المسألة اليهودية     


بقلم : أحمد عز الدين

أختار الروائي الروسي الشهير " ديستوفسكي " ، أن يكتب فصلا في كتابه : " يوميات كاتب " ، تحت هذا العنوان : المسألة اليهودية ، والذي يكاد أن يكون عنواناً دارجاً كتب تحته عشرات الكتاب في العالم ، عن خصوصية وضع اليهودي في المجتمع الذي ينتمي إليه ، والحقيقة أن هذه الخصوصية ظلت محل استبصار في أعماق إبداعية عديدة ، حتى قبل أن تبدأ الحركة الصهيونية في تعميم قماش أسطورتها العنصرية عن أرض الميعاد وشعب الله المختار ، باعتبارها الحل التاريخي للمسألة اليهودية .
ورغم أن ديستوفسكي وهو واحد من الذين تصطف أعمالهم حتى اليوم في مقدمة الإبداع الروائي للبشرية جمعاء، قد كتب هذا الفصل في عام 1877 ونشره باللغة الروسية القديمة عام 1895 ، إلا أن هذا الفصل قد تم تغييبه سواء عن بقية فصول الكتاب ، في الطبعات التالية أو سواء عن مجلدات أعماله الكاملة التي تم إصدارها بعد ذلك ، وسوف يحمد التاريخ الأدبي والفكري للدكتور أشرف الصباغ ، أنه نقب عن النص الأصلي في مكتبة موسكو المركزية ، وقام بترجمته ، بعد ما يزيد عن مائة عام على صدوره ، فهذا النص لا يكتسب أهميته فقط من نسبه إلى تركة موهبة إنسانية عظيمة وإنما يكتسب أهميته كذلك من أنه يعد وثيقة فكرية بالغة الأهمية مشحونة بأبعاد سياسية وثقافية واجتماعية للمسألة اليهودية في سياقها التاريخي ، وتطورها ، ليس فقط في روسيا وإنما في العالم أجمع .
وبالرغم من أن هذه الوثيقة التاريخية ، تنطوي على أهمية استثنائية بالنسبة لنا كعرب ، فلم يتوقف أحد أمامها في الوطن العربي ، مع أننا حملنا وحدنا بالنتائج المأساوية لحل هذه المسألة اليهودية ، وفق المقولة الشائعة التي أعاد ترديدها الرئيس كلينتون مؤخراً ، شعب بلا أرض إلى أرض بلا شعب " وهو أمر كان يمكن أن يمثل مدخلا فكرياً صحيحاً لمناقشة ، احتفال الأسطورة الصهيونية بمرور خمسين عاما على تجسيدها في دولة قومية .
إن الحديث عن المشكلة اليهودية ، يكاد الآن أن يكون مغامرة محفوفة بالمخاطر ، فإسرائيل تقوم على أساس ديني ، وهي دولة دينية المضمون دون شك ، تأسست تحت قشرة عصرية قومية وهمية ، لكن الحديث رغم ذلك عن الإسرائيليين كيهود ، يمكن أن يدرج تلقائيا في نطاق العداء المكرور للسامية ، فنحن بصدد حالة فريدة في تاريخ الدولة القومية ، إطار سياسي مازال يتخاصم حول تحديد من هو اليهودي ، ليكون مواطنا كامل الأهلية في انتسابه إلى ذلك الإطار ، ورغم ذلك يرفض أن يتحدث عنه الآخرون ، وفق مفهومه الذاتي ، كتجمع بشر يوحدهم انتسابهم إلى اليهودية كدين ، وهو يتحدث عن اليهود في العالم كوحدة واحدة ، من خلال مفهوم " الشتات " ويدين في الوقت نفسه الحديث عن الصهيونية كظاهرة عنصرية استيطانية ذات طبيعة دينية ، إن جزءا في الحقيقة من معالجة ، ديستوفسكي للمسألة اليهودية ، تقترب مبكرا جدا من هذا المعنى ، فهو يرفض تماما أن يكون ثمة يهودي دون رب ، وهو ينتفض قائلا : " يهودي دون رب ، أمر لا يصدق يهودي دون رب أمر يستحيل تصوره " ولهذا فهو يرى أن المثقفين اليهود الذين يتحدثون عن تحررهم من اليهودية ، ويجهرون بعلمانيتهم لم يكفوا في الحقيقة عن حمل أساطيرهم وخرافاتهم معهم .
أريد أن أتوقف أولاً عند بعض نقاط محددة تثيرها هذه الوثيقة ، وأرجو ألا يكون اختزالها ، مخلا بمبناها ومعناها ، يقول ديستويفسكي :
1. " للوهلة الأولى أعرف شيئا واحداً ، ربما لا يوجد ككل هذا الشعب الآخر ، الذي في كل دقيقة ، وفي كل خطوة ، وفي كل كلمة من كلماته ، قد تشكى من مصيره ، وذله وعذاباته ، وآلامه " .
2. " لا يوجد لدى شعبنا " الروسي " ، أي كره متحامل وغبي ، وغير مبني على التجربة تجاه اليهود ، على شاكلة يهوذا هو الذي خان المسيح ، إن شعبنا ينظر كله إلى اليهودي ، دون أي كره متحايل ، فلم يحتقرهم أحد ، ولم يستثنهم أحد أو يطردهم " .
3. " ولكن أنظر ماذا حدث ، كان اليهود يتجنبون الروس في الكثير ، يرفضون الأكل معهم ، وينظرون باستعلاء ( حتى في السجون ) ، بل كانوا يبدون ، تقززهم ، واشمئزازهم بشكل عام ، من كل ما هو روسي ، ومن الشعب الأصلي " .
4. " لقد راودتني أحيانا ، فانتازيا ، ماذا لو لم يكن اليهود في روسيا هم الثلاثة ملايين ، وإنما الروس ، بينما كان اليهود هم الثمانون مليون ، هل كان من الممكن أن يمنحوهم حقوقا متساوية ، مقارنة بأنفسهم ، هل كان يمكن أن يتيحوا لهم فرصة الصلاة في حرية ، أم أنهم كانوا سيحولونهم إلى عبيد لديهم ، والأسوأ من ذلك ، أن يسلخوا جلودهم تماما ، وربما ضربوهم ليصل الأمر إلى الإبادة ، كما فعلوا مع الشعوب الأخرى ، قديما في تاريخهم العتيق " .
5. " إن اليهودية تزدهر في تلك الأماكن التي يكون فيها الشعب جاهلاً فظاً أو غير حر ، أو متخلفاً اقتصاديا ، هناك فقط يصيرون سادة وأحراراً ، وبدلا من أن يحدث العكس ، بأن يرفعوا بنفوذهم مستوى التعليم ، ويعملوا على زيادة المعرفة ، وتوليد القدرة الاقتصادية ، لدى السكان الأصليين ، بدلا من ذلك ، نجد اليهودي ، إينما حل وأقام ، أذل الشعب ، وأفسد فيه ، وإزدادت البشرية ذلا وخنوعا ، وانتشر بشكل أفظع فقر محكم غير إنساني ، ينمو معه اليأس ويترعرع ، أسألوا السكان الأصليين في إنحاء البلاد ، ماذا يحرك اليهود ، وماذا حركهم طوال السنين الماضية ؟ ستحصلون على ـ إجابة واحدة : " عدم الرحمة ، عدم الرحمة تجاهنا ، وفقط الإرتواء بعرقنا ودمنا " .
6. " إن هذا الشعب لا يستطيع العيش من دون ( الجيتو ) ، إنني حين أتحدث عن ( الجيتو ) ، لا أود إطلاقا توجيه أي إتهام ، لكن فيما يكمن مغزى ( الجيتو ) ، وفيم تتمحور فكرته ، وما هو جوهر هذه الفكرة ؟ " .

" من دون التغلغل في جوهر الموضوع وعمقه ، يمكن وصف ولو بعض ملامح هذا الجيتو ، أو على الأقل ما يظهر من هذه الملامح : الإحساس بالاغتراب ، والعزلة على مستوى التحجر الديني ، وعدم القدرة على الاندماج والإيمان بأنه لا يوجد في العالم سوى شخصية قومية واحدة ، إلا وهي الشخصية اليهودية ، وحتى أن كان الآخرون موجودين ، فالأمر سيان يجب النظر إليهم وكأنهم غير موجودين ، " أخرج من بين الشعوب ، وشكل ذاتك ، وأعلم أنك الوحيد حتى الآن لدى الإله ، إسحق الآخرين ، أو خذهم عبيداً ، أو استغلهم ، ثق بانتصارك على العالم أجمع ، وثق بان كل شئ سيخضع لك " ها هو جوهر فكرة " الجيتو " .
من جانبي سأحاول أن أقف في عجالة مفروضة عند بعض الملاحظات :
أولا : أن أكثر ما يستوقف المرء في هذه الوثيقة :
1. تاريخية الشكاية اليهودية ، أي استمرار الصراخ الجماعي المتزامن من المصير والعذابات والآلام على حد تعبير ديستويفسكي ، وقد كان ذلك سابقا بسنوات على ظهور النازية.
2. افتراضية ديستويفسكي الفانتازيا عن نتائج انقلاب موازين القوى الديموجرافية في روسيا لصالح اليهود ، فقد انتهى إلى أن ذلك سيعني " الإبادة التامة للشعب الروسي " المهم أن ذلك هو نتائج انقلاب موازين القوى ، بأي معنى عند الطرف الأخر .
3. تاريخية الجيتو ، والتمسك بجدرانه ، ووجود حس تاريخ عام رافض لفكرة الإندماج أو الذوبان ، في المحيط الوطني والإنساني ، وهو ما يعزز التفسير الذي سقته أكثر من مرة ، من أن اغتيال " رابين " قد تم على سلالم الجيتو ، وأن نتنياهو في التحليل النهائي ، يمثل هذا الحس التاريخي وهو ما أسميته " التكوين النفسي للصهيونية السياسية " .
ثانيا : قد تصطدم هذه الملاحظات بآراء عالم مصري فقيه هو د. عبد الوهاب المسيري ، الذي يرفض ما أطلق عليه الرؤية الاختزالية التآمرية التي تسقط عن اليهود زمنهم وتركيبتهم وإنسانيتهم ، تحت اعتبار أنهم يكونون تاريخيا كلا واحدا متجانساً لا يخضع للحركات الاجتماعية التي يعيش فيها ، ومن المؤكد أن هذا رأي علمي صحيح ، لكنه من المؤكد أيضا أننا لسنا بصدد خيارين ، متناقضين تماماً ، يشبه الجمع بين زوجتين شرعيتين في المسيحية ، أي أننا يمكن أن نرى خصوصية الحالة اليهودية ، ومن ثم الحركة الصهيونية ، ونرى في الوقت نفسه ، ارتباطها وتلازمها ، مع التطور الفكري والسياسي ، في الغرب عموما ، فلا تناقض بين اندماج الفكرة الصهيونية ، في الظاهرة الاستعمارية أو الامبريالية ، وبين استقلالها النسبي في الوقت نفسه . .
ثالثا : إن رفض فكرة الخصوصية اليهودية أو الصهيونية ، وعدم تمييزها عن الامبريالية التي تغذت عليها ، ينتهي في التحليل الأخير عند د. عبد الوهاب المسيري ، إلى أن الحركة الصهيونية ، على حد تعبيره هي مجرد أداة في يد الاستعمار والامبريالية ، كما أن القبول باستقلال الخصوصية اليهودية والصهيونية ، يمكن أن ينتهي عند غيره إلى أن الحركة الصهيونية هي التي حولت الامبريالية إلى أداة لخدمة أهدافها ، وكلا التفسيرين في النهاية يقبل الدحض ، لأننا نوضع ثانية أمام نفس الخيارين على أنهما متناقضين تماماً ، إذ لابد في النهاية أن تكون الامبريالية هي التي أستخدمت الصهيونية أو العكس ، ولعل فكرة الجماعة الوظيفية " نفسها " التي تطول الدور اليهودي أو الصهيوني ، لا تعني بدورها ، إلا شكلا من أشكال الإندماج الوظيفي ، إذ ليس ثمة تناقض بين أن يكون اليهود قد اندمجوا وظيفيا في مجتمعاتهم أو في الظاهرة الاستعمارية ، واحتفظوا بخصوصيتهم في الوقت نفسه ، وأن ذلك حقق أكثر من غيره حالة من التكامل الوظيفي بين الأدوار والحاجات والأهداف .
إن حزب البوند " ـ مثلا ـ الذي يعد علامة على اندماج الحركة اليهودية في التيار التقدمي في أوربا الشرقية ، شكل بدوره اندماجا وظيفيا ، ولكنه استند إلى الخصوصية اليهودية ، ولذلك رأى فيه لينين بالفاظة عملا عنصريا ، وانتهازيا ورجعيا .
إن المسألة اليهودية " فوق مائدة ، ديستويفسكي ، ما تزال حافلة ولذلك أرجو أن تجد فرصة ، لكي تتنفس كاملة ، من خلال صحفية مصرية ! .



 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :