مصر تسترد مصر ....     

مصر تسترد مصر ....

بقلم : أحمد عز الدين

Email : ezzeldin@ahmedezzeldin.net

(1)

المجد للشهداء

المجد لدفقة قلب مصر الشابة ، التي أبتنت من لحمها الحي متراس صمود تكسرت فوقه النصال على النصال .

المجد لأولئك الذين لم يمتشقوا سلاحا ، غير أذرعهم العارية ، وصدورهم المفتوحة ، وقلوبهم الدافئة ، وإرادتهم المصقولة ، وإيمانهم الصادق ، ووطنيتهم الحية ، وهم يصدون أسراب الغربان السوداء ، التي أستأجرها لصوص المال العام ، ليغطوا جرائم النهب والسرقة ، تحت سحائب دخان الحرائق التي أشعلوها ، وبرك الدم التي ملؤها .

المجد للشهداء الذين سقطوا كأنهم ثمار الشجرة الوطنية الباسقة ، على العتبات الممتدة ، بين جدران الليل ، وفضاء النهار .

المجد لهذا الدم الزكي ، الذي مسح السحب السوداء من سماء مصر ، وزرع في أفقها المفتوح ، قمرا منيرا ، وشمسا ساطعة .

المجد لهذا الدم السخَي ، الذي سيبقى خالدا خلود وطنه ، باقيا بقاء شعبه ، دون أن يستطيع أحد أن يزيل عطره من أنحاء الميدان ، ولا أن يمحو أريجه ، من بين أظافر الحجارة ، فسوف يظل عبقه حالا ، وحاضرا ، وباقيا ، يصاعد في فضاء الوطن كأنه أنفاس ربيعه الخالد .

المجد لأولئك الذين خضروا الأرصفة السوداء بدم ، سيورق في شقوق الأسفلت ، ويزهر في قلب الحجارة ، ويطرح ورودا ندية ، تستعصي على الذبول والموت .


(2)

المجد لشعب مصر العظيم

المجد لهذا الشعب الذي روض التاريخ ، وفرض إرادته عليه ، كما روض النهر الجموح ، وامتطاه كجواد طيع .

هذا الشعب الذي أضاء مصابيح الحضارة الإنسانية ، قبل سبعة آلاف عام ، عندما كانت البشرية كلها ، ما تزال تتهجى حروفها الأولى ، في الغابات الموحشة ، وكهوف الجليد المعتمة
هذا الشعب الذي وضع ميزانا للعدل في الأرض ، قبل أن يتنزل مع رسالات الأنبياء من السماء

هذا الشعب الذي يمثل الاستثناء والتفرد في التاريخ ، فقد أتم وحدته الوطنية على قاعدة من روحه الوطنية ، المتأججة بالأساس ، وبلور أول أمة وشعب ، بالمعنى القومي الحديث ، منذ ثلاثة آلاف وأربعمائة عام قبل الميلاد ، وهو ما لم تعرفه أوروبا ، إلا في القرن الثامن عشر .

هذا جبل الصبر الذي لا حدود له ، وبحر الحكمة الذي لا شطآن له ، وزلزال الثورة ، التي تأتي في موعدها ، وحسب قانونها ، ووفق حساباتها ، لتكون عفويتها أوضح معالم عمقها وصدقها وشمولها وجذورها البعيدة الغور

هذا هو الشعب الذي رجموه باتهامات باطلة ، خانعا ومستسلما وخاضعا ، وقليل الحيلة ، وها هو يرجم من رجموه ، ويحاصر من حاصروه ، ويبرهن للجميع ، أنه سيد نفسه ، وسيد إقليمه ، وصاحب القرار الأخير ، في المصير القومي قبل الوطني

قلنا لهم أن هذا الشعب لا يسكت خنوعا ، ولا يصمت خضوعا ، ولكن كبرياءه الوطني هو الذي يدفعه لأن يداوي جراحه في الظلام ، ويواري شكايته بين ضلوعه ، لكنهم واصلوا دهس كبريائه ، بحوافر الاستكبار والظلم وضيق الأفق

قلنا لهم أن قوس الصبر في الناس ، بات مشدودا على اتساعه ، وأن سهام غضبه توشك أن تنطلق ، لكنهم استمرأوا النوم على وسائد الوهم ، وبلهنية القوة ، متصورين أنهم يحكمون في الفراغ شعبا لا وجود له ، ولا نبض فيه ، ولا طاقة عزم في عروقه .

وعندما غادر سهم الغضب ، قوسه المشدود ، لم يكن من الممكن أن يعود إلى نقطته الأولى ، فقد وضع حدا فاصلا ، كأنه حد السيف ، بين تاريخين ، وحدا فاصلا ، كأنه حد السيف ، بين مرحلتين ، وحدا فاصلا ، كأنه حد السيف ، بين مصرين ، وشرقين أوسطين ، وعالمين مختلفين ، فقد أصبح للصمت صوت ، وللغضب لغة ، وللفراغ لون ، وأعتلى نهر الناس الجارف ، سطوح المدن ، وجسور البلاد ، مثلما يملأ فيضان النيل كل الترع اليابسة ، ويعتلي قوائم الجسور

إنها النبوءة بعينها كما كررناها عدة مرات :

" ينزل الفساد من أعلى ، ويهبط على سلالم المجتمع ، ويخنق الناس بيدين قوتين في الشوارع ، ليصعد العنف من أسفل ، على السلالم ذاتها ، فيحتدم الصدام ، ومن ثم الانفجار ، لأن هذه السلطات التي تضع مصائر أوطانها فوق عجلات أجنبية ، وتدفعها فوق قضبان التكيف مع شروط الأقوى ، ومنظماته ومؤسساته الدولية ، متنكٌرة لخصوصيتها الوطنية ، وحاجات القواعد المنتجة العريضة في مجتمعاتها ، هي التي تؤدى بنفسها دور المفجٌر الموقوت في قنبلة هائلة على مقاس المجتمع ، لأنها لا تدرك وربما لا ترغب في أن تدرك ، أنه عندما ما تتوقف الكعكة عن النمو ، وتنشط فيها عوامل تآكل الدولة ، وتآكل رأس المال الإجتماعى ، جنبا إلى جنب مع مضاعفات الكساد والاحتكار والبطالة ، واستحواذ الأقلية على الجانب الأكبر من الثروة الوطنية ، فإن الحراك الاجتماعي الذي يتوجه بقوة من أعلى إلى أسفل ، ليعيد بناء طبقات المجتمع وتنظيم عوائدها ، على مقاس مصالح هذه الأقليات وحلقاتها وحلفائها فى الخارج ، يدفع بنفسه حراكاً سياسياً جديداً ، يتوجه بقوة مضاعفة من أسفل إلى أعلى ، متسلحٌاً بطاقة عنف شديدة ، دفاعاً عما تبقى من لقمة العيش ، وضرورات الحياة .

(3)

المجد للجيش المصري العظيم

المجد له ، لأنه كان في مكانه وزمانه ، ممثلا حقيقيا للمكان والزمان المصريين ، عبر تاريخه الوطني الراسخ

لقد حاولوا أن يطفأوا ، جذوة الذاكرة العسكرية المصرية ، رغم أنها تحتل موقع القلب من الذاكرة الوطنية ، التي حاولوا أن يهيلوا عليها بدورها تراب النسيان ، لكنها أنبعثت من وجدان الشعب ، كأنها نصل سيف لامع ، في أوج لحظة الفيضان الكبير ، وهو يهتف لوحدة الشعب والجيش

كان تعبير " العسكر " هو الذي صكته نخبة الاستحواذ والاحتكار ، واستخدمته ووزعته على الناس ، باعتباره خبز الليبرالية والفكر الجديد ، رغم انها ليبرالية ملوثة في الاقتصاد ، ومستبدة في السياسة ، وكانت أيديولوجية التفكيك ، التي قام عليها دعاة نخبة التكيف ، وأبواق الفكر الجديد ، هي التي تضخ في المجتمع كله ، أمواجا متتالية ، من كراهية مبدئية ، للدولة والجيش ، والقوة المسلحة ، باعتبار أن الدولة صارت من مخلفات عصر بائد ، وأن القوة المسلحة ، قد تدنت منفعتها في العصر الليبرالي البازغ ، وأن بديلها الوحيد هو القوة الناعمة

لكن القسمة ، لم تكن عادلة، فاللذين روجوا لتدني منفعة القوة العسكرية ، ولفاعلية القوة الناعمة في الخارج ، هم الذين عبأوا وحشدوا ، كل أسلحة القوة الخشنة المستبدة في الداخل

المجد – إذن – لمدرسة العسكرية المصرية ، التي تحصنت بتاريخها المجيد ، وانحازت إلى عقيدتها القتالية الراسخة ، وأنصتت إلى نبض شعبها ، وهو يتعلق بدورها وموقفها ، في لحظات الفجر الفاصلة ، التي يختلط فيها الخيط الأسود ، بخيوط النهار الجديد

وما كان لها ، أو في مقدورها ، أن تفعل غير ذلك ، تنكرا لمكونات الثقافة العسكرية المصرية ، فهذا أقدم وأطول جيش محارب في التاريخ ، شكل فكره الاستراتيجي ، منذ آلاف السنين ، ووضعه عشرات المرات موضع التطبيق العملي ، وهو لذلك يتمتع بذاكرة عسكرية ووطنية ، بالغة العمق والثراء والخصوصية .. وهو ما أدركه خصومه دائما ، ودفعهم إلى أن يدقوا طبول الحرب ضده ، تاره باسم ثقافة السلام ، وتارة بمحاولة تشويه رموز تاريخه العسكري ، وتاره بالدعوة إلى تقليص تدريس تاريخه الوطني ، بل وتارة بمحاولة إخفاء وجوه محاربيه القدماء ، من ساحات حياته اليومية .
إن الجيش المصري – إذن - لم يؤد دوره الوطني في حماية موجة وطنية صاعدة فرضت بالقوة الشعبية إرادتها ، ولكنه أدرك في لحظات فاصلة ، مفعمة بالمخاطر ، أن الهدف الاستراتيجي لخصوم مصر ، ليس هو استبقاء النظام ، كما تخيل البعض ، ولكن تفكيك الدولة المصرية ذاتها ، وتفريغ طاقة الثورة وإجهاضها ، من خلال مخطط بديل للفوضى .

(4)

هذه لحظة ليست كغيرها من لحظات التاريخ ، لا شئ يشبهها مذاقا ونبضا وعمقا ، لا إحساس البذرة الطيبة في لحظة الإخصاب ، ولا عنفوان النهر الهادر ، في فيضانه ، ولا نشوة الشجرة الجرداء ، عندما يجري في عروقها اليابسة فيض عصارة حية جديدة

هذه لحظة الحقيقة التي تشبه يوم القيامة ، حين يخرج الناس من باطن الأرض ، وينتشرون كالطيور الأليفة ، فوق تخومها الممتدة ، ليعلنوا بصوت جهور ، يطول أطراف الدنيا ، أن هذه هي مصر ، نيل الزمان ونيل المكان ، أم الدنيا، العاصمة الإستراتيجية للإقليم وقلب العالم ، وبندول تحولاته الإستراتيجية الواسع ، في الأمس واليوم والغد

لقد وقف العالم كله على أطراف أصابعه ، جاحظ العينين مذهولا وهو يشاهد ويتابع ، حدثا فريدا ، كأنه فاصل ملتهب ، من سيناريو ولادة عالم جديد ، سوف يخرج بالضرورة من رحم ثورة مصر ، فهذا هو دور مصر في التاريخ القديم والحديث والمعاصر ، فلم تنهزم إمبراطورية نابليون بنتائج معركة ووترلو ، وإنما بنتائج مغامرته في مصر ، وهو ما ينطبق تماما على كل الحملات العسكرية عبر التاريخ ، فوق تخوم الإقليم ، انتهاءا بالظاهرة الاستعمارية ، التي عاشت خمسمائة عام وقبرتها مصر ، وكانت حرب 56 فاصلا لها ، بين الحياة والموت ، لذلك ليس ثمة مبالغة في القول ، أننا أمام مقدمة انقلاب استراتيجي شامل في أوضاع الإقليم والدنيا ، وهو انقلاب مضاد ، لانقلاب آخر ، كان يريد ويسعى ، إلى أن يحتل المنطقة كلها بالحديد والنار .

(5)

لقد كانوا ينفذون وصية بن مروان لواليه في مصر :
" إذا جف اللبن ، فأحلب الدم "
وقد كان دم مصر هو الذي يتم حلبه ، طهورا سائغا ، لهؤلاء الشاربين .

وهكذا – كما قلنا قبل ذلك – لم يكن ثمة بديل عن أن يمضي الزاد السياسي والاجتماعي والفكري الجديد في مصر ، في تعريف نفسه بالقوة الجبرية ، وهكذا مضت الهياكل السياسية بدورها في الاهتزاز والتداعي ، غير قادرة على احتواء حجم الضغوط الهائلة ، التي ولدتها الطاقة الشعبية المتفجرة ، وفقدت كافة أدوات الضبط الاجتماعي قدرتها ، بعد أن سقط النظام المعنوي للسلطة .

لقد تبخر الحزب الوطني ، بملايينه المعلن عنها ، كأنه مكعب من الثلج ، تحت شمس الحقيقة ، ولم يبق من أبواق لجنة السياسات في السياسة والإعلام ، سوى صدى أصوات خائبة ، متراجعة ، تلملم في خجل بقايا كلمات كانت مشرعة كالخناجر ، في صدور المصريين

(6)

إن حرابا أجنبية ملوثة ، ما تزال تراوغ لتطول جسد الثورة ، وواجب حمايتها ، يدخل في صلب حماية الدولة المصرية ، والأمن القومي لمصر ، وفي لحظات فاصلة في التاريخ الوطني ، فهو فرض عين ، على كل الوطنيين المصريين .

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :