فرصة إسرائيل التاريخية     



الدور الإسرائيلي في الهجمة العسكرية الأمريكية

فرق كوماندوز إسرائيلية تستعد لمهاجمة المواقع الرئاسية والمصانع في العراق

بقلم : أحمد عز الدين

وصل إلي تل أبيب الاثنين الماضي ، أحد كبار جنرالات البنتاجون في مهمة غير معلنة ، ذات طبيعة خاصة ، تقتضي وجوده في إسرائيل ، لأمد غير محدد ، أما الجنرال الأمريكي فهو ( تشارلز سمبسون ) وأما مهمته غير المحددة المدة ، فهي تبوأ موقع ضابط الاتصال بين القيادة العسكرية الأمريكية ، ورئاسة الأركان في الجيش الإسرائيلي .
ورغم أن سمبسون ليس الجنرال الأمريكي الوحيد الذي يقيم في إسرائيل الآن ، في مهمة تتعلق بالهجمة العسكرية الأمريكية ، ضد الإقليم ، إلا أن مهمته وحدها، هي التي تستحق التوقف لأنها تقذف في الآفاق الملتهبة للشرق الأوسط بسؤال واسع وكبير ، ما يزال ملفوفا في طبقات كثيفة من الغموض ، هو : ما هي علي وجه التحديد ، المهمة التي ستضطلع بها آلة الحرب الإسرائيلية ، في المعركة العسكرية الهجومية ضد العراق ، والتي اقتضت تعيين جنرال أمريكي كبير ، مقيم في إسرائيل ، كضابط تنسيق واتصال بين القيادتين العسكريتين الأمريكية والإسرائيلية ؟وما هي حسابات الاحتمالات التي يمكن أن تعطي مؤشرات صحيحة ، لطبيعة وحدود ومدي تعاون عسكري ميداني بينهما ، في إطار المهام المباشرة ، والتالية للحملة العسكرية الأمريكية؟
أحسب أن قليلين جدا في العالم العربي، هم الذين هموا بأن يطرحوا هذا السؤال علي أنفسهم ، وأحسب أيضا أن الذين أكملوا طرح السؤال وواجهوا صداه القاتم ، لم يمسكوا بإجابات تتسم بالتدقيق والتحديد،
فقد انصرفت هذه الإجابات إلى استخدام نموذج حرب الخليج الثانية ، كقاعدة مقارنة وتحقق، ثم انتهت رغم كل المتغيرات العاصفة، إلي تماثل في المعطيات والنتائج :
1. أن الولايات المتحدة ما تزال حريصة ، علي ألا تندمج إسرائيل بشكل واضح في صلب مهام عملياتها العسكرية القادمة ، مثلما كان الأمر في مرة سابقة ، لأن ذلك من شأنه أن يضيف مزيدا من الإعياء إلي علاقات عربية أمريكية ، وصلت إلي حالة متقدمة من الإعياء ، كما أن من شأنه أن يضيف مزيدا من الوقود المشتعل إلي غضب شعبي عربي ، يتقد في أوعية دول إقليمية ، لا تتحمل جدرانها مزيدا من الضغوط .
2. إن إسرائيل من مصلحتها أن تبقي بعيدا عن تأثير النيران ، وأن تستثمر الحريق ، في طلب مزيد من أسلحة الحرب بأسم حماية نفسها ، ومزيدا من الامتيازات والأموال ، ثمنا لوقوفها بعيدا عن خطوط القتال ، وقد تحقق لها من ذلك الكثير ، فها هي تستكمل الخطة (حوما) ، بمزيد من بطاريات الباترويت ومزيد من طائرات F15 ، ومزيد من تكنولوجيا الاتصال لتقليل فترة الإنذار المبكر عندها ، وسوف تختصر عامين علي الأقل من عمر هذه الخطة التي تزيل تأثير الرادع الصاروخي العربي ، وها هي تبرهن لأمريكا أنها الحليف الاستراتيجي الحقيقي، بعد أن وضعت قواعدها البحرية والجوية والأرضية ، تحت تصرف الولايات المتحدة ، حقيقة أنها لم تتلق ردا نهائيا بالاستجابة لطلبها 14 مليار دولار ، ولكن الرد سيجيء والاستجابة لن تتأخر.
ثم أن وقود الحريق كله يصب في مصلحتها ، فكل خراب ودمار وهدم ، وتمزيق لقوة الإقليم ، ولوحداته ، ولنظامه الإقليمي ، هو عائدها وجائزتها الكبرى في النهاية .
3. إذا كانت أمريكا فوق ذلك ، تريد مزيدا من إرضاء إسرائيل فحسب الإرضاء أيضا أن يكون علي قاعدة حرب الخليج الثانية ، محدودا ورمزيا ، عندما تم منح الإسرائيليون امتياز استخدام قنابلهم الموجهة بأشعة الليزر (هاف تاب) في أول موجات قصف العراق بطائرات ب52 ، أو عندما تم منح الإسرائيليون امتياز ، أن تكون جميع الأحذية التي استخدمتها القوات الأمريكية في منطقة الخليج ، مكتوب عليها : صنع في إسرائيل .
وبالتالي فإن طبيعة وحدود ومدي تنظيم التعاون العسكري الراهن بين القوات الأمريكية والإسرائيلية ، يمكن أن ينصرف إلي مهمة واحدة ، هي تأمين إسرائيل ، من أية هجمات أو ضغوط عسكرية مباشرة قد تتعرض لها ، وفي مقدمتها ، إقدام العراق علي استخدام صواريخ تحمل عبوات تدمير شامل كيماوية أو بيولوجية .

لا تتسم الإجابة السابقة ، لا بالدقة ، ولا بالصحة ، بل أعتقد أنها إجابة مضللة، لأنها تستخدم منهجا مأزوما ، يريد أن يقيم أركان وضع استراتيجي جديد ، علي قاعدة وضع استراتيجي قديم ، وأن يقيم احتمالات وضع استراتيجي قائم ، استنادا إلي وضع استراتيجي سابق ، وفي هذا الوضع الاستراتيجي القائم الجديد ، فإن كل العناصر البادية تبدو بالغة التغير ، شديدة الاختلاف ، بدءا من المهام والأهداف الاستراتيجية ، إلي الأدوات العسكرية والخطط الميدانية ، إلي حسابات الاحتمالات الأمريكية ، فوق ميدان المعركة المباشر ، إلي التغير العاصف في أنماط الصراع الدولي ، إلي كسب معركة الوقت والحسم الاستراتيجي ، إلي درجة اشتعال الأزمة في قلب الاقتصاد الأمريكي والدولي ، إلي طبيعة النظرة الاستراتيجية الأمريكية ، لتحديد التهديدات علي المستويين الإقليمي والدولي ، الخ .الخ…
ودون الدخول في التفاصيل، فنحن أمام مسرح استراتيجي جديد ، ورؤى استراتيجية جديدة ، وأهداف استراتيجية جديدة ، تمثل جميعها مفصل تحول في أوضاع الإقليم والعالم ، تأخذ شكل انقلاب استراتيجي كامل ، وقد يكون مفيدا في هذا السياق ، التوقف أمام ثلاثة متغيرات أساسية ، فاعلة في بنية هذا المسرح الاستراتيجي :
• نحن أولا -أمام طور أمريكي جديد – يتسم برؤية استراتيجية جديدة ، لنفسه ودوره وللعالم الفسيح من حوله ، ولإقليم الشرق الأوسط ذاته ، وهو طور أمريكي تهبط به أزمة اقتصادية متفاقمة ، ونزعة إمبراطورية متزايدة، إلي تمثل دور ووظيفة الاستعمار التقليدي ، أي الانتقال من مرحلة إدارة مصالحة في العالم باستخدام أدوات الإكراه السياسي والاقتصادي والاجتماعي ، واستخدام وكلاء محليين في عمليات الإجهاض والتأديب والضغط ، إلي استخدام القوة العسكرية المباشرة ، لبسط نفوذه وسطوته ، علي غرار الظاهرة الاستعمارية ، وقد يكفي للإحاطة بطبيعة هذا الطور الأمريكي الجديد ، ونزعته الإمبراطورية ، وحسه الاستعلائي ، ما ساقه الرئيس بوش بنفسه وهو يقدم في ديسمبر الماضي استراتيجية الأمن القومي الأمريكي في سياق أربعة شروط :
(تحديد التهديد مهمة أمريكية خالصة –تدمير التهديد خيار أمريكي خالص –استخدام كل ترسانة الأسلحة الأمريكية بما في ذلك أسلحة التدمير الشامل حق أمريكي خالص –العمل العسكري بشكل منفرد ، أي خارج نطاق المشروعية الدولية ، اختيار أمريكي خالص) .
وفي سياق هذه الشروط كان طبيعيا أن تتبني الولايات المتحدة ، مبدأ الضربة العسكرية الإجهاضية ، وإذا كان (باول) قد رد في إشارة موحية إلي استلهام سلوك المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ، في الإقليم العربي ، فإن المبدأ نفسه ، ليس ابتكارا إسرائيليا ، ولكنه نقل حرفي ، عن العقيدة العسكرية الألمانية النازية .
ثم أن هذه الشروط الجديدة لنظرية الأمن القومي الأمريكي ، ومبدأها العسكري الحاكم ، قد اختارت الإقليم العربي ، ميدانا مفتوحا ، لاتجاه مجهود عملها العسكري الرئيسي ، وقد أعادت توصيف المنطقة ، وأنظمتها ، وبنيتها السياسية والاجتماعية ، والفكرية والثقافية ، من منظور دراسة مستفيضة لمركز الدراسات الاستراتيجية والسياسية المتقدم في واشنطن ، رأت أنها تضم دولا متداعية ، ليست سوي مخلوقات اصطناعية ، وأن مفهوم الدولة القومية ، ليس صالحا لها ، فقد فشلت في التحديث علي الطريقة الغربية ، وأنه لابد بالتالي من إعادة صياغة الإقليم كله ، وإعادة بناء أوضاعه وتوازناته الاستراتيجية ، ونسخ مفاهيمه التقليدية ، وأن المعركة (لإعادة تعريف العراق والسيطرة عليه ، هي بالاستتباع ، هي معركة للسيطرة علي ميزان القوى في المنطقة كلها علي المدى البعيد ).
ووفق هذا المفهوم ينبغي فهم كلمات شديدة التركيز ، قوية التعبير ، للسيد (ديك تشيني) تقول بالنص :
{ إن مهمتنا ليست قتل الناموس ، وإنما تجفيف المستنقعات }!
• نحن -ثانيا- أمام طور إسرائيلي جديد ، أدق تفسير له ، أن منظومة القوة في إسرائيل ، قد أحكمت سيطرتها علي المجتمع ، وافضل تلخيص له ، هو شخص رئيس وزراء إسرائيل ذاته ، الذي تم استدعاؤه من متحف المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ، ليقود هذا الطور الإسرائيلي الجديد ، باستراتيجيته الجديدة ، في مداها المفتوح.
وفي إطار هذه الاستراتيجية ، فقد تغيرت نظرية الأمن الإسرائيلية ، وفي إطارها- أيضا- فإن الطور الإسرائيلي الجديد ، يندفع إلي مرحلة جديدة في وضعه وتأثيره الإقليمي ، وهي مرحلة يري أنها تصعد به إلي مستوي إقليمي كيفي جديد ، يلي مرحلة تأسيس الدولة العبرية علي يد (بن جوريون) ، بعد أن استكملت إسرائيل مهام "حرب التحرير" الأولي التي بدأت عام 1948 .
وشارون نفسه هو الذي يري أن منطقة الشرق الأوسط هي منطقة (خواء استراتيجي) أي أنها منطقة ساقطة استراتيجيا ، وأن استخدام الجيش الإسرائيلي في عملية تأديب عسكرية ، من حين لآخر ، هو هدر للإمكانية ، وأنه يشبه ، استخدام بئر بترول في إشعال عود ثقاب، بل أنه يري أن هذا النمر الأمريكي ، لا يستطيع أن يقف علي قدميه فوق تخوم الإقليم ، دون مساعدة من القوة الإسرائيلية ، الحليف الحقيقي الوحيد للقوات الأمريكية .
والحقيقة أن مبدأ التوسع الإقليمي ، لم يعد قائما فقط في الخطط العسكرية الإسرائيلية ، ولكنه يعبر عن نفسه في توجهات إقليمية ودولية جديدة ، في مهام الموساد ذاتها ، فهناك متغيرات كيفية فوق خريطة عملها ، تم بموجبها توسيع مسرح عملياتها وأدواتها وأساليبها الميدانية . إن الإسرائيليين أنفسهم هم الذين يتحدثون عن الزيادة الكبيرة التي أضيفت إلي ميزانية الموساد ، رغم الأزمة الاقتصادية ، وعن الانتقال من مرحلة عمليات القتل الانتقائي في الضفة الغربية وقطاع غزة ، إلي عمليات قتل انتقائي في دول أخري، وحسب تحديد صحيفة "أوستريليان" الأسترالية ، فقد سمح لفرق الموت الإسرائيلية بدخول دول صديقة ، وأن عملاء الموساد قد حصلوا علي تصريح بقتل من يشكلون تهديدا لإسرائيل ، وقد تلازم هذا التوسع الكيفي في عمل الموساد ، مع تعيين رئيسها الجديد (مائير داجان) ، الذي وصفه مسئول في المخابرات المركزية الأمريكية بأنه "لديه نزعة للقتل" ، أما عمليات الاغتيالات في المسرح الجديد ، فستقوم بها وحدة خاصة أطلق عليها وحدة (السنكي) ، وقد انبثقت من وحدة أكبر خاصة بالعمليات السرية للموساد هي وحدة (ميتسادا).
أما علي مستوي الخطط العسكرية الإسرائيلية نفسها ، في إطار المسرح الإقليمي ، فيكفي الإشارة فقط إلي أن الجيش الإسرائيلي تجاوز منذ مرحلة التخطيط للهجوم علي العراق ، بهدف ضرب قدراته العسكرية ، فقد وضع الإسرائيليون خططا هجومية بفرق كوماندوز لمهاجمة المواقع الرئاسية العراقية ، والمنشآت الصناعية العسكرية ، وأن التدريب علي هذه الخطط قد تواصل لمدة أربع سنوات كاملة ، أي أنهم من منظور عسكري خالص ، أكثر تأهيلا واستعدادا ، للاندماج في الحملة العسكرية الأمريكية ، بل أن هناك من يري أن العمليات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة ، في عمق غزة ، والتي أخذت شكل جراحات عسكرية حادة ،تنطوي إلي جانب أهدافها العسكرية المباشرة ، علي تدريب ميداني حي ، علي قتال المدن ، لترفع إسرائيل أسهمها كاحتياطي استراتيجي ، يمكن الزج به في مرحلة تالية من الهجوم العسكري الأمريكي علي العراق ، ثم تداعياته الإقليمية التالية .
• وهناك-ثالثا – طور جديد في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية ، وفي البيئة الاستراتيجية المحيطة بهذه العلاقة ، يكفي لتوصيف هذا الطور الجديد ، القول بأن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ، قد تحولت من علاقة تحالف استراتيجي ، إلي علاقة اندماج استراتيجي ، لكن البرهنة علي صحة هذا التوصيف قد تحتاج إلي ما هو أكبر من هذه المساحة .
وللاستدلال فقط – ومن منظور ليس تحليليا ، وليس وصفيا ، فإن مجتمع المخابرات الإسرائيلية ، يلعب الآن دورا رئيسيا ، ليس في الشئون الخاصة بالمخابرات الأمريكية والبريطانية ، تجاه الشرق الأوسط ، وإنما أصبح يلعب دورا رئيسيا ، في مجالات التخطيط الاستراتيجي ، لكل من أمريكا وبريطانيا ، في الشرق الأوسط .
إن الاعتماد علي الدول الصغرى في المنطقة ، ومحاولة احتجاز الدول التاريخية الكبرى ، داخل حدودها المشحونة ، هو تطبيق لاستراتيجية إسرائيلية قديمة ، أطلق عليها { استراتيجية تحالف النجوم } ، وتوصيف المخاطر ، والتهديدات الاستراتيجية في الإقليم ، يكاد أن يكون مكتوبا بحبر إسرائيلي خالص ، وتغيير الإقليم ، وفرض أشكال جديدة ، من الهويات فوق القومية وما تحتها عليه ، يكاد أن يكون نبضا فكريا إسرائيليا خالصا ، وتصفية الفكرة القومية من المنطقة ، وكسر العمود الفقري ، للنظام الإقليمي العربي ، موجود في صلب التخطيط الاستراتيجي الإسرائيلي .الخ..
في حرب الخليج الثانية كان تقدير شيمون بيريز، أن طول سقف المعركة سيتراوح بين 24 ساعة و4 أيام ، وعندما طال أمد المعركة بعد ذلك ، كان (حاييم هيرتزوج) رئيس إسرائيل هو الذي حث بنفسه بوش الأب ، علي استخدام أسلحة نووية ضد العراق ، وفي مرحلة تالية ، عندما وصلت القوات الأمريكية ، إلي مسافة 60 كم جنوب البصرة ، ولم يجازف "باول" بالتقدم لعمق أكبر- كان ديفيد ليفي – كما يروي بنفسه –هو الذي اتصل بوليام براون السفير الأمريكي في إسرائيل، منذرا بأنه إذا لم تحقق أمريكا كافة أهدافها العسكرية ، فإن إسرائيل سوف تتقدم بقوتها لتحقيق هذه الأهداف .
إن الأمر يبدو مختلفا الآن ، فإسرائيل موجودة ليس فقط ، بأعداد من ضباطها في مركز القيادة الفرعي للقيادة الأمريكية ، والذي يقع في قاعدة المفرق الأردنية ، تحت دعوى إدارة عمليات الاستطلاع خلف الخطوط ، في غرب وجنوب العراق ، ولكنها موجودة في صلب التوجه الاستراتيجي الأمريكي ، بعقلها قبل مصالحها ، لقد أشرت من قبل إلي دراسة متأخرة، لمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية المتقدمة في واشنطن ، حملت عنوانه :"التعامل مع الدول المتداعية: استراتيجية موازين قوى غربية وإسرائيلية للهلال الخصيب"، ولكن هناك دراسة أكثر أهمية شكلت ، ليس بأفكارها ، ولكن بأشخاصها أيضا ، صلب التوجه الاستراتيجي الأمريكي ، تجاه العراق ، وتجاه الإقليم ، وهي دراسة صدرت قبل 6 سنوات ، تحت عنوان ( الكسر النظيف ) ، كان المشاركون في إعدادها وصياغتها ، من الجانب الأمريكي المسيطرون الآن علي القرار الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية ، وفي مقدمتهم " ريتشارد بيرل " الرئيس الحالي لمجلس سياسات الدفاع ، وولفيتز وكيل الدفاع ومسئول التخطيط الاستراتيجي ، إضافة إلي "دوجلاس فيث" وكيل الدفاع ، و " ديفيد ويرميرز" وهذه الدراسة هي التي شكلت صلب الرؤية الأمريكية ، ليس بصدد استخدام القوة ضد العراق ، وبعده سوريا ، وإعادة تشكيل الإقليم ، فحسب ولكنها شكلت صلب التوجه الإسرائيلي لإسقاط عملية السلام استراتيجيا ، وتصفية القضية الفلسطينية، بمساندة أمريكية قوية .
وفي نطاق الحديث عن إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية ، فإن "موسى يعالون" رئيس الأركان الإسرائيلي ، هو الذي يقول أن الهجوم العسكري الأمريكي علي العراق ، سيؤدي إلي زلزال إقليمي ، يخلق أوضاعا جديدة ، ويعيد توزيع القوي في المنطقة ، وهو يربط بين مصالح إسرائيل ، ونتائج هذا الزلزال ربطا مباشرا، فالهجوم الناجح سيكون لمصلحة إسرائيل ، وسيقوي- حسب تعبيره- العناصر النفعية العملية في المنطقة ، والهجوم الفاشل سيكون له أثرا سلبيا بالغا علي إسرائيل ، وفي البيئة الاستراتيجية المحيطة بالحرب ، فإنه يري أن تغيير الوضع علي الحدود الشمالية ، يمكن أن يتم بوسائل سياسية ، كما أنه يمكن أن يتم بوسائل عسكرية ، وفي المحصلة النهائية ، فإن إسرائيل ستعين الهجوم الأمريكي كي يكون ناجحا ، ولكنها ستحول دون فشله ، إذا ظهرت تحولات ميللودرامية ، فوق ميدان المعركة ، كيف؟ ، يستحق الأمر مزيدا من التأمل .


إنها ليست الزيارة الأولي للجنرال"تشارلز سمبسون" ، الذي يقيم في إسرائيل منذ الاثنين الماضي ، كمسئول اتصال بين القيادة العسكرية الأمريكية ، وهيئة الأركان الإسرائيلية ، فقد زار "تشارلز سمبسون" ، والذي يشغل الآن موقع المسئول عن العمليات الجوية والفضاء في سلاح الطيران الأمريكي ، إسرائيل ضمن وفد عسكري أمريكي رفيع المستوي ، لتنظيم التعاون العسكري ، استعدادا للحرب ، في شهر نوفمبر الماضي ، رافقه في الزيارة الجنرال " ريتشارد بيكي "، مسئول الدعم اللوجيستيكي، وقد فتح الطريق إلي هذه الزيارة ، بنفسه الجنرال "جيمس متسجر" ، مساعد رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة ، وقد تفقد الوفد مخازن السلاح الأمريكي في إسرائيل ، الذي تتابع وصوله إلي إسرائيل في كميات ضخمة علي متن سفن أفرغت حمولتها في ميناء أشدود ، منذ شهر سبتمبر من العام الماضي .
وقد تبلورت خلال سلسلة من الاجتماعات المشتركة خطة تنسيق أمريكية إسرائيلية ، كان ما تسرب منها لا يشكل قوامها الأصلي بالطبع ، ولكنه يعطي مؤشرات حول طبيعتها ، فقد أتفق علي أن تحصل إسرائيل علي إنذار مبكر ، قبل بدء العمليات ب 72 ساعة ، وأن بوش سيتصل بنفسه بشارون ليعلمه بذلك ، وبعدها سيكون وزير الدفاع الأمريكي ، علي اتصال دائم بوزير الدفاع الإسرائيلي ، وسوف تضع أمريكا في خدمة إسرائيل عدة أقمار صناعية ، تكشف إطلاق الصواريخ العراقية ، ليقل زمن الإنذار المبكر إلي 7 دقائق من لحظة الإطلاق إلي لحظة السقوط ، ومع اللحظة الأولي للهجوم ، سيكون هناك خط تليفون ساخن مفتوح ، بين مكتب شارون ، وبين البيت الأبيض ، وسيتم فتح جسر جوي ، ينقل إلي إسرائيل معدات عسكرية أمريكية إضافية ، تستخدم احتياطيا لاستمرار الهجوم ، كما سيتم تخزين جميع قطع غيار المعدات العسكرية الأمريكية في قواعد إسرائيلية ، وستنتقل في حالة الضرورة ، إلي قواعد في البحرين والكويت ، أما النص الأكثر التهابا في خطوط التنسيق العسكري ، فيقول أنه إذا قررت إسرائيل التدخل عسكريا ، فستبلغ أمريكا مقدما بذلك .
في حيز التنفيذ العملي ، ينبغي التوقف عند عدة نقاط حاسمة :
أولا : أن القوات الإسرائيلية موجودة ومندمجة في إطار عمليات الاستطلاع الميداني ، الذي يرتكز غربا ، علي قاعدة المفرق الأردنية ، وليس هناك في الأبجديات العسكرية ما يسمح ، بالاندماج الميداني في عمليات الاستطلاع ، دون أن يكون هناك دور عسكري مباشر لهذه القوات ، في العمليات العسكرية الميدانية ، حتى لو كان هذا الدور في إطار مهمة تالية ، أو كاحتياطي استراتيجي ، في إطار مهمة محتملة .
ثانيا : إن الإسرائيليين ، أنفسهم هم الذين يقولون أن الضربة الأولي سوف تأتي صواريخها وطائرتها من أمريكا ، ومن قاعدة دييجو جارسيا، ومن حاملات الطائرات ، ثم يلي ذلك فتح قاعدة للقوات البرية والجوية في المنطقة الغربية من العراق ، مع إحكام السيطرة العسكرية علي هذه المنطقة .
وفتح هذه القاعدة ، والارتكاز عليها ليكون محور المجهود الرئيسي للهجوم علي المحور الغربي ، هو في حد ذاته تطبيقا لخطة عسكرية إسرائيلية قديمة ، يقوم فيها الجيش الإسرائيلي نفسه ، برد تهديد الجيش العراقي ، بفتح واحتلال قاعدة هجوم علي هذا المحور غربي العراق ، وهذه المنطقة موقعه علي الخرائط الهجومية الإسرائيلية ، تحت أسم (H3 ) أو (هـ3) .
ثالثا: إن هناك تعقيدات شديدة تواجه القوات العسكرية الأمريكية، علي محوري الهجوم شرقا من الكويت ، وشمالا من المنطقة الكردية ، وفي مؤتمر المعارضة العراقية الذي انعقد في أربيل قبل أيام ، كان (برزاني) هو الذي يتحدث في إشارة واضحة لتركيا ، عن رفض كردي مطلق لأي تدخل إقليمي ، وكان المتحدث بأسم الشيعة في المنطقة الشرقية يتحدث عن رفض مطلق ، لأية صيغة تتضمن احتلالا عسكريا أمريكيا ، إضافة إلي تعقيدات عسكرية أخرى لا مجال للدخول في تفاصيلها ، مما يقطع بأن محور الهجوم المباشر ، الموصول ببغداد مباشرة ، والذي يصب في تمزيق قلب العراق وقلب السلطة هو المحور الغربي ، وهو ذاته المحور الموصول بإسرائيل برا ، عبر الأردن ، والموصول بالتالي ، بالقوات البرية الإسرائيلية.
رابعا : إن البيئة الاستراتيجية المحيطة بالعمليات العسكرية ، وكذلك البيئة الدولية ذاتها ، تفرض علي الولايات المتحدة أن تتوفر لعملياتها العسكرية ثلاثة شروط لا غني عنها :
1. أن تكون المعركة سريعة ، ومن الأفضل أن تكون خاطفة .
2. ألا يترتب علي التدخل العسكري ، خسائر بشرية مؤثرة في صفوف القوات الأمريكية والبريطانية .
3. أن يتمكن الهجوم الأمريكي من الوصول إلي حالة حسم عسكري استراتيجي كامل ، فلا مجال لترك المعركة مفتوحة الميدان ، أو معلقة النتائج .
خامسا : إن الشروط الثلاثة السابقة ليست مستقلة عن نتائج دراسات أمريكية وبريطانية ، لنتائج وخيمة سوف تترتب علي طول سقف المعركة ، أو ارتفاع الخسائر البشرية ، أو عدم تحقيق حسم عسكري ، ، لأن معركة سريعة في أوج أزمة اقتصادية أمريكية خانقة ، ستخفض سعر البترول من 32 دولار إلي 20 دولار ، لكن إطالة سقف المعركة ، أكثر من 3 أسابيع ، سيرفع سعر البترول بنسبة 10 إلي 15 %، وهو احتمال يقدره الأمريكيون بنسبة 50% ، أما اتساع سقف المعركة إلي 3 شهور ، فسوف يعني ارتفاع أسعار برميل البترول ، إلي 80 دولارا ، وهو ما يمكن أن يعني مقدمة انهيار كامل في الاقتصاد الأمريكي ، بكل انعكاساته علي الاقتصاد العالمي .
سادسا : إذا طال أمد الحرب ، ولم تصل أمريكا غلي حسم استراتيجي ، تحت سقف قصير ، فسوف يكون لديها خياران :
1. دمج وتعميق دور إسرائيل في المواجهة العسكرية .
2. استخدام قنابل نووية تكتيكية (B 621-11 )، التي تمثل 3% من قنبلة هيروشيما .
وكلا الخيارين في المحصلة النهائية يبدو مرتبطا بدور إسرائيلي مباشر في الحرب.
سابعا : أن العراق لم يعد يملك في هذه الحالة إلا اللجوء إلي "الخيار شمشون" ، وقد وزع وحداته العسكرية الضاربة ، في شكل وحدات صغيرة ، لإجبار الأمريكيين علي حرب المدن ، وهو نمط عسكري ليس لديهم خبرات يعتد بها فيه ، إضافة إلي طبيعة الرد العسكري العراقي ، الذي يري الأمريكيون أنفسهم ، أنه رغم كل الأوضاع العسكرية العراقية ، التي تعكسها موازين القوى المختلة ، يمكن أن يكون مفاجئا ، ويمكن أن يكون مؤثرا في حسم نتيجة المواجهة العسكرية ، وفي إطالة أمد المواجهة.

إذا حقق الأمريكيون شروطهم السابقة فسوف يبقي الإسرائيليون في موقعهم علي حافة الهجمة العسكرية الأمريكية ، وربما اختاروا تحت الدخان الثقيل للمعركة ، أن يوجهوا جانبا من أسلحتهم شمالا ، ليخفضوا مستوي الفعل العسكري الأمريكي ، في المرحلة التالية من الهجوم الأمريكي،تحت دعوى تخفيض مستوي التهديد.
أما إذا لم يحقق الأمريكيون شروطهم فإن دمج إسرائيل في المعركة ضد العراق ، وضد الإقليم ، سوف يتحول من احتمال إلي يقين ، وأغلب الظن عندي أن ذلك سيحدث ، وأغلب الظن عندي ، أنها فرصة إسرائيل التاريخية ، لكي تضطلع بوظيفة ودور القوة الإقليمية الكبرى ، في إقليم لن نعدم من يصفه بعد سنوات بأنه كان عربيا ، وكان مسلما !




10/3/2003

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :