معسكر ( خداع النفس ) يدعو لإسقاط خيار المقاومة وفتح الطريق لسايكس بيكو ثانية     


بقلم : أحمد عز الدين


•المسرح الإسرائيلي لم يتغير ولكن أبطال المجازر تبادلوا الأقنعة

• العرب تركوا المراهنة على الذات ليراهنوا على معسكر السلام الإسرائيلي الذي هو جزء من قطع الشطرنج
• إسرائيل تستغل حالة الضعف العربي في شن حرب باردة تتحول إلى حرب ساخنة لتدمير عملية السلام

ليست هناك عملية خداع نظر، بأكثر مما يبدو من سطح ذلك المشهد الذي تحركت مفرداته، أمام أعيننا فوق خشبه المسرح السياسي الإسرائيلي ، وليست هناك عملية خداع نفس، بأكثر مما نطقت به أبرز الصحف القومية عندنا ، وهي تطل علي هذا المشهد ، بقلوب كلّت حتى عميت ، وبعيون أبيض بعضها من جهالة ، وأبيض بعضها من مرض ، ذلك أنها " لا تعمي الأبصار ، ولكنها تعمي القلوب التي في الصدور " .
إن إسرائيل في تقديري ، لم تتحرك قيد أنملة من موقعها الذي ثبتت فيه ، ولم تخرج شبرا واحدا عن مسارها الذي تراه محتوما ، كما أنها لم تخرجنا من أنبوبة الاختبار التي حبستنا فيها ، ولكنها وظفت انتخاباتها الحزبية الأخيرة ، في إنتاج انطباع كاذب بالحركة ، وقناعة زائفة بإمكانية الخروج ، وبعيدا عن كل آلات توليد الصخب ، وعن المؤثرات الصوتية والضوئية، وميلودراما الصدام بين الوجوه والأشخاص ، حول وداخل صناديق الانتخاب ، فقد كان مطلوبا من الانتخابات الأخيرة ، المعروفة النتائج سلفا ، تغذية الرأي العام الإقليمي والدولي بعدة نتائج مصطنعة .
* كان مطلوبا –أولا- أن يتحرك شارون ، إلي وسط المسرح السياسي الإسرائيلي ، ليبدو معتدلا، ومقبولا ، ولما لم يكن بمقدوره أن يتزحزح ولو قليلا عن مواقفه ورؤيته إلي جهة اليسار ،فقد أوكلت إلي السيد نتنياهو مهمة أن يتحرك كثيرا إلي جهة اليمين ، وهكذا بدا من تحركات نتنياهو أن شارون قد تحرك يسارا ، دون أن يغادر مكانه ، حتى لقد ظهر في بعض الصور التذكارية مرشحا مقبولا من بعض الأوساط العربية ، خشية أن يرسو المزاد الانتخابي علي نتنياهو، مع العلم بأن مفردات اللعبة كانت مكشوفة من جانبين ، من جانب قبول نتنياهو بمنصب وزير خارجية شارون قبيل الانتخابات ، ومن جانب أنه لم يحدث في تاريخ إسرائيل أن فقد رئيس وزراء قائم موقعه في انتخابات داخلية لحزبه ، لحساب شخص يطمع في أن يكون رئيس وزراء قادم .
* و كان مطلوبا –ثانيا- مع تشتت واضمحلال ما أطلق عليه معسكر السلام في إسرائيل ، وما ظهر من اندماج كامل لرؤوس حزب العمل في أيديولوجية الليكود ، ومن انغماس أصابعه في دم الفلسطينيين ، القيام بفصل إجرائي مؤقت بين الليكود وبين العمل ، يغسل يد العمل مؤقتا من دم المذابح ، التي اعترف بن اليعازر ، بأنه كان طباخها في مطعم شارون ، وأن بيريز كان بمثابة الجرسون ، ويمنح العمل فرصة لكي يعيد بناء ذلك الوهم الذي تتغذى عليه ، آلية تقديم التنازلات العربية ، من أن هناك يسارا في إسرائيل أصبح جاهزا للتأثير والعمل ، ولكنه يحتاج إلي طاقة دفع يمكن لمزيد من الرضوخ والتنازلات العربية ، أن تكون مولدا ذاتيا لها .
* و كان مطلوبا –ثالثا- تجديد عدة رموز مفتوحة فوق خشبه هذا المسرح ، تجديد شعبية شارون ، وتأكيد أنه دون سواه ، يمثل الخيار الديموقراطي للمجتمع الإسرائيلي ، وبالتالي فإن علي الجميع أن يقبلوا به ، ويتقبلوا معه ما يطرحه من رؤى ، وما يطرحه من حلول، وتجديد الخيار الديموقراطي الإسرائيلي نفسه ، وأنه الخيار الديموقراطي الوحيد القائم في المنطقة ، بكل ما يلقيه ذلك ، من ظلال قاتمة علي حكومات عربية ، وضعتها الإدارة الأمريكية في موضع اتهام ، وهي ظلال تفتح أمام التدخل الأمريكي مسافة أعمق ، ومساحة أوسع ، لاستخدام سلاح الإكراه السياسي و الاقتصادي ، بأسم الديموقراطية وحقوق الإنسان ، ثم تجديد الدائرة المتآكلة للبحث عن سلام تحت ظل الحراب الإسرائيلية ، وسط قناعة إسرائيلية وأمريكية ، بأن التعب قد لحق بالعرب و الفلسطينيين ، وأن قطف ثمرة القبول بالأمر الواقع ، من فوق بقايا أشجارهم الجرداء ، قد آن أوانه، فقد دنى موسم الحصاد .
وهكذا اكتملت أكبر عملية خداع نظر ، وتكاد أن تكتمل معها ، أكبر عملية خداع عربي للنفس.
•••
لكي تكمل عملية خداع النظر تأثيرها ، وتحقق نتائجها ، ولكي تكتمل معها عملية خداع النفس عربيا ، كان مطلوبا علي وجه السرعة ، أن تنفجر مجموعة متزامنة من قنابل الصوت والدخان في البيئة الإعلامية والسياسية العربية ، وكان هناك بالطبع من هو جاهز ورهن الإشارة للقيام بعمليات التفجير ، من بين أولئك الذين أجَروا أنفسهم ومواقعهم ، أدوات لتلويث الفضاء الفكري العربي ، وحين بدأ مسلسل التفجيرات ، بدا واضحا أن قنابل الصوت والدخان متشابهة حد التماثل :
* كان التفجير الأكبر- أولا- من نصيب الانتفاضة الفلسطينية شكلا ، ولكنه كان من نصيب إرادة المقاومة مضمونا ، فالانتفاضة لم تحرر بوصة واحدة من الأراضي الفلسطينية ، وقد جرت علي الشعب الفلسطيني حالة من التفتت والقهر والخراب غير مسبوقة ، وهي أسوأ الخيارات الفلسطينية ، فوق أنها لم تعد مقبولة من قبل دول المنطقة بما فيها مصر ، لأن آثارها جاءت وبالا علي الاقتصاد وعلي السياحة ، وعلي كافة أشكال التوازنات الإقليمية ، في بيئة قابلة للانفجار، ثم أن آثارها ونتائجها علي التركيبة الإسرائيلية ، صنعت مخاطر متزايدة ، لأنها أضعفت معسكر السلام ، وشتتت قواه ،ومكنت اليمين الإسرائيلي من أن ينتزع لنفسه ، قطاعات واسعة من الإسرائيليين.
والمحصلة النهائية لمثل هذا اللغو ، ليس إيقاف الانتفاضة الفلسطينية ووأدها،فحسب ولكن استئصال خيار المقاومة ، واجتثاثه من التربة العربية ، لأنه ليس إلا نباتا شيطانيا ، يؤدي إلي التهلكة ، والخراب ، والدمار .
• كان التفجير التالي – ثانيا – من نصيب المراهنة علي الذات، لأن الرهان الوحيد ، أصبح معلقا بمعسكر السلام في إسرائيل ، ولأن مهمتنا الأساسية هي أن نغير في إسرائيل ، لا أن نغير في أنفسنا ، وهذه المهمة تتلخص في وظيفة واحدة، إعادة بناء معسكر السلام في إسرائيل ، الذي لن نستطيع بناءه إلا بمعرفة أسباب انهياره ، وأولها فشل كامب دافيد ، ومفاوضات واشنطن ، وأسباب الفشل معلقة بنا ، لأننا طلبنا أكثر مما ينبغي ، وبالغنا فيما نريد ، خاصة ما يتعلق بحق العودة ، الذي حولناه إلي سلاح وجهناه بأنفسنا إلي صدورنا، فكان طبيعيا أن نلقي مصرعنا ، علي مذبح السلام .
• وكان التفجير التالي – ثالثا – في وجه الإعلام العربي الذي لم ينهض بمسئوليته في إنعاش عملية السلام ، وثقافة السلام ، وأعاد إلي إسرائيل بالتالي أزمانا قديمة، لا يبدو فيها لإسرائيل ، أمل في التعايش السلمي مع العرب . فنحن الذين أوصلنا إسرائيل إلي اليأس ، ونحن الذين قتلنا أجنة السلام في رحمها الخصب المعطاء . وكان علينا ما دام الأمر كذلك ألا نغطي فقط خرائب الدمار الإسرائيلي ، وبركة الدم الفلسطيني ، بأوراق السلام وأزهار السلام ،بل كان علينا قبل ذلك أن نصنع من كلماتنا ، متاريس نخفي وراءها الطائرات والدبابات الإسرائيلية ، وهي تصب نارها حمما ، علي أشجار الغابة الفلسطينية المحترقة .
• وكان التفجير التالي – رابعا – في وجه الحقوق العربية الثابتة ، لأن التمسك بهذه الحقوق لم يحقق نتيجة ، ولم يقرب عائدا ، بل علي العكس من ذلك ، فقد كان علينا أن نقبل بما هو متاح ، وأن نحصل علي ما هو ممكن ، ولذلك إذا كان المطلوب الآن هدنة أو تهدئة ، فإن علينا أن نقبل بمنطق الهدنة دون تردد ، وإذا كان المطلوب إعادة بناء السلطة الفلسطينية ، فإن واجبنا أن نفعل ذلك وفق المقاس المطلوب ، وإذا كان المطلوب حلا مرحليا ، فليكن الحل مرحليا ،لأن هدفنا الأساسي هو الوصول إلي مائدة المفاوضات، وعندما ننجح في الوصول إلي حافة هذه المائدة، ونعاود الجلوس إليها، نكون قد قطعنا نصف الطريق ، لأننا لن نجد خبزنا إلا فوق هذه المائدة ، وحسبنا لقيمات يقمن أودنا ، أما استحقاقاتنا ، والتي تفرضها الاتفاقيات القديمة ، فقد استهلكها الوقت والزمن والمتغيرات ، ثم إن علينا الاعتراف بأننا تنكبنا الطريق ، وإذا كنا نحمل أوزار أخطائنا علي ظهورنا ، فمن الحكمة أن نقبل بالنتائج الوخيمة، التي ترتبت علي هذه الأخطاء
* وكان الانفجار التالي – خامسا – في وجه حقنا في أن تنهض الولايات المتحدة بدورها وبمسئوليتها ، وإذا كانت العلاقة الإسرائيلية الأمريكية ، قد تحولت من "تحالف استراتيجي" إلي "اندماج استراتيجي" ، وإذا كنا لا نستطيع أن نتحدث عن النكوص الأمريكي ، والدعم الأمريكي ، لآلة الحرب الإسرائيلية ، وللسياسة الإسرائيلية ، فإن علينا أن نعفي الولايات المتحدة من مسئوليتها ، وأن نعفي أنفسنا من الصدام ومن الحرج .وأن نحقن أنفسنا ، بقناعة مؤداها، أن علينا أن نتجاوز تلك الفكرة البالية، التي تقول بتفاوض القوي الكبرى نيابة عن الأطراف المعنية ، لأن هذه فكرة ثبت فشلها ، لأن كامب دافيد تحققت دون أن تدخل أمريكي في المفاوضات ، وكذلك أوسلو ، وهكذا علينا أن نغلَف الانحياز الأمريكي والتواطؤ الأمريكي ، برفض مختلق لتدخل أمريكي لصالح المشروعية الدولية ، وكأن أمريكا مطالبة بأن تحقق المشروعية الدولية في أنحاء الدنيا ، لكننا نعفيها بأنفسنا من مسئوليتها في تحقيق هذه المشروعية ، في الحالة الفلسطينية علي وجه التحديد ، وهكذا لا نغسل يد أمريكا من دمنا ، ومن دم القضية الفلسطينية فحسب ، ولكننا نحقق لها ولإسرائيل هدفا استراتيجيا ثابتا ، وهو تحويل القضية الفلسطينية إلي قضية إسرائيلية داخلية .
وإذا لم تكن هذه القنابل كلها ، صناعة إسرائيلية خالصة ، فهي صناعة إسرائيلية أمريكية مشتركة ، وإذا لم يكن هدفها تثبيت عملية خداع النظر لما جري ويجري فوق المسرح السياسي الإسرائيلي ، بل ولما جري ويجري فوق المسرح الاستراتيجي للإقليم كله ، فإن هدفها تثبيت عملية خداع النفس عربيا ، لأنها في المحصلة النهائية لن تنتهي إلا إلي نتيجة واحدة ، هي تحويل النتائج المادية التي أحدثتها آلة الحرب الإسرائيلية ،إلي مكاسب سياسية، ليس في أيدي إسرائيل وحدها ، ولكن في أيدي الولايات المتحدة الأمريكية معها ، لتعطي إسرائيل وأمريكا ،مكسبا سياسيا ، لم تحققه فوق أرض الواقع حتى الآن ، آلة الحرب الأمريكية التي تستخدمها إسرائيل .
•••
إن قوة تأثير هذه القنابل في الرأي العام العربي ، محدودة للغاية فقد أصبح محصنا ، من طول ما تم تطعيمه في أجواء معاركها المختلفة .
وإذا كان تأثيرها يمكن أن ينبع من شئ واحد ، هو إضفاء طابع عقلاني علي الأهداف ، كدرء مخاطر انفجار أكبر ، أو تحسين الأوضاع الإنسانية للفلسطينيين ، أو تشجيع الاستثمارات الأجنبية ، فإن قلة فاعليتها تكمن في شئ واحد ، إنها تشي بطابع لا عقلاني في التفكير .وهذا هو جوهر التناقض فيها ، الذي يكسبها نفور الرأي العام ، لأن هذا الرأي العام ليس مسطحا وجاهلا ، إلي درجة تجعله يتقبل هذه الازدواجية الواضحة ، بين الطابع العقلاني للأهداف ، والطابع اللاعقلاني للتفكير ذاته .
أي مواطن عربي ، ذلك الذي يمكن أن يقتنع بأن الانتفاضة الفلسطينية هي المسئولة عن الدمار والخراب الذي لحق بالفلسطينيين أرضا وبشرا، وبالمنطقة استقرارا واقتصادا، وأي مواطن عربي ذلك الذي يمكن أن يقتنع بأن الموجة العسكرية الإسرائيلية المدفوعة ، باتساع النزعة العنصرية في إسرائيل ، هي نتيجة وليست سببا للانتفاضة الفلسطينية ، وأي مواطن عربي ذلك الذي يمكن إقناعه ، بأن التهدئة المطلوبة يمكن أن تتحقق بضخ حفنة من الأموال الفلسطينية التي استولت عليها إسرائيل ، أو بتحويل القضية الفلسطينية إلي قضية إسرائيلية داخلية ، مع نكوص أمريكي ، يصوغ تراجعا دوليا ، أو بإعفاء الولايات المتحدة من مسئوليتها ، وأي عربي ذلك الذي يمكن أن يقتنع أن مهمتنا الآن أن نغير في إسرائيل لا في أنفسنا ، وأننا نحن الذين أجهضنا أجنة السلام في جوف إسرائيل ، وأعنا آلة الحرب الإسرائيلية علي أن تلغ في دمائنا ، وأن العقلانية تقتضي منا الآن أن نلم فوارغ الطلقات ، ونرفع الأنقاض ، ونمسح بقع دمائنا من القميص الإسرائيلي الحضاري ، وأن نقول لشهدائنا كانت دماكم خطأ ، وتضحياتكم خطأ ، وقد ذهبتم في الطريق الخطأ ، فسامحونا إذا أهلنا تراب اللعنات علي قبوركم ، وتبرأنا من أسمائكم ، واغتسلنا من ذنوبكم ، وسلمنا أرواحكم للحاخام والجنرال ، قبل أن نعاود الجلوس هادئين إلي مائدة المفاوضات ،
إن التماسك المجتمعي الإسرائيلي ، يدور تاريخيا حول قيمتين،هما : الحرب، والأمن ، ولكن علينا نحن أن نذهب في الطريق الآخر ، فنسعي إلي تخفيض التناقضات مع الخارج ، لكي يتم تصعيد التناقضات في الداخل ، ثم أن إسرائيل التي تعتبر سياساتها الخارجية بالدرجة الأولي ، أحد فروع التخطيط العسكري الشامل ، قد بلورت خمس معتقدات أساسية تشكل الجذور الرئيسية ، لكل مواقفها السياسية والعسكرية والاستراتيجية ، وعلينا نحن ، أن نبلور لدى الرأي العام ولدي أنفسنا ، وفي قلب سلوكنا وعملنا ، نقيض هذه المعتقدات الخمس ، فإذا كان المعتقد الإسرائيلي الأول يقول أن القوة لها الأسبقية علي الإقناع ، فإن عقيدتنا ينبغي أن تنبني علي أن الإقناع له الأسبقية علي القوة، وإذا كان المعتقد الإسرائيلي الثاني يقول أن الردع يفوق الحوار في الفاعلية وفي النتائج الملموسة ، فإن عقيدتنا ينبغي أن تنبني علي أن الحوار له الفاعلية الشاملة علي الردع ، وإذا كان المعتقد الإسرائيلي الثالث يقول ، أن التشدد مع العرب أكثر فاعلية من التوفيق أو التنازلات ، فإن عقيدتنا ينبغي أن تنبني علي أن التنازلات أكثر فاعلية مع الإسرائيليين من التشدد ، وإذا كان المعتقد الإسرائيلي الرابع يقول ، أن الأعمال المباشرة فوق الأرض أهم من السياسة الدولية ، فإن عقيدتنا ينبغي أن تنبني علي أن السياسة الدولية أهم من الأعمال المباشرة ، بكل صيغها وأدواتها ، وإذا كان المعتقد الإسرائيلي الخامس يقول أن الضمانات الدولية ليست بديلا للضمانات المادية المرتكزة علي القدرة علي الدفاع عن النفس ، فإن عقيدتنا ينبغي أن تنبني علي أن الضمانات الدولية لها الأولوية علي القدرة علي الدفاع عن النفس ، وهكذا إذا ارتكزت عقيدتنا علي الأسس السابقة ، حسب جوهر الطرح السابق ، فأصبح الحوار فوق الردع ، والتنازل فوق التشدد ، والإقناع فوق القوة ، والسياسة الدولية فوق الفعل ، والضمانات الدولية فوق القدرة علي الدفاع عن النفس ، فسوف ينتهي الحال بنا إلي الركوع المذل ، تحت ظل الجدار الإسرائيلي ، ننتظر محتسبين وقانعين ، ما ستتفضل إسرائيل وتضعه في يدنا الفارغة .


•••

خداع النظر ثم خداع النفس بعده لا يتأتي إلا من توقف الرؤية عند التضاريس الخارجية للمسرح الداخلي الإسرائيلي، أما إذا تعمقت الرؤية في وحدات المسرح نفسه ، وبنيته ، فسوف نتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود :
1. تبدأ النظرة الأعمق ، بتفحص طبيعة التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي كما هو مدون في الوثائق الإسرائيلية ذاتها ، وفي الخطط العسكرية التي يجري بناؤها فوق الأرض ، وفي مراميها وأهدافها ، والنتائج التي تتحرك في اتجاهها ، وحسبي هنا أن أتوقف أمام ثلاث نوافذ إسرائيلية موثقة :
• الوثيقة الأولي تحمل عنوان (استراتيجية إسرائيل الجديدة نحو عام 2000) وهي تعود إلي سبع سنوات إلي الوراء ، ولكنها تمثل الخطوة السابقة للتخطيط للمرحلة الراهنة ، قبل أن تكون موصولة بما بعدها في وثائق أخري ، سوف نتوقف عندها:
لقد صدرت هذه الوثيقة عن معهد الدراسات الاستراتيجية والسياسية المتقدمة في واشنطن ، ووضعها فريق من الخبراء الإسرائيليين والأمريكيين ، وقد ترأس الفريق (ريتشارد بيرل) المساعد السابق لوزير الدفاع في إدارة ريجان ، وأهم مستشاري وزير الدفاع في الإدارة الحالية ،تقول أهم خطوات هذه الوثيقة :
أولا: ينبغي إحداث تغيير كامل في سياسة إسرائيل الخارجية ، يقضي علي المسالب الأمنية التي سببتها لها عملية السلام ، وأن يكون ما حصل عليه العرب حتى الآن من تنازلات إسرائيلية هو نهاية المطاف ، وان علي إسرائيل أن تستغل حالة الضعف العربي الحالية في شن حرب باردة تستهدف إحداث تغيير جذري في عملية السلام ، علي أن تكون هلي استعداد لتحويلها إلي حرب ساخنة عند اللزوم ، تعزز بها المكاسب الإقليمية التي في يدها حاليا.
ثانيا: فيما يتعلق بالجانب الفلسطيني، ضرورة استخدام أقصي أدوات القوة في سرعة قمع أية اضطرابات في المناطق المحتلة ، مع التعقب الساخن داخل منطقة الحكم الذاتي والبقاء فيها لفترات طويلة حتى تتوافر ظروف أمنية مناسبة لإسرائيل ، إلي جانب إضعاف سلطة عرفات بجعلها دائما في المستويات الدنيا من المسئولية ، وإعداد بديل له يناسب إسرائيل، ويهيئ الظروف تدريجيا لفرض الحل النهائي الذي يلائم إسرائيل ، وهو دمج مناطق الحكم الذاتي كونفدراليا مع الأردن ، هذا مع الاستمرار في عمليات الاستيطان وشق الطرق وتهويد القدس وإخلائها من السكان العرب والمؤسسات الفلسطينية الباقية فيها .
ثالثا: بشأن سوريا ، فتوصي الدراسة بضرورة السعي نحو عزلة وزعزعة استقرارها ، ومن أجل ذلك ينبغي علي إسرائيل أن تقيم تعاونا استراتيجيا مع الدول الصديقة لها في المنطقة ، بما يعيد رسم خريطة التحالفات فيها، ويمكن إقامة تحالف دفاعي يضم مع إسرائيل تركيا والأردن ليكون قادرا علي ردع سوريا واحتوائها ، ومن أجل تشجيع الأردن علي ذلك ينبغي زيادة الاستثمارات الأمريكية في الأردن ، وهو ما سيؤدي إلي إبعاد الاقتصاد الأردني عن الاعتماد في بنيته علي العراق .
رابعا : بشأن إزالة الوجود السوري من لبنان ، فقد أوصت الدراسة باستخدام عناصر المعارضة اللبنانية في المطالبة بإخراج القوات السورية منها ، مع عقد تحالفات قبلية عبر الأردن وتركيا يمكن أن تثير مشكلات لسوريا ، وذلك باستغلال ميل شيعة العراق أكثر من ميلهم لشيعة إيران، وبذلك يمكن تقليص نفوذ حزب الله في لبنان الذي يتمتع بدعم سوريا وإيران هذا مع الاستعداد لشن عملية عسكرية جنوب لبنان لا تقتصر علي مواقع حزب الله فقط بل تشمل أيضا مواقع القوات السورية في لبنان ، وذلك بهدف إظهار عدم قدرتهم علي الدفاع عن أنفسهم.
خامسا : فيما يتعلق بالعلاقات الإسرائيلية – الأمريكية ، فقد أوصت الدراسة بتبني رؤية جديدة ترفع شعار (الاعتماد علي الذات) ، مع السعي لإقامة علاقات تتسم بالندية ، علي أن تبعد واشنطن نفسها عن التدخل في النزاعات العربية الإسرائيلية ، لما يشكله التدخل الأمريكي من قيود علي الحركة الإسرائيلية .
سادسا: انطلاقا من مبدأ "السلام عبر القوة" فقد أوصت الدراسة بتعاون أمريكي – إسرائيلي لإنشاء نظام صاروخي مشترك يكون أشبه بالنظام الذي أقامته الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفييتي السابق، وأدي إلي ردعه ثم إلي تفكيكه وسقوطه بعد ذلك.
2. الوثيقة الثانية هي التي ما أطلق عليه ، الخطة الإسرائيلية العسكرية الممتدة من (2001 إلي 2006) وقد تم وضعها بواسطة مجموعة عمل إسرائيلية ، رأسها الميجور جنرال "جيورا ايلاند" وهو يشكل موقع مدير التخطيط في رئاسة أركان الجيش الإسرائيلي، وقد حددت هذه الخطة ، ثلاث أسبقيات للعمل العسكري الإسرائيلي علي النحو التالي :
أولا : الأسبقية الأولى هي إخماد الانتفاضة الفلسطينية ، وفرض هدنة ممتدة ، يتم فيها تصغير المقاومة الفلسطينية ، وتهجير عناصرها النشطة الباقية قسرا أو طواعية ،
ثانيا: الأسبقية الثانية هي التصعيد المتدرج للتوتر العسكري ، ثم إدارة حرب إقليمية علي الجبهة الشمالية ، لتدمير مواقع حزب الله في جنوب لبنان ، والقوات السورية في سهل البقاع .
ثالثا: الأسبقية الثالثة هي عمليات عسكرية خاصة أو محدودة ذات طابع تعرضي علي الجبهة الجنوبية من مصر .
3. الوثيقة الثالثة ، هي ما تطلق عليه إسرائيل الخطة (حوما) ومعناها بالعبرية الجدار ، وهي في تقديري أهم هذه الوثائق ، لأنها تعطي تفسيرا محددا لطلب لهدنة أو التهدئة إسرائيليا الآن ، وهذه الخطة تنتهي مع الخطة العسكرية الإسرائيلية السابقة ، أي أنها تكتمل عام 2006 أيضا، كي تمثل مستوي كيفي جديد من الردع الإسرائيلي الإقليمي الذي يمكنها من القيام عمليا ، بدور القوة الإقليمية الكبرى في المنطقة ، متحولة إلي شكل من ( الإمبريالية الصغيرة ).
إن الهدف الإستراتيجي من الهدنة الممتدة ، هو نفسه الهدف الاستراتيجي للخطة (حوما)، وهو وصول إسرائيل إلي مرحلة تحقيق الأمن بإزالة أي تأثير للرادع الصاروخي العربي عليها ، أي إزالة تأثير الصواريخ أرض –أرض العربية والتي تشكل ما تبقي جوهريا في منظومة الردع العربية .كيف سيتم ذلك وفق الخطة ؟ أولا : باستكمال شبكة الصواريخ الإسرائيلية المضادة للصواريخ ، وأجهزة الإنذار المبكر بأقمارها الصناعية المتطورة الإضافية ، وثانيا: باستكمال أدوات إزالة فاعلية الصواريخ العربية وهي فوق منصاتها ، أو وهي علي وشك الانطلاق منها وذلك باستكمال الأعداد المطلوبة من طائرات أف-15 ،واستكمال وتطوير المشروعات الخاصة ببناء طيارات بدون طيارين (سيلفر أرو – جلوبال هوك) ، إضافة إلي تسليح الغواصات وبعض الأطقم البحرية بصواريخ جوالة يمكنها أن تحمل رؤوسا غير تقليدية . وخلال هذه السنوات من عمر الخطة ، ستكون إسرائيل مشغولة ،بتوظيف تفوقها الكمي والنوعي ، لتجريد الدول العربية من المبادءة بأية أعمال حربية ، مع استكمال الخطة التي بدأتها ، لبناء ملاجئ وقاية المدنيين من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية.
•••

لماذا يبدو مطلوبا منا الآن وبإلحاح ، القبول بالحل المؤقت الذي سيصبح بعد سنوات قليلة ، هو الحل النهائي ، والقبول بالهدنة الممتدة التي أطلق عليها شارون بنفسه وصفا موحيا ، فقد وصفها بأنها علي غرار هدنة رودس التي تلت هزيمة العرب في حرب 1948 ؟ .
لأن هذه الهدنة الممتدة سوف تشكل باختصار ، السقف الزمني ، الذي يمنح إسرائيل القدرة علي استكمال دورها كقوة إقليمية كبري في الإقليم ، وفي بسط نفوذها وهيمنتها عليه، بعد أن تصل من خلال خططها السابقة إلي مرحلة الأمن المطلق، أو علي وجه التحديد إلي مرحلة ، إزالة أي خطر أو تهديد تمثله الصواريخ العربية .
أريد أن أضيف – دون أن أدخل في تفاصيل – شيئا آخر إلي هؤلاء الذين يصورون الانتفاضة الفلسطينية علي أنها منجم العنف الإسرائيلي ، والخراب الفلسطيني والعربي ، إنني لن أدخل في محاججة لن تكون مفهومة لعقول تستعير نبض تفكيرها من خارج الوطن، كالقول بأنه الفلسطينيين ، ربما من حيث لا يريدون ، يدافعون بصدورهم العارية عن أمننا ، ولا أقصد الأمن القومي العربي فحسب ، ولكنني أقصد الأمن القومي المصري ، في حدوده المباشرة فوق الأرض ، ولكنني أستطيع أن أقول نقلا عن الوثائق الإسرائيلية ذاتها ، أن الجيش الإسرائيلي أكمل قبل صعود شارون إلي موقع رئيس الوزراء بعام كامل خطة مكتملة لاحتلال الضفة الغربية ، وقد بلغت استعداداته في إطار هذه الخطة ، وتدريباته العملية علي العمل في ميادين القتال الفلسطينية ، حد أن الجيش الإسرائيلي قام ببناء مناطق ونماذج منقولة عن خرائط دقيقة لأحدث أوضاع القرى والمدن الفلسطينية ، وقد مارست الوحدات العسكرية الإسرائيلية ، تدريباتها علي أساليب القتال داخل المدن الفلسطينية ، تحت عنوان محدد هو ( استراتيجية الردع الجارف ).
يبدو صحيحا ما يقوله البعض من أننا في مرحلة سايكس بيكو جديدة لتقسيم المنطقة ، لكنه قد يبدو مدهشا أنه بعد هذا الزمن كله ، أن أصابع الصهيونية لم تكن بعيدة عن اتفاقية سايكس بيكو الأولي ، فقد أكد سايكس الابن واسمه كريستوفر ، في كتاب له بعنوان دراسة فضيلتين أن سايكس الأب وأسمه مارك ، قد أعتنق الصهيونية قبل عام واحد من صياغة الاتفاقية ، وأن جهود والده قد لعبت دورا كبيرا ، في صدور وعد بلفور ، بل حدد الابن أسم من أخذ بيد أبيه وهداه إلي طريق الصهيونية القويم ، وهو ( موسى جاستر ) بعد تعيينه وزيرا مساعدا لوزارة الحرب البريطانية ، أما بيكو ممثل فرنسا في الاتفاقية ، فإن بعض الدراسات ، تشير إلي أن (ناحو سوكولوف) القائد الصهيوني البارز هو الذي هداه بدوره إلي طريق الصهيونية .
أغلب الظن إذن أنه بعد فاصل جديد من الزمن ، فإن هناك من سيخرج ليؤكد لأجيالنا القادمة ، أنه في مرحلة سايكس بيكو الثانية ، كان هناك هداة صهاينة ، وكان هناك مهتدين أمريكيين وأوروبيين وعرب أيضا ، اعتنقوا الطريق ، وساروا فوقه ، وهدموا وأعادوا البناء ، لمصلحة اندفاعه المشروع الصهيوني ، في عموم أرض العرب .


9/12/2002

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :