إنّه جـيشُـنا ..!     

إنّه جـيشُـنا ..!
بقلم : أحمد عز الدين
Email: ezz@ahmedezzeldin.com

نعم إنه جيشنا ، هذا البنيان الوطني الراسخ الصلب ، لا يملكه أحد سوانا ، نحن المصريين ، هذا الذي يتربص به النازيون الجدد ، وينشرون أسلحة الإكراه في الفضاء الإقليمي بل و الوطني ، عبر وسائل إعلامهم اللقيطة ، في وجه عزته وكرامته ومجده ، هذا الذي يحرضَون شُذّاذ الآفاق على النيل منه لتحطيم معنوياته وكسر إرادته ، وهم يحشون أفواههم بشعارات مستوردة ضد وظيفته ودوره .

هذا جيشنا ، جيش الدولة التاريخية المصرية ، أقدم جيش ، لأقدم شعب ، لأول أمة ، وأول امبراطورية في التاريخ ، بل إننا إذا احتسبنا تاريخ الولادة وطبيعة النشأة ، لقلنا أنها دولة الجيش ، قبل أن يكون جيش الدولة ، فقد ولدت الدولة من ضلعه ، قبل أن تتنفس هواء التاريخ ، وكأنها " منيرڤا " في الميثولوجيا القديمة .

وكما هو جيشنا بحكم وشائج الدم والأرض ، ونبض الحضارة والتاريخ ومعارك التحرير والفداء ، فهو جيشنا بحكم أنه ليس أقل ولا أكثر من كونه صورة طبيعية لنا نحن المصريين في مرآة الزمن ، كما هي في مرآة الواقع ، صورة واقعية لأمة ممثلة في جسده الحي ، دون صناديق انتخاب ، حية فيها بخلاياها جميعها ، موقّعة فوق خرائط الوطن دون تقسيم ، وفوق خرائط الطبقات دون احتكار ، وفوق خرائط الثقافة والمعرفة دون تمييز ، منتخبة دون تزوير ، بديمقراطية العدل في ضريبة الدم والدفاع عن الوجود والحياة .

إنه لذلك ، الصورة الواقعية الحقيقية لوحدة الشعب ، ووحدة الأمة ، بل قل الصورة الوحيدة الباقية ، رغم كل عوامل التعرية والإذابة ، التي تجسد هذا الشعب العظيم ، موحدا ، وفاعلا ، ومسلحا بطاقة لا تنفذ ، وإرادة لا تلين .

ماذا أريد أن أقول ؟

أولا : إن الروح المعنوية هي الخبز الحقيقي الذي تقتات به الجيوش ، فهي مصدر الطاقة ومكمن القوة ، ووقود الثبات والصمود والانتصار ، ولم يبالغ " كلاوزفيتز " أستاذ علم الحرب في المدرسة البروسية ، حينما قال : " إن القوة المادية هي قبضة السيف الخشبي ، أما القوة المعنوية فهي حد السيف البتار " فالقوة المعنوية أو الروح المعنوية عنده - وهي كذلك - هي وقود الإرادة التي تنتصب كالمسلة في ميدان فسيح ، تتشعب إليه ومنه كل الطرق الرئيسية في المدينة ، ولم يكن إبداع نصب المسلة في تاريخنا القديم ، ببعيد عن ذلك المعنى العميق لشموخ الإرادة وانتصابها في قلب الميدان ، نحو قلب السماء ، تعبيرا عن القوة المعنوية ، التي هي مصدر الإرادة والصمود والبقاء .
إن أعداءنا يدركون ذلك جيدا ، ولذلك فإن الضلع الأول الذي تعددت صور استخدامه لإزاحة الجيش إلى قلب هذا المثلث ، واحتجازه في داخله ،ظل موصولا بهذا العامل الأساسي ، وهو إحداث حالة من شأنها تجريف الروح المعنوية للجيش ، تارة بذمّه والتحريض عليه ، وتارة بمحاولة تشويه دوره وتاريخه ورموزه ، وفي المحصلة النهائية ، تحويله إلى بنية مكروهة في حد ذاتها ، ولو لم تكن في تربة الجيش المصري ينابيع وطنية تاريخية ، تروي روحه المعنوية ، وانتماءه الوطني ، رغم كل الحن والاتهامات والتشكيك ، لأدركه العطش القاتل منذ وقت طويل .

ثانيا : إن التاريخ الوطني ، وفي إطاره التاريخ العسكري ، ليس سلسلة منفصلة من الأحداث والوقائع والحلقات ، ولكنه تيار بلا فواصل ، ونهر بلا قواطع ، وأرض مفتوحة بلا فجوات ، وهذا الإدراك هو أحد معاني الوعي التاريخي ، كما أنه أحد تجلّيات الذاكرة العسكرية ، وهو في الوقت نفسه أهم محددات الثقافة الاستراتيجية على المستوى الوطني ، لكن واحدا من هذه المحددات ينبثق من ذلك الجسر العميق ، الذي يصل بين الروح المعنوية للجيش ، وبين وحدة الجبهة الداخلية .

ولذلك فإن كافة محاولات دفع الداخل الوطني إلى حالة من الانقسام والشرذمة ، وإشاعة صور من الصدام والاحتراب والاضطراب ، إنما تستهدف في المحطة النهائية التأثير في على أوضاع الجيش ذاته ، وسط تهديدات وتحديات ومطامع أجنبية بارزة ، تتحين الفرصة للوثوب بالقوة ، لقضم الأطراف ، وابتلاع الثغور .

ثالثا : إنها المرة الأولى في التاريخ الوطني الذي يتعرض فيها الوطن لمواجهة مخاطر مستجدة ، وتهديدات بازغة ، في سياق تخطيط استراتيجي معاد ومكتمل ، يطول كافة المحاور الاستراتيجية الرئيسية لبوابات مصر الثلاث ، في توقيت متزامن ، سواء أكانت سيناء البوابة الأمامية لمصر ، والتي تشكل مدخلها الشرقي المفعم بالأخطار ، أو كانت البوابة الجانبية في الشمال الغربي عبر الحدود بين مصر وليبيا ، أو البوابة الجنوبية عبر الحدود المصرية السودانية ، وجميع هذه التهديدات هي تهديدات مخططة ومتنامية ومتسارعة ، وهي تشكل أبعادا في استراتيجية واحدة ، هدفها تطويق مصر ، والإمساك بأطرافها وبناء رؤوس جسور مضادة ، وشحنها وتجهيزها لإحداث ضغوط مضاعفة على الكيان الوطني وقواته المسلحة ، متزامنا مع دفع القلب إلى مزيد من الاحتقان والانقسام والاحتراب ، لخلق حالة تؤهل رؤوس الجسور ، للتحرك اتساعا وعمقا فوق المسارح الثلاث ، لتقليم واقتطاع أركان مصر وزواياها القائمة ، سواء الركن الشمالي الشرقي في سيناء ، ( على الأقل خط رفح - إيلات - شرم الشيخ ) ، وفي الركن الشمالي الغربي ( السلوم - مطروح ) وفي الركن الجنوبي الشرقي ( علبه - حلايب ) مع العلم بأنه لا يمكن فصل مناطق البحر الحمر ومنابع النيل ، وأفريقيا جنوب الصحراء ، وجنوب البحر الأبيض ، والتعامل مع كل منها على أنها كتلة استراتيجية مستقلة ، فهناك ترابط ، سواء على المستوى الاستراتيجي ، أو على مستوى الجغرافيا السياسية ، بين هذه الكتل ، التي تكاد أن تشكل جوانب في إقليم استراتيجي واحد .
الخلود للشهداء
المجد للجيش المصري العظيم


 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :