إدراك الخطر .. ما بعد كامب ديفيد الثانية وما قبلها     



بقلم : أحمد عز الدين

لا يمكنك أن توقف نهر التاريخ ، وتخرج منه كي تجفف ملابسك ، وتلتقط بعض الصور التذكارية ، وأنت تنظر وراءك في غضب ، ثم تعاود الانغماس في مياهه الجارية ، لأنه لا أحد يستطيع إيقاف التاريخ ، ولا أحد يمكنه الخروج عليه ، فالخروج من التاريخ أو البقاء فيه ، رهن بإرادة التاريخ ذاته ، مع أن التاريخ في النهاية ، هو المجري الحقيقي لإرادة الإنسانية الواسعة .
لذلك عندما أختار د. فوزي منصور ، لدراسته المبدعة قبل سنوات عنوان " خروج العرب من التاريخ " جاء ، العنوان صادما ، فقد كان من بين ما يعنيه أن العرب فقدوا إرادة البقاء في التاريخ ، وهي آخر ما تبقى لديهم من أسلحة المقاومة ، رغم أنها كانت أول وأمضى أسلحتهم التاريخية ، لأن التاريخ ـ في تقديره ـ قد يصبر على قوم في هزائمهم ـ أما ما لا يتسامح فيه أبداً ، فهو أن يدير القوم ظهورهم له .
إن منحنى التطور القومي العربي نفسه ، قد لا يبتعد عن هذا المعنى ، فقد تحول النسب العربي إلى انتماء ، ثم تحول الانتماء إلى إدراك ، وتحول الإدراك إلى دور حضاري تاريخي ، فهل صعدنا إلى السطح ثم نزلنا سلالم التطور القومي العربي ، من الناحية الأخرى ، أي من الدور الحضاري التاريخية ، إلى الإدراك ، ثم إلى الانتماء ، ثم انتهينا إلى نجتمع مبعثرين تحت سقف النسب ؟! .
كثيرون أولئك الذين ينظرون وراءهم في غضب هذه الأيام ، وكأننا قد وكلنا بأحدى مهمتين ، إما أن نعيد تفسير الماضي ، وإما أن نعيد بناء شظاياه ، في داخلنا ، وفي كلتا الحالتين ، علينا أن نشرع في تمزيق أرواحنا ، كما تأخذ الندابات ، في تمزيق ملابس الحداد ، وفي كلتا الحالتين ـ أيضا ـ أما أن ينتهي بنا الأمر إلى حالة " نقد ذاتي " كأنه الصراخ الذي ننفس به بخار الغضب المكتوم ، أو ننتهي إلى حالة سلوى كاذبة ، بان نعلق كل الأخطاء والعورات والمثالب والهزائم والتشرزم على مشجب سوانا .
أليس من قبيل المفارقة ـ مثلا ـ أن القرن العشرين ، كان قرن التحرر الوطني والجلاء عن المستعمرات وتصفية أشكال الاستعمار الموروثة ، بينما كان جله للعرب وحدهم ، مزرعة لنمو هذا الاستعمار الإستيطاني التوسعي ، وكأنه قادم من زمان انقضى ، وعصر انطوي ، أو كأن تاريخ هذه المنطقة ، غير تاريخ العالم ، وزمانها غير زمانه .
من المؤكد أن المستقبل لا ينمو من عوامل ليست قائمة في الواقع ، وأن ذلك ينطبق على الحاضر ، عندما كان مستقبلا منتظراً ، كما ينطبق على الماضي ، عندما كان في رحم الغيب ، ولكنك لا تستطيع أن تجد منهجاً عربياً صحيحاً ، أسس رؤية لتاريخ النصف الثاني من القرن الماضي ، على هذا الأساس ، أن لدينا دائماً انقطاعات ، تشبه تلك المحاولة المستحيلة للخروج من نهر التاريخ ثم النظر إلى الخلف في غضب ، والعودة إلى الانغماس فيه .
في أعقاب هزيمة 1948 أجرت الذات العربية جلداً موجعاً لنفسها ، وكانت أكثر المفردات تعمياً في الحياة السياسية الغربية ربما لحقبة كاملة تالية ، هو تعبير النكبة ، وفي أعقاب هزيمة 1967 جرت مرة ثانية أوسع عملية جلد للذات العربية ، وتراوحت بعدها أكثر المفردات العربية شيوعا بين النكسة ، والهزيمة مع أن الصلة الشكلية بين الحدثين لم تكن باليقين وقفا على أن القوى السياسية والاجتماعية الصاعدة ، التي خرجت من رحم النكبة ، وقادت التحرر والتغيير والتحديث في العالم العربي ، هي نفسها التي تدحرجت من بين يديها صخرة النكسة أو الهزيمة ، لكننا ظللنا دائماً عند كل مفصل تاريخي ، نبدأ التحول بجلد الذات ، أو بتأسيس نوع من النقد الذاتي ، سواء تم من فرد بعينه ، أو من تيار سياسي ، أو اتجاه فكري ، أو جماعة سياسية أو توزعت مفرداته على المجتمع بكل أفراده ، وتياراته واتجاهاته ، لكنه لم يحدث مرة واحدة ، أن تحول النقد الذاتي إلى مراجعة نقدية ، ليجيب على السؤال الذي ظل معلقا ، لماذا كانت النكبات والهزائم من نصيبنا غالبا ، وكانت الانتصارات بعض أنصبة خصومنا ، لماذا تقدموا وتراجعنا ، صعدوا وهبطنا ، تحسنت أوضاعهم وموازين قواهم ، وساءت أوضاعنا وموازين قوانا ؟ .
إن المراجعة النقدية أمر مختلف عن النقد الذاتي ، فالنقد الذاتي قد يكون وسيلة تنفيس ، وقد يكون أداة تخفيف ، وقد يكون عامل امتصاص لغضب الناس ، أما المراجعة النقدية ، فهي استجلاء الأصول والجذور ، واستبطان المناهج والمواقف وأساليب إدارة الحياة ، وطرائق المعرفة والثقافة والحكم ، وفصل الخيط الأبيض من الخيط الأسود في المجتمع والنظام السياسي ، والبناء الاجتماعي ، والبيئة الفكرية والمعرفية ، لإعادة النظر في كل ذلك ، وإذا كان النقد الذاتي ينصرف إلى خطأ ذاتي ، او قصور شخصي ، أو جزئي أو عابر ، فإن المراجعة النقدية معنية ، بكشف ما هو عضوي وبنائي في تراكيب الحياة والمجتمع ، ولكننا أخترنا دائماً النقد الذاتي ، ولم نختر المراجعة النقدية ، وعلى بساط الأول صور بعض العرب لبعضهم أن كل شئ في الأمة العربية ، ينطوي على خطأ جسيم وتحولت سهام النقد إلى ما هو صحيح وسليم ، أكثر مما توجهت إلى بواطن العلل والتعب ، بل وصور البعض للبعض أن العلة إنما تكمن في كونهم عربا ، تكمن في انتمائهم ، وفي عقيدتهم .
وقبل أن يتمكن جنود عرب من أن يعبروا أكبر مانع مائي في التاريخ ، ويمزقوا الاسطورة على الجانب الأخر ، كان الشك قد طال قدرة العرب ذاتها ، على أن يحسنوا فنون القتال ، كما يحسنون فنون الخطابة والقول ، بل أن تمزيق الأسطورة والانتصار عليها ، لم يحل المشكلة ولم يوسع الإدراك باليقين ، فقد ظل مذاق الهزيمة غالباً على طعم النصر ، والإحساس بالفشل أقوى من الإحساس بالنجاح ، ورماد حرائق الانكسار ، يغطي حدائق الانتصار .
هل تشابه البقر علينا ، أقصد هل ظلت المشكلة في جوهرها تتعلق بطبيعة إدراكنا لأنفسنا على جانب ، كما تتعلق بدرجة إدراكنا للخطر على الجانب الآخر ؟ .
أذكر أنني تحدثت طويلا وكثيرا مع محمود رياض عن هذه المسألة طبيعة إدراكنا للخطر ، وإنه أفاض من واقع خبرته العملية ، في بناء المشاهد والصور التي تؤكد أن هذا الإدراك ظل غائباً لسنوات طوال وظل ناقصا لسنوات أطول .
لقد قال لي على سبيل المثال ، إن الإدراك الفلسطيني للخطر ظل سابقا على كل إدراك عربي سواه ، حتى أنه عندما كان الفلسطينيون يجيئون إلى القاهرة خلال الأربعينات ويطرحون مخاوفهم من قيام دولة يهودية ، ويشرحون مخاطر الحركة الصهيونية ، كانت الأحزاب المصرية كلها ، تتعامل مع ما يطرحون على أنه من قبيل المبالغة لا أكثر ، وأن الأمر لم يكن مختلفا مع بقية العرب ، رغم أن الفلسطينيين ـ كانوا يقاتلون قتالا ضاريا على مرآى ومسمع كل العرب منذ بواكير القرن الماضي .
وبعد أن انتهت أعمال القتال في حرب عام 1948 كان محمود رياض نفسه هو الذي وقع اتفاق الهدنة " رودس " والغريب أنه عندما تمت صياغة الاتفاق ، والذي كان يراه اتفاق سلام كامل ذهب بصحبة حيدر باشا وزير الدفاع ليقابل رئيس الوزراء إبراهيم باشا عبد الهادي كي يسأله :
هل نحتفظ بلواء عسكري مصري واحد في غزة ، أم بثلاثة الوية ؟
وكان قرار رئيس الوزراء الاحتفاظ بلواء واحد ، لانه رأى بدوره أن الاتفاق بديباجته ونصوصه سيحرم على الطرفين العودة إلى القتال ، وعند التوقيع سمع رياض بأذنيه من الجنرال يادين ( الذي أصبح بعد ذلك نائبا لمناحم بيجن ) ما يفيد أن اتفاقية الهدنة هي الخطوة الأساسية لتحقيق السلام الدائم أما رياض نفسه فقد خرج بانطباع عميق بأن النزاع المسلح بين اسرائيل والدول العربية قد انتهى تماما ، وزاد يقينه عندما وقعت الأردن ولبنان وسوريا على اتفاقيات مماثلة ، فقد كانت الاتفاقيات تنص على منع القوات المسلحة للطرفين من القيام بأي عمل عدائي أو التخطيط له ، أو التهديد به ، بل كانت بنودها غير قابلة للتعديل او التبديل أو الإلغاء .
ولقد ظل هذا الانطباع قويا في مصر ، والوطن العربي كله ، فيما بعد قيام ثورة يوليو 1952 ، بل ظل ذلك يقين جمال عبد الناصر نفسه ، فعندما تولى رياض إدارة فلسطين في القيادة العامة للقوات المسلحة ، ولاحظ من متابعته أن إسرائيل تعمل بدأب على زيادة قواتها المسلحة ، بينما تأخذ في جذب مئات الألوف من المهاجرين ، ذهب إلى عبد الناصر ، وتحدث معه في ضرورة تقوية الجيش المصري ، كان عبد الناصر هو الذي استبعد أن تقوم اسرائيل بمغامرة عسكرية ، من أجل التوسع وأن مشاريع التنمية في مصر ، ينبغي أن تعطي لذلك أولوية على الانفاق العسكري ، ولم تغادر هذه القناعة رأس عبد الناصر إلا في عام 1955 ، عندما نفذت إسرائيل سيناريو هجوم عسكري مباشر على قطاع غزة .
ولم يكن الخلل في إدراك الخطر ، وقفا على هذا الجانب ، فقد ظل الفلسطينيون أنفسهم وحتى عام 1948 لا يتصورون أن تقدم انجلترا على ما أقدمت عليه ، لأنها وعدت ، ولأنه ليس ثمة مبرر لأن تنقض وعودها للعرب ، ولهذا كان الشعور بالإحباط والخزلان كبيرا ، عندما انقلبت انجلترا على وعودها ومكنت اليهود عمليا من احتلال فلسطين .
ولم تكن تلك أخر مرة يخذلنا الأخر ، فقد تكرر الرهان على هذا الأخر ، وتكرر معه الخزلان مرات ومرات .
ما أريد أن أقوله وأدلل عليه ، أن الفجوة ظلت قائمة ، بين الخطر الذي يتربص بنا ، وبين إدراكنا له ، درجة وطبيعة وأننا تصرفنا في مفاصل تاريخية أساسية ، تجاه هذا الخطر ، بدرجة ناقصة من إدراكه ، وبتوصيف غير صحيح لطبيعته ، وأن كثيرا من الأخطاء التي وقعنا فيها ، إنما ترتبت على هذه الفجوة تحديداً ، بل أنني أعتقد أن عوامل متداخلة ، ساعدت هذه الفجوة في إدراك الخطر ، درجة وطبيعة ، على أن تزداد إتساعا ـ بدليل هذه الأمواج المتفائلة التي غمرت شواطئنا قبل مؤتمر كامب ديفيد الأخير بأن السلام بات قاب قوسين ـ ثم بدليل هذه الخطابات والآراء السياسية التي تصادمت في الفضاء العربي بعد انهيار المؤتمر ، محاولة دفع نفس الأمواج المتفائلة إلى حواف الشواطئ نفسها .
قبل المؤتمر كانت المهمة التي أوكلت إلى أهم مراكز البحوث والدراسات في مصر ، تدور حول سؤال واحد هو :
ماذا بعد أن يتحقق السلام ، ثم أنقذف السؤال نفسه عبر صفحات الصحف وشاشات التلفزيون : ماذا بعد أن يتحقق السلام .
ولم يفطن أحد من أولئك الذين اندفعوا يرسمون خطوطا وهمية ، فوق خرائط وهمية أنهم إنما يغزلون خيوط العنكبوت ، فوق مغزل حتمية تاريخية ، لم تعد قائمة في الواقع .

ثم بعد المؤتمر ، أستمر غزل خيوط العنكبوت ، ولم تتوقف محاولات إقناعنا ، بأن القمة " نجحت في اختراق التابو الصهيوني ، وأنها ساهمت في تضييق الفجوات ، وتطوير المفاهيم ، أو أن القمة تعثرت ولم تفشل ، على حد تعبير سفير مصر لدى السلطة الفلسطينية ، أو أن التوصل إلى اتفاق آت لا ريب فيه ، بل أن بعض الباحثين واصلوا حقننا بأكذوبة أن " إسرائيل ذاهبة بالحتم إلى مرحلة ما بعد الصهيونية " ! .
أعود للقول مؤكدا انه دون " إدراك الخطر " درجة وطبيعة بشكل صحيح فستظل الفجوة تزداد اتساعا بين ما تتطلبه الحقائق فوق الأرض ، من رؤى وأفعال وبين ما تفرضه الظنون والاوهام ، وفي هذا المجرى ، الواسع ، قد يحسن التوقف أمام المحطات التالية :
1. هذا مفصل تحول جديد في أوضاع الإقليم ، عنوانه الصحيح ، هو إنقلاب استراتيجي كامل ، يجري إنضاج عوامله ، وفرضها بالقوة ، وهو انقلاب لا يطول المنطقة العربية ، فقط ولكنه ، يمتد كالسحابة السوداء عبر امتداداتها العضوية الأسيوية ، وتخومها الأفريقية الواسعة .
2. هذا الانقلاب الاستراتيجي لا علاقة له بفورة الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة وتفسيره بأن المرشحين لمقعد الرئيس ، يدخلان في سباق استجداء لأصوات اللوبي اليهودي كالعادة ، أو تفسيره بان الرئيس كلينتون يريد أن يخرج من البيت الأبيض بطلا تاريخيا ، أو أنه يضيف من رصيده في صندوق انتخابات نائبه أو زوجته ، هو تفسير مستعار يتستر على جوهر وطبيعة هذا الانقلاب الاستراتيجي الذي قد تساهم عملية الاصطفاف في مواقف المرشحين حول إسرائيل الكبرى ، في إجلائه وإيضاحه فحسب .
3. جزء من نتائج هذا التحول أو الانقلاب الاستراتيجي في أوضاع الإقليم موصول بحقيقة ينبغي أن تحظى بإدراك أعمق ، وهي أن مشروع السلام في الشرق الأوسط قد سقط استراتيجيا ، وأن بقي لبعض الوقت ينازع في رمقة الأخير .
4. تعكس مواقف الإدارة الأمريكية الأخيرة ، بشكل واضح بعض مظاهر هذا التحول أو الانقلاب الاستراتيجي ، لقد كتب هنري كيسنجر ، قبل ثلاث سنوات في ورقة لأحد دوائر الأبحاث الإستراتيجية في الولايات المتحدة يقول ما يلي بالنص :
" إن مفاوضات الشرق الأوسط قد بلغت منعطفاً فلسفيا " " وإذا كانت عملية السلام تسير منذ عام 1973 بأسلوب الخطوة خطوة ، فقد بلغنا نهاية هذا النهج " .
وما هو البديل : " تسوية جميع القضايا في سلة واحدة من المفاوضات " .
ولقد تم دفع الموقف الفلسطيني باستمرار نحو المنحني الزمني ـ دون حتى تنفيذ استحقاقات الاتفاقيات المرحلية ـ الذي لا بديل عنده ، من وضع جميع القضايا في سلة تفاوضية واحدة .
غير ان ما ينبغي ملاحظتة بعمق ، أن الموقف الأمريكي نفسه ، قد طور نفسه ، نحو الجانب الآخر ، في اتجاهين :
الاول : تكفلت الواشنطن بوست بالتعبير عنه ، بأنه " بداية تحول في مواقف واشنطن إلى انحياز صريح إلى إسرائيل " .
إن الانحياز الامريكي ظل قائماً طوال الوقت دون شك ولكنه ظل مستتراً أغلب الوقت ، تارة تحت قناع راعي عملية السلام ، وتارة تحت قناع ، الوسيط العادل "
ثم الوسيط المحايد ، ثم اختلقت أقنعة جديدة مثل " منشط التفاعل ( catalist) ، ولكن واشنطن في كل الأحوال لم تظهر انحيازها صريحا خلال مراحل المفاوضات بهذه الدرجة من الانكشاف.
ولم يكن التعبير عن الانحياز لغويا ، أو في المطلق وإنما كان يطول قضايا محددة ، فقد تحول الموقف الأمريكي ، من قضية المستوطنات ، على سبيل المثال ، من أنها غير شرعية ، إلى أنها عقبة على طريق السلام ، ثمن أزيلت العقبة وتعبيرها ، وارتكز الخطاب الأمريكي الأخير على أنه ، يمكن إيجاد حل لمشكلة المستوطنات ، بأن تبقى في حدود إسرائيل .
وتحول الموقف الأمريكي ، من قضية القدس ذاتها ، فقد رأى الرئيس الأمريكي ، أن الأفكار الإسرائيليية ، حول سيادة فلسطينية شكلية على أجزاء من القدس الشرقية " أنما " تمثل حلا عادلاً ، ، بينما كان جوهر الحل الإسرائيلي الذي تبنته الإدارة الأمريكية بالكامل ، لا يعني أكثر من تقشير الغلاف الفلسطيني السميك ، من حول نواة القدس القديمة الصغيرة ، أي أعادة صياغة البنية الجغرافية للقدس الشرقية ، بالتخلص من الأحياء العربية ذات الكثافة العالية .
ولم يكن الانحياز الأمريكي مختلفا في قضية " حق العودة " فقد وضعها في مربع إسرائيلي أسمه " لم شمل العائلات " بل ودمجها في صندوق اقتصادي واحد ، لتعويض أولئك اليهود الذين أخرجهم العرب بالقوة من ديارهم ! .
الثاني : وهو الأهم ، أن التحول في الموقف الأمريكي ، أو الانحياز المكشوف لم يبق في حدود صياغات لغوية مجردة ، وإنما سعي إلى ان يترجم نفسه ، إلى صيغ جديدة ، للإكراه السياسي ، تجاه الفلسطينيين ، يدخل في باب ذلك التهديد بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس ، أو وقف المساعدات أو التحذير من إلإعلان دولة فلسطينية في موعد مؤجل ومستحق لها ، كما يدخل في باب حديث كلينتون المسهب إلى عرفات في لحظات الكامب الأخيرة ، عن مخاطر عدم الوصول إلى تسوية .
5. تعكس بعض المواقف الإسرائيلية الأخيرة ، بشكل واضح ، بعض مظاهر هذا التحول أو الإنقلاب . عندما قال عرفات لباراك ، في معرض حديثة داخل كامب ديفيد عن الحرم القدسي ، أن المساجد القائمة هناك هي للفلسطينيين ، رد باراك قائلا : ولكن الهيكل اليهودي قائم تحتها .
أي أن عرفات كان يواجه رجلا يتحدث من داخل الأسطورة الصهيونية ، والحقيقة ان إسرائيل ذاتها تعبر منعطفا أكبر للبقاء داخل رحم الأسطورة ، بينما ترى إمكانية أن تتقدم وظيفياً في الشرق الأوسط ، بحكم هذا التحول الاستراتيجي ، دون ان تفقد هذا الوجود ، بل أن الصهيونية تعيد تعريف نفسها من جديد ، على أنها " الجهد التاريخي لإنزال القدس السماوية إلى أسفل ، وإقامة سلطة يهودية على أرض إسرائيل والقدس ، وإعادة مظلة داود التي سقطت " وهو تعريف ليس من عندي ، ولكن " يدعوت أحرونوت " هي التي قامت بتوزيعه قبل أيام ، ينبغي أن يكون واضحاً أن إسرائيل تدفع موجهاً اليميني إلى الامام وإلى أعلى ، وأنه ليس ثمة معنى لسقوط " بيريز " في مواجهة " قصاب " إلا أن الصهيونية الاقتصادية ، لم تشكل إتجاها قويا ، داخل الجيتو ، فقد مثلت في مرحلة تجاوبا إسرائيليا صحيحاً مع متغيرات كبيرة في موازين القوى بالمنطقة ن ولكنه تجاوب كان محكوماً عليه بأن عليه يظل مؤقتاً وعارضا ، ومرتهناً ببقاء هذه الموازين ، وأطرافها على حالهم ، أقصد أنه كان شكلا من التوازن الإسرائيلي المؤقت ، قبل أن يعود الخلل الذي تستند إليه الصهيونية السياسية ، إلى دفعها من جديد ، نحو مقدمة المسرح السياسي الإسرائيلي .
6. ثم أن الفلسطينيين أنفسهم ، قد جرى تقشير لحمهم كله في الكامب الاخير ، ولم يكن ممكنا أن يستسلموا أمام موقف إسرائيلي وأمريكي منهجي ، يعمد إلى إجبارهم على تسليم ما تبقى من الهيكل العظمي لهم ولفلسطين ، كان من بين عملية تقشير اللحم الفلسطيني أو بقاياه ، أنتزاع موافقة ببقاء المستوطنات في كتل استيطانية تحت السيادة الإسرائيلية ، وكان من بينها ضم إسرائيل لمناطق استيطانية في القدس الشرقية لتكون داخل حدود القدس الغربية ، وفي إطار السيادة الإسرائيلية ، وكان من بينها تجاوز مسألة العودة إلى حدود عام 1967 ، وكان من بينها وضع قيود على حق العودة ، وطمس دلالاته ومستحقاته القانونية والسياسية ، وكان من بينها التنازل عن حائط البراق والحي اليهودي ، فماذا بقى من اللحم الفلسطيني ليضاف إلى ما اقتطعه " شارلوك " حيا وبالدم ، وهل كان يمكن أن يرهن الفلسطينييون ما تبقى من هيكلهم العظمي ؟! .
7. ماذا بمقدورنا أن نفعل ، إذا أدركنا خطر أن مشروع السلام ، قد سقط بالفعل استراتيجياً ليس المطلوب بالضرورة أن نعلن عن موته ، وليس المطلوب بالضرورة أن نذهب لنواري جثته التراب ، لتظل الجثة حاضرة في عيون الدنيا ، شاهد على أننا فعلنا أكثر مما ينبغي ، وتنازلنا بأكثر مما نطيق ، وكابدنا من أجل هذا السلام ، ودفعنا ثمناً غاليا ، بأكثر مما نحتمل وعلى الذين قتلوه مع سبق الإصرار . والترصد أن يواروا هم جثته التراب ، وأن يتقبلوا بأنفسهم العزاء فيه .
8. ما هو المطلوب ـ أذن ـ وعلى وجه التحديد .
قد يكون المطلوب ، مراجعة نقدية صحيحة لتاريخ عربي طويل ، من طلب السلام والسعي من أجله ، وقد يكون المطلوب ، إرادة قوية للبقاء في التاريخ ، لكن المطلوب بالدرجة الأولى هو أن نوزع على أنفسنا الآن ـ رؤية صحيحة لإدراك الخطر ، وتوصيفا صحيحا له ، درجة وطبيعة ، ودون ذلك ، فسوف ننقل أنفسنا بإيدينا من آفاق الحياة الرحبة ، إلى جدران متاحف التاريخ ! .


1/8/2000


 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :