توفيق الحكيم     

توفيق الحكيم يحاكم توفيق الحكيم في عودة وعي متأخرة

• الانفتاح؟ قيل: افتح.. ودخل النصابون!
• السادات وضع الناس في السجن بدل أن يحوش بلاوي الانفتاح
• أنا مع القومية العربية..ومصر للمصريين شعار مضى زمنه
• إسرائيل ستختفي في أقل من خمسين عامًا

لا مستقبل للسلام مع إسرائيل .. "ما هو باين أهو"!



أجرى الحوار في القاهرة: أحمد عز الدين

تركت تسجيلات هذا الحوار تغفو على مكتبي ثلاثة أشهر كاملة.
كنت أُخرجها من صمتها أحيانًا، أوقظها من سباتها ، أو أتحاور معها ، أو أهُم بتفريغها للنشر وجعلها حوارًا مكتوبًا، لكنني لا ألبث أن أتحول عن قصدي وأعيدها إلى غفوتها الأولى.

أحيانًا كان يخيّل إليّ أن أشرطة هذه التسجيلات الستة تخرج من أغلفتها وتنبهني غاضبة إلى أنني أُصادر حريتها ، وأمنعها من التنفس ، وأنني اخترت أن أمارس معها دور السجان ، وأن هذا الدور الذي ليس من حقي ليس من واجبي أيضًا.

ولم يكن في هذه الأشرطة ما أخاف منه، أو أخشى عليه، ولكنني كنت أعرف في وضوح وأمانة، أن عاصفة عاتية سوف تتجمع زوابعها حول وجه صاحبها توفيق الحكيم. وكن أُقدِّر أن شيخوخة الرجل لا تتحمل الزوابع أو العواصف أو المعارك.

كنت أعرف أن هؤلاء الذين أقاموا للرجل أقواس النصر، وأحاطوا جبينه بأكاليل الغار، وسلطوا عليه أضواء باهرة، بعد أن استخدموا كلماته لترويج أفكارهم عن السلام والصلح، وعن حضارة إسرائيل وتخلف العرب ، لن يطيقوا هذه الكلمات المغايرة كل المغايرة لما قاله الرجل على مدى أكثر من عشر سنوات، بل تبدو متناقضة لكل ما روجوه عنه، وعن مواقفه. ولن يكون أمامهم بعدها إلا أن ينزعوا عنه أكاليل الغار وأن يهدموا أقواس النصر فوق رأسه..

ومع ذلك فقد كنت أعرف مقدّمًا وقبل أن أبدأ رحلة هذا الحوار الذي امتد أسبوعًا كاملاً أن الإطار الذي وضعوا فيه كلمات توفيق الحكيم لا يُعبِّر بدقة عن جوهرها، لأن الموهبة العظيمة لا يمكن أن تكون معادية للحقيقة أو للناس، ولأن الموهبة العظيمة لا يمكن أن تضل طريقها إلى العدل.

ولقد اخترت بعد تردد طال أن أنشر جوانب من هذا الحوار ، أعتقد أنها تعبر حقًا عن حقيقة أفكار توفيق الحكيم ومواقفه.

وأحسب مع ذلك أن توفيق الحكيم نفسه سوف يكون في مقدمة الذين سيعتبون عليّ، أو يغضبون مني، لأن كلمته الأخيرة ليّ في نهاية هذا الحوار كانت: "أرجوك.. لا تجعلني أُغضِب أحدًا" .

ويقيني أن توفيق الحكيم سيُغضب الكثيرين بهذا الحوار، ولكنه سيُرضي جيشًا من محبيه وعشاق فنه، وسيُرضى قبلهم جميعًا.. الحقيقة والتاريخ.

بدأ الحوار بالحديث عن وضع المثقف في مجتمعنا . وكانت كلمات توفيق الحكيم محددة. قال:
• لقد تضاءلت كلمة مثقف جدًا لدرجة أن القليل من الناس يمكن أن تطلق عليهم الآن وصف المثقف. إن الناس لا تقرأ ، بل إن الكتّاب أنفسهم لا يقرؤن في الغالب إلا ما يكتبون.
قلت:
* أليس لذلك سبب اجتماعي؟ أقصد ألم يتغير الوضع الاجتماعي للمثقفين؟
• بالطبع، لقد نزل الوضع الاجتماعي للمثقفين وتدهور، لأن المجتمع نفسه قد تدهور، إن الذين يملكون "القرش" الآن هم الذين سيطروا اجتماعيًا، وهذه الطبقة التي تملك "القرش" لا تشغلها الثقافة ولا تعنيها، وإنما تعنيها الثروة فقط.

لم تعد "الفلوس" في أيدي المثقفين وإنما أصبحت في أيدي "السباكين" ، والسماسرة، و"بتوع وكالة البلح"وهذه بلا شك حالة خطرة.

*ألم تُلخّص ذلك بقولك "هذا زمن انغلاق العقول ، وانفتاح الجيوب"...؟
• نعم، هذه هي الحقيقة.
* أوليس الانفتاح الاقتصادي هو المسئول عن ذلك؟.
• طبعًا ، هو المسئول، لأن هذا الانفتاح الاقتصادي انفتح من دون هدف، قيل: افتح، فانفتح كل شيء، ودخل "النصابون" وكوّنوا الثروات الطائلة بسرعة رهيبة. أنا لا ادري من أين يحصلون على كل هذه الأموال!.
*مع ذلك فأنت عبّرت عن حبك للسادات؟
• لأننا سببنا له أذى في البداية ، كانت معرفتنا به سببًا في إيذائه .

*تقصد موقفك من الحرب قبل عام 1973؟
• بالضبط ، فعندما قال أنه أخّر قرار الحرب بسبب "الضباب"، جمعت الكتّاب وأصدرت بيانًا حادًا قلت فيه: "إذا لم تكن ترى غير الضباب فاترك الحكم للشعب". وتسرب البيان إلى الصحف اللبنانية، وقرأه السادات فكاد أن يجن. وقال: "شوف الهباب اللي كتبه توفيق الحكيم" وأخذ يشتمنا.
*لم يستمر هذا الموقف فقد تصالحتما .
• لقد قال له بعض من يثق فيهم أنه عاملني بشدة أكثر مما ينبغي.
*أكان هيكل؟
• لا، أناس آخرون. فأرسل إلى أشرف غربال وقال لي:
ألن تسقني القهوة؟ قلت: على حسابي أم على حساب رئيس التحرير؟ وفهمت أنه جاء من طرفه لترضيتي.
*ثم تقابلتما بعد ذلك؟
• كان يعرف أنني لا أحب ان أزور رئيسًا، فرتب الأمر بحيث لا يعطيني فرصة للاعتذار أو التراجع.
أبلغوني أن سيارة ستأتي لتنقلني لمقابلة الرئيس فورًا. وركبت السيارة وانطلقت إلى الرئاسة . ولكنه استقبلني بترحاب وحرارة وود. كنت مرتديًا " البارية" (قبعة الحكيم المشهورة) ولا أحمل العصا التي تركتها خارج المكتب ، وفوجئت به يقول: أين العصا؟ أنا لا يمكن أن أرى الحكيم دون البارية والعصا".
قلت له : وهل تريد أن أدخل على رئيس الدولة بالعصا.

قال : "أي والله".. ودق الجرس ، وقال: "احضروا عصا الحكيم" ولم يفاتحني في شيء، وإنما استمر مجاملاً ، فقلت لنفسي: "لأفاتحه أنا. وإلا لماذا أرسل إليّ".. وحدثته عن قصة البيان، فرد بكلمات طيبة.. وتصالحنا. وبعد فترة وجيزة من المقابلة فوجئت بالعبور، فكتبت "عبرنا الهزيمة".

*ومع ذلك فأنت لك موقف من الانفتاح الاقتصادي كما قلت.
• لهذا فأنا غير مبسوط منه، كان لابد أن "يحوش" هذه "البلاوي"، ولكنه بدلاً من ذلك انفعل ووضع الناس في السجن، ولخبط الدنيا وما كان ينبغي أن يكون هذا هو موقفه.

لكن إذا أردت أن تحكم على الانفتاح حكمًا موضوعيًا، فهو عملية اقتصادية، لا يمكن لرئيس الدولة أن يقررها ويسير فيها من دون مجموعة اقتصادية . السادات مسئول بالطبع باعتباره رئيس الدولة، لكن وزراء الاقتصاد في ذلك العهد مسئولون أيضًا. لذلك ينبغي مساءلة المجموعة الاقتصادية التي قدّمت الانفتاح الاقتصادي وأقرتا ومحاكمتها باعتبارها متضامنة في المسئولية مع السادات عن النتائج التي ترتبت على هذا الانفتاح.

وبدلاً من الأحكام الذاتية ، فإنني أطالب بتشكيل لجنة لدراسة فترة حكم السادات دراسة موضوعية.

*أنت قمة الأدب في مصر، فهل يزيد راتبك عن راتب أي موظف مصري في بنك أجنبي الآن؟
• لا ، ولا راتب أي راقصة ، بل أن هذه الراقصة ، في شارع الهرم، تحصل على "النقطة" إضافة إلى ذلك. إنني لم أرى أحدًا من هؤلاء العرب الذين يدفعون "النقطة" بسخاء إلى الراقصات ، يقول والله لقد أعجبتني هذه المقالة لفلان ، أو هذه القصة لفلان. ودفع له كما يدفع للراقصة .

يبدو أننا لازم "نرقص" أيضًا !!

*وماذا تملك في "البنك"؟
• لا شيء، لكن ما يعزّي الواحد أحيانًا أن لنا قيمة غير محسوبة . أضرب لك مثلاً. في هذه المستشفى اجتمع مجلس الإدارة برئاسة عثمان أحمد عثمان . وقرروا علاجي وإقامتي دون أجر، بل وأطلقوا اسمي على هذا الجناح .

ولم يتوقف عثمان أحمد عثمان عن زيارتي ، والاطمئنان على صحتي ، وأحضر أولاده والتقطوا معي الصور التذكارية . لكنني أشعر بعد هذا العمر كله بأنني لم أفعل أو أقدم شيئًا له قيمة.. لم أبنِ حتى بناء كهذه المستشفى .

*يكفي إنك تركت بصماتك الفكرية على عدة أجيال .. أذكر أنك كتبت مسرحيتك "شمس النهار" في فترة عبد الناصر لمواجهة الإسراف. إذا كان هناك في هذه الفترة، فماذا تسمي ما يحدث الآن.؟
• الآن هناك أموال طائلة لا يعرف أصحابها ماذا يفعلون بها .
*وما رأيك في أن تنتزعها منهم ؟
• يا ريت . تقصد أن نقيم لهم مراقص و"كبريهات" لينفقوها ..؟
*لا ، أقصد أن ننتزعها منهم ؟
• يعني نمارس ضدهم جرائم ؟
*لا ، أقصد بسلطة القانون .
• سلطة القانون، تعني الضرائب ولكنهم يجيدون التهرب منها .
*إذًا ما هو الحل؟
• لا يوجد حل.
*إذًا تتركهم يفسدون المجتمع ؟
• الحكومة غير قادرة على مواجهتهم، ورجال الضرائب عاجزين أمامهم . وعلى فكرة ، زمان كل أصحاب الأموال مختلفين ، فقد كانوا يبنون المصانع والمشروعات الجيدة .
*أننا نواجه طبقة طفيلية مختلفة عن بدايات الرأسمالية المصرية وهي طبقة مفسدة .
• لا تستطيع الحكومة أن تستولي على أموالهم إلا بقوانين .
*ألا ترى أن نشاطهم ينعكس على وضع الثقافة ؟ مثلا هذه "المافيا" الفكرية التي واجهتك عندما كتبت حوارك الصوفي الشهير .
• طبعا ، هيئة العلماء لا تريد أيضا من يسحب منها الجمهور بأسلوب ديني منفتح .
*لقد استخدموا "حرب الجوامع " ضدك . وحرضوا عليك البسطاء الذين تدافع عن طهارة إيمانهم .
• أنا منعزل ، ولا أرى هذه الأشياء . لقد رأيت أثار ذلك على بعض الأطفال .
زارني بعض هؤلاء الأطفال وسألوني : هل أنت كافر ؟ إضافة إلى أن الكتب التي ضمنتها هذا الكلام صادروها ، أقصد دفعوا الناس إلى عدم شرائها ، لذلك يقول لي الناشر أن أقل كتبي رواجا هي الكتب الدينية ، لأنهم أقنعوا الناس أن هذا كفر ، فماذا أفعل ؟ كيف أعلم الناس الدين الحقيقي ؟ لا أقدر ، لا أستطيع .
*لقد قادوا حملة ضارية أيضا ضد الدكتور زكي نجيب محمود عندما تكلم بعدك عن ظاهرة الحجاب . ومارسوا الحرب إياها مع عبد الرحمن الشرقاوي بسبب كتابه " على إمام المتقين " ولم يسلم أحمد بهاء الدين ولا لويس عوض من ألسنتهم . حتى بدا أن العقل المصري أصبح متجمدا ، لكن لابد من أن يكون هناك مخرج .
• آه .. هو الآخر ، يا ساتر . هذا شيء في غاية الصعوبة ( مغير اتجاه الموضوع بالكامل ) لكن مالا أستطيع أن أفهمه ، هذه الأسعار الآخذة دومًا في الارتفاع .
في إنجلترا مثلا تضرب سيدات البيوت عند رفع أسعار السلع ، فلماذا لا تضرب سيدات البيوت في مصر . ( مستطردًا) أعتقد أن ذلك لا يصلح في مصر ، لأن السيدات اللواتي يملكن " الفلوس " ، سوف يشترين سرًا ..
*إذن لابد من تنظيم ما.
• عندما تتدخل الحكومة في التسعيرة تختفي السلع ..
*لأن هناك " مافيا " في التجارة .
• نعم ، تماما . هناك تنظيم وراء ذلك ، تنظيم غرضه أن يسيطر أصحاب المصلحة ، وغالبا ، مصلحة هؤلاء ليست مصلحة الوطن .
*كنت أسال ما سبب هذه الردة السلفية ..
• (ملتفا أيضا عن السؤال إلى موضوع أخر ) أنا أرى أن الغلاء صعب جدا ، والحل أن نبحث عن مصدر أموال هذه الطبقات ونمنعها عنه ، أو نمنعه عنها .
*أنت مع الاشتراكية أم مع الرأسمالية ؟
• أنا مع ما يريح الشعب .
*وما الذي يريح السواد الأعظم من الناس في مصر ..؟
• لقد خسرت الاشتراكية الدنيا أيضا . ويعني نجد أن الأشخاص والناس الذين استفادوا منها هم أنفسهم المستفيدون الآن . لقد تكونت خلال تلك المرحلة طبقة مستفيدين ومستغلين أيضًا . فأصبحت النتيجة واحدة . أقصد أن الاشتراكية تحولت مبادئ يختبئ وراءها الرأسماليون . حيث تجد الرأسمالي خلف ثوبه وارتدى عباءة الاشتراكية وتكلم معك على أنه اشتراكي حقيقي وبحث تحت هذه العباءة عن أسلوب جديد لاستغلال الناس .
أنه يتحدث اشتراكيا بينما يركب سيارة ، ويرتدي زيًا لا علاقة له بالاشتراكية.

*وأين يكمن الخلل، في النظام الاشتراكي نفسه، أم في أسلوب تطبيق هذا النظام؟
• الخلل في أسلوب التطبيق ، وفي الإنسان المصري .
*في كل أعمالك الفنية ، أنت منحاز إلى الفقراء والبسطاء..
• طبعًا، طبعًا، أنا مع الفقراء والبسطاء لأنني أنتمي إلى هؤلاء الناس ، وما يحدث لهم يؤذيني شخصيًا.
*يقال أن الجيل الجديد في مصر أكثر سلفية من الجيل السابق ، فالأبناء أكثر سلفية من آبائهم.
• إن الخطر الحقيقي كامن في هذا الجيل ، تصور أن لي قريبات طالبات في كليات الطب والهندسة،م ويصررن على وضع الحجاب ، وأسأل نفسي كيف ستصبحين طبيبة أو مهندسة بهذه الهيئة..
*وهل وافقتهن على ذلك.
• لا طبعًا، ولا أزواجهن، ولكن ما الحل؟ هناك رجال دين متفتحون يعرفون أن الإسلام لا يقول بذلك ولكنهم غير قادرين على مواجهة هذا التيار.
*هل تعتقد أن للثورة الإيرانية أثرًا في ذلك؟.
• طبعًا، كل هذه الظواهر السلبية لم تنتشر إلا بعدها.
*وما هو تقويمك لتجربة الثورة الإيرانية؟
• من الحتمي أن ينقلب هذا الوضع الإيراني كله رأسًا على عقب، لأن رد الفعل لابد أن يكون قويًا وعنيفًا.
فلست أعتقد أن الإيراني المتعلم أو المثقف يقبل أن يُحكم بهذا الأسلوب المتخلف ولذلك من الضروري أن يسعى إلى إنهاء هذا النظام وتغييره.

لذلك أقول أن هذا النظام لن يعيش طويلاً، وأن كل شيء في إيران سيتغير.

بل والنظام الإيراني يدرك ذلك أيضًا، وإلا لماذا يطيل أمد الحرب مع العراق؟

الإجابة بسيطة وواضحة: لأنه يريد أن يشغل الناس بهذه الحرب عن مواجهته وإنهائه، أو عن تصحيح أوضاعهم في داخل إيران.

هذا النظام يقول لنفسه: لو أنني أوقفت الحرب مع العراق لحاربني الشعب في الداخل. ولهذا فهو يصر على حربه ، ويخاف إيقافها بل ويخشى أن تتوقف.

*تكلمنا عن السادات ، هل نتكلم عن عبد الناصر ، لماذا كان الرجل يحبك كثيرًا؟

• لأنه كان يعرف أنني مستقيم في سلوكي وفي تاريخي، يعني طه حسين مثلاً تعامل مع كل الأحزاب وقبل أن يكون وزيرًا في وزارة وفدية ، ولهذا لم يكن عبد الناصر يطمئن إليه، والعقاد أيضًا وإن كان أقل تقلبًا لكنه ساعة مع الوفد وساعة مع غيره. إضافةً إلى أني توقعت مجيئه ومجيء الثورة قبلها بسنوات ، لقد قلت أنه لابد من "ثورة مباركة".

*لقد أحبك، فهل أحببته؟

• نعم أحببته، وما زلت أحبه، بل إنني نادم على أنني لم أقابله.

*وكيف كانت علاقتك به؟

• كانت علاقة جيدة، مع أنها ظلت عن بعد، فكلما حفزوني إلى مقابلته قلت: لا، لا تفسدوا أخلاقي، أنا لا أريد أن أقابل الحكام.

*لكنك قابلت السادات..

• السادات كان يدرك ذلك، فاستخدم معي أسلوبًا لا يمكن الفكاك منه، أما بالنسبة لعبد الناصر فعندما أعطاني جائزة الدولة التقديرية وكان المفروض أنه سيقابلني عند تسليمي الجائزة تمارضت لمدة شهر كامل حتى لا نلتقي ، ولا ألقي كلمة الأدباء والفنانين في هذا الاحتفال.. ولو أنني غاليت، فقد كان منم الممكن أن أتمارض قبلها بأسبوع واحد، ولكنني حاولت أن أتقن المرض .

*كتبت "عودة الوعي" بعد رحيل عبد الناصر. ألا تعتقد أنك أعطيت فرصة لأعداء الرجل لشن حربهم عليه؟

• طبعًا أعطيت هذه الفرصة ، ولقد انتبهت إلى ذلك، فبعد أن فتحت الباب بدأ الجميع يكتبون لهدم عبد الناصر ، حتى وصل الأمر إلى أنني قرأت ما لم أستطع تحمله. فقد فوجئت بأحد العاملين في مكتب عبد الناصر يصوره على أنه كان خائنًا للوطن وأنه كان يريد الهزيمة لينهي الوضع الخاص بالجيش، ولم أحتمل أو أتحمل هذا الكلام، فقلت فورًا : " لقد قلت افتحوا الملفات وأقول الآن أغلقوا هذه الملفات".

أريد أن أضيف أنني كنت آمنًا في حياة عبد الناصر ، وكنت أستطيع أن أكتب "عودة الوعي" وأنا محتفظ بأماني وأمني ، بل كنت أستطيع أن أعطيها له ليكتب مقدمتها.

*ظللت محافظًا على استقلالك السياسي طول الوقت، ولم تنتمِ إلى أي حزب سواء قبل الثورة أو بعدها،ن فلماذا؟
• لقد اشتغلت في البداية في القضاء، ومن الضروري ألا يشترك القاضي في عمل حزبي، لأن أساس القضاء هو عدم الانحياز والاستماع إلى الطرفين.

لكن جوهر القاضي ظل في داخلي حتى بعد أن تركت القضاء، لقد ظللت أسير فكرة العدل وظل العدل هاجسي ومحور حياتي حتى الآن، ولقد انعكس ذلك حتى على سلوكي الخاص، فمثلاً، عندما تزوجت مارست أمي ضد زوجتي موقف (الحماة) واضطهدتها، ولم أستطيع أن أتحمل الموقف وانحزت إلى زوجتي .. فقد كنت أعتقد أنني أحقق العدل بذلك، مع أنني لم أكن أحب زوجتي ، كنت أتمنى أحيانًا ، أن تكون "بنت الجيران" حتى أغازلها، وأقع في حبها ، ثم أتزوجها، لكنني تزوجتها دون غزل، ودون وقوع في الحب.

كانت جميلة جدًا ولم أكن أحب أن تكون كذلك حتى أكون أكثر حرية ، ولهذا كنت أخشى أن تختلط بالمجتمع، لأن جمالها كان قادرًا على أن يشد أنظار الناس، ومع الأنظار المشدودة تبدأ المشاكل..

(يغيب الحكيم طويلاً كأنه يناجي نفسه، وهو يشد هذا الخيط البعيد من أعماقه ويستطرد): تعرفت عليها عن طريق أخيها ، وكان ضابطًا برتب "بكباشي" في الجيش ومن زملاء عبد الناصر، لكنه مات بطلاً فوق أرض فلسطين في عام 1948.. (يغوص الخيط الوجداني أكثر..).

كانت الحرب قد وضعت أوزارها ، وتمت التسوية ، وحين ذهب بالخرائط آمنًا بعد أن توقفت المدافع ليتسلم موقعًا جديدًا، خدعه الإسرائيليون، وأعدوا له في ظل السلام كمينًا.. وقتلوه.

*(محاولاً أن أخفف من وقع اللحظة والذكريات ) هم كذلك دومًا خائنون!
• نعم ، نعم ، اليهود دائمًا خائنون..
*هل سمعت آخر أخبار مذابحهم في لبنان، ثم "الفيتو" الأمريكي الأخير لحمايتهم؟
• لهذا أريد أن تقوم جامعة عربية ثقافية ، لا تُعرف أبناءها خلافات السياسة ، ولا تناقضات المواقف ، جامعة عربية ثقافية من قادة الفكر في أرجاء الوطن العربي كله، لعلها تعيد إلى هذا الوطن جزءًا من تماسكه!..
*ولكن العرب "زعلانين منك" جدًا.
• لماذا ؟
*تقديري الشخصي أن كثيرًا مما قلته في فترة معينة أسيء طرحه ، أعني أن هناك من استخدم ما قلته ضد جوهر موقفك نفسه، لخدمة أهدافه الخاصة ، فأصبحت محسوبًا على مواقف لست صاحبها.
• صحيح .. صحيح ..
*يعني قيل مثلاً أنك متحمس لكامب ديفيد..
• لا، أنا لست متحمسًا لها، المسألة أنني حين وجدت سبيلا لخروج اليهود من سيناء سواء أكان سلمًا أو حربًا قلت: ليكن!

بمعنى أنهم لو كانوا قد قالوا لي أننا سنخرج اليهود من هناك بواسطة خدعة سيئة لوافقت .

كان السؤال بالنسبة إليّ خرجوا أم لا ؟ خرجوا إذن هذا هو المطلوب، لأن المفروض أن تتطهر أراضينا المقدسة. هذا هو تفسير موقفي في البداية ..

*لكن، أنظر ماذا حدث من إسرائيل بعد ذلك.
• أنا أفسر موقفي قبل النتائج الأخيرة ، ودعني أتحدث في التفاصيل قليلاً.. إن أمريكا والاتحاد السوفييتي متفقان في النظرة إلى إسرائيل.
*لكن الاتحاد السوفييتي مع بقاء إسرائيل، ولكنه ليس مع توسعها، بينما تحمي أمريكا التوسعات الإسرائيلية.
• إنه اختلاف في المصالح لأن علاقة أمريكا بإسرائيل غير علاقة الاتحاد السوفييتي بها . في أمريكا البنوك في أيدي اليهود ، كذلك الإعلام والسينما والأصوات الانتخابية..

وإذا عدنا إلى البداية ، فلم يكن من الممكن أن يحارب السادات في عام 1973، أثناء وجود الخبراء السوفييت في مصر ، فقد كانت أمريكا والاتحاد السوفييتي متفقين في البيان المشترك العتيد على "الاسترخاء العسكري" وكان الخبراء السوفييت سينقلون إلى بلادهم نية مصر لشن الحرب.

*لم يكن وجود السوفييت في مصر رغمًا عن إرادة المصريين ، فالمعروف أنهم كانوا يلحون في إنهاء مهمة خبرائهم في مصر والسادات نفسه هو الذي أصر على زيادة عددهم ثلاثة أضعاف بعد انفراده بالسلطة ووقع معهم اتفاقية تعاون لم يوقعها حتى جمال عبد الناصر.
• كده.. كده.. ده يبقى معناه حاجة ثانية" ربما لم يكن غرض أنور السادات في ذلك الوقت أن يحارب ، وأن الحرب والعبور لم يصبحا بالنسبة إليه أمرًا حتميًا إلا بعد أن أصبح وجوده نفسه مهددًا. ولقد ساهمنا في ذلك بالبيان الذي أصدرناه.. فقال: لابد أن أفعل شيئًا ، ولو خمسة كيلو مترات، وهذا يفسر لماذا أخرج السوفييت على هذا النحو ولماذا ضرب بهذه السرعة.

لكن النقطة السيئة بعد الحرب أنه زاد الجفوة مع السوفييت ، وانفصل، ولخبط الدنيا بعد التوازن.. وكان يمكنه أن يذهب إلى السوفييت ويشرح لهم الموقف بدلاً من الشتائم..

*معنى ذلك أنك شاركت في دفعه إلى الحرب.
• ده صحيح..
*.. وبعد أن ظهرت نيات إسرائيل وممارستها بعد كامب ديفيد.. ما هو موقفك؟
• كان العبور الذي جمع الأمة العربي وأعاد النبض إليها ولهذا كانت كل مهمة إسرائيل بعد العبور تتلخص في محاولة إجهاضه.

كان لابد من إجهاض العبور مهما كان الثمن ، وكان ذلك يعني توجيه هزيمة قاصمة إلى مصر، ولابد أن السادات سمع بذلك، ولابد أنه حاول أن يتوقى هذه الضربة حتى لا تنهي كل ما فعله ولهذا قال: السلام.. السلام.. وذهب إليهم وأخذهم بالأحضان..

*ما أثار كل هذه المواجع هو حديثك عن البكباشي فهيم شقيق زوجتك الذي قتله اليهود غدرًا بعد الهدنة .. هل يمكن هؤلاء أن يؤتمنوا على اتفاق سلام؟
• لا يمكن أن نأتمنهم لا غدًا ، ولا بعد غد، إذ كيف نأتمنهم إذا كان كاهان يصرخ الآن: اطردوا العرب واقتلوهم.
*وهل ترى مستقبلاً لهذا السلام؟
• لا، مستقبل إيه..؟! "ماهو باين أهو".
لقد جاء يوري أفنيري، فقلت له؛ ألست ترى بيجن وجماعته؟
قال: نعم أراهم.
قلت أقنعهم بأن التوسع لن يفيد إسرائيل ، وأنهم يركبون طريقًا خاطئًا، هل مستقبل إسرائيل وسط العرب أم أنها تبقي حالة الحرب معهم مستمرة حتى يطرد اليهود من المنطقة؟!
قال: لا. سنبقى في هذه المنطقة إلى الأبد .
قلت: تبقون إلى الأبد بهذه النزعة وبهذا التصور ؟ هذا مستحيل!
*هل يعني ذلك أنك ترى أن الصهيونية في المنطقة بلا مستقبل..
• طبعًا. لن يبقى للصهيونية في هذه المنطقة مستقبل، بل لن تبقى هي نفسها..
*وما هو الحل، ما هو المطلوب من العرب..؟
• بصراحة، أغلبهم محكومون بأسوأ العناصر، والمشكلة هي مشكلة هؤلاء الحكام، ولذلك أدعو إلى إنشاء جامعة عربية ثقافية، فربما تؤثر على الحكومات وتساعد على خلق وحدة عربية حقيقية.
*أنت إذن مع الوحدة العربية والقومية العربية ؟
• طبعًا. وبوضوح كامل أنا مع الوحدة العربية والقومية العربي..
*لكن كلامك استُخدِم أحيانًا ضد هذه القومية .
• لقد مررت بمرحلتين ، مرحلة أولى كان جوهر شعارها الوطني: مصر للمصريين ، وعلى فكرة عبارة مصر للمصريين لم يقلها سعد زغلول أو عبد العزيز فهمي في تموز 1919 وإنما قالها الفلاح علي شعراوي ، كان سعد زغلول مثقفًا، وكان عبد العزيز فهمي مثقفًا أكثر منه، ولكن هذا النداء الذي تحول عقيدة صاغه ببساطته الفلاح شعراوي.

(مستطردًا) هل تعرف أنني حين دخلت مجمع اللغة العربية عضوًا أخذت بالمفارقة كرسي عبد العزيز فهمي، في هذه المرحلة لم تكن كلمة العروبة واردة ، فالعرب كانوا محتلين عن بكرة أبيهم.

أما المرحلة الثانية وهي عروبة مصر فهي تنتسب في الحقيقة إلى مرحلة جمال عبد الناصر ، مع أنه أشتغل بها لحسابه أي على أن يكون زعيما للأمة العربية والقومية العربية . أما بالنسبة إلينا الآن فنحن لا نريد أن نكون زعماء . وكل ما نرجوه أن تتوحد هذه الأمة ، أو أن تتقارب صفوفها .
*ولكن في برقيتك الشهيرة إلى السادات وصفت العرب بالتخلف..
• أنا لم أستثن مصر من هذا الوصف فهي جزء من الأمة العربية . وإذا كان العرب قد فهموا أن هذا الوصف ينطبق عليهم وحدهم ، فلم يكن هذا مقصدي أو مبتغاي ..
*في هذه المرحلة لم توضع مصر والعرب على صعيد واحد ، وإنما فسر السلام مع الإسرائيليين أحيانا على أنه مصافحة بين مصر المتحضرة ، واليهود المتحضرين .
• لا . المسألة بالنسبة إلي ليست كذلك .
*ألم تقصد أن إسرائيل صانعة لحضارة ؟
• لا ، طبعا . إسرائيل لم تصنع حضارة . لقد نقلوا كتلة من أوروبا ووضعوها هناك ، والحضارة لا تنقل . أما العرب فهم على النقيض من ذلك صناع حضارة عظيمة . أن زيت حضارتهم أضاء مصابيح العالم .
( يتوهج توفيق الحكيم ويبتل وجهه من فيضان وجد أنه ويستطرد ) سوف أقص عليك قصة لم أذكرها من قبل :
في سنة 1980 أو 1981 لا أذكر على وجه التحديد ، كنت أريد أن أذهب إلى باريس . ولكن أخواني وأصدقائي كلهم نصحوني ألا أفعل لأنها مغامرة كبيرة وقالوا بوضوح : " لا تذهب ، إياك أن تذهب ، سوف يقتلك العرب " ..
ولم أجد فردا واحدا أو صوتا واحدا يقول لي : أذهب ولن تقتل .. وإلا لتبعته إلى باريس قانعا .
عندما رأيت هذا الإجماع صدقت وسكت ، وابتلعت رغبتي حزنا . وانتظرت يائسا على قارعة الشهور حتى جاء شهر أغسطس / أب . لم أدر ما الذي انتابني ، ولكن مظلة رمادية أظلتني ، وأغلقت الأفاق أمامي ، وتحتها وجدتني أقول : فلأسافر أذن ، وليقتلني العرب .. لماذا أريد أن أعيش ؟
وهكذا احتضنت عصاي وطرت إلى لندن . وفي لندن كانت المظلة الرمادية لا تزال تحوم حول رأسي ، وقلت لنفسي : لماذا أنتظر حتى يجدني العرب كي يقتلوني ؟ لماذا أكلفهم مشقة البحث ، وأكلف نفسي عناء الانتظار ؟ . قلت لنفسي في شوارع لندن ! سأبحث عن العرب كي يقتلوني ويريحوني . وسرت في الشوارع طويلا ، والمظلة الرمادية فوقي وأنا أبحث عن رصاص العرب . ولما أعياني الانتظار والبحث قلت : لابد أن أجدهم في "الهايدبرك". حسنا أذن . سأجلس في "الهايدبرك" وأقول لهم بأعلى صوتي : تعالوا أيها العرب ، تعالوا أقتلوني وأريحوني .. هاتوا رصاصاتكم ! .
وجلست في قلب الحديقة ، في شلال من النور حتى أبدو واضحا ، والتففت حول نفسي ، مقتنعا ، متسلحا بإيماني منتظرا رصاصة عربي !
بعد أن مرت الدقائق ، من دون رصاص ، كدت أن أهتف : تعالوا اقتلوني ! لا أريد أن أعيش !
.. ثم .. ثم جاء العرب .. مجموعة من العرب من هنا وهناك ، التفوا من حولي ، واقتربوا من جسدي . ثم اندفعوا دفعة واحدة إلى صدري وأغرقوني دفئا وقبلات وحنينا ..
أهذا هو الرصاص الذي كنت أنتظر ؟
تساءلت ثم تساءلت مفزعا : من أنتم .. ؟
قال أحدهم : أنا عراقي . وقال الأخر وأنا سوري .. وقال ثالث ورابع .. ووجدت صورة الأمة العربية من حولي تسير متجاورة ، متناغمة الخطوة على حشائش الحديقة .. في عيونها وهج لم أره منذ زمن طال ..
قلت مندهشا : لماذا لم تقتلوني ..؟.
قالوا مندهشين أيضا : وكيف نقتلك ؟.
قلت : ألستم تكرهوننى ، وتكرهون المصريين ؟..
قالوا : بل نحبك ونحبهم !.
( يتوقف الحكيم قليلا عن السباحة في بحر وجدانه ثم يجرفه تيار آخر ويكمل بذلك التوهج والحرارة ) .
هذه هي الصورة الحقيقية للأمة العربية . منذ هذه اللحظة ، تولدت عندي فكرة جديدة . فكرة أن هناك عربا آخرين ، عربا غير الذين نعرفهم ، عربا غير الذين استقرت صورهم في أعماقنا .. تحت مظلة اليأس والانتظار ، والتشتت ..
لقد نبهتني هذه الصورة إلى أن العروبة بخير ، وأن المعدن العربي الحقيقي لم يتغير ، لم تأخذ منه العواصف والزوابع والأنواء .. بل ربما أضافت إليه .
كنت أقرأ داخل إطار هذه الصورة مستقبل العرب .. وكنت أبصر عربا آخرين أتين .. لم تتوقف مسيرتهم .. ولم تنطفئ شموسهم .. ولم تسقط هاما تهم .. عربا حقيقيين .
قلت وأقول لنفسي : سوف يأتي عرب آخرون .. ولن تعيش إسرائيل خمسين عاما أخرى ، قبل خمسين عاما آتية سوف تكون إسرائيل قد اختفت تماما وابتلعتها أمواجهم . قبل خمسين عاما آتية سوف يكون هؤلاء العرب الجدد قد ملئوا الصورة حتى حوافها البعيدة .. البعيدة .
صمت توفيق الحكيم وكأنه نهر توقف عن الجريان فجأة .. وظللت ملتصقا بزاويتي أتأمل الصورة . تراها أمنية مفكر عربي تجاوز السادسة والثمانية ، أم تراها نبوءة فنان عظيم ..؟
في كل أعمال توفيق الحكيم وفي كل مسرحياته ، كان منطق العدل هو منطوق الفكر ، وحركة الدراما ..
وفي كل أعمال توفيق الحكيم لم تكن النبوءة مجرد حلم عابر يعشش في عيون المارة لحظات ثم يطير .
كان العدل هو النبوءة ، وهو الحلم ، وهو الحقل والبيت والرغيف والحرية .. ولعله قد أنتقى لنفسه اسما جديدا جدا هو : فلسطين !





19/12/1984

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :