عمى الثلج الأبيض     


بقلم: أحمد عز الدين

على الحائط كتابة بالطباشير .
إنهم يريدون الحرب .
والذي كتبها .
قد سقط صريعا .
تشكل السطور السابقة نص قصيدة كاملة لشاعر غربي كتبها في أوج نمو النازية الألمانية ، قبيل تقدمها لتحطيم أوربا ، وإغراق ثلث الكرة الأرضية بالدم .
كان الشاعر يريد أن يقول ، أن الحرب ليست كالسلام ، فالسلام كالحب ، يتحقق بإرادة طرفين ، أما الحرب فهي كالكراهية ، لا تحتاج إلا إلى إرادة طرف واحد ، وكان يريد أن يقول أن الحرب على هذا النحو ، حقيقة موضوعية ، وهي ككل حقيقة لابد وأن تجد من يسجلها ، ولو بالطباشير على حائط مهدم ، لكن معرفة الحقيقة ، لا تمنع حدوثها ، وموت من رآها جذوة متقدة تحت دخان الشكوك ، لا يمنعها من أن تبقى حية ، في إدراك الأحياء من بعده.

ـ 1 ـ
في هذا الوقت ، وعندما بدأت النازية الألمانية ، إندفاعتها لالتهام أوربا ، كانت أمريكا ما تزال تعلن الحياد ، حتى بعد أن ضم هتلر النمسا وأخرج فرنسا من منطقة الرور ، بينما كانت إجراءات بريطانيا وفرنسا لإعلان الحرب ، لا تخرج عن سياق خطاب لغوي خالص وعندما أضطرت طائرة عسكرية ألمانية للهبوط في بلجيكا ، واعتقل من بين ركابها ، ضابط ألماني من هيئة أركان الحرب ، وبحوزته خطة المانية كاملة ، لغزو بلجيكا وهولندا وفرنسا ( وهو ما سمى باسم أولاف فيسر ) ، لم يكن أحد في أوربا أو أمريكا ـ كما يروي تشرشل نفسه في مذكراته ـ يمتلك قناعة بأن المانيا عازمة فعلا على أن تمزق ما تبقى من معاهدة فرساي ، وأن تتقدم لالتهام أوربا .
كان الهاجس الذي يحكم العقل الاستراتيجي في أوربا والولايات المتحدة معها ، إنه يمكن العمل بهدوء ، لاحتواء هتلر ، وتقييد نزعته التوسعية ، وذلك بعدم إثارته على جانب ، وتركه يضم بعض الأرصفة الأوربية من حوله ، على جانب أخر ، ثم دفعه إلى مائدة المفاوضات ، وإغرائه بتوقيع معاهدات عدم اعتداء مع بقية جيرانه مساومة على ما ابتلعه بالفعل . وعندما جلس هتلر ليوقع هذه المعاهدات ، كانت أوربا تتصور أنها نجحت في تقييده ، بينما كانت يده اليسرى توقع على اتفاقيات ، تعرف يده اليمنى أنها ستقوم بتمزيقها بعد أسابيع قليلة .
هكذا بدأ بغزو الدانمارك ، ثم بلجيكا وهولندا ، ولكسمبورج بعد أربعة أسابيع ، ولم يمر غير أسبوع أخر ، حتى كان الجيش الهولندي يستسلم ، والفرنسي ينسحق ، والقوة النازية ، تتقدم على طول تسعين كيلو مترا بين ( سيدان ) و( تامور ) على محور الجنوب الغربي ، لتصب حممها نارا في قلب باريس ، بينما العالم كله يقف على أطراف أصابعه ، يتأمل جاحظ العينين ، مشهداً بدا له ضربا من الجنون .
المدهش أن الأمر تكرر بعد ذلك ، على الجبهة السوفيتيه ، فأمريكا التي استوعبت الدرس السابق أرسلت قبل الغزو بشهور ، تحذيرا لموسكو ، ثم أرسلت بريطانيا التي أستوعبت الدرس بدورها تحذيرا آخر ، لكن ( ستالين ) ، لم ير في التحذيرين ، إلا محاذير ذاتية ، وأنها سلوك استفزازي إمبريالي ولذلك لم يكلف نفسه عناء أن يأمر بتعبئة القوات السوفيتية ، ليفاجأ بعد أسابيع أخرى ، ودون مقدمات أو بيانات ، باقتحام القوات الألمانية للأراضي السوفيتية ، على طول الحدود الممتدة من البحر الأسود حتى بحر البلطيق ، ولذلك كان طبيعياً ، أن تتمكن القوات الألمانية ، بعد ثلاثة أسابيع فقط ، من بدأ أعمال القتال على الجبهة الروسية ، من التوغل بعمق يتراوح بين 400 إلى 600 كم ، على جميع محاور الهجوم الرئيسية في الأراضي السوفيتية ، بعد أن ذبحت أكثر من ثلاثة أرباع الطائرات الروسية ، وهي نائمة في مخادعها.

ـ 2 ـ

والحقيقة أن العقول الاستراتيجية في الولايات المتحدة وأوربا والاتحاد السوفيتي لم تترك أسباب ما حدث ، ونتائجه، دون أن تخضعها لمراجعة متأنية وعميقة ، وأمام لوحة كبيرة من الأسئلة عن ذلك الشك الذي جعل الإرادة الإرادة الغربية كلها ، ومن بعدها السوفيتية معلقة بحسابات احتمالات ، برهنت النتائج العملية على أنواع كانت مغرقة في سوء التقدير ، ابتنت عليه سوء تخطيط ، ترتب عليه سوء تصرف ، وأنتهى إلى مسلسل من الكوارث المفزعة ، ثم جاءت نتائج هذه المراجعة العميقة ، التي توزعت على عدة دراسات مستفيضة ، لتثبت مجموعة مبادئ ، كان في مقدمتها .
أولا : أن الأخطاء التي قد تبدو صغيرة أو تكتيكية في تقدير حسابات احتمالات لجوء طرف إلى الحرب ، تترتب عليها أخطاء جسيمة في مجرى المواجهة العسكرية .
ثانيا : أن التراكم الكبير في القوة العسكرية على جانب ، يخلق لنفسه قانونا خاصا ، في المجال الإقليمي والدولي ، ويمثل حافزاً نشطاً للحرب والعدوان ، وهو لا يغوي فقط باستخدام القوة للحصول على مكاسب سياسية ، ولكنه يعتبرها الأداة الأسرع ، والأسهل وهو لا يعلى فقط من مفهوم الأمن الذاتي ، ولكنه يحوله إلى أمن مطلق ، ولذلك فإن تراكم القوة يمثل تهديدا مباشرا بغض النظر عن ارتباطه بأطماع توسعية ، لأنه يتحول بذاته إلى حقل خصب لنمو هذه الأطماع .
ثالثا : أنه لا ينبغي اعتماد موازين القوى الإقليمية في حساباتها العامة ، عند وجود خصم لعدد من الدول على مستوى الإقليم ، وإنما ينبغي أن توضع موازين القوى الوطنية ، بشكل منفصل لكل دولة في مواجهة هذا الخصم ، كما أن حسابات الردع ينبغي ان تتسم بالمنهج ذاته ـ لأن حساب موازين القوى إقليميا هو حساب مخادع ، طالما أن هذه الدول ليست منخرطة في نظم من التوحد العسكري الميداني أو الدفاعي .
رابعا : عند حسابات موازين القوى في صيغها المباشرة ، ينبغي أن يكون التركيز واضحا على طبيعة التوجه التسليحي ، فلا يتم الخلط بين التوجهات الدفاعية المحضة ، وتوجهات التسليح وفقا لمبادئ هجومية واضحة .
خامساً : أن نظرية الردع لا تنجح ، دون أن تتوفر لها ثلاثة شروط أساسية :
1. وجود قوة قادرة على الردع .
2. اقتناع الخصم بوجود هذه القوة وبفاعليتها .
3. وجود الاستعداد التام لاستخدام هذه القوة واقتناع الخصم بوجود هذا الاستعداد ، فإذا توفرت القوة الرادعة ، وتوفرت قناعة وجودها عند الخصم ، وتوفرت النية لاستخدامها عند أصحابها ، ولم تتوفر لدى الخصم قناعة بتوفر النية لاستخدامها ، تصبح نظرية الردع بغير فاعلية .
سادسا : الربط بين العقيدة السياسية للخصم ، وبين عقيدته القتالية ، أمر بالغ الأهمية ، لأن العقيدة السياسية ذات التوجهات التوسعية ، لا يمكن إلا أن تقود عقيدة قتالية ، مبنية على التوجهات ذاتها .
سابعا : " السيناريو الأسوأ " قد يكون السيناريو الأضعف ، ولكنه ينبغي أن يوضع في المرتبة الأولى ، عند ترتيب الاحتمالات المضادة والحقيقة أن تعبير السيناريو الأسوأ ، ينتسب إلى الاستراتيجيين الأمريكيين ، ويمكن توضيحه بمثلين أحدهما عملي والآخر نظري :
• على المستوى الأول ، وعندما انتهت المخابرات العسكرية الإسرائيلية إلى تقدير موقف ، بصدد الاحتمالات المتوقعة ، المترتبة على اضطرار قواتها للإنسحاب من لبنان ، كان منطوق السيناريو الأسوأ الذي انتهت إليه يقول : ( توتر حدود مع سوريا يتحول إلى حرب ) .
والذي حدث بالفعل أن الجيش الإسرائيلي وضع هذا السيناريو رغم أنه الأضعف ، والأقل احتمالا ، على رأس حسابات الاحتمالات وترجم ذلك عمليا بإجراء مناورة واسعة ، لعدد من وحداته العسكرية ، لصد ومواجهة احتمال قيام سوريا بهجوم عسكري .
• على المستوى الثاني ، فإن أصغر قائد وحدة فرعية في وحدات الدفاع الجوي يعرف أن " السيناريو الأسوأ " والأضعف في الوقت نفسه ، هو ان تواجه وحدته هجوماً معادياً ، من جميع الاتجاهات ، وعلى جميع الارتفاعات ، ومن جميع أنواع الطائرات ، وباستخدام كافة الأسلحة ، ورغم أن ذلك يصل إلى حد الاستحالة العملية ، فإنه يضعه بشكل صحيح على رأس " أمر القتال " ، الخاص بوحدته .

ـ 3 ـ

ماذا أريد أن أقول ؟
• أريد أن أقول ـ أولا ـ أنه ليس لدينا ـ نحن العرب ـ عجزاً عن رؤية " السيناريو الأسوأ " ، فنحن نراه في كل مرة ، ونبصرة في كل مرحلة ، ولكننا نبالغ في استبعاده ، والاستهانة به حد الإزدراء قبل أن نفاجأ به ، يتمدد أمامنا حياً ومكتملاً .
• وأريد أن أقول ـ ثانيا ـ أن كثيرا مما يكتب هذه الأيام ، في هذا السياق ، سواء عن التغيرات في إسرائيل ، أو عن التطورات في الولايات المتحدة ، في ظل إدارة جديدة ، أو عن تفاعلات الأمرين ، مع البيئة الإقليمية والدولية ، لا يمارس شكلا من الاستهانة بالسيناريو الأسوأ ( أو الأسود ) فحسب ، ولكنه يعمد إلى جر أبصارنا ، إلى " سيناريو " أبيض ، يشبه محيطاً من الجليد ، لا تعين إطالة النظر إليه ، ككل محيط من الجليد إلا لحاله من " عمى الجليد الأبيض " .
• وأريد أن أقول ـ ثالثا ـ أن هذا النوع من عمى الجليد ، قد يصنع طمأنة ، ولكنه لا يصنع طمأنينة ، وقد يوفر تهدئة ولكنه لا يوفر استقرارا ، وقد يهدهد الخوف ، ولكنه لا يهدد المخاوف .
• وأريد أن أقول ـ رابعا ـ أنني لا استطيع أن أفهم ، ولا أن أتفهم في ضوء ذلك ـ أن يكرر صهيوني متعصب من حلفاء شارون مقولة ضرب السد العالي ، فلا تصدر عن المجتمع كله سوى إشارة صحيحة واحدة ، تنم عن فهم استراتيجي دقيق وعميق ، لما ينطوي عليه مثل هذا التهديد ، وهي الإشارة التي وردت على لسان الرئيس حسني مبارك بقوله : ( أن التهديد بضرب السد العالي يهيئ المنطقة لأجواء حرب ) ، وهو فهم كان ينبغي ان يترجم إلى مفردات صحيحة ، بدلا من أن يكتفي متحدث يصف نفسه بأنه رسمي ، بقول مرسل يبدو خارج هذا الفهم ذاته ، وهو يقول : ( إن مصر لا تعير مثل هذه التصريحات غير المسئولة أي اهتمام )! .
ولست أفهم ـ أيضا ـ أن تنشر صحيفة مشبوهة القصد في الخليج خبرا مدروسا ومدسوسا ، يقول أن مصر طلبت نقل قوات مصرية إلى منطقة الخليج ، فيعلق هذا المتحدث بقول مرسل يبدو خارج هذا الفهم أيضا ، وهو يقول : ( إن مصر لم تطلب إرسال أي قوات إلى الخليج ) ، وهذا صحيح وأكيد ، ولكنه يضيف : ( أن القوات المصرية لن تخرج من مصر إلا كقوات حفظ سلام ، ولفترات مؤقتة ) ، علما بأن هذا هو القصد من وراء دس الخبر بهذه الصياغة ، أن تقول مصر أنها مسئولة عن أمنها وحدودها فقط ، وليس لديها في عقيدتها أو استراتيجيتها ، أو فهمها لدورها الإقليمي ، ما ينم عن مسئولية عن حدود الإقليم ، وأمنه ، بل وأن تعلن مصر بنفسها عن وفاة ( إعلان دمشق ) ، الذي جاهدت لتبقيه حياً ، رغم جهود أمريكية مستميتة لدفنه ، في رمال الخليج .
• وأريد أن أقول ـ خامساً ـ أنني لم أجد في كل ما نشرته الصحف ووسائل الإعلام ، نموذجا تشريحياً ، أكثر تعبيرا عن حالة ( عمي الثلج الأبيض ) من مضمون مقاله نشرها الأهرام ( يوم الجمعه 16/2 /2001 ) لشخص وصف نفسه بأنه خبير استراتيجي ، وهو يحاول أن يوزع عمي الثلج ، على المجتمع المصري كله ومنظومته الدفاعية .
ماذا يقول المقال ؟



ـ 4 ـ

يقول المقال ـ لكاتبه السيد " اللواء " في جمعية السلام " ما يلي :
أولا: إن وقوع الحرب بين إسرائيل والعرب لم يعد موضوعياً ( لاحظ تعبير وقوع الحرب ، فهو لا يريد أن يسند تعبير العدوان إلى إسرائيل ، وكأن الحرب يمكن أن تقع من الجانب العربي) .
ولماذا لم يعد وقوع الحرب موضوعيا ؟ يجيب سيادة اللواء :
1. " وقوع الحرب لم يعد موضوعيا منذ نشوء حرب أكتوبر ، وبسبب إفرازات إنهاء الحرب الباردة ، وتغير المفاهيم الدولية ، وولوج نظام عالمي جديد ، يفترض التكتل لتعظيم المفاهيم الاقتصادية ، ويدفع بالآليات الديبلوماسية لتكون بديلا حضاريا ، وحيدا بين الاطراف المتنازعة ، بدلا من الصراع العسكري كآلية " .
2. " الموقف الفلسطيني ليس أسوأ من الموقف الإسرائيلي حتى لو توقفت الانتفاضة " !! .
3. " الموقف العربي في أحسن حالاته " ! .
4. " الموقف الأمريكي سيكون أفضل العهود الأمريكية المقبلة ، في تعاملها مع القضية ، للأسباب التي ذكرت في تحليلات الكتب السياسية " !! .

ثانيا : " ولأنه على جانب الموقف الاجتماعي والاقتصادي في إسرائيل فإنها غير قادرة على الحرب " ، لماذا يا سيادة اللواء ؟
1. " لان الحرب تحتاج إلى تأمين إداري جبار، لكنها غير قادرة عليه ، لأسباب تتعلق بمساحتها ، فضلا عن القدرة الإقليمية المعتادة الكبيرة " !! .
2. لان الموقف الاجتماعي الإسرائيلي لا يقل انبعاجا عن خريطتها الجغرافية الشاذة ، حيث الاشكيناز والسفارديم ، بكل ألوانهم وجنسياتهم التي ستبدو سلبياتها في أي حرب قادمة ، وهذا الموقف ضد قرار الحرب " !! .
3. " لأن الموقف الجغرافي ، والتغير الحاد في التضاريس ، وظروف المناخ والطقس ، يؤكد عدم نجاح أي حرب إسرائيلية " !! .

ثالثا : " لأنه على الجانب العسكري ، فإن لدينا القوة العسكرية " كيف ياسيادة اللواء ؟
1. " لأنه يستحيل على التعبئة الإسرائيلية اللحاق بالزيادة العربية .
2. " ولأنه فيما يتعلق بالتكنولوجيا والتقنية ، فالمسلم به أن القوات العربية عام 2001 ليست قوات 67 ، بسبب معدل الإنفاق على التسليح الضخم الوارد بالدوريات العالمية ، والذي تأتي منه قوات عربية عديدة في مراتب محترمة من حيث الحداثة في التسليح والتقنية العالية في كل البرامج من أسلحة ومعدات وغيرها " .
3. " ولأننا إذا قلنا أن إسرائيل تستطيع تحقيق الحد الأدنى من التأمين الدفاعي ، فإنه يشك بعامل ثقة كبير ، في تحقيق القدرة الهجومية بعد عام 2000 " .
4. " ولأن العامل النووي ـ في النهاية ـ لا يثير بالنسبة لنا ، ضجة كبيرة ، كما تعتقد إسرائيل " .
وفي المحصلة النهائية ، فإن إسرائيل لا تستطيع إتخاذ القرار الاستراتيجي العسكري ، لأنها غير قادرة على الحرب ، ولا يتوفر لديها غير الحد الأدنى من التأمين الدفاعي !! .

ـ 5 ـ

وخطورة ما نشره الأهرام للسيد اللواء في جمعية السلام ، لا يتوقف فقط ، عند تأثيره المدمر وطنيا وقوميا ، ولكنه يمتد إلى تأثيره الإيجابي لدى إسرائيل ، التي أصبح عندها وثيقة نشرتها جريدة شبة رسمية ، بتوقيع جنرال مصري سابق ، تؤكد مصداقية العناصر الأساسية التي تبني عليها استراتيجيتها في طلب الدعم العسكري الأمريكي ، سواء في مجال التسليح المباشر ، أو في مجالات التعاون الاستراتيجي الأخرى ، كالاستطلاع والتدريب الميداني ، والبحوث العسكرية .
فإذا كانت إسرائيل لا تتوفر لديها غير القدرة على تحقيق الحد الأدنى من التأمين الدفاعي ، فإن من حقها ان ترفع هذه القدرة التأمينية الدفاعية إلى حدود أعلى ، بطلب صواريخ باترويت ، أو بمزيد من تكنولوجيا تقصير فترة الإنذار المبكر ، على سبيل المثال ، بل وبتوسيع مجالها الحيوي الدفاعي .
وإذا كان هناك خللا كبير في قدرات التعبئة الإسرائيلية قياسا للتعبئة العربية ، فإن ذلك يتطلب تصحيحا عاجلا ، لابد وأن ينعكس على مرتبات التسليح ، وعلى نوعيته ، ثم إذا كانت القاعدة الصحيحة لحسابات موازين القوى بين إسرائيل منفردة وجاراتها العربية مجتمعة ، فإنه ليس من حق إسرائيل أن تزيد من معدلات تراكم السلاح لديها بمعدلات غير مسبوقة فحسب ، بل من حقها ـ أيضا ـ أن تظل محتفظة بالسلاح النووي كخيار أخير ، أمام احتمالات هجوم عربي كاسح وشامل ، لا تستطيع تأمين نفسها دفاعيا في مواجهته بغير هذا الخيار ، الأمر الذي يعني ان كل أولئك الذين يطالبون إسرائيل بنزع سلاحها النووي إنما يعملون على وضع إسرائيل ، في منطق حالة عسكرية ، لا تمكنها من الدفاع عن نفسها ، وتستهدف تدميرها بالتالي .
ثم إذا كان السلاح النووي الإسرائيلي لا يثير بالنسبة لنا ، ضجة كبيرة ، كما يقول عمي الثلج الأبيض ، فلماذا هذا الجهد العابث الذي تمارسه الديبلوماسية المصرية في كل المحافل الدولية ، لفرض صيغة شرق أوسط خال من الأسلحة النووية ؟ ! .

ـ 6 ـ

أما على الجانب الثاني وهو التأثير المدمر لعمي الثلج الأبيض ، وطنيا وقوميا ، فتجدر الإشارة عابرة إلى النقاط التالية :
أولا : أن التأكيد على أن وقوع الحرب موضوعيا لم يعد قائماً بعد حرب أكتوبر ، وبسبب إفرازات الحرب الباردة ، هو في التحليل النهائي منتوج نهائي للظاهرة نفسها ، التي تريد أن تفرض علينا ، وهي عمي الثلج الأبيض ، لأننا إذا استثنينا غزو لبنان ، واعتبرناه حريقا صغيراً ، لا يصنف في قوائم الحروب ، أو اعتبرناه سابقا على " إفرازات إنهاء الحرب الباردة " فإن الإحصائيات والوثائق شبه المعتمدة دوليا تؤكد أن العالم قد شهد ما يساوي 158 حربا أو نزاعا منخفض الشدة او متوسط ، منذ ان تم السعي إلى تأسيس هذا النظام الدولي الجديد .
ولست أعرف حتى على مستوى الإقليم ، وعلى مستوى القوة المنفردة على قمة النظام الدولي ، أن عملية قصف ضواحي بغداد بموجات 6 أسراب قاذفة ، على امتداد مائة وثلاثين دقيقة ، كيف يمكن أن تصنف بين " تغير المفاهيم الدولية ، وتعظيم المفاهيم الاقتصادية ، والبديل الحضاري الجديد للحوار بين الأطراف المتنازعة " وباختصار شديد ، فإن الصراع بأدوات عسكرية مباشرة ، يتقدم الآن فوق تخوم ، واسعة من العالم ، على كافة أدوات الصراع الأخرى ، بل أن القوة العسكرية ، آخذة في التحول إلى شكل جديد من الاستثمار الاقتصادي .
ثانيا : أن التأكيد على أن الموقف العربي في أحسن حالاته ، والموقف الفلسطيني ليس أسوأ من الموقف الإسرائيلي ، حتى لو توقفت الانتفاضة هو كلام ظاهره الرحمه ، وباطنه العذاب ، فعندما تقول أن الموقف العربي في أحسن حالاته ، فمعنى ذلك أن النظام الإقليمي العربي ، الذي يعاني من إنقسامات حادة ، سياسيا واقتصاديا وثقافيا ، ينبغي ألا تمتد إليه يد الترميم والإصلاح ، وعندما نقول أن الموقف الفلسطيني ، ليس أسوأ من الموقف الإسرائيلي ، حتى لو توقفت الانتفاضة فمعنى ذلك ان بقاء الانتفاضة او عدم بقائها ، لا يضيف رصيداً إلى الموقف الفلسطيني ، في حالة الحصار الشاملة المفروضة عليه .
إن حروف هذا الكلام بصراحة تتساقط ، فٌتاتا من موائد فكرية أجنبية ، ولعل ما يدفعني إلى هذا القول فعلا هو هذا التركيز الواضح على أمرين : الموقف العربي الذي لا يحتاج إلى أن يستقوي بطاقته الكامنة ، بعد أن وصل إلى توظيف كامل طاقته بالفعل ، والموقف الفلسطيني الذي لا يحتاج إلى الانتفاضة ، لأنها لا تضيف رصيدا إليه ، وحسبي هنا أن أقترب من الرؤية الاستراتيجية الصحيحة للأمرين ، باقتباس جانب من مشهد لقاء مغلق بين الرئيس حسني مبارك ، والرئيس عرفات ، عندما كانت مائدة التفاوض الأخيرة ، ما تزال منصوبة في طابا .
لقد قال الرئيس مبارك للرئيس عرفات ، وهو يضغط على حروفه : " أن لديك مصدرين للقوة ، هما الانتفاضة الفلسطينية ، والموقف العربي ، ولا ينبغي التفريط في أي منهما " .
ثالثا : لست أعرف في الحقيقة معنى القول بأن ظروف المناخ والطقس تؤكد عدم نجاح أي حرب إسرائيلية ، فالذي أعرفه عن يقين أن ظروف المناخ والطقس ، مبرمجة في وسائل إطلاق الصواريخ البالستية ، على سبيل المثال ، ولست أعرف ـ أيضا ـ ماذا كان الجيش الإسرائيلي ، يمكن أن يؤجل عملية عسكرية ، ترى حساباته الاستراتيجية ضرورة القيام بها ، حتى يتحسن المناخ والطقس بعد أسبوع أو أسبوعين ، أم أن الأمر يتعلق بطقس ومناخ آخرين ، ثم من الذي قال أن خيار إسرائيل الوحيد هو حرب طويلة المدى ، تحتاج إلى تعبئة لا تقدر على رفع تكلفتها ، بحكم أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية ، مع ذلك فإنني لا استطيع أن أخفي اعجابي الوافر بهذا الربط الجدلي ، بين " انبعاج " الخريطة الجغرافية لإسرائيل ، و" إنبعاج " الخريطة الاجتماعية لها ، حيث ـ كما يقول المقال ـ ستبدو سلبيات اليهود الشرقيين واليهود الغربيين بكل ألوانهم وجنسياتهم ، في أي حرب قادمة وأن هذا الموقف " الإنبعاجي " ضد قرار الحرب فهكذا تم التوصل إلى نتيجة مجتهدة جديدة تماما هي أن الحرب أداة تقسيم لإسرائيل اجتماعيا ، بينماكانت القاعدة المستقرة ، على سبيل الخطأ في العقل الإستراتيجي العربي ، أن الحرب أداه توحد لفسيفساء المجتمع الإسرائيلي ، التي هي على شاكلة ألوان الطيف بالفعل .
( إن إسرائيل قد تكون بالفرض منقسمة في كل عملية سلام ، لكنها باليقين متوحدة ، في كل عملية حرب . ) .
رابعاً : يبدو القول بأن إسرائيل لا تستطيع غير تحقيق الحد الأدنى من التأمين الدفاعي ، ولا تقدر على تحقيق القدرة الهجومية ، قادراً على أن يثير دوائر متصلة من الاستفهامات المدهشة. وإذا تغاضينا تماما عن طبيعة الفكر الاستراتيجي للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية ، والذي يتوجه تلقائيا ، نحو ساحات القتال ، المستقبلية ، والحروب المقبلة ، وتجاهلنا ان إسرائيل تحتل المرتبة الخامسة في العالم بين الدول المصدرة للسلاح ، وأن إنفاقها العسكري ، يزيد عن ضعف إجمالي الإنفاق العسكري لدول الطوق العربية مجتمعة ، فكيف لنا ان نتجاهل أو نتغاضى عن طبيعة التسليح الإسرائيلي الذي يتراكم بشكل تلقائي ـ أيضا ـ في تشكيلات ذات نزعة هجومية واضحة ، بل أن اتجاهات التحديث في الجيش الإسرائيلي جوا ، وبرا ، وبحرا ، جميعها ، ذات طبيعة هجومية ، وليست دفاعية بالمعنى التقليدي ، بأي منطق أذن يمكن أن نقول بضمير وطني مستريح ، أن الجيش الإسرائيلي ، لا ينطبق عليه فقط وصفه لنفسه ، بأنه جيش الدفاع ، بل أنه جيش الدفاع لتأمين تحقيق الحد الأدنى ؟ !! .
خامساً : أما التأكيد على أن القوات العربية عام 2001 ليست قوات عام 1967 ، فهنا تأكيد صحيح ، لكنه يخص بالدرجة الأولى القوات المسلحة المصرية ، ومن المؤكد أن الثقة في القوات المسلحة المصرية ، كفاءة واستعدادا قتاليا ، وقدرة على حماية مقدرات مصر ، وصون ترابها الوطني ، هي منديل الأمان الوجداني والنفسي للمصريين جميعا ، وهي ثقة تستقر في ضميرهم ، في ظروف يصعب فيها ، أن تتحول عيونهم بعيدا عن رؤية بواطن الخطر ، ومظاهر الشرر ، ودخان الحريق ، لكنه خارج هذا الإطار ، فإن القول على سبيل العموم ، بأنه " معدل الانفاق على التسليح الضخم عربيا ، والوارد بالدوريات العالمية ، والذي تأتي منه قوات عربية عديدة في مراتب محترمة من حيث الحداثة في التسليح ، والتقنية العالية في كل البرامج من أسلحة ومعدات وغيرها ، لا يتسم بالتحديد ، ولايقدم صورة صحيحة للأوضاع فوق الأرض .
وعلى سبل المثال ، فإن الحديث عن معدل أنفاق ضخم على التسليح العربي في الدوريات العالمية ، لا يستطيع أن ينفي أن 50% ليس من اجمالي هذا الانفاق وحده ، وإنما من إجمالي الانفاق على التسليح في الشرق الأوسط كله ، يصب في منطقة الخليج العربي وحدها ، ثم أن هذه الدوريات نفسها هي التي تقدم بنفسها ، صورة أخرى للقدرات العسكرية والأمنية الذاتية في حدود هذه المنطقة ، التي تستقطب هذا الانفاق العسكري الضخم ، وحسب هذه الصورة ـ مثلا ـ فإن دولة واحدة في الخليج ، تحتاج لاستكمال تأمين قدراتها الدفاعية الذاتية إلى مدى قصير ، يتراوح بين 4 إلى 5 سنوات ، بينما تحتاج بقية هذه الدول إلى مدى متوسط يتراوح بين 4 أمثال و5 امثال الفترات السابقة ، لاستكمال هذه القدرات الدفاعية ! .



ـ 7 ـ

يبقى ما يتعلق بالموقف الأمريكي الذي يرى ( عمي الثلج الأبيض ) أنه " سيكون أفضل العهود الأمريكية المقبلة في تعاملها مع القضية وذلك للأسباب التي ذكرت في معظم تحليلات الكتب السياسية " .
ولسوء الحظ أننا لا نعرف هذه الكتب السياسية التي لم تبشر فقط بمجئ إدارة بوش الإبن ، ولكنها بشرت بأنها ـ أيضا ـ ستكون أفضل العهود الأمريكية في تعاملها مع القضية ، حيث أنه ليس بمقدور أحد أن يتصور أن هذه الكتب ، تم تأليفها وطبعها وإصدارها ، ومراجعتها والتأكد من سلامة تحليلاتها خلال بضعة أسابيع ، لكن الأهم أن إدارة الرئيس بوش الإبن ، بدأت اسابيعها الأولى بتوجهين واضحين في الشرق الأوسط : الأول هو استخدام ستة أسراب جوية في ضرب ضواحي بغداد دون مقدمات ، والثاني هو نقل 400 عسكري أمريكي مع وحدتي صواريخ باترويت من ألمانيا على وجه السرعة إلى إسرائيل ، أعقبها إجراء مناورة أمريكية إسرائيلية مشتركة لمدة ثلاثة أيام للتدريب على التصدي لصواريخ بالستية مضادة والأهم أيضا ـ أن العملين أريد لهما ان يستبقا زيارة كولن باول إلى الشرق الأوسط ، لإعطاء انطباع جازم لدول المنطقة ، بان كلا الأمرين متلازمين على جانب ، وأنهما يشكلان قاعدة ثابتة لتوجه الولايات المتحدة تجاه المنطقة ، فهي معنية بأمن الخليج العربي ، وفق مفهومها الخاص ، وهي معنية ـ أيضا ـ بأمن إسرائيل وفق مفهومها الخاص ، وسوف تتحرك عمليا لفرض مفهومها في الحالتين ، وبغض النظر عن نصيبه من القبول أو الرفض لدى دول المنطقة .
وإذا كان ما نشرته " الهيرالدتربيون " صحيحا وان الاعداد للضربة التي وجهت إلى العراق ، استغرق 6 ٍاسابيع ، سواء للتجهيز العسكري ، أو لتقريب جماعات المعارضة العراقية ، فمعنى ذلك أن قرار استخدام القوة من جانب الإدارة الجديدة قد تم والرئيس الجديد مازال مشحونا بخطاب " تنصيبه الرئاسي " .
والحقيقة أنني لست من أنصار أن الضربة الأمريكية ضد العراق إنما كانت إشارة واضحة إلى أن بوش الإبن ، يريد أن يثبت أنه حاكم قوى في مجتمع يرى فيه شكلا من الضعف ، أو أنها كانت دفاعا عن مصالح شخصية ضيقة ، مثل مشاركة بوش الأب ، برأسمال قدرة 200 مليون دولار في شركة بترولية خليجية أمريكية مشتركة ، فالسياسة الخارجية الأمريكية ، توضع في أطار مبادئ الأمن القومي الأمريكي ، وتنفذ وفق هذه المبادئ لتحقيق استراتيجية لا تنفرد بها إدارة ولا تختص برئيس .
إن علينا ان نلاحظ أن الإدارة الأمريكية الجديدة ، التي بادرت بإلغاء خطة كلينتون للسلام ، كي تحل نفسها من أي التزامات سياسية قد تترتب على بعض بنودها تجاه الفلسطينيين لم تحل نفسها من التزامات كلينتون العسكرية بمنح إسرائيل معونة عسكرية إضافية هذا العام قدرها 400 مليون دولار ، وبرفع المعونة الأمريكية العسكرية لها من 2 مليار دولار إلى 8ر2 مليار دولار ، على امتداد 7 سنوات ، أي أن اسرائيل بمواقفها الراهنة ، ومذابحها الجارية ، سوف تحصل من الإدارة الجديدة على معونة عسكرية هذا العام قدرها 2500 مليون دولار .
لذلك ـ أيضا ـ فإنني لست من أنصار اعتماد فكرة المساومة الأمريكية بالعراق على حساب القضية الفلسطينية ، أي أن خلق إجماع استراتيجي إقليمي ضد العراق ، هو الثمن المطلوب أمريكيا ، لتحريك عملية السلام ، أو لفرض تنفيذ الاتفاقيات التي وقعت علىها إسرائيل ، فأمريكا فيما أحسب، تريد صفقة كاملة في المنطقة ، ولكنها لا تريدها محصلة جمع جبري لأطرافها ، وإنما محصلة طرح جبري من كافة الاستحقاقات العربية هنا وهناك ( وهذا ما يستحق وقفه مستقلة في مقال قادم ) .

ـ 8 ـ

لست أعرف ما إذا كان السيد اللواء الذي حاول أن يوزع علينا ( عمى الثلج الأبيض ) ، أو حبوب الاسترخاء ، قد سافر مع وفد من جماعة كوبنهاجن ، لدائرة اتصال جديدة مع الإسرائيليين حول مائدة حوار تعقد هذه الأيام في ( براغ ) أم أنه سافر بصحبة وفد من جمعية القاهرة للسلام ، ومجلس العلاقات الخارجية إلى دائرة اتصال أخرى ، حول مائدة حوار آخر ، تعقد في عمان وتشارك فيها جامعة تل أبيب ، ومعهد جافي ، والجامعة العبرية في القدس ، لكنني أعرف أن دوائر الاتصال التي التحمت مؤخراً ومجدداً بين فلول كوبنهاجن وجمعية السلام ، بعد صعود شارون إلى سدة الحكم في إسرائيل ، تتم بتمويل كامل وتحت رعاية مباشرة من منظمات صهيونية دولية .
ثم أنني أعرف أيضا ان الغبار الملوث الذي يتناثر من هذه الموائد ، والمنخرطين فيها ، والذين يقدمون لهم يد الدعم والتأييد في مصر ، هو المسئول الأول عن محاولة إصابة المصريين بأعراض مرض ( عمي الثلج الأبيض ) !! .




 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :