لماذا هذا الموقع الآن؟!     


بقلم: أحمد عز الدين


إذا كان ثمة فضل في بناء هذه النافذة الفكرية، فإنه لا يرجع إليّ في الحقيقة ، ذلك أنني فوجئت بطاقة حماسية غالبة ، تفجّرت في وجدان عدد من الأصدقاء، سرعان ما ترجمت نفسها إلى عمل دؤوب ، لجمع كافة المواد والكتابات والدراسات التي حررتها ، ثم تصميم الموقع وبنائه فنيًا ، وجماليًا، وإلكترونيًا ، ليصبح نافذة حيّة ، وشرفة مفتوحة على هذا النحو.

إنني باليقين مدين بالفضل لهؤلاء الأصدقاء، الذين أحسوا بأنني أكابد سكوتًا مفروضًا، وصل حدّ المصادرة، على امتداد ست سنوات كاملة، خاصةً وأن السعي إلى تجريف الذاكرة الوطنية ، لم يعد عرضًا ولا مرضًا، وإنما أصبح عملاً مدروسًا، تقوم عليه عصبة سبق وأن أطلقت عليها "شرطة العولمة المحلية"، باعتبارها أصابع ظاهرة اتسعت في جوانب الحياة السياسية ، والإعلامية ، والفكرية المصرية خاصةً ، والعربية عامةً، اسمها "ظاهرة الاختراق".

غير أنني لا أزعم أن الجهد الجهيد الذي بذله أصدقاء يتمتعون بوطنية ناصعة ، وثقافة عميقة ، وحرفة متقنة ، لكي تتنفس هذه النافذة ، حياة ، في الآفاق المفتوحة ، إنما مردّه إلى انحياز عقلي أو إنساني لشخصي ، بقدر ما يمثل انحيازًا موضوعيًا ، وطنيًا وفكريًا ، لما تتضمنه هذه الدراسات ، والمقالات ، من نبض وتوجه ومنهج ، فقد قُدّر لها أن تشتبك في وقتها ومكانها ، مع كافة مقدمات الانزلاق الكبير ، الذي يعادي الخصوصية الوطنية ، ساعيًا إلى استلاب بواطن القوة المصرية ، بما في ذلك استلاب الدولة المصرية ذاتها .

إن حجم المعارك السياسية والاقتصادية والفكرية ، التي تصطف في جوانب وعمق هذه الشرفة ، كبير للغاية ، ولعلها تعكس صدامًا داميًا ، تكسرت فيه النصال على النصال ، لكنها جميعًا وإن تعددت صورها ، اقتصاديًا ، وسياسيًا ، وثقافيًا ، وعسكريًا ، وأمنيًا ، يمكن أن تصنف تحت عنوان واحد ، وداخل خندق واحد ، هو "الأمن القومي".
وفي هذه المعارك جميعها ، لم يكن الانتصار هو الثمرة التي سقطت ناضجة بين يدي الوطن ، وإنما كانت الثمار الفاسدة والمعطوبة ، هي التي حظيت ، غالبًا ، بالغلبة ، والتكاثر ، والتراكم ، وإذا كان ذلك يرتد إلى ذات الكاتب ، اختناقًا في الروح ، وزلزلة في الوجدان ، إلا أنه لم يسر في النبض اغترابًا ، أو بأسًا ، أو نكوصا ، ذلك أنني أحد الذين يؤمنون بأن "إرادة القتال" في كل معركة ، أيا كانت مادتها ، وطبيعتها ، وأدواتها ، ينبغي أن تظل حيّة ، ومحلقة ، كأنها "عصفور النار" ، الذي قال عنه "هيجل" أنه يصعد في معارج السماء ، ليبدأ في إخصاب نطفة النهار في جسد الليل.

ليس لديّ ما أسوقه اتهامًا أو عتابًا لأولئك الذين غلقوا أبواب صحفهم في وجه كلماتي ، رغم أنهم أكثر الأصوات تبجحًا في وصف أنفسهم وخطابهم ودعواتهم ، بأنها "ليبرالية خالصة". فنحن للأسف الشديد أمام صنف من الليبرالية يتميز بثلاث صفات ، أنها ليبرالية شمولية ، وأنها ليبرالية متوحشة ، وأنها ليبرالية ملوثة ، وكأنها صنعت من فطيرة التفاح الأمريكية .

قصد القول في النهاية ، أن هذه النافذة إنما تعكس خريطة مليئة بالخطوط ، والتعرجات ، والتقاطعات ، لكافة المعارك التي فُرِضَت على الوطن ، وأن نتائجها موصولة في بنيتها ، ببدائل واضحة ومحددة ، ما تزال تمتلك القدرة والفعل ، على إضاءة مصابيحه ، التي أشرقت في آفاق الإقليم والدنيا الواسعة ، عندما كان العالم ما يزال طفلاً ، يتهجّى في الظلام، حروفه الأولى ..





 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :