شمشون الإسرائيلي يهدم المعبد على رأسه!     



بقلم : أحمد عز الدين

لا تتحدد نتيجة الصراع أو الصدام في المبارزات التاريخية الكبرى ، بمقدار ما يضغط به الطرف الأقوى ، ولكن بمقدار ما يقاوم به الطرف الأضعف .
تلك حقيقة تاريخية ، ينبغي ألا تخطئها عين ، ودرس ، يمكن استعادته ، مبنى ومعنى ، من عشرات الوقائع في تاريخ البشرية القديم والحديث والمعاصر .
لقد قٌدر لنا أن نقاوم الظاهرة الاستعمارية في مناخ دولي ، يتعامل معها على أنها جزء من أقانيم الليل والنهار ، بينما لم نكن بحسابات ، موازين القوى العسكرية ، أو النظام الدولي أكثر قدرة ومنعة ، بل كنا الأشد ضعفاً ، والأقل بأساً ، ولكننا قاومنا بدرجة أكبر من محاولة اعتصار إرادتنا ، ثم أننا قاومنا ـ أيضاً ـ وهو الأهم ، بينما ظلت ترفرف في أرواحنا ، " إرادة القتال " كأنها عصفورة النار ، التي تقول الأساطير القديمة ، أنها تطلق سراح النهار ، من أسر ، والناس نيام .
إن " إرادة القتال " ليست عملاً عسكرياً لنتحسب له ، وليست فعلا مادياً ، ليدخل في دائرة الخيارات ، ولكنها الشرفة المعنوية العالية ، التي تًطال منها الحقوق ، وتٌنال منها الأهداف ، ذلك أنها تحدد قامات الرجال ، كما تحدد قامات الأوطان ، وتجعل الثمرة العالية المستحيلة ، ممكنا قطفها من شجرة الحياة.
وفي المشهد الراهن الذي يبدو كأنه جزء عضوي من دراما التحولات التاريخية الفريدة ، لن تجد في أيدي هؤلاء الصبية والنساء والرجال الفلسطينيين ، شيئا ، يجعل للمقاومة ، معنى ومغزي ، ومصدرا يمدها بأسبابها وطاقتها ، وفعلها الإنساني الفدائي العظيم ، لن تجد سلاحاً : لا بنادق ، لا مدافع لا مدرعات ، لا أسلحة نووية ، لا خطط عسكرية ، لا جنرالات ولا قادة ، ولا خرائط ولا خنادق ، لن تجد إلا شيئا واحداً ، هو نفسه إرادة القتال ، أو قل عصفورة النار التي ترفرف حرة في أرواحهم ، لتطلق سراح نهارهم ، من أسر الليل الصهيوني البهيم .

* * *

وفي المشهد الراهن الذي يبدو جزءا عضويا من دراما التحولات التاريخية الفريدة ، يقف شمشون الإسرائيلي ، في مقدمة المسرح ، وهو يهدم المعبد الأخير ، فوق رأسه.
لماذا ؟ لأنه بدأ سعيه لفرض إرادته المطلقة ، بحسابات إسرائيلية وأمريكية خاطئه ، حاولت أن تصحح نفسها بعد ذلك بحسابات خاطئة أخرى ، ثم أوصلته دائرة مغلقة من الحسابات الخاطئة إلى مركزها ، بحسابات أكثر خطأ وهو نفسه المركز ، الذي يتم منه عمليه انسحابه غير المنظم ، إلى داخل الجيتو ، تحت خيمة كثيفة من إطلاق النار ، ماذا حدث بالضبط؟
1. لقد كتبت في أعقاب الانسحاب الإسرائيلي الأخير ، من جنوب لبنان أقول بالحرف الواحد :
" ينبغي أن يكون واضحاً لأولئك الذين تصوروا أن الإنسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان و هو ثمرة مؤكدة للمقاومة اللبنانية الباسلة " هو إجراء مستقل من جانب إسرائيل عن مجمل عملية إعادة بناء خريطة إستراتيجية جديدة للمنطقة ، أن عليهم أن يراجعوا عدة نقاط ، تبدأ بتوظيف إسرائيل للإنسحاب وفقا لقرار الأمم المتحدة (425) بغية إضفاء المشروعية الدولية الكاملة عليها ، وقد حصدت هذا المسعى فعليا ، بعد ساعات من الإنسحاب ، بموافقة الأمم المتحدة على اعتبارها عضوا في المجموعة الأوروبية ، بعد أن ظلت خارج سقف كل المجموعات الجغرافية بها طوال خمسين عاما ، وعليهم أن يراجعوا كذلك ، انعكاس ذلك على الحالة الإسرائيلية الداخلية وعلى الجمهور الإسرائيلي ، الذي أصبح على حد تعبير " زئيف شيف " لا يتطلب إلحاحا الآن ، للإنسحاب من الجولان ، لا من طبريا ومياهها ، وعليهم أن يراجعوا كذلك استعداد إسرائيل لاستخدام ، ما أطلق عليه " رون بن بشاي " استراتيجية الردع الجارف ، إذا ما حدثت مواجهة واسعة في غزة والضفة الغربية " .
2. وقد أضفت في التوقيت نفسه ، ما يؤكد على ثلاثة أمور ينبغي التنبه إليها : .
• أننا بصدد مفصل تحول جديد في أوضاع الإقليم عنوانه الصحيح هو ، إنقلاب استراتيجي كامل ، يجري إنضاج عوامله ، وسيتم فرضها بالقوة ، وهو إنقلاب لا يطول المنطقة العربية وحدها ، ولكنه يمتد كالسحابة السوداء ، عبر امتداداتها الأسيوية ، وتخومها الأفريقية .
• جزء من نتائج هذا التحول أو الإنقلاب الاستراتيجي في أوضاع الإقليم ، موصول بحقيقة ينبغي أن تحظى بإدراك أعمق ، وهي أن مشروع السلام في الشرق الأوسط ، قد سقط استراتيجياً ، وإن بقى لبعض الوقت ، ينازع في رمقه الأخير .
• جزء من مظهر هذا التحول لإعادة بناء الإقليم ، يمكن تسميته " مقلوب حرب الخليج " ، حيث تتطلب الأزمة الاقتصادية العالمية ، الإندفاع نحو أشكال من التسويات الناقصة كان المفروض أن تتحمل إسرائيل جانباً كبيرا من تكلفتها السياسية ، ولكنها أبت أن تضيف إلى أعباء انسحابها من جنوب لبنان ، أية أعباء ملموسة جديدة ، وهذه التسويات الناقصة تحظى بدعم وقبول أمريكي كامل ، وهي بدورها جزء من استراتيجية كاملة ، سوف يكون همها ، حفظ الأمن ، وفق مفهوم هذه التسويات وحدودها ، وفي إطار تهدئة إقليمية عامه ، وكان ملخص ذلك كله تعبيرا عن المطلوب تحقيقه هو : " تسوية بغير سلام ، وتهدئة بغير استقرار".
3. هكذا جرى حمل الفلسطينيين إلى كامب ديفيد ، وهكذا ـ أيضاً ـ توحد الإسرائيليون والأمريكيون ، في موقف منهجي " موحد " عمد إلى تقشير اللحم الفلسطيني ، ثم تعددت محاولات إكراههم على تسليم ما تبقى من الهيكل العظمي ، لهم ولفلسطين ، كان من بين عملية تقشير اللحم الفلسطيني ، انتزاع موافقات لإبقاء المستوطنات في كتل استيطانية تحت السيادة الإسرائيلية ، وكان من بينها ضم إسرائيل لمناطق استيطانية في القدس الشرقية ، لتكون داخل حدود القدس الغربية ، وكان من بينها وضع قيود على حق العودة ، وطمس دلالته ، ومستحقاته السياسية والقانونية ، وكان من بينها التنازل عن حائط البراق ، والحي اليهودي ، ولكن تقشير اللحم الفلسطيني لم يكن كافيا ، فواصل الموقف الأمريكي الإسرائيلي ضغوطه ، لاقتطاع ما تبقى من الهيكل العظمي ، بحسابات خاطئة ، فقد كان التصور ، أن السلطة الفلسطينية ، لن تجد بديلا عن أن تسلم ما هو مطلوب بالضبط ، للوصول إلى ما أطلقت عليه : " تسوية بغير سلام " .
لكن الفلسطينيين ، صمدوا تحت أمضى أسلحة الإكراه السياسي ، وبدا أن الحسابات التي زينت إمكانية استسلام فلسطيني وعربي غير مشروط ، لا تتسم بالدقة ولا الصحة.
4. هكذا لم يجد الأمريكيون بدلاي عن أن يؤلفوا عدواً بديلا ، لتغطية خطأ حساباتهم ، التي انتهت بعدم تسليم عرفات ، وسرعان ما جسدوا هذا العدو في دور مصر ، والرئيس حسني مبارك شخصياً .
وهكذا ، انطلقت سهام الإكراه السياسي مرة أخرى ، ولكن ناحية مصر ، وامتزج الإكراه السياسي والاقتصادي ، بأساليب أخرى ، وصلت حد استخدام الكاتب اليهودي " توماس فريدمان " ليصوغ مقاله ضد القيادة المصرية ، بروح كريهة ، ومنطق سقيم ، ولم تكن هذه الروح ، وهذا المنطق ، غير تجسيد لروح ومنطق الإدارة الأمريكية نفسها ، بينما لم يكن الهدف ـ فقط ـ هو إنزال ما تصوروه عقابا علنيا لمصر ، على ما حدث ولكن دفع مصر إلى أن تراجع نفسها وحساباتها ، وتركن إلى السلامة ، عند التقدم إلى الخطوة التالية في السيناريو نفسه ، وتترك الفلسطينيين في الفضاء الأمريكي الإسرائيلي ، منفردين يواجهون أقدارهم المحتومة .
5. ولم تكن الحسابات على الجانب الأخر ، أقل خطأ ، في الخطوة التالية من السيناريو نفسه.
فقد تصوروا أن مصر التي أبصرت إلى أين تقودها أقدامها إذا أصرت على دورها ، سوف تٌبعد نفسها بنفسها ، وحين أصبح ذلك منطقياًَ ، لديهم ، أعتقدوا أن مواصلة الضغوط على القيادة الفلسطينية المعزولة عن أهم مصادر دعمها بل وعن فضائها العربي ، الذي بدا أنه انتقل تدريجيا إلى اهتمامات أخرى ، وعوالم أخرى ، سوف يحقق النتيجة المرجوة. لكن الثمرة ظلت بعيدة ، وبدت المقاومة أشد ، وبدت السلطة الفلسطينية ، أكثر التصاقا بمصادر إمداداتها المادية والمعنوية سواء في فلسطين أو خارجها .
6. لم يكن ثمة سبيل إلى تصحيح الأخطاء السابقة كلها إلا بخطأ أكبر جسده ذلك التحول لاستخدام القوة ، في إطار ما اطلق عليه العسكريون الإسرائيليون " استراتيجية الردع الجارف " وكان متصورا أن استخدام هذه الاستراتيجية ، لن يردع السلطة الفلسطينية وحدها ويظهر ضعفها وهشاشة وضعها ، أو يردع الفلسطينيين العزل وحدهم ، ولكنه سيردع ـ أيضا ـ مصادر الإمداد بالطاقة والقوة .
وبدت معالم هذه الخطوة من السيناريو ، قبل ساعة الصفر بأسبوع واحد ، حيث تنادى الكونجرس الأمريكي إلى اجتماع ، لم يكن موضوعا على أجندته أصلا ، ولم يكن جزءا من حمي الانتخابات الأمريكية فقد باركه الطرفان المتنافسان مقدما ، ولم تستهلك جلسة الكونجرس وقتا طويلا ، لتصدر قراراً غريبا ومفاجئاً بوقف الدعم المادي للسلطة الفلسطينية إذا هي أقدمت على إعلان الدولة الفلسطينية من جانب واحد . ولم يكن القرار نفسه إلا بمثابة ، وضع ظهور الفلسطينيين إلى الحائط قبل أن يتكفل الرصاص الإسرائيلي ، بتفتيت هيكلهم العظمي ، ليجدوا أنفسهم مضطرين إلى تسليم ما تبقى منه ، ثم أمتدت الحماية الامريكية للجنود الإسرائيليين حتى ساحة مجلس الأمن ، لتقطع الطريق على قرار دولي يحمل الإدانة ويفرض التوقف عن إطلاق النار.
غيرأن الحسابات الأمريكية الإسرائيلية ، سقطت هذه المرة أيضا ، في الخطأ ، فمن المؤكد أن الجنود الإسرائيليين أنفسهم ، فركوا عيونهم دهشة ، وهم يرون صفوفا طويلة من الشهداء الفلسطينيين ، يستيقظون معمدين بالدم ، في ثياب أجيال جديدة ، تصر على أن تتسلق سلالم الحلم ، إلى جنة لم يروها .
ومن المؤكد أيضا ـ أن القيادة الإسرائيلية ، فركت عيونها دهشة ، لأن الوطن العربي ، الذي تصورته ، وقد شيع مرات إلى مثواه الأخير ، ينفض عنه تراب القعود ، ويخرج من جلده الرخو ، في موجة غضب عارمة ، مدت نارها مشتعلة من المحيط إلى الخليج .
ومن المؤكد ـ أيضا ـ أن انقلاب الحسابات ، قد ترجم نفسه كمدا وغيظا ، وفشلا ، في إنماط عنف أكثر بربرية ودموية ، ليختار الرصاص الإسرائيلي ، أن يصوب نفسه نحو رؤوس الأطفال حتى وهم راقدون في باحة صدور أبائهم .
7. عندما وصل خطأ الحسابات إلى مركز الدائرة ، بدا للأمريكيون أن احتمالات المخاطر غالبة ، وأن الوصول إلى تهدئة ينبغي أن يتم بعمل أكثر حسماً ، وهكذا دفع عرفات إلى باريس ، ودفع آنان إلى هناك ، ودفع الرئيس الفرنسي ليلعب دوراً ـ يؤمن به دون شك ـ لتلطيف الأجواء وجبر الخواطر .
وتصورت الحسابات في مركزها بعد نجاح أولبريت في جمع عرفات وباراك ، والوصول إلى وثيقة أمنية للتهدئة ، أن عرفات سيضطر إلى التوقيع على الوثيقة ، وابتلاع بقية شروطه خاصة تشكيل لجنة تحقيق دولية ، وهو مطلب يهدم أساس منهج التسوية السياسية القائمة ، التي فرضت الولايات المتحدة أن تنفرد فيها بنصيب ضابط التفاعلات ، باسم رعايتها وحمايتها ، وبينما كانت الرعاية من نصيب إسرائيل ، كانت الحماية مانعة من دخول آية آلية دولية عملية التسوية نفسها .
أن دخول لجنة تحقيق دولية ، يعني أن نتائجها دولية ، ويعني أن قراراتها دولية ، وأنه يلزم تنفيذها في إطار دولي ، وبآلية دولية وهكذا يمكن سحب عملية التسوية ، وما يصاحبها من سقفها الأمريكي المنفرد إلى سقف دولي ، ظلت إسرائيل تهرب منه منذ أول قرار دولي صدر بحقها .
وفيما أحسب فإن أوعية التفاوض المختلفة ، منذ أن بدأت عملية التسوية ، قد مكنتها من تحقيق ذلك ، وكان ذلك أكبر الأخطاء ، التي قادت إلى هذا الانفراد الأمريكي ، وإلى هذا التهرب الإسرائيلي ، من تنفيذ الاتفاقيات الموقعة ، ومن التحايل على الحقوق الفلسطينية ، كما هي واردة في صيغ مشروعية دولية .
8. ماذا بقى بعد أن فشلت حسابات المشروع الأمريكي الإسرائيلي المشترك لإنجاز تهدئة مطلوبة في عموم الشرق الأوسط ، وماذا بعد أن أنبت المشروع نقيضه ، حيا ، وممتلئاً بالدم ؟ كيف يأتي باراك إلى شرم الشيخ إذن ، إذا كانت عوامل فشله ، تبدو أكثر من أسباب نجاحه ، وإذا كانت مصر نفسها ، ما تزال في منظوره ، مصدر الإمداد ورأس الحية ، ليذهب مباشرة إلى إسرائيل ، ومباشرة إلى قيادة الجيش ، ومباشرة إلى " الميكروفون " ، ليقول أن على الفلسطينيين ـ وغيرهم من العرب طبعاً ـ أن يفضلوا بين خيار الحرب ، وخيار السلام ، وخيار الحرب عنده هو التمسك بالحقوق المشروعة ، أما خيار السلام فهو الرضوخ والتنازل والإذعان والقبول غير المشروط ، بتسليم ما تبقى من الهيكل العظمي الفلسطيني ، وباختصار شديد ، أتركوا القدس لنا وأقبلوا ما نفرضه عليكم ، وغير ذلك لن يكون نصيبكم سوى القتل والإبادة .
نعم ، هذه هي عمليا صيغة معادلة التحول ، وليست معادلة إسرائيلية ، ولكنها صياغة أمريكية إسرائيلية مشتركة ، فأمريكا نفسها هي التي أعادت عمليا فوق خطوط المواجهة في العراق والسودان ويوغسلافيا ، تعريف الحق بأنه القوة ، وهي التي ابتكرت نظرية عسكرية جديدة ، تختفي فوق خطوطها المسافات بين ما هو مدني ، وما هو عسكري ، وهي نظرية ، أطلقت عليها ذات مرة " ضرب البيض بالأحجار " .
لماذا إذن ـ لا ينسحب الإسرائيليون إلى الجيتو ، وهم يغطون إنسحابهم غير المنظم ، بكل هذا الرصاص ، وهذا النزيف الدموي ، ولماذا ـ أذن ـ لا يتقدم شمشون الإسرائيلي ، ليهدم المعبد ، في ذروة حساباته الخاطئة ، غير مدرك أنه أنما يهدم المعبد فوق رأسه ؟. ! .

* * *

وفي المشهد الراهن الذي يبدو جزءا من دراما التحولات التاريخية الفريدة ، يبدو الآخر حقيقيا ، وعلى طبيعته ، مختلفا عن ذلك " الآخر " الذي حاولوا أن يسوقوه لنا ، إما وجهاً إنسانياً ، يتوثب للخروج من الجيتو ، لكي تنتشر المحبة في الشرق الأوسط ، ويعم الرخاء ، وإما دوراً ديبلوماسيا ، يأتي من وراء البحار والمحيطات ، ليقيم العدل ، ويبني سفينة السلام .
فها هو " الأخر " في أحد وجوهه ، بقده وقديده ، آله حديدية صيغت من التسلط والكراهية والعنصرية ، لا تخرج من جوفها إلا نارا وردي ، وكأننا أمام " جابوتنسكي " في إهاب " دراكولا " الذي لا ترتوي ، روحه المقرورة ، إلا بأباريق دافئة من الدماء .
وها هو " الآخر " في احد وجوهه بقده وقديده ، " شايلوك " جديد ، يقتطع من لحمنا الحي ، ما يحاول أن يسند به ، ميزان عدله المائل .
شكرا لكم ، إذن ـ يامن أنفقتم سنوات طوال تقيمون تمثالا للآخر في وجدان أجيالنا الصاعدة ، يشبه تمثال الحرية المصلوب ، في مدخل نيويورك ، قبل أن تهب الريح السوداء ، وتتمزق قشرة الجبس ، فتبصره الأجيال الصاعدة والهابطة تمثالا بالحجم الطبيعي ، لفرانكشتين.
ذات يوم كتب " أنجلز " ، يعرف الغريزة الإنسانية ، بأنها " ذاكرة النوع الإنساني " والمثل بالمثل ، فتلك الصهيونية المدججة بالسلاح ، تبدو على أنها تتصرف بالغريزة ، وهذه الغريزة الصهيونية التي تغمس فوهات بنادقها وصواريخها ، في قلوب الأطفال العزل ، لايمكن تعريفها ، إلا بأنها " ذاكرة النوع الإسرائيلي " .
ولهذا كان المطلوب دوما أن تزهق ذاكرتنا التاريخية الحية ، لتحيا ذاكرتهم المزورة الميتة ، وأن نستأصل غريزة المقاومة ، وإرادة القتال فينا ، لتبقي غريزة القتل والتدمير ، لديهم ، متورمة ويانعة .
أو يمكن أن ينفصل ذلك ، عن سيكولوجية الجيتو ، أو عن البنية النفسية ، لذلك اليهودي التائه ، الذي تسول له نفسه ، أنه بمقدار ما يستنزل على ذاته من مشاعر عداء الأغيار ، وكراهيتهم ، بمقدار ما يمتلأ بعقده إضطهاده الكاذبة ، وبنقاء عنصريته ، الزائف وتفرد تكونه الملفق ، وهو يتلفع كذبا ، بأسم شعب الله المختار .
ثم ، شكراً لكم يا من أنفقتم سنوات طوال لكي تلقنوا أجيالنا الصاعدة ، فضيلة " التسامح " وتكرروا على مسامعهم ، ومسامعنا ، فصولا مختارة من " ثقافة السلام " .
ها هو مشهد " التسامح " ، كما ينبغي أن يكون ، حسب ثقافة السلام ، التسامح من الأدنى إلى الأعلى ، والتسامح من الأضعف إلى الأقوى ، والتسامح من الأعزل إلى المسلح ، والتسامح من المقتول إلى القاتل ، والتسامح من الدم العرب الشهيد ، إلى رصاصة الجندي الإسرائيلي ، ومن حطام البيت الفلسطيني المكوم ، إلى فوهة مدفع الدبابة الإسرائيلية المتغطرس.
شكراً لكم ، فقد قرأنا خلال أيام قليلة ، مجلدات كاملة في فضيلة التسامح ، وحفظنا عن ظهر قلب ، وعن قلب ظهر ، أبجدية ثقافة هذا السلام .
فأحملوا أوراقكم وصحفكم ، ومراكز أبحاثكم ، وأذهبوا ، أحملوا مزاميركم الفاسدة المستوردة ، وأرحلوا بعيدا ، كي نجفف دمنا ، ودموعنا ، وندفن شهداءنا صامتين ! .

* * *

بقى ما يستحق التوقف عنده ، والتفرس فيه :
اولا : دون رجم بالغيب ، فإن هدم شمشون الإسرائيلي للمعبد ، سوف يولد طاقة هائلة سائبة في الفضاء ، وإذا لم يتم توظيف هذه الطاقة ، عملا سياسياً منظماً على المستوى الوطني والقومي ، يتناغم مع نبض القاعدة الشعبية العريضة ، في الوطن العربي ، فسوف تجد السلطات السياسية في هذا الوطن ، نفسها ، مفصولة عن قواعدها ، ومحشورة في خنادق دفاع سلبي عن شرعية وجودها .
ثانيا : ودون رجم بالغيب فإن هدف تحقيق تسوية بغير سلام ، وتهدئة بغير استقرار ، سيظل متربصا يطل من فوهات البنادق الإسرائيلية ، بينما ستتكفل الولايات المتحدة الأمريكية ، بتقديم كافة أشكال الدعم له ، بما في ذلك استخدام عمليات القصف من بعيد ، بأسلحة الإكراه السياسي والاجتماعي والاقتصادي ، لتخويف وإضعاف الدفاعات العربية ، وفي العمق .
ثالثا : ودون رجم بالغيب ، فسوف تختلط أسلحة الإكراه السياسي والاجتماعي والاقتصادي ، بأدوات الإكراه المعنوي ، بما في ذلك إحداث تفجيرات كبيرة ، هنا وهناك ، لتشتيت الرؤى وصرف الأنظار ( مثل إعادة ضرب العراق ـ تسخين الجبهة الهندية الباكستانية ، توسيع دائرة العنف في الجزائر الخ الخ .
رابعا : ودون رجم بالغيب ، فإن مصر الموصولة دعماً وحضورا وفعلا بالوضع الفلسطيني كله ، سوف تظل في موقعها في الاستراتيجية المضادة ، باعتبارها تاريخيا " مصدر الإمدادات " و" رأس الأفعى " ولهذا فإن نصيبها من عمليات الإكراه السياسي والاجتماعي والاقتصادي ، سوف يكون الأكبر والأوفر .
لقد قلت أكثر من مرة ، وبرهنت أكثر من مرة ، على ان تحقيق تسوية بغير سلام ، وتهدية بغير استقرار يتطلب في النهاية تفجير مصر من الداخل ، لأن مصر لا إسرائيل ، ولا غيرها في الشرق الأوسط هي المشكلة المستعصية ، التي تحتاج إلى حلول غير تقليدية ، وإذا كان قد ثبت أن إقصاءها مستحيل ، فإن تفجيرها هو البديل المتاح .
ولا عاصم لمصر ، فعلا ناهضاً ، وحضورا قائداً ، ودوراً حضاريا ، بغير ان تعتصم شعباً وجيشا بصخرة وحدتها الوطنية الراسخة .
إن قلب مصر ، هو الذي ستتوجه إليه النصال ! .


 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :