ملف علاقات أمريكا وجنوب السودان - دعم جيش الجنوب     







تقرير واشنطن

التعاون العسكري

رفض ممثل حكومة جنوب السودان في واشنطن، إضافة لدبلوماسي أمريكي معني بالشأن السوداني، التطرق للتعاون العسكري بين واشنطن وحكومة جنوب السودان. إلا أن تقارير إعلامية أمريكية ذكرت أن وزارة الخارجية الأمريكية في أعقاب التوصل لاتفاق السلام الشامل منحت إحدى الشركات الأمريكية الخاصة عقدا للقيام بتأهيل متمردي جنوب السودان وتحويلهم لقوة عسكرية محترفة. واختارت الحكومة الأمريكية شركة دين كورب DynCorp التي فازت بقيمة العقد المبدئي البالغة 40 مليون دولار للقيام بهذه المهمة. من الجدير بالذكر أن منظمة الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان أشارت إلى احتياج الجنوبيين للتدريب تحت إشراف حكومة جنوب السودان.


دور شركة دين كورب في السودان
هذه ليست هي المرة الأولى التي تفوز فيها شركة دين كورب بعقد من وزارة الخارجية الأمريكية للقيام بمهام في السودان، ففي مايو عام 2003 منحت دين كورب عقد تقديم دعم لوجيستي لقوات منظمة الوحدة الأفريقية لحفظ السلام. وفي عام 2001 وكلت الشركة بمهمة مساعدة وتسهيل إجراء مفاوضات دبلوماسية بين الجنوبيين وحكومة السودان. وتذكر الشركة أن أولوياتها في السودان تتمحور حول دعم الاستقرار هناك. وفي مقابلة مع وكالة رويترز الإخبارية أكد آل ريجنيAl Rigney نائب رئيس شركة دين كورب لتنمية الأعمال الدولية أن حكومة الولايات المتحدة ترى أن من شأن وجود قوة عسكرية مؤهلة ومستقرة المساعدة على دعم الاستقرار، وأكد نائب رئيس الشركة أن أنشطة شركته كلها سلمية ولا تتضمن أنشطة عسكرية. وطبقا لاتفاق السلام الذي وقع بين حكومة الخرطوم ومتمردي جنوب السودان لإنهاء أطول حرب أهلية في تاريخ أفريقيا، يكون هناك جيشان أحدهما في الشمال والأخر في الجنوب.


ومن جانب آخر، توقعت بعض المصادر وجود دوافع خفية وراء هذه الصفقة، وترى أن شركة دين كورب وعقدها الأخير يهدفان إلى تعزيز القدرات العسكرية للجيش الشعبي لتحرير السودان لكي تضعف موقف الخرطوم إذا ما أخلت باتفاق السلام بين الشمال والجنوب.

وتؤكد شركة دين كورب أن عقدها مع وزارة الخارجية الأمريكية لا يشمل إرسال أسلحة للجيش الشعبي لتحرير السودان، والعقد يشمل فقط مساعدة وتدريب وتأهيل الجيش الشعبي لتحرير السودان، وليس لتسليحه أو لمساعدته في شن عمليات عسكرية هجومية. إلا أن خبيرا أمريكيا يخشى وجود دور أكبر لشركة دين كورب، وهو دور سيكون غير معترف به رسميا، رغم أن حجم عقد شركة دين كورب يبلغ 40 مليون دولار أمريكي مما يستلزم موافقة وإشراف الكونجرس الأمريكي.



أكبر من دور لشركة
شركة دين كورب واحدة من شركات كثيرة تقوم الحكومة الأمريكية بالتعاقد معها مقابل القيام بمهام خارجية محددة. وتوظف شركة دين كورب، والتي يقع مركزها الرئيسي في مدينة ايرفن Irving بولاية تكساس، نحو 14 ألف موظف يعملون في خمس وثلاثين دولة، وقد فازت من قبل الشركة بعقود من حكومة الولايات المتحدة في عدد من مناطق العالم المضطربة، من ضمنها العراق وأفغانستان وليبيريا وكولومبيا.


وفي حين كانت وزارة الدفاع الأمريكية هي العميل السابق الأول لشركة دين كورب، فإن وزارة الخارجية تفوقت عليها وبلغت نسبة عقودها الآن 53% من عائدات الشركة، وهذا يمثل ارتفاعا كبيرا من نسبة 29% منذ عامين فقط، وبالنظر لكون الحكومة الأمريكية تمثل ما يقرب من 90% من إجمالي عقود الشركة، فليس مستغربا أن نجد مجلس إدارة الشركة يشتمل على عدد من المسئولين الحكوميين السابقين وعسكريين ضباط كبار سابقين. ومن ضمن هؤلاء السفير مارك جروسمان الذي خدم كنائب وزير الخارجية الأمريكي للشئون السياسية منذ عام 2001 وحتى 2005.


8 دور الشركات وظاهرة شراء الأراضي

رغم وجود حظر طبقا للعقوبات المفروضة على السودان كونه أحد الدول التي تصنفها الخارجية الأمريكية كراعية للإرهاب منذ أن احتضنت زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن خلال تسعينات القرن الماضي، إلا أن العديد من الشركات حاولت التغلغل للسودان شماله وجنوبه للتواجد في هذه المنطقة الغنية بالموارد والتي سيتم تقسيمها العام القادم لدولتين.


وقبل أن يرفع الحظر عن الشركات الأمريكية للعمل في السودان عام 2006 عقب التوصل لاتفاقية السلام الشامل عام2005، حاولت شركة بلاووتر BlackWater ، طبقا لتقارير إخبارية أمريكية، وهي أكبر الشركات الخاصة التي توفر خدمات أمنية للحكومة الأمريكية) ولها وجود كبير في العراق وأفغانستان، وغيرت أسمها مؤخرا بعد الكشف عن مشاركتها في تعذيب محتجزين لديها إلى أسم جديد هو أكس أي Xe، لتوفير حماية أمنية لكبار مسئولي حكومة جنوب السودان، ولتدريب جيش الجنوب، حاول أن يساعدها في سعيها للحصول على تعاقدات حكومية، نائب الرئيس الأمريكي الأسبق ديك تشيني، عن طريق معرفته الوثيقة برئيس الشركة إيريك برنس. ولم تبغي الشركة في المقابل أتعاب أو أموال مقابل عقد قيمته 100 مليون دولار أمريكي، فقط طلبت حق الانتفاع بما قيمته 50% مما تحتويه مناجم معادن حديد وذهب في الجنوب! قام بالإشراف على مفاوضات مباشرة مع رئيس حكومة جنوب السودان سيلفا كيير نائب رئيس الشركة كريستوفر تايلور، الذي أصطحب معه لجوبا عاصمة الجنوب اثنان من كبار قادة حركات الايفانجليكال المحافظين هاورد فيليب وإيدجر برنس


وقد كان ملفتا أن تكشف تقارير إخبارية أمريكية عن قيام رجل الأعمال الأمريكي فيليب هالبيرج، وهو مصرفي متقاعد، بشراء 400 ألف فدان من الأراضي في جنوب السودان، وبمبلغ لم يفصح عنه، لمصلحة شركته التي تسمى "جيرش"، وهي مساحة أكبر من مساحة إمارة دبي. وقد تم الشراء بهدف معلن هو الاستثمار الزراعي. إلا أن القلق يساور الكثيرين في الخرطوم، إذ أنه لم يكن تم الانتهاء من إعداد قانون الاستثمار وبيع الأراضي.


وقال هالبيرج إنه اشترى قطعة الأرض من عائلة احد قادة الحركة الشعبية التابع لحكومة الجنوب، من خلال حصوله على حصة الأغلبية في شركة يسيطر عليها ابن "فالينو ماتيب بالينو" الذي خاض الحرب لفترات إلى جانب الحكومة السودانية ضد الحركة الشعبية لكنه انضم إليها بعد اتفاقية السلام في يناير 2005 بعد أن وقع الجانبان اتفاق سلام، ليصبح نائبا للقائد العام لجيش الحركة.


9 مراكز الأبحاث الأمريكية وجنوب السودان

تركز العديد من مراكز الأبحاث الأمريكية مثل معهد السلام الأمريكي ومعهد وودرو ويلسون ومركز التقدم الأمريكي على كل شئون الجنوب السوداني، من الصحة، للتغذية، للحكم، لنظم التعليم. كذلك تهتم أيضا الجهات المعنية بشأن وأضاع الحريات الدينية بحالة جنوب السودان، نظرا لما عانى منه الجنوب تاريخيا في هذا الشأن.


وعلى سبيل المثال عقد معهد السلام الأسبوع الماضي ندور تحدث فيها خبراء من البنك الدولي ومنظمات تعليمية أمريكية عن "تحديات بناء نظام تعليمي بعد مرحلة الصراع".


أما مركز التقدم الأمريكي فيحتضن مشروع كفاية Enough Project ، الذي يرأسه السيد جون بريندرجست، الذي أصبح أهم النشطاء تأثيرا في السياسة الأمريكية في الشأن السوداني في واشنطن. وذكر بريندرجست أن "الولايات المتحدة ساعدت في التوصل اتفاقية السلام الشاملة عام 2005 بين الشمال والجنوب، وهي دليل على ما مقدار التأثير الكبير الذي تتمتع به واشنطن، وما يمكنها أن تقوم به".

ويضيف بريندرجست أن جنوب السودان استطاع أن يحقق ثلاثة مكاسب من خلال التوقيع على اتفاقية السلام الشاملة:


المشاركة في حكم السودان من خلال ممثلين "وزراء" في حكومة الخرطوم.

تقسيم عوائد النفط المالية بحيث يحصل الشمال على 50% ، والجنوب على 50%.

اغتنام حق تقرير المصير للجنوبيين من خلال استفتاء يناير 2011 على الانفصال أو البقاء في سودان متحد.


ويرى بريندرجست أن كل الشواهد لتدل على أن حكومة الخرطوم ستعرقل إجراء الاستفتاء، وإن فشلت فستحاول التحكم في نتائج الاستفتاء، وإن فشلت فلن تعترف بنتائج الاستفتاء. وهو ما سيكون بمثابة الإعلان عن بدء فصل متجدد وأكثر دموية في الصراع المسلح بين الجنوب والشمال في السودان، وسيكون أكثر خطورة إذ أن الطرفين يستثمرون في قدراتهما العسكرية بصورة كبيرة منذ توقيع اتفاقية السلام.


ويختلف جون بريندرجست مع رؤية مبعوث الإدارة الأمريكية لشئون السودان الجنرال سكوت جريشن حين قال "ليس لدى الولايات المتحدة أي كروت للضغط على لخرطوم".ويرى ضرورة أتباع سياسة العصا والجزرة على النحو التالي، أن تهدد واشنطن نظام البشير بالأتي:

فرض عقوبات على كبار أعضاء الحزب الحاكم في السودان

عرقلة إلغاء ديون السودان من قبل صندوق النقد الدولي

دعم جهود المحكمة الجنائية الدولية للقبض على الرئيس حسن البشير

تشديد حظر تصدير السلاح للسودان وتقديم المزيد من الدعم للجنوب.


ولا يعرض بريندرجست فقط طرق التهديد، بل يرى ضرورة مد حكومة الخرطوم ببعض المغريات حال تحقيق سلام في السودان "السماح بالانفصال" مثل:

عرض تجميد طلب المحكمة الجنائية الدولية القبض على حسن البشير لمدة عام.

تطبيع العلاقات بين الخرطوم وواشنطن.


10 شريط حدودي منزوع السلاح بين الجنوب والشمال

في جلسة استماع في مجلس الشيوخ عقدت مؤخرا بعنوان "تقييم تحديات وفرص السلام في السودان"، طالبت كاثرين ألمكويست، من المركز الأفريقي للدراسات الإستراتيجية، بضرورة مفاوضات مباشرة بين الجنوب والشمال حول قضايا ما بعد الاستفتاء المزمع عقده في يناير القادم. وترى كاثرين "أن المفاوضات المبكرة من شانها أن توفير ضمانات للحكومتين في الخرطوم وجوبا، وللجماعات التي من المتوقع أن تتأثر بنتائج الانفصال، أن مصالحهم مؤمنة ولن يتم التعدي عليها بغض النظر عن نتائج الاستفتاء".


وترى كاثرين ضرورة أن تروج الحكومة الأمريكية لفكرة "خلق شريط حدودي منزوع السلاح بين قوات جيش جنوب السودان وجيش حكومة الخرطوم. وأن يشرف على هذا الشريط الأمم المتحدة، عن طريق قوات حفظ السلام الدولية".


وتتوقع كاثرين أن تطور الموقف السياسي فيما يتعلق لقضية استفتاء الانفصال سيملؤه قضايا حساسة وهامة وقابلة للاشتعال، خاصة في وقت يغيب فيه اليقين فيما يرتبط بالمستقبل.



10 موقف واشنطن من انفصال الجنوب.... ومعضلة البشير

ويرى ريتشارد داوني، من مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بواشنطن، أن واشنطن تنظر بشكل واضح إلى الأمام وتتطلع إلى استفتاء يناير 2011 وترى أن الاستفتاء هو أهم شيء سيتحقق وتركز بشكل كبير على تحقيق عملية انتقالية سلسة، سيتوقع الجميع أن يكون تصويت الجنوب بنعم على استفتاء استقلالهم في يناير 2011. الانتخابات الرئاسية لم تكن رائعة ولم تلتزم بالمعايير الدولية إطلاقا ولكن رغم ذلك لا تتردد واشنطن أن تكون منافقة حول نتائجها إذ أنها لا تريد أن تؤثر بشكل يؤثر على استقلال المنطقة وهذه العملية وقد يؤثر على استفتاء 2011.


وكان المبعوث الأمريكي للسودان الجنرال سكوت جريشن قد ذكر أن بلاده تعلم أن نتائج الانتخابات الأخيرة الرئاسية في السودان كانت مزورة، إلا أن واشنطن قررت قبول نتائج تلك الانتخابات من أجل الوصول إلى ما سماه استقلال جنوب السودان. ورغم إدراك المبعوث الأمريكي للسودان سكوت جريشن أن قضايا رئيسية مثل تعداد السكان وترسيم الحدود وكيفية توزيع الثروة النفطية والديون والمواطنة واللاجئين لم يبت بشأنها حتى الآن، إلا أنه أكد على ضرورة الالتزام بإجراء استفتاء الجنوب كما هو محدد له.


ولا يفوت أركان إدارة الرئيس الأمريكي أوباما فرصة إلا ويؤكدون فيها على ضرورة أجراء استفتاء انفصال الجنوب، ويظهر كل ذلك بوضوح أولوية هدف إجراء الاستفتاء وانفصال الجنوب على قضايا أخرى مثل نزاهة الانتخابات الرئاسية أو الضغط على الرئيس البشير لتسليم نفسه للجنائية الدولية.


وأعرب الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى أن إدارته "نشطة في محاولة التأكد من استقرار السودان واستمرار المساعدات الإنسانية إلى دارفور وإجراء الاستفتاء في جنوب السودان والذي قد يقود إلى استقلال الجنوب عن الشمال". وجاء تأكيد أوباما على ضرورة إجراء الاستفتاء في لقاء مع تليفزيون جنوب أفريقيا أجراه الأسبوع الماضي، وعلق أوباما على قرار المحكمة الجنائية الدولية بإضافة اتهامات بالإبادة إلى لائحة الاتهام ومذكرة الاعتقال الصادرة بحق الرئيس السوداني عمر حسن البشير، قائلا إن "المحكمة الجنائية الدولية أصدرت مذكرة اعتقال ومن ثم فإنني أعتقد أنه من المهم لحكومة السودان أن تتعاون مع المحكمة".


وأجرى نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن مباحثات مع سالفا كير رئيس جنوب السودان في العاصمة الكينية نيروبي الشهر الماضي، وتناولت المباحثات الاستفتاء المقرر إجراؤه، ووعد بايدن بتقديم مساعدة تقنية ودعم مالي لعملية الاستفتاء. ثم أكدت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون يوم الأربعاء الماضي التزام الولايات المتحدة بتطبيق اتفاقية السلام الشاملة الخاصة بالسودان والتي تتضمن "القيام بالاستفتاء في موعده"، ليضيف زخما جديدا للجهود الأمريكية الهادفة إلى انفصال جنوب السودان.


11 اهتمام أمريكي قديم بالجنوب

وظهر الاهتمام الأمريكي بجنوب السودان في العام الأخير لحكم بيل كلينتون، الذي هدد بعزل السودان سياسيا وفرض عقوبات اقتصادية ما لم يتم التوصل إلى اتفاق سلام مع الجنوب، و أن ينهي السودان دعمه للإرهاب الدولي. وكانت مساعدة وزيرة الخارجية للشئون الأفريقية حينذاك هي السيدة سوزان رايس، السفيرة الأمريكية الحالية لدي الأمم المتحدة، واستمر الأمر على ما هو عليه خلال إدارة بوش من بعده، إلى أن قادت واشنطن الدولة الأوروبية ممثلة في بريطانيا والنرويج وإيطاليا أو ما عرف باسم "الترويكا" الأوروبية +1 أو Toroueka+1 عام 2001 للدفع نحو تحقيق السلام.


وعين بوش أول مبعوث خاص له للسودان عام 2001 وهو جون دانفورث John Dnafourth الذي لعب دورا رياديا في تقريب وجهات النظر بين شمال وجنوب السودان بالتعاون مع منظمة "إيجاد" إلى أن باتت الأجواء مهيأة للتفاوض بين الخرطوم والجنوبيين. ونجحت جهود إدارة بوش في توصل الأطراف السودانية إلى اتفاق السلام الشامل عام 2005.













 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :