الأنظمة محاصرة بالجماهير .. أم جماهير محاصرة بأنظمتها ؟     


بقلم : أحمد عز الدين

لست اعتقد انه بات ممكنا أن نقنع الناس ، أمام الحقائق الجديدة التي تخطف أبصارهم وأفئدتهم ،أن آلة الحرب الإسرائيلية التي تدمر تدميرا إبداعيا فريدا ، كل خلية حية في الضفة الغربية ، إنما تفعل ذلك مدفوعة بجنون رجل إسرائيلي واحد،اسمه شارون، كما انه لم يعد ممكنا أن نقنع الناس ، أمام الحقائق الجديدة التي تتمدد أمام أعينهم بالحديد والنار ، وان هذا الجنون الإسرائيلي ، قد تمكن من خداع الولايات المتحدة الأمريكية ، وانه استغل غفلة إدارتها، وسوء فهمها ، فوضعها في تناقض مع نفسها ، ومع أهدافها الإستراتيجية ، وإذا تصور البعض أن بمقدوره على هذا النحو ، أن يحقن غضب الناس بالمهدئات ، وان يضع انفعالهم في " النفتالين" ..
فانه يساهم في وضعنا مع أنفسنا ، نظاما و شعبا ، في مأزق كبير .
...
هذه لحظة للحقيقة ، بل هي لحظة الحقيقة ذاتها، التي تشبه يوم القيامة ، حيث تتبعثر الأفكار القديمة كالقبور ، ويهم الجديد بالخروج من رحم القديم بالقوة الجبرية ، لان جدران الأوعية القديمة ، إذا بقيت على حالها ، فإنها لن تكون قادرة على أن تتحمل ، طاقة الضغوط المتصاعدة في ، سلسلة مفتوحة من التفاعلات :
1. في المشهد العربي الراهن ، فان الدم الفلسطيني هو الحقيقة الساطعة ، التي لا تقدر على طمسها كل مساحيق إزالة الألوان ،ولا يقدر على ردمها كل تراب الزمن ، ولذلك إذا كنا نريد للناس أن تهدأ فان علينا أن نتيح لعقولها وأفئدتها أن تتنفس حرة، لان صور الإبادة والقتل المتوحش الجماعي ، التي تشد في داخلهم قوس الإحساس بالهوان ، لا تتبدد في الفراغ ولا تتطاير في الهواء ، وإنما تختزن تحت جلودهم طبقات من الوقود الجاهز للاشتعال، والقابل للانفجار ، بغير توقيت محدد وبغير سبب معلوم ، وبغير أسلوب مسبق.
وإذا كنا نريد للناس أن تهدأ ، فان علينا أن نعينهم بالفهم الصحيح، وبالرواية الصادقة ، لتتنفس الحقائق في عقولهم ،بدلا من أن نحقنهم بقناعات كاذبة ، ينكشف عنها الغطاء ، فتذهب انفعالاتهم لتتراكم كاسطوانات الغاز المضغوط في انتظار عود ثقاب.
2. في المشهد الفلسطيني الراهن فقد وصل منحنى الضغط العسكري الإسرائيلي إلى ذروته، باستخدام القوة الغاشمة التي توسع وتعمق من بركة الدم الفلسطيني ، ولقد امتلأت فجاج الضفة الغربية دما، وما زال الإسرائيليون عطشى ، لا يرتون ولا يمتلئون، وليس من العبث أو الجنون أن يتحول المشهد الفلسطيني كله ، أمام أعيننا واعين العالم ، إلى أكوام خراب ودمار ، وتلال جثث وأنقاض ، وشريان دم جماعي لا يتوقف عن النزيف ، أن ذلك لا يمكن تفسيره فقط بنزعة التوحش والعنصرية التي تملأ نفوس هذه الحيوانات المدججة بالسلاح ، بعد أن تم علفها بالأيديولوجية العنصرية ، في مزرعة الصهيونية ، بل انه لا يمكن تفسير دفع كل هذه القوة العسكرية التي تربو إلى 550 دبابة و600 مدرعة ، وفوقها طائرات الاباتشى ، وحولها عشرات الألوف من القوات الخاصة والمظليين، من اجل منازلة شيوخ ونساء وصبية عزل، تكتنفهم أسيجة دفاعية في كل مدينة وقرية ، تعد بالعشرات أو المئات تواجه الدبابات والمدرعات بصدورها العارية ، وبنادقها الفردية .
لماذا تستخدم آلة الحرب الإسرائيلية دولابا من السواطير الثقيلة ، لتقطيع تنف من اللحم الفلسطيني ، إذا كان التقطيع ممكنا بالمطواة ؟
لأن إيصال منحنى الضغط العسكري الإسرائيلي إلى ذروته الدموية ، العنيفة، ليس هدفه فقط ، انتزاع إرادة القتال من قلوب الفلسطينيين مرة واحدة والى الأبد ،وليس هدفه فقط إطفاء جذوة الانتفاضة .. وكسر إرادتها ، وفرض منطق الهدنة عليها ، تلك الهدنة التي وصفها شارون وصفا موحيا،بأنها على غرار هدنة رودس ، التي تلت هزيمة حرب عام 1948،وإنما الهدف فوق ذلك كله استخدام الضغط العسكري، في إحداث موجات خلخلة شديدة في الدول العربية ، خاصة دول الطوق لتضطر أن تأخذ ردود أفعالها ، احد اتجاهين :
• إما أن تتكيف على نحو سلبي فتلجأ إلى محاولة طرد الضغوط المتزايدة بالقفز إلى الخلف ، لترتكز مرجعية مواجهة المخاطر المتزايدة، على تحسن الموقف الأمريكي ذاته ، وهو خيار كفيل بتعريض الأمن القومي لمزيد من الضغوط بارتهانه في حيز تغيرات جوهرية غير منتظرة من الموقف الأمريكي مثلما هو كفيل بتصعيد الضغوط الداخلية على نحو يساهم في تحويل الخلخلة الناجمة عن الضغوط الخارجية إلى تصدعات داخلية خطيرة .
• وإما أن تتكيف على نحو ايجابي ، فتلجأ إلى محاولة امتصاص الضغوط الداخلية الواقعة عليها ، بالقفز إلى الأمام ، في صيغ ذات طبيعة عسكرية تصبح بنفسها مبررا لتوجيه ضربة عسكرية إسرائيلية إليها، في مسرح لم تحدده ، وتوقيت لم تختره.
ومن المؤكد أن القفز إلى الأمام عمل لا يتسم بالصحة ، لكنه من المؤكد أيضا أن القفز إلى الخلف أو الجمود في الموقف لا يقل عن سابقه مغامرة وضررا، ليس فقط لان جانبا من دفع عملية التحول الاستراتيجية في أوضاع الإقليم ، يتطلب إعادة بناء بعض الأنظمة العربية ، وتغيير سلطاتها ونخبها الحاكمة، خاصة تلك التي ستفرض عليها أدوارها الوظيفية الإقليمية ، أن تبدى مقاومة متصاعدة في مواجهة هذا التحول ، وليس فقط لان إسرائيل تريد بضغوطها العسكرية ، أن تدفع دولا عربية إلى حالات احتراب داخلي بدلا من الحرب معها، ولكن لان طبيعة المخاطر المتزايدة في الأوضاع الإقليمية والدولية ، لا يمكن مجابهتها إلا فوق قاعدة واسعة من التوحد الوطني .
3. وفى المشهد الإقليمي كله ، حول الحواف المضطربة لبركة الدم الفلسطيني ، يبدو العالم العربي ، وكأنه سيقطع الطريق نفسه ، الذي فرضته الضغوط المتزايدة على المجتمعات العربية برمتها ، بعد ما تمخضت عنه أعمال القتال في حرب عام 1948.
إنني لا أريد أن أكون صوت النعي لأنظمة عربية ، يزداد وضوح علامات الإجهاد عليها ، ولا لنظام إقليمي عربي ، يسعى البعض إلى تبديد ما تبقى من طاقة مقاومته وتماسكه.
ولكن الحقائق الجديدة ، تفرض علينا أن ننظر بقدر اكبر من العمق والفهم ، إلى طبيعة المخاطر والتحولات الجديدة في أوضاع الإقليم والى نتائجها على المستوى الوطني والقومي ، فالنتائج المباشرة ليست مجرد تفكيك السلطة الفلسطينية ، أو تدمير بنيتها أو استئصال إرادة المقاومة من الشعب الفلسطيني ، أو إنهاء السلام ، الذي أكدت منذ مايو قبل الماضي انه سقط بالفعل استراتيجيا ، وإنما تأجيج صراع مفتوح في المنطقة ، ومده بكل أساليب الحريق والانتشار .
أن ما يحدث في ميادين المواجهة ، وما يتخلق في العمق العربي ، لم يكن معزولا حتى عندما كانت ميادين القتال معزولة ، فنكبة 1948 لم تهز على سبيل المثال ، قواعد النظم العربية ، سياسيا ، واجتماعيا ، بل أن تأثيرها امتد إلى كل ظواهر الحياة ، وكل مناهج التفكير والعمل، ولذلك فإنها لم تنجب زلازل اجتماعية وسياسية فحسب، بل أن تأثيرها امتد من قوانين الحياة ، إلى قوانين الشعر ، فحطم الشعر العربي ، تفعيلته البنائية ، وموسيقاه التقليدية ، فما بالنا هذه المرة ، وميادين العدوان مفتوحة ، والأنقاض تملأ العيون ، وبقع الدم والشظايا ، تتناثر في شاشات التليفزيون، وتسقط في أطباق الطعام ، وما بالنا هذه المرة ، والإحساس بالهوان ، والخذلان لا سابق لحجمه ، ولا راد لقضائه.
أن منحنى الضغوط بالغ الشدة في هذا الوضع الإقليمي بالغ الشدة حول بركة الدم الفلسطيني مشبعة بالتحول والتغيير ، من تحول في أوضاع إسرائيل ، إلى تحول في أوضاع الإقليم ، وفى أوضاع العالم ،وأنماط الصراع الدولي ، تقود بدورها إلى سلسلة متصلة من التناقضات والتفاعلات ، ستبحث بالقوة الجبرية عن صيغ توازن ، من أنظمة محاصرة بجماهيرها، إلى جماهير محاصرة بأنظمتها ، إلى أنظمة وجماهير محاصرة بحالة إقليمية جديدة ، لم تكن تتوقعها ، ولم تكن تنتظرها ، فضلا عن أنها لم تحسب احتمالاتها وتفاعلاتها ،بالدرجة المطلوبة من الدقة .
أن تشبعا بالعنف يصل إلى مداه ، ويتم اختزانه طبقات كثيفة من الوقود القابل للاشتعال ، تحت جلد الفلسطينيين والعرب ، ولا احد يستطيع أن يحدد بشكل قاطع حجم الأسماك المفترسة التي لابد أن تتوالد وتنمو في بركة الدم الفلسطيني وعلى حوافها العربية هنا وهناك ، ولا احد يستطيع أن يحدد على سبيل اليقين ، متى وكيف وأين ، يمكن لطاقة العنف المختزنة تحت جلود الناس – تحت تأثير مشاهد الإرهاب الإسرائيلي ، والإحساس معها بالهوان – أن تترجم نفسها إلى حركة وفعل ، وعلى أي وجه وشكل ؟ ثم انه – وأنا اكرر كلاما سابقا- إذا اقتنع العرب أو بعضهم في قواعدهم الشعبية ، انهم يواجهون قوة عسكرية لا يقدرون علي مواجهتها وأنظمة لا تستطيع أن تجمع شملها وإرادتها ، لتدير مبارزة استراتيجية ومصيرية مفروضة عليها ، ومعادلات توازن لا تستطيع أن تدفع تكلفة تصحيح الخلل فيها ، فماذا يبقى لهم غير أن تنطلق في صفوفهم ، جيوش من العفاريت ، يطلبون منها ومعها الحل والحماية ، فيما وراء الطبيعة ، لتتم خلخلة القضاء السياسي والفكري ، والاجتماعي ، أمام استقواء عقل سلفي بمركبات الضعف التي تحيط به ، ليضخ تيارا سلفيا ، يرغب في أن يصعد على أكتافه إلى مواقع التأثير والحكم.
4. بهذا الفهم فان اكثر الفجوات خطرا في هذا التوقيت ، هي الفجوات التي يمكن أن تنشأ بين الجديد الذي يتخلق في قلب المجتمع ، وبين ما يظل على ثباته وقدمه في أساليب ومناهج العمل الوطني ، سياسيا واقتصاديا وإعلاميا، وتلك مساحة جديدة بتأمل اعمق إذا أريد للجبهات الداخلية أن تظل آمنة ، وللتفاعلات أن تكون محسوبة ، ومرشدة ، وبغير ذلك ستكون التهديدات متنامية ، والفيضانات جارفة .
وبهذا الفهم –أيضا- فان قوة النظام السياسي –أي نظام- تظل مرتبطة بقدرته على الحيلولة دون أن يتعرض النظام المعنوي للسلطة إلى التآكل ، ذلك أن الأنظمة السياسية لا تحكم بأدوات الضبط الاجتماعي ، وإنما تحدد درجة فاعلية استخدام أدوات الضبط ، بدرجة تماسك النظام المعنوي ، وظني في ذلك بوضوح وأمانة أن الدولة المصرية مطالبة بان تضفى على نظامها المعنوي ، قدرا اكبر من الصلابة والتماسك، وان ذلك يتطلب منها الحدود الدنيا ، تخفيف أحمال باتت تثقل مفاصل الحركة ، وتقلل من جاذبيتها.
إنني لا اعتقد –مثلا- أن الإبقاء على المركز الأكاديمي الإسرائيلي في القاهرة – والذي تحول إلى شرفة أمامية للموساد الإسرائيلي في فضاء الحياة الأكاديمية والثقافية المصرية – يمكن أن يكون مقبولا.
كما إنني لا اعتقد - مثلا - أن بقاء رموز معينة للتعاون مع إسرائيل ، طافية على سطح الحياة العامة ، أصبح مشروعا ، ولذلك فان مراجعة أنشطة أولئك الذين أخذونا في اتجاه وهم فاسد ، اسمه " كوبنهاجن" ، واسمه جمعية السلام ، وتصفية أوضاع نفوذهم التي صعدوا على أكتافها إلى مواقع التأثير إعلاميا وسياسيا ، يتحتم أن تتم دون إبطاء ، ولذلك –أيضا- فان الإبقاء على أدوات التمدد الإسرائيلي في الزراعة المصرية على حالها أصبح فوق الطاقة والاحتمال ، فلم يعد مقبولا بقاء وهم إخصاب الزراعة المصرية بالخبرة الإسرائيلية ، ودفع مئات الفنيين إلى إسرائيل كل عام ، ليأكلوا خبز الصهيونية الفاسد ، ويفتحوا الأبواب أمام الأسمدة الملوثة ، والبذور الفاسدة ، خاصة إذا كان جسر التطبيع الزراعي قد حمل على ظهر غرائب الأشياء ، التي وصلت إلى خلق روابط مبهمة مع شبكة إقليمية مركزها شيمون بيريز نفسه ، لتشكيل ما يطلق عليه " قادة المستقبل " في مصر وبعض دول الجوار ، بل لقد وصلت غرائب الأشياء فوق جسر هذا التطبيع الزراعي ، إلى استيراد بذور صنف من الفراولة الإسرائيلية تحت اسم " الفراولة شارون" ، نعم فنحن نزرع الآن على ضفاف النيل ، فراولة إسرائيلية ، تحمل اسم واحد من اكبر مجرمي الحرب في التاريخ الإنساني .
وفى كل الأحوال ، فان الجديد في مصر ، أفكارا وأجيالا ينبغي أن يسمح له بان يتنفس بشكل صحي وصحيح مع شحن قاطرة الحياة الحزبية بوقود جديد، بعيدا عن أولئك الذين تصلبوا في مقاعدهم من قيادات الأحزاب ، وفى مقدمتها الحزب الوطني نفسه ، الذي يفرض عليه حفنة من الأشخاص المزمنين عند قمته ، إيقاعا ثقيلا وعزلة جامدة ، تحولت نفسها إلى عملة رائجة وزعت نفسها على بقية الأحزاب عزلة وجمودا.
وليس صحيحا ما يروج له البعض من أن التغيير في ظروف دولية وإقليمية مضطربة وضاغطة عمل لا يتسم بالرشاد ، لان الرشاد نفسه بالمعنى السياسي والاجتماعي وبالرؤية الإستراتيجية ، هو الذي يحرض على التغيير ، ويعجل به فالتحديات الجديدة تتطلب أساليب عمل جديدة ، ومناهج عمل بديلة ، كما تتطلب وجوها جديدة ، لا تقع في دوائر معتمة من قبول الناس ، بقدر ما تشع عليهم ، وتبعث فيهم تفاؤلا .. مفقودا.
...
لقد أكمل الجيش الإسرائيلي ، قبل عام كامل من صعود شارون إلى سدة الحكم ، تشكيل وحدات عسكرية إسرائيلية للقتال في المدن الفلسطينية، وفى شوارع القرى وأزقتها ، بأساليب مختلفة عن الأساليب التقليدية للعمل في ميادين القتال الاعتيادية ، بل لقد بلغت الاستعدادات والتدريبات العملية على ميادين القتال الفلسطينية حد أن الجيش الإسرائيلي قام ببناء مناطق ونماذج منقولة ، عن خرائط دقيقة لأحدث أوضاع القرى والمدن الفلسطينية ، وقد مارست الوحدات العسكرية الإسرائيلية الخاصة ، تدريباتها على أساليب القتال التي تستخدمها هناك في المستقبل القريب تحت عنوان محدد هو : " استراتيجية الردع الجارف" .
ومن المؤكد انه قبل أربع وعشرين ساعة من العملية الفدائية في " نتانيا" كانت قرون الاستشعار الأمريكية ، قد التقطت بوضوح ما يؤكد بالصور الحية ، أن إسرائيل قد أنهت إعادة تعبئة فرقتين مدرعتين كاملتين ، تقفان على خطوط الاستعداد ، للقيام بعملية فتح استراتيجي، فوق المحاور الرئيسية التي تربط مدن الضفة الغربية ، وبالتالي فان ربط الرئيس الأمريكي ووزير خارجيته بين الحرب الإسرائيلية الواسعة ضد الفلسطينيين ، وبين عملية " ناتانيا" أو غيرها ، لا يعدو أن يكون، ايهاما كاذبا، لان أمريكا في الحقيقة لم يتم تضليلها إسرائيليا، ولم يتوقف دورها عند حدود إعطاء ضوء اخضر لمغامرة عسكرية إسرائيلية ، بهذا الحجم والعمق، فنحن لسنا بصدد مغامرة عسكرية إسرائيلية صدقت عليها الولايات المتحدة الأمريكية ، وإنما بصدد خطة استراتيجية أمريكية ، لإعادة صياغة أوضاع الإقليم كله ، تقوم إسرائيل بتنفيذ افتتاحيتها الدموية ، عامدة إلى أن تحدث اكبر قدر من الفزع والرعب ، واكبر مساحة من التدمير والخراب ، مستخدمة نهر الدم الفلسطيني الذبيح ، لدى أفدنة لا حدود لها فوق التخوم العربية الواسعة ، بالخوف واليأس ، والكراهية .
إننا لا نريد أن نفهم بالقدر الكافي ، أن إسرائيل والولايات المتحدة تقومان بقياس دقيق لدرجة وطبيعة المواقف العربية في مواجهة ما يحدث من ذبح وتنكيل في الأراضي الفلسطينية ، وان نتيجة هذا القياس ، درجة وطبيعة ، هي التي ستحدد عمق التوجه العسكري الإسرائيلي والأمريكي القادم في المنطقة ، سواء بالنسبة للبنان وسوريا والعراق وإيران أو غيرها ، وبالتالي فانه إذا بقى الموقف العربي الرسمي في حدوده الراهنة ، فان الأنظمة العربية لن تضيف فحسب إلى أوضاعها المجهدة ، إجهادا فوق إجهاد ، ولكنها ستساهم في شد قوس التهديدات ، في أوضاع الإقليم إلى درجة تغرى الولايات المتحدة الأمريكية ، بان تترك لسهامها العسكرية فرصة الانطلاق نحو أهدافها ، ولذلك فانه بقدر احتشاد النظام الإقليمي العربي ، خلف أسلحة ردعه ، ومقاومته ورفضه من خلال صيغ عملية واضحة ومؤثرة بقدر ما يمكن للنظام العربي أن يجنب نفسه، مغبة حالة واسعة من الشروخ والتصدعات والانهيارات .
ولذلك إذا اكتفى النظام الإقليمي العربي ، ووحداته الفاعلة ببقاء رهانه على تحسن في الموقف الأمريكي ، فانه سيعمد إلى تعريض حلقات أساسية في الأمن القومي العربي ، وفى الأمن الوطني ، إلى مخاطر هائلة ، وتهديدات مستجدة .
وربما يكون من حسن حظ إسرائيل أن التوافق بين حكومة شارون وإدارة بوش ، مزدوج ومن جانبين : توافق قاعدي على أساس أن حكومة شارون تمثل منظومة القوة في إسرائيل ، وان إدارة بوش الابن تمثل منظومة القوة في أمريكا ، وتوافق في طبيعة التوجه ، أو في اللحظة الكونية المشتركة ، على اعتبار أن نخبة القوة في إسرائيل ، تريد بناء مفصل تحول استراتيجي في أوضاع الإقليم ، وان نخبة القوة في أمريكا ، تريد بناء مفصل تحول استراتيجي في أوضاع الإقليم كامل في أوضاع العالم ، ولا يحتاج الأمر إلى عناء كبير ، لرسم خريطة لرؤوس الجسور الأمريكية الإسرائيلية ، ومساحات تداخلها ، وتوجهها في أوضاع الإقليم ، لنستطيع أن نفسر على وجه صحيح طبيعة الموقف الأمريكي في الحرب الإسرائيلية القائمة وقبل أن تبدأ إسرائيل ، بإطلاق الطلقة الأولى في افتتاحيتها الدموية.
أن أمريكا لا تزال تصر عمليا على اعتبار أن القضية الفلسطينية قد أصبحت قضية إسرائيلية داخلية ، ولهذا من حق إسرائيل أن تحاصر عرفات ، وان تعبئ آلاف الفلسطينيين في شاحنات القهر إلى سجون العبودية ، وان تترك مئات الفلسطينيين ينزفون حتى الموت في مداخل البيوت ، وزوايا الشوارع ، ومن حقها أن تهدم المنازل على رؤوس أصحابها، وان تتعدى على المساجد ، وتروع الكنائس ، وتدمر محطات الوقود والمياه والكهرباء ، وتمزق الطرق ، وتطفئ بالقوة عيون عدسات المصورين ، وتخيف الصحفيين بقنابل الدخان ، وفوهات البنادق ، ومن حقها أن تقطع طريق وفد الترويكا الأوربي إلى لقاء عرفات ، وتمنع زيني من لقاء المفاوضين ، والحقيقة أن الجنرال زيني ، قائد القيادة المركزية الأمريكية السابق في المنطقة والذي يحفظ عن ظهر قلب ، الخرائط الأمريكية ، للاستحواذ على الشرق الأوسط ، لم يلعب للحظة واحدة منذ عودته ، دور ساعي السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين ، وإنما لعب دور المنسق السياسي لآلة الحرب الإسرائيلية ، ولعله بات معروفا انه أطلق إشارة بدء الحملة العسكرية الإسرائيلية ، عندما حمل الرئيس الفلسطيني شروطا تعجيزية ، تمسخ ( تينت ) قبل ( ميتشل) وهو يعرف مقدما وعن يقين أن عرفات ، سوف يرفض شروط استسلام فلسطيني كامل ونهائي ، ليكون الرفض الذي استنطق عرفات به ، هو الإشارة الأمريكية العلنية ، لبدء حمام الدم وعندما بلغ حمام الدم ذروة تدميره الإبداعي، استعاد دوره السابق، في اليوم الثامن ، وذهب إلى لقاء عرفات ، كي يرى ، ما إذا كانت الثمار السياسية الفلسطينية ، قد نضجت للحصار الإسرائيلي ، أم أنها تحتاج إلى أن تروى بمزيد من الدم الفلسطيني .
مع ذلك فإنني استطيع أن اجزم ، أن ثمة مفاجأة أمريكية وإسرائيلية ، بأمرين:
• مفاجأة بارتفاع قامة المقاومة الفلسطينية إلى ما هو أعلى من ارتفاع الطائرات الإسرائيلية ، واتساعها إلى ما هو ابعد من مرمى الدبابات الإسرائيلية ، تلك المقاومة الأسطورية البطولية التي أبداها رجال لا يملكون غير البنادق والأيدي ، في مواجهة فرقتين مدرعتين ، ولواء مظلي ، ولواء من القوات الخاصة ، وكتائب دعم مدججة بالسلاح حتى الأسنان ، أن هذه المقاومة الفلسطينية هي التي أضفت على العرب في عيون الدنيا ، صورا من الكرامة والعزة ، وبرهنت على أن الصخر الفلسطيني أقوى من قرون الوعل الإسرائيلي ، لان إرادة القتال لا تزال تحلق في روح فلسطين كعصفورة النار ، التي تقول الأسطورة القديمة ، أنها تصعد إلى السماء لترسم الفاصل بين الليل والنهار .
• ومفاجأة بهذا الرفض الشعبي العربي ، الذي أكد أن عوامل التعرية وأحماض الإذابة ، المادية والمعنوية ، لم تستطع أن تفصل القاعدة ، الشعبية العربية ، عن جسور تواصلها التاريخي ، وامتدادها القومي ، ومن المؤكد أن هناك في أمريكا وإسرائيل ، بل في الوطن العربي من فركوا عيونهم دهشة ، لأن هذا الوطن إلى تصوروا أنه شيع مرات عديدة إلى مثواه الأخير ينفض عنه تراب التجزئة ، والقعود ويخرج من جلده الرخو ، في موجة غضب عارمة ، تمد نارها مشتعلة من المحيط إلى الخليج.
وللأسف فان قمة الاستهزاء بهذه الموجة ، العميقة الغور ، الصادقة الوطنية ، جاءت من الإعلام المصري أيضا ، حيث اختزل احد رؤساء تحرير الصحف القومية ، الحركة الشعبية المصرية الرشيدة التي حصنت غضبها إلى طاقة تدمير وعنف ، في واقعة معزولة واحدة ، تحطم فيها زجاج احد المطاعم ، محولا قلب الصفحة الأولى ، إلى إعلان مجاني للمطعم ، ومحرضا النظام ضد "المدنسين" في مظاهرات الغضب . بينما يستطيع المرء أن يؤكد بضمير مستريح، أن مواقع هؤلاء " المدنسين " ليست في الشارع المصري الذي يدرك بوعيه الصحيح، ووجدانه الحي انه الحارس لأمنه ، ولسلامة وطنه ، واستقرار مجتمعه ، وإنما أصبحت للأسف الشديد في بعض بؤر التأثير الإعلامي ، والنفوذ الحكومي والحزبي .
...
قبل أن يقوم الجيش الإسرائيلي بهجومه الدموي ، في أعماق الضفة الغربية ، بثلاثة أيام فقط ، كان معهد بيجن – السادات في جامعة يارايلان ، يؤكد أن نتائج استطلاع واسع للرأي أجراه في إسرائيل قد أفادت أن 73% من الإسرائيليين يؤيدون منطق شارون في استخدام القوة العسكرية ضد الفلسطينيين . وبعد أربعة أيام من نزيف الدم الفلسطيني ، ومن أعمال القتل والتدمير والهدم ، أكد استطلاع آخر للرأي أجرته صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية ، أن 72% من الإسرائيليين يؤيدون توسيع الحملة العسكرية للجيش الإسرائيلي ، وان ثلاثة من بين كل أربعة من الإسرائيليين يؤيدون شارون ، وان 23% من الإسرائيليين يؤيدون إقدام الجيش الإسرائيلي على قتل الرئيس عرفات ، و32% منهم يؤيدون اعتقاله خارج الأراضي الفلسطينية ، وعندما جرى الاستفتاء على ثلاثة قادة إسرائيليين هم شارون ، ونتنياهو ، واليعازر ، حصل شارون على 32% من الأصوات ، وحصل نتنياهو على 26% بينما لم يحصل اليعازر سوى على 4% فقط من الأصوات .
في اليوم السابق على بدء الحملة العسكرية الإسرائيلية ، كان زينى يقدم لعرفات أوراق انتحار السلطة الفلسطينية ، كي يوقعها في اليوم الثاني لإعلان الحرب الإسرائيلية، كان راديو الجيش الإسرائيلي يؤكد أن القوات الإسرائيلية تحتاج إلى 8 أسابيع كاملة من اجل تمشيط كامل للضفة الغربية ، مبشرا العرب بان القوات الإسرائيلية قد أخذت احتياطها لكيلا تزيد خسائر المدنيين الفلسطينيين من القتلى إلى عشرة آلاف ، رغم أن عدد المطلوبين الفلسطينيين ، يربو على مائة ألف ، وفى اليوم السابع للحرب الإسرائيلية ، وقف الرئيس بوش ، يطالب عرفات بوقف العنف ويتهمه بأنه خان آمال شعبه .ويتحدث دون برنامج أو توقيت أو إطار ، عن انسحاب القوات الإسرائيلية من الضفة الغربية ، وفى اليوم الثامن كان الجنرال زينى يحمل مرة ثانية إلى عرفات أوراق انتحار السلطة الفلسطينية كي يوقعها . وفى اليوم التاسع كانت الدبابات الإسرائيلية ، تهدم البيوت على أهلها ، وتسحق جثث الجرحى والشهداء في الشوارع ، بجنازيرها ، وكانت بركة الدم الفلسطينية ، تفيض فيها دماء ساخنة جديدة ، أكثر من أي أسبوع مجتمعة ، وفى اليومين العاشر والحادي عشر كان النظام العربي ، يترقب خطوات وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية كي يقتنع بان يقنع السكاكين الإسرائيلية ، بان تهدأن وفى اليومين الثالث عشر والرابع عشر وما بعدهما ، كانت قاطرة العالم العربي تعود منهكة ومكدودة ومثقلة بالغضب والهوان، وهى تتجه نحو الطريق غير المعبد ، الذي بدأت سيرها المضطرب فوقه في أعقاب هزيمة عام 1948!

8/4/2002

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :