العودة إلى البديهيات في الساعة الرابعة والعشرين !     


بقلم : أحمد عز الدين

1. بديهيات المسألة
أجد أنني مضطر إلى إعادة ما سبق وأن كتبته حول هذه البديهيات .
لقد خرجت عشرات الكتب إلى النور خلال القرنين الماضيين ، تحت عنوان موحد هو : ( المسألة اليهودية ) ، موصولة بالحديث عن خصوصية وضع اليهودي ، في المجمع الذي ينتمي إليه ، أو يعيش فيه . وقد زحفت معالجة هذه الخصوصية الحرجة ، من الكتب السياسية والتاريخية ، وأطلت بوجهها من أعمال إبداعية ، روائية ومسرحية حتى قبل أن تبدأ الحركة الصهيونية في نسج قماش أسطورتها العنصرية ، عن شعب الله المختار ، وعن " أرض الميعاد " باعتبارها الحل التاريخي لهذه المسألة اليهودية .
لكن واحدة من أهم المعالجات لهذه المسألة ، تنتسب إلى أحد الذين تصطف أعمالهم حتى اليوم في مقدمة الإبداع الروائي الروسي الأشهر ( ديستوفسكي )، فقد اختار أن يكتب ، فصلا في كتاب معروف له هو ( يوميات كاتب ) تحت العنوان الدارج نفسه ( المسألة اليهودية ) ، وذلك في عام 1877 ، لكن المدهش أن الكتاب لم يجد طريقه إلى النشر باللغة الروسية القديمة ، إلا في عام 1895 ، أما الأكثر مدعاة للدهشة ، فهو أن هذا الفصل بالتحديد ، قد تم نزعه من بقية فصول الكتاب ، سواء في طبعاته الروسية التالية ، أو في مجلدات أعماله الكامله ، التي صدرت بعد عشرات السنين ، بكل اللغات الحية ، ولذلك سوف يحمد التاريخ الأدبي للدكتور أشرف صباغ ، أنه نقب عن هذا النص الغائب في مكتبه موسكو المركزية ، حتى عثر عليه وقام بترجمته بعد ما يزيد عن مائة عام على صدوره ، فأهمية هذا النص لا ترجع فقط إلى نسبه لموهبة إنسانية فذة ، وإنما أيضا إلى أنه يعد وثيقة فكرية مشحونة بأبعاد سياسية وثقافية واجتماعية للمسألة اليهودية ، في سياقها التاريخي ، وتطورها ، ليس فقط في روسيا ، وإنما في العامل أجمع ، وليس فقط في حدود وعائها الزمني الضيق ، وإنما في تجلياتها المفتوحة ، عبر التاريخ .
بالرغم من أن هذه الوثيقة الفكرية التاريخية ، تنطوي على أهمية استثنائية لنا نحن العرب ، فلم نتوقف أمامها ، استبصاراً ، أو استثماراً ، مع أننا حملنا وحدنا بالنتائج المأساوية لحل هذه المسألة اليهودية ، ربما لأن الحديث عن المسألة اليهودية ، يكاد الآن أن يكون مغامرة محفوفة بالمخاطر ، فإسرائيل تقوم على أساس ديني ، وهي دولة دينية المضمون دون شك ، تأسست تحت قشرة عصرية قومية وهمية ، لكن الحديث رغم ذلك ، عن الإسرائيليين كيهود ، يمكن أن يصنف تلقائياً في نطاق العداء المكرور للسامية ، فنحن بصدد حالة فريدة ، في تاريخ الدولة القومية : إطار سياسي مازال يتخاصم حول تحديد من هو اليهودي ، ليكون مواطنا كامل الأهلية في انتسابه إليه ، ورغم ذلك يرفض أن يتحدث عنه الآخرون ، وفق مفهومة الذاتي ، كتجمع ليشر يوحدهم أنتسابهم إلى اليهودية كدين ، وهو يتحدث عن اليهود في العالم كوحدة واحدة ، من خلال مفهوم الشتات ، ويدين في الوقت نفسه الحديث عن الصهيونية ، كظاهرة عنصرية استيطانية ، ذات طبيعة دينية ، إن جزءا من معالجة ( ديستوفسكي ) للمسألة اليهودية ، تقترب مبكراً جدا من هذا المعنى ، فهو يرفض تماما ، أن يكون ثمة يهودي دون رب ، منتفضا يقول : " يهودي " دون رب ، أمر لا يصدق ، يهودي دون رب ، أمر مستحيل تصوره ، ولهذا فهو يرى أن المثقفين اليهود ، الذين يتحدثون عن تحررهم من اليهودية ، ويجهرون بأنهم علمانيين خالصين ، لم يكفوا في الحقيقة ، عن حمل أساطيرهم ، وخرافاتهم معهم .
إن التوقف عند بعض النقاط البارزة في وثيقة " ديستوفسكي " ، قد يكون مفيداً ، في العودة إلى بعض البديهيات ، تقول الوثيقة :
1. " للوهلة الأولى أعرف شيئا واحداً ، ربما لا يوجد ككل هذا الشعب الآخر ، الذي في كل دقيقة ، وفي كل خطوة ، وفي كل كلمة من كلماته ، قد تشكى من مصيره ، وذله وعذاباته ، وآلامه " .
2. " لا يوجد لدى شعبنا " الروسي " ، أي كره متحامل وغبي ، وغير مبني على التجربة تجاه اليهود ، على شاكلة يهوذا هو الذي خان المسيح ، إن شعبنا ينظر كله إلى اليهودي ، دون أي كره متحايل ، فلم يحتقرهم أحد ، ولم يستثنهم أحد أو يطردهم " .
3. " ولكن أنظر ماذا حدث ، كان اليهود يتجنبون الروس في الكثير ، يرفضون الأكل معهم ، وينظرون باستعلاء ( حتى في السجون ) ، بل كانوا يبدون ، تقززهم ، واشمئزازهم بشكل عام ، من كل ما هو روسي ، ومن الشعب الأصلي " .
4. " لقد راودتني أحيانا ، فانتازيا ، ماذا لو لم يكن اليهود في روسيا هم الثلاثة ملايين ، وإنما الروس ، بينما كان اليهود هم الثمانون مليون ، هل كان من الممكن أن يمنحوهم حقوقا متساوية ، مقارنة بأنفسهم ، هل كان يمكن أن يتيحوا لهم فرصة الصلاة في حرية ، أم أنهم كانوا سيحولونهم إلى عبيد لديهم ، والأسوأ من ذلك ، أن يسلخوا جلودهم تماما ، وربما ضربوهم ليصل الأمر إلى الإبادة ، كما فعلوا مع الشعوب الأخرى ، قديما في تاريخهم العتيق " .
5. " إن اليهودية تزدهر في تلك الأماكن التي يكون فيها الشعب جاهلاً فظاً أو غير حر ، أو متخلفاً اقتصاديا ، هناك فقط يصيرون سادة وأحراراً ، وبدلا من أن يحدث العكس ، بأن يرفعوا بنفوذهم مستوى التعليم ، ويعملوا على زيادة المعرفة ، وتوليد القدرة الاقتصادية ، لدى السكان الأصليين ، بدلا من ذلك ، نجد اليهودي ، إينما حل وأقام ، أذل الشعب ، وأفسد فيه ، وإزدادت البشرية ذلا وخنوعا ، وانتشر بشكل أفظع فقر محكم غير إنساني ، ينمو معه اليأس ويترعرع ، أسألوا السكان الأصليين في إنحاء البلاد ، ماذا يحرك اليهود ، وماذا حركهم طوال السنين الماضية ؟ ستحصلون على ـ إجابة واحدة : " عدم الرحمة ، عدم الرحمة تجاهنا ، وفقط الإرتواء بعرقنا ودمنا " .
6. " إن هذا الشعب لا يستطيع العيش من دون ( الجيتو ) ، إنني حين أتحدث عن ( الجيتو ) ، لا أود إطلاقا توجيه أي إتهام ، لكن فيما يكمن مغزى ( الجيتو ) ، وفيم تتمحور فكرته ، وما هو جوهر هذه الفكرة ؟ .

" من دون التغلغل في الموضوع وعمقه ، يمكن وصف ولو بعض ملامح هذا الجيتو ، أو على الأقل ما يظهر من ، هذه الملامح : الإحساس بالاغتراب ، والعزلة على مستوى التحجر الديني ، وعدم القدرة على الإندماج ، والإيمان بأنه لا يوجد في العالم سوى شخصية قومية واحدة ، ألا وهي الشخصية اليهودية ، وحتى إذا كان الآخرون موجودين ، فالأمر سيان ، يجب النظر إليهم ، وكأنهم غير موجودين ( أخرج من بين الشعوب ، وشكل ذاتك ، وأعلم أنك الوحيد حتى الآن لدى الإله إسحق الآخرين ، أو خذهم عبيداً ، أو استغلهم ، ثق بأنتصارك على العالم أجمع ، وثق بأن كل شيء سيخضع لك ) هذا هو جوهر فكرة الجيتو " .
والحقيقة أن وثيقة ديستوفسكي ، لا تعود بنا إلى أصول المسألة فحسب ، بل تعود بنا إلى البديهيات التي أغرقتها قنابل الدخان ، خلال أكثر من ربع قرن من الصراع العربي الإسرائيلي ، فبعيداً عن مبدأ تاريخية الشكاية اليهودية ، قبل ظهور النازية بعشرات السنين ، فإن مبدأ تاريخية الجيتو ، ورفض فكرة الذوبان والإندماج ، التي لا يمكن إلا أن تقوم على المساواة والسلام والعدل ، هو ما يستحق التوقف حقا ، ذلك أنني أحد الذين يعتقدون أن الصهيونية الاقتصادية التي كانت تتحدث عن شرق أوسط جديد ، قد جفت منابعها داخل إسرائيل ، وأن عملية اغتيال رابين ، تمت على سلالم الجيتو ، وأن صعود شارون إلى سدة الحكم في إسرائيل ، ومعه وزارته الائتلافية ، يمثل أقصى درجات تعبئة الغريزة الصهيونية ، تمسكا بالجيتو ، ودفاعا عن بقائه وديمومته ، والأمر قد يبدو على شاكلة ذلك الاقتراح الذي قدمه جنرال إسرائيلي ، إنشغل بعض الوقت ، بالدراسات الإكاديمية ، والذي وجد حل المشكلة الإسرائيلية في أن تحيط إسرائيل نفسها بسياج نووي قوي ، أي بجيتو نووي مستحدث ، وأن تغلق على نفسها هذا الجيتو النووي ، وأن تنتظر خلف جدرانه مائة عام أخرى ، حتى تنتهي عملية التحديث في العالم العربي ، فعندما ينعم العالم العربي بالحداثة والديموقراطية بعد مائة عام ، يمكن للمصالحة التاريخية أن تتم ، ويمكن للجيتو الإسرائيلي ، أن يفتح أبوابه ، ويرفع أسواره ويمكن بالتالي لمشروع السلام ـ الذي سقط استراتيجياً ، أن يعيد ترميم نفسه من جديد ! .

2. البديهيات الجديدة داخل الجيتو :
إذا كان كاتب إسرائيلي ، هو الذي أجهض توقَع كاتب عربي بأن " شارون " في موقع رئيس الحكومة يمكن أن يغير من أفكاره حين رد قائلا : " أن البشر في هذا العمر لا يغيرون من أفكارهم " ، فإن " بن جوريون " نفسه هو الذي يمكنه أن يجهض تفاؤل كاتب عربي آخر ، بوجود شيمون بيريز في موقع وزير الخارجية ، بقوله قبل أكثر من أربعة عقود : " أن وزير الدفاع هو الذي يصنع السياسة الخارجية الإسرائيلية ، أما مهمة وزير الخارجية فهي تفسير هذه السياسة وإقناع الآخرين بها " ، وفي كل الأحوال فإن مفردات الذين يفكرون داخل الجيتو ، تبدو مختلفة عن مفردات الفلسطينيين ، ومنطقهم يبدو مختلفا عن منطقنا ، ومع انه ليس هناك خريطة متكاملة ، تحدد طبيعة ومسار تفكير أولئك الذين يجلسون في المقاعد الأمامية داخل الجيتو الآن ، إلا أنه يمكن صياغة خريطة تقريبية ، من خلال ربط مفردات الخطاب الإسرائيلي ، الحكومي والإعلامي والأكاديمي ، قد تعين على التتبع والسير : .
1. رغم ما يبدو على الفلسطينيين من ضعف شديد ، فسيكون بمقدورهم ـ على حد تعبير الجنرال موشى بوجي نائب رئيس الأركان ، أن يواجهوا تحديا يصل إلى حد التهديد بإنهاء الوجود الإسرائيلي ، ولذلك يجب عدم قياس قدرتهم ، بعدد البنادق التي يملكونها .
2. بعد نشوب العنف ـ على حد تعبير بوجي أيضاً ـ فإن احتمالات الحرب زادت بشكل محدود ، لكن إذا حدث وأصبحت إسرائيل في وضع تصعيد وتدهور إقليمي ، فإنها ستجد نفسها ، في وضع الحرب الشاملة .
3. تداعيات المشكلة التي تواجه إسرائيل ، وصلت إلى حجم لم تصل إليه منذ حرب عام 1948 ، ولذلك يجب أن ندرس ونفهم ، ما يتطرق إليه الفلسطينييون ـ كخط استراتيجي خلفي ، بالنسبة لهم ، وهذا الخط الاستراتيجي الخلفي هو العالم العربي .
4. لا ينبغي أن تكون نقطة الانطلاق في تقييم وحساب أي وضع أمني ، هي الأوضاع الراهنة ، وإنما التوقعات بإمكانية وجود أو نشوء أي تغييرات جذرية في المستقبل القريب ، ولذلك لا توجد أي تأكيدات ، إن إمكانية الحرب العربية الإسرائيلية ستظل ضعيفة في المدى المتوسط ، حيث يمكن أن تتغير الظروف ، بشكل دراماتيكي .
5. ينبغي الارتكاز بشكل كامل على مفهوم ، القدرات الدفاعية بعيدة المدى " بعيدا عن مفهوم " الحدود الدفاعية " لأن الحدود الدفاعية وحدها غير قادرة على منع الحرب ، فحدود حرب عام 1967 ، لم تمنع من شن حرب اكتوبر 1973 .
6. رغم أن اتفاقية السلام مع الأردن تلزمه بمنع أي قوات معادية لإسرائيل من الوصول إليها ، ورغم أن إسرائيل تستطيع أن تدافع عن نفسها في مواجهة أي هجمات محتملة من الجبهة الشرقية ، بنشر قواتها في الأراضي المتاخمة لوادي الأردن التي تسيطر عليها ، فإن أمن إسرائيل لا يمكن أن يترك معلقا باحتمالات ديمومة الاستقرار في الأردن ، ولذلك فإن تأمين الجبهة الشرقية ، يتطلب السيطرة العسكرية على وادي الأردن ، سواء كخط دفاعي في مواجهة انتشار القوات المعادية لإسرائيل في شرق نهر الأردن ، أو سواء كسيطرة مباشرة على معابر نهر الأردن ، لتأمين القيود المفروضة على نقل السلاح . ( لاحظ أن وزير السياحة في حكومة شارون الجنرال رحبعام زئيفي ، افتتح عمله السياحي بقوله أن الأردن جزء من إسرائيل ) .
7. هناك نمو مقلق في التهديدات الأمنية بعد وصول صواريخ أرض أرض مداها من 60 إلى 70 كم إلى أيدي حزب الله ، فقد اتسع مدى التهديدات السابقة بسلاح الكاتيوشا ، والتي كانت تطول 250 ألف إسرائيلي ، إلى تهديدات مستجدة تطول 850 ألف إسرائيلي ، يعيشون في المنطقة الشمالية ، وحماية هذا الحجم من السكان ، بدرجة عالية من الكفاءة ، يتطلب تكلفة يصعب توفيرها الآن ، ولذلك ينبغي وضع الرد على خيار استخدام هذه الصواريخ ، ضد إسرائيل في الحسابات الدفاعية المباشرة ، لأن قصف البنية التحتية اللبنانية لن يكون كافيا ، وإنما توجيه ضربات مباشرة إلى الوجود السوري في سهل البقاع ، وهو ما سيؤدي تلقائياً إلى توسيع المواجهة العسكرية مع سوريا . ( لاحظ أن وزير الدفاع بنيامين إليعاذر أفتتاح عمله بقوله : إنني أحمل سوريا مسئولية عمليات حزب الله) .
8. ينبغي تجهيز مبررات أخرى ، تبدو متماسكة ومنطقية ، يتيح التعلل بها ، توجيه ضربة إجهاضية إلى العمق اللبناني أو الوجود السوري به ، إذا إقتضت الحاجة توجيه هذه الضربة ، بدون أن يتم إطلاق الصواريخ ضد إسرائيل . ( تمثل اتهام إسرائيل للبنان قبل يومين ، بالعمل على تحويل نهر الحصباني الذي يجري مسافة 50 كم في لبنان ، ثم على امتداد نهر الأردن ، قبل أن يصب طرفه في بحيرة طبرية ، وكما علق متحدث إسرائيلي رسمي : إن لبنان يسعى إلى تحويل مجرى نهر يصل إلى إسرائيل ، وهذا أمر خطير وسنرد عليه ، أو كما علق مدير شركة المياه الإسرائيلية الجنرال ساجي : آمل أن تعرف إسرائيل كيف تدافع عن مصالحها ، لأن الماء عنصر إستراتيجي ، يتعلق بالأمن .
9. إذا كانت البداية تتطلب تطبيق خطة شارون ( خطة المائة يوم ) لتقطيع أوصال الضفة الغربية وقطاع غزة ، بتقسيم الضفة إلى ثلاثة وأربعين جزءا ، والقطاع إلى أربعة أجزاء ، يخضع كل جزء لقيادة عسكرية ووحدة مستقلة ، فإن الخطوة التالية ، هي تطبيق خطة الفصل بين أراضي إسرائيلية ومستوطناتها ، وما سيترك من مساحة للفلسطينيين ، وهذا الفصل إنما يهدف ـ بصياغة موشى شاحال ـ إلى " الارتقاء على نحو جوهري بمستوى السيطرة والمراقبة على من ينتقلون من الأراضي إلى داخل إسرائيل ، وتحقيق أقصى درجات الفصل بيننا وبين الفلسطينيين ، لتظل القدس موحدة مع تكثيف وجود الأمن بها وإغلاق الطرق العشوائية الممتدة من الضفة وغزة إلى القدس " . أما السلطة الفلسطينيية ، فيجب أن تترك لإنهيار تدريجي دون تدخل مباشر ، ولن يطول الانتظار حتى يحدث الإنهيار تلقائياً ( أو على حد تعبير كاتب إسرائيلي : أن ينهى عرفات حياته ليس بلا دولة فلسطينية ، فقط ، وإنما أيضا في المنفي .
10.العودة إلى الردع النووي بالظن أو إلى سياسة ( القنبلة في القبو ) مع ازدياد حدة التأثير العربي لنزع السلاح النووي الإسرائيلي ، تبدو أكثر مواءمة الآن ، إضافة إلى أن تطبيع العلاقات في إطار ردع نووي ، يحتاج إلى ظروف أخرى ، أكثر ملاءمة مع القبول بالحلول النهائية المقترحة .
ولذلك على الولايات المتحدة ، أن تقبل العودة إلى مذكرة تفاهم قديمة (1969) تمتنع إسرائيل بموجبها عن الإدلاء بأية معلومات عن قدراتها النووية ( وهو ما لا تفعله أصلا ) وعدم إجراء أي تجارب نووية ( وهو ما فعلته مراراً رغم وجود التعهد ومذكرة التفاهم بشأنه ) مقابل أن تمتنع الولايات المتحدة الأمريكية عن ممارسة أي ضغط على إسرائيل للأنضمام إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة ، أي أن تتعهد أمريكا بمواجهة الضغوط الدولية لتنفيذ مبادرة الرئيس مبارك بجعل الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل .
11. القوة قبل الحور ، والردع فوق التفاوض ، أو على حد التعبير الزائف الذي استهل به وزير الدفاع عمله بقوله : ( لقد ذهب السادات إلى الكنيست ، بسبب إنجازات الجيش الإسرائيلي ) ، وبالتالي فإن الحل النهائي هو نفسه الحل الانتقالي ، أو قل الانتقائي ، أي حل بدون قدس ، وبدون عودة لاجئيين ، وبمستوطنات قائمة وقابلة للتوسع ، وليس أمام الفلسطينيين ، سوى الرضوخ ، بعد العزل والحصار ثم الفصل الأحادي الجانب ، بواسطة الحدود الإلكترونية ، وحقول الألغام ، وعلى العالم العربي ، أن يرضخ بدوره لما يعرض عليه : قدس إسرائيلية موحدة ، ومستوطنات قائمة ، وغور أردني بأكمله ، وأغلبية من هضبة الجولان تحت سيادة إسرائيلية كاملة ، وإلا لتبق الأسوار وتبقى الاوضاع القائمة ، هي نفسها الأوضاع القادمة أو الدائمة ، وعلى العالم العربي مع ذلك أن يشكر شارون ( لأنه حسب اعتقاده في حوار مع مطبوعة لحركة حباد ) ، قدم تنازلا هائلا من جانبه بعدم إقدامه على إعادة احتلال أريحا ونابلس ! . ) .
12. وهكذا فإن إسرائيل تفكر بالطريق التي فكرت بها بين عامي 1967 و1973 " نحن لا نرى ـ كما يقول نائب موفاز ـ أية نية من أي جانب للبحث عن الحرب " ، ونحن نرى ـ كما يقول اليعازر ـ أن ديناميكية قد تبلورت تدفع الشعبين إلى كراهية متبادلة ، ونحن نرى ـ كما يقول زئيفي ـ أن حكومة شارون مطالبة بغزو المدن الواقعة تحت السيطرة الفلسطينية ، ونحن نرى ـ كما يقول شارون للواشنطن بوست ـ أن القدس أكثر الأماكن قدسية لإسرائيل ، وإننا لم نسمع أن هذا المكان يسمى الحرم الشريف إلا في الفترة الأخيرة فقط ، ونحن نرى ـ كما كتبت هاآرتس متندرة ، أن الخلاف حول جبل الهيكل يتعلق إجمالا بخلاف بسيط ، هو : أين ربط النبي محمد دابته عندما قدم من مكة إلى القدس ، ونحن نرى في النهاية ، أن إسرائيل تستطيع أن تجبر العالم العربي على قبول الحلول النهائية التي ترغب فيها ، سواء بواسطة قدراتها التكنولوجية ، أو قوتها العسكرية ، ولذلك فإن على العرب إما أن يقبلوا ما يعرض عليهم ، وإما أن يتوقفوا حيث هم ، لأننا سنفرض التهدئة التي نريدها أولا ، ثم سنفرض التسوية التي نراها ثانيا !

3. بديهيات الوهم الجميل :
منذ أن بدأ الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان ، وأن أصرخ فوق الورق ، أن مرحلة إقليمية جديدة تؤذن بالبزوغ ، وأن مشروع السلام قد سقط استراتيجيا ، وإننا بصدد نقله نوعية سوف تفرض على المنطقة ، إعادة بناء هيكلها الاستراتيجي ، ومنذ ذلك التوقيت أيضا ، وأنا أدعو إلى مراجعة نقدية صحيحة لكل مراحل الصراع العربي الإسرائيلي لأننا أنفقنا نصف القرن العشرين نبحث عن السلام ، ولأن الجانب الأكبر من الأخطاء التي ارتكبناها ، منذ حرب عام 1948 وحتى الآن ، أننا لم نؤسس في كل مرحلة منهجاً صحيحاً ينتهي بنا إلى إدراك صحيح للخطر :
• لقد حقنا أنفسنا في مرحلة ـ على سبيل المثال ـ ومعنا أجيال كاملة ، بأنه إشكالية الصراع العربي ، إنما يعود إلى وجود جدار نفسي ، قائم بين ضفتيه ، وأن هدم هذا الجدار النفسي سيشجع الجانب الآخر ، على أن يندمج إندماجاً طبيعياً في نسيج الشرق الأوسط لان صور مخاوفه التاريخية ، لن تجد جداراً تعلق نفسها عليه . مع أننا كنا نرى بوضوح ، أننا كلما هدمنا جداراً نفسيا ، كلما قامت مكانة عدة جدران ، وكأنها مصنوعة من نباتات شيطانية ، تتوالد بالإنقسام ، وتزداد تكاثرا ، كلما قطعتها يد .
• وحقنا أنفسنا في مرحلة ، ومعنا أجيال كاملة ، بأنه كلما أبحرت مراكب الطمأنة من ضفتنا إلى الضفة الأخرى ، محملة بهدايا القبول وعطايا التنازلات ، كلما أصبح الواقفون هناك ، أكثر استعداد للموافقة على صيغ أكثر عدلا لإقامة السلام .
مع أننا كنا نرى بوضوح ، أن بضاعة الطمأنة والقبول ، غدت كالماء المالح ، لا تزيد الطرف الأخر ، إلا عطشا ، وإلا رغبة في الارتواء منا ، وإذا جفت المياه وجف اللبن ، فإنه لا يتورع عن أن يحلب الدم .
• وحقنا أنفسنا في مرحلة ومعنا أجيال كاملة ، بان الصهيونية السياسية قد استبدلت نفسها ، بصهيونية اقتصادية ، يمكن التفاهم معها ، وجرها إلى صيغ تفاعل ومصالح مشتركة ، وأننا بالتالي نستطيع أن نزيل التناقض بين نظام شرق أوسطي تريد له أن يقوم ، ونظام إقليمي عربي ، نريد له أن يبقى .
مع أننا كنا نرى بوضوح ، أن هذه الصهيونية الاقتصادية ، ليست إلا صيغة مرحلة عابرة ، ومؤقته ، وأن الجمع بين نظام شرق أوسطى وبين نظام إقليمي عربي ، يشبه ( الثلج المسلوق ) .
• وأقنعنا أنفسنا في مرحلة ومعنا أجيال كاملة ، أن بمقدورنا أن نمد أيدينا لنلعب في الطبق السياسي الإسرائيلي ، كي نقوي مراكز الحمائم ، في مواجهة الصقور ، ربما لتحقيق نبوءة التوراة . " حتى يعيش الذئب مع الكبش ، ويلعب النمر مع الماعز " .
مع أننا كنا نرى بوضوح ، أننا نساعد اليد الإسرائيلية أكثر على أن تلعب في صحفنا ومراكز أبحاثنا ، ومع أن شرَاح التوراة ظلوا يؤكدون لنا أن المقصود هو الذئب الإسرائيلي ، والكبش الإسرائيلي ، والنمر الإسرائيلي ، والماعز الإسرائيلي أما غير ذلك من دواب الأرض ، فإن عليها أن تواجه الذئب والكبش الإسرائيليين معها ، والنمر والماعز الإسرائيليين معا ، سواء علَقت قرن كبش أو ارتدت جلد ماعز .

لقد أصابني الفزع وأنا أراجع أوراق سيل من الندوات السياسية التي شاركت فيها مراقباً أو معلقا منذ بداية التسعينات ، فعندما أطلق " بوش " تعبير النظام الدولي الجديد في الفاصل الافتتاحي لحرب الخليج ، جرت فوق الورق أنهار من الكلمات التي بشرت بهذا النظام الجديد ، وبسلام دائم وعادل ، سيأتي تحت جناحه السلام ، بل أن بعض المبشرين ، رسموا صورة ملونة لهذا النظام الدولي الجديد ، وقد أعد مجموعة هائلة من عربات الإطفاء ليتم توجيهها على الفور ، لإطفاء مصادر نيران كل النزاعات الإقليمية في العالم .
وعندما طرح للدراسة والمناقشة دور إسرائيل ومكانتها مع المتغيرات الدولية ، كان حصاد تقديرات أغلب الباحثين ( وهي لدى مكتوبة ومسجلة ) أن إسرائيل ذاهبة إلى انخفاض حاد في قيمتها الاستراتيجية ، بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية ، لأن مصادر التهديد إقليميا ودوليا ، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي زالت أو في طريقها للزوال ، ولهذا فإن إسرائيل ستدخل في أزمة مع نفسها ، لأنها لم تعد الكنز الاستراتيجي للولايات المتحدة في المنطقة ، ومع انخفاض القيمة الاستراتيجية ، لإسرائيل ، فإن التسوية السياسية ، سوف تحتل الممر الأمريكي الآمن إلى الشرق الأوسط .
ولقد طال الأمر نفسه التصور الذاتي للبنية الإسرائيلية فتدفقت التعليقات التي تتحدث عن متغيرات عاصفة داخل هيكل المشروع الإسرائيلي ، تنزع عنه استراتيجيته التوسعية ، بعد أن تغير جوهرا ، وتحلل منطقا ، وأصبح مقيدا في الزمان والمكان ، بالجغرافيا السياسية الجديدة ، وبتوازنات المصالح لا القوى ، ثم تكرر الأمر واتصل ، بشكل أكثر سطحية وابتذالا ، مع أفكار أكثر عمقاً وخطورة ، كالعولمة ، وصراع الحضارات فقد دٌبجت مبكرا قصائد المديح في نزعة المركزية الأمريكية الجديدة ، وأنسحب الموقف على الموروث تجاوزاً ، وعلى الوافد إندماجاً ، بل أن واحد من المفكرين أقام جسورا ذهنية وهمية بين العلمانية العربية والعلمانية الإسرائيلية ، باعتبارها سلالم الصعود إلى سلام الشرق الأوسط ، حيث يستل العلمانيون العرب والإسرائيليون معا ، سيفا مشتركا لذبح الأصولية على الجانبين ، ثم تهداً العاصفة وتستقر المصالحة ! .
ولقد بقى كل شئ في مكانه ، شاهداً على الإخفاق الفكري ، والعمي الاستراتيجي ، ولم يعد يصح له أن يبقى ! .
4. بديهيات الساعة الرابعة والعشرين :
أن أحد الكتاب الإسرائيليين هو الذي كتب مؤخرا يقول : إن الاسرائيليين يعشقون استخدام القوة ، فهم لا يفهمون القوة الكامنة في نقاط الضعف بينما تعلمت جميع الدول الاستعمارية هذه الحقيقة " ، وسوف نقدم خدمة جليلة للإنسانية كلها ، إذا استطعنا أن نعلم الإسرائيليين هذه الحقيقة ، ذلك أنه في المبارزات التاريخية من هذا الصنف ، فإن النتائج النهائية لا تتوقف على مقدار ما يضغط به الطرف الأقوى ، ولكن على مقدار ما يقاوم به الطرف الأضعف ، غير أن طريقنا لتحقيق ذلك لن يصبح ممهداً، وسهلا ، إلا بإغلاق كافة الطرق الجانبية ، التي تتقاطع معه ، فكريا وعمليا : .
• وليس معقولا ولا مقبولا ـ مثلا ـ أن تتخذ القمة العربية في القاهرة ، قراراً جماعياً ملزما ، بإحكام درجة من درجات المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل ، ثم يستقبل ميناء إسرائيليا بعدها بأسبوع واحد ، وبالتحديد يوم 28 أكتوبر الماضي ، سفينة عربية محملة بشحنة غاز سائل ، ثم تتبعها سفينة أخرى بشحنه أخرى ، بعد شهر آخر ، مع العلم بأن إجمالي مبادرات إسرائيل التجارية مع العالم العربي ، قد وصلت في العام الماضي إلى مبلغ 2 مليار دولار ، ومع العلم ـ أيضاً ـ بأن مستثمراً عربياً واحداً قد بلغت استثماراته المباشرة في إسرائيل ، مليار و300 مليون دولار .
• وليس معقولا ولا مقبولا ـ مثلا ـ أن تتفق القمة العربية على قرار بتمويل صندوقي الأقصى والانتفاضة ، بحوالي ملياري دولار ، ثم لا يسدد في حساب هذا التمويل ، بالبنك الإسلامي للتنمية ، حتى نهاية الأسبوع الماضي سوى مبلغ 292 مليون دولار ، لا يصل منهم إلى يد السلطة الفلسطينية سوى 30 مليون دولار ، وإلى يد المنظمات الشعبية سوى 80 مليون دولار .
• وليس معقولا ولا مقبولا ـ مثلا ـ أن تقطع دولة خليجية على نفسها وباختيارها وعدا بتسديد مبلغ 150 مليون دولار من حساب تمويل هذين الصندوقين ثم لا تسدد سوى 30 مليون دولار ، بينما تنفق على زخرف احتفال موسمي ، أكثر مما قطعته على نفسها ، التزاما بسداد للذين يتضررون جوعا بين براثن الحصار .
• وليس معقولا ولا مقبول ـ مثلا ـ أن تترك لعقلية كوبنهاجن حرية تلويث الفضاء الفكري العربي عبر مطبوعات قومية ، كأن يكتب أحد رموزها ، في إحدى المجلات مجملا بالكذب والخديعة ما عرضته إسرائيل ، في مفاوضات طابا ، التي لم تدع إليها مصر ، لأنه أريد لها أن تصب في موازين باراك الانتخابية وكأن الفلسطينيين ـ كما يقول الإسرائيليون ـ هم الذين بددوا فرصة اليسار الإسرائيلي ـ في الحكم ، وهم الذين رفعوا شارون على أكتاف تشددهم إلى السلطة .
• وللتصحيح فقط ، فإن نسبة 94% التي قيل أن الإسرائيليين قد عرضوها للإنسحاب من الضفة الغربية في طابا ، كانت لمساحة 82% فقط من الضفة الغربية ، بعد أن اقتطع منها 18% ثم ضمها إلى القدس الشرقية ، أي أن العرض الإسرائيلي لم يكن يتضمن في الحقيقة إلا نسبة انسحاب لا تزيد عن 78 % من مساحة الضفة الغربية ، أي أقل من خمس مساحة فلسطين التاريخية .
• وللتصحيح ـ أيضا ـ فإن شيمون بيريز الذي جلسوا على ركبته في براغ قبل أسبوعين ، وهو الذي أكد بنفسه لعرفات في لقاء مغلق قبيل الانتخابات الإسرائيلية ، بأن ( ماضٌم إلى القدس من مساحة الضفة الغربية ، أصبح للقدس وسيظل خارج نطاق حسابات أي إنسحاب من الضفة الغربية في أي إطار اتفاق " .
• وليس معقولا ولا مقبولا ـ مثلا ـ في ظل مواقف الإدارة الأمريكية الجديدة من قضية السلام ، وبقية القضايا الإقليمية ، كما عكستها شهادة باول أمام الكونجرس ، بعد جولته العربية ( وقد كان يقرأ من نص مكتوب ) ، أن تظل القناعة قائمة لدى عدد من الدول العربية ، للمشاركة في ( منظومة الدفاع التعاوني في الشرق الأوسط ) ، علماً بأن إسرائيل ستكون طرفا إقليمياً فاعلا فيها ، وعلماً بان المنظومة نفسها تشتمل على ثلاثة عناصر :
1. أعمال مخابرات استراتيجية .
2. إنذار مشترك مبكر .
3. وقاية من أسلحة الدمار الشامل ، مع العلم بأن مصر والتي واجهت إلحاحا ، أمريكيا متواصلا ، للإشتراك في هذه المنظومة ، واجهته برد راسخ متكرر هو : ( لا ارتباط بأي ترتيبات أمنية إقليمية ، إلا بعد تحقيق السلام الشامل ) .
وبعد
يبقى أن يكون جزءا من إدراك الخطر على نحو صحيح ، أن ندرك أننا إنما ندور الآن مع قارب الزمن في الساعة الرابعة والعشرين ! .

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :