك إلا منجما واحدا,هو ثروته البشرية,تقع الثروة تحت تهديد مباشر,بحكم ما ستواجهه عملية التنمية البشرية من اعتلالات وتشوهات ، وبحكم انعكاس نتائج ذلك على ما قد يبدو مجتمعا مدينا بازغا بما في ذلك الأحزاب السياسية نفسها,التي تأخذ في التمحور حول أدوار اقرب إلى أدوار جماعات المصالح منها إلى تعبير عن قوى اجتماعية تسعى إلى تعبئتها وتحقيق مصالحها .
ومع شيوع نمط جماعات المصالح يتم تخفيض مستوى التناقض مع الخارج وتنخفض حساسية الارتباط به ويصبح حطب مفهوم الوطنية نفسه ليس بعيد عن مصادر النيران.

(5)
لقد كانت كل مفردات خطاب (فقهاء الوقت) قابلة للدحض منذ الوهلة الأولى ولكن الأصوات الناقدة لها, عانت من تضييق عليها,وصل حد الحصار.
كان الانفصام هو الأوضح لمظاهر هذا الخطاب, وإلا كيف تقوم دعوة على التعامل بمنهج نقدي مع التراث- وهى دعوة صحيحة دون شك- وان تكون هذه الدعوة مشفوعة بسلوك عملي لإسقاط هذا المنهج النقدي في التعامل مع الوافد, لكن هذا الانفصام لم يعكس شكلا من التحيز فحسب ولكنه وشى بمنهج انتقائي كامل,كان يسعى إلى خلق تلازم وهمي بين حرية السوق والديموقراطية والمجتمع المدني,وكأن حرية السوق هي التي أنتجت الديموقراطية وأقامت المجتمع المدني, ويتحتم عليها أن تؤدى نفس الوظيفة دوما وتحقيق نفس النتائج,بالرغم من أن الديموقراطية والمجتمع المدني تمت ولادتهما في مجرى الصراع الاجتماعي ، والنضال السياسي ضد حرية السوق وضد الرأسمالية ، فلم تقم النقابات المهنية والعمالية أصلا,إلا لتحسين شروط العمل الرأسمالية ولم تكن في كل الأحوال منحة لحرية السوق وإنما كانت وليدة قوة ضغط اجتماعية ضدها,حتى ليصدق القول "بأن الرأسمالية مدينه في تطورها للمعارضين لها. فالقول –إذن- بأن حرية السوق هو ضمانة الديموقراطية,وأنها في الوقت نفسه ضمانة نجاح التطور الاقتصادي والاجتماعي وسبيل اللحاق بالعصر, والاندماج في العالم, ينطوي على تناقضات عميقة, بين عناصر متنافرة ,تم دمجه على هذا النحو باستخدام هذا المنهج الانتقائي.

أن المفكرين الغربيين الذين قدموا عشرات الكتب والنظريات في تفسير التخلف الصيني, قد قدموا نفس العوامل السابقة التي رأوها كمسببات للتخلف الصيني,على أنها سر النجاح هذه المرة عندما أرادوا أن يفتشوا عن أسباب خاصة لهذا التفوق.
فجوهر التخلف,أو جوهر التباين بين الصين والغرب يعود إلى ما أطلق علية"وليم دى بارى" كثرة العناصر المتعلقة بالغياب التاريخي لأسلوب الفردية في الصين, واللغة الصينية عند "توبى هاف" لغة فظة عاجزة عن توصيل الأفكار وتقبل الجديد, والفلسفة الصينية تميل إلى الاحتفاظ بالماضي, وليست قائمة على الإيمان بالعقل, والملكية الخاصة,ليست ذات محتوى تاريخي, فهي حالة خاصة قابلة للطعن,لأنها أنانيه فرديه ,ومستقبل العلوم الطبيعية مهدد لأن الصينيين فقراء في التعبير عن المجردات,أما التقاليد الصينية فقد اقترنت بالتحقير العنيف للأفكار الأجنبية,كما أن لغياب الفصل بين الدين والدولة صدى عميقا في عمق المركزية الصينية,ورغم هذا التشريح الانتقائي بدوره فقد أصبح الغياب التاريخي للفردية في الصين, وعمق المركزية,هما أكثر الأسباب التي يفسر بها الفكر الغربي التفوق الاقتصادي للتجربة الصينية, واللافت للنظر في هذا التفسير,أن نقائض مقومات الليبرالية في الفكر الغربي نفسه,قد فرضت نفسها على هذا الفكر, وهو يبحث عن مزايا لتفسير خصوصية الحالة الصينية,وهو ما يعنى التسليم بأن التقدم يمكن أن يقوم في ظل نزعة فردية عامة, ويمكن أن يتحقق في وجود دولة مركزيه قوية لا تسمح بمجتمع مدني قوى,ولا بتعددية سياسية ذات تأثير.
إن هذه العولمة باسم الليبرالية الجديدة ليست نفسها غير شموليه معكوسة,فالشمولية تعنى في تعريفها الدارج :قيام سلطة مركزية قوية على مستوى الدولة القومية,تقوم بتعبئة موارد المجتمع في إطار تصورها السياسي والاجتماعي ,ونحن بصدد ضرب هذه الشمولية على مستوى الدولة القومية، أي ضرب الدولة,لا من أجل الحرية,أو الإبداع الفردي, أو الكرامة,أو الليبرالية السياسية,ولكن من اجل ليبرالية السوق العالمي, أي من أجل بناء سلطة شمولية فوق قومية, وهى بالضرورة سلطة مركزية,ترتكز على الاستحواذ على رأس المال الدولي, لكي تديره لصالح أقلية دولية .
أنها-إذن- شموليه مقلوبة وتريد أن تذيب الحدود وطنيا واقتصاديا وثقافيا, لتضع حدود سلطتها هي باسم العولمة.
يمكن أن يضاف إلى ذلك ,حقيقة إننا لا نشهد رواجا ليبراليا,أو رواجا لليبراليه, وإنما نشهد ترويجا للمذهب الفردي,فهو التعبير الأكثر دقة عن الوجبة الجاهزة,التي يتم الإعلان عنها,والدعاية لها , ولهذا فان تحويل هذا النزوع الفردي إلى دعوة عامة,تنتهي إلى إشاعة مناخ عام تتحول بموجبه مشروعية الخيار الفردي, إلى مشروعية خيار الفرد,أي تحويل الفرد,ذاته إلى مشروع مستقل,ذي ذاكرة مستقلة أو بدونها,ولكنه ذو مصالح مستقلة بالأساس وبموجب هذه المشروعية,يعاد تصنيف الحريات الشخصية,ليندمج فيها ما كان شاذا أو محرما, كالدعارة,أو الشذوذ,أو تجارة الأعضاء,أو الدفاع عن مصالح الأجنبي.

(6)
لقد كان المتصور بعد أن انكشفت أعماق هذه الليبرالية الشمولية وبدت نزعتها العدوانية المتوحشة على المستوى الدولي, وبدا معها-أيضا-عقم نتائجها في الحقل الوطني, أن يخف وزن نخبتها في المجتمع,ولكن المفارقة أن ما يحدث الآن,يكاد يكون نقيض ذلك تماما,فما يتم على الصعيد العملي سياسيا وإعلانيا ومجتمعيا,هو المزيد من التمكين لعناصرها,ودعاتها في المجتمع,وما يتم على الصعيد العملي هو طرد خصومها ,وبدائلها الفكرية,من مفاصل العمل السياسي والإعلامي.
وتستطيع أن تراجع ذلك بنفسك من الأسماء الوافدة في أطر سياسية مستحدثة,كما تستطيع أن تحصره في الوجوه التي يجرى تعميمها باطراد على وسائل الإعلام ، و هذا في تقديري هو مصدر الخطر الحقيقي, وهو القضية الأولى بالمواجهة الآن .
إن نذر الخطر تكاد تصل إلى مشروع "انقلاب مدني" في مصر, تدفع إليه, وتندفع فيه,نخبه جديدة، منفصلة عن منظومة القوة في الدولة ومنفصلة عن تاريخ المجتمع وتراثه وواقعة وأغلب طبقاته الاجتماعية ممثلة لهامش اقتصادي واجتماعي ضيق فوق أعلى السلم الاجتماعي ومتجاوبة مع مصالح القوى المسيطرة دوليا .
إن الطبقة الراهنة من فقهاء الوقت تعيد إنتاج أزمتها في شكل رهان جديد على الانحناء الكامل أمام الأقوى, وهى لن تدفع ثمن هذا الرهان ,ولكن مصر ستدفعه,عبئا ثقيلا من عافيتها وسلامتها وأمنها القومي.
القاهرة : 2002


 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :