تسوية بغير سلام وتهدئة بغير استقرار     


بقلم : أحمد عز الدين

كأنني أهبط البحر للمرة الأولى ، وأنا أهم بالكتابة بعد غياب إجباري عنها ، أمتد سقفه الأسود ، ما يقرب من نصف عام ، تبدو الأمواج لي متلاطمة وعالية ، وأبدو لنفسي ، طفلا صغيراً ، يستند على حافة فضاء بلا ضفاف ، بينما تسري في عروقه رجفة التجربة الأولى.
من أين أبدأ ؟ ، وماذا أريد أن أقول ؟ .

• أولا :
من موقع تأمل دافئ لمعارك فرضت نفسها على الوطن خلال الشهور المنصرمة ، تبدو وكأنها من نوعية الخلاف الذي شرخ ( بيزنطا ) القديمة ، حول جنس الملائكة ، هل هم من الذكور ، أم من الإناث ، يمكن لي تسجيل الملاحظات التالية :
1. إن الفكر الاستراتيجي ، في صيغه الوطنية والقومية ، لا يبدو متراجع النبض فحسب ، ولكنه يعاني من مظاهر شيخوخة واضحة ، تبدأ ككل شيخوخة ، بضمور في خلايا العقل ، وتآكل في بواطن الذاكرة ، وتنتهي إلى تيبس في المفاصل والأطراف ، تعيق الحركة الطليقة عن التحليق في الآفاق .
2. إن منهج الحالة السلفية العامة في المجتمع ، قد فرض نفسه بشدة على أغلب المدارس والمؤسسات الفكرية والسياسية ، فتحولت ، إما إلى هوس بالمطلق والمجرد ، وإما إلى استبدال الأصول بالفروع ، والكليات بالجزئيات .
وهكذا أخذنا نغرق جميعاً في بركة آسنة من القضايا الصغيرة والجزئية ، التي تشبه تلخيص علوم الفقه الإسلامي وأحكامه ، في باب واحد هو " باب الاستنجاء " ! .
3. مع ضمور الفكر الإستراتيجي ، وشيوع منهج سلفي عام ، يتحول الحوار الوطني إلى أشكال مبتكرة من الاحتراب ، وتنفتح أوردة التقسيم السياسي والفكري ، بدماء فاسدة جديدة ، فبعد أن كان البعض يتحدث في مصر عن مسلمين وأقباط ، أصبح يتحدث عن علمانيين وأصوليين ، وعن تنويريين وظلاميين وعن سلفيين وعصريين ، بل وعن وزير للثقافة ، وشيخ للأزهر وهكذا فإن النيران الصغيرة ، التي قد تشب هنا وهناك ، لا تتوجه إليها خراطيم المياه الجاهزة لإطفائها ، وإنما توجه إليها خراطيم الوقود ، لتصب فيها مزيداً من اللهب .
4. في ظل دخان هذا الاحتراب السياسي ، تتلبد الصورة العامة بمزيد من الملوثات الطبيعية ، وتصبح الرؤية ، نتفاً ممزقة ، تزيد بالتالي من درجة تمركز كل مدرسة سياسية أو فكرية على نفسها ، الأمر الذي يصدر بدوره إلى خلايا المجتمع ، مزيداً من الاحتقان ، وعلى خلفية واضحة من سلسلة أزمات اقتصادية واجتماعية ، يشد قوسها ، عجز " حكومي واضح " يتحول المناخ العام إلى بؤر ساخنة ، قابلة للصدام أو الاشتعال .
5. دون أن أتعجل تقديم برهان يقيني ، أستطيع الجزم مقدماً ، بأنه ثمة قوة دافعة غريبة ، تدفع ركام ماسبق كله ، وتفاعلاته ، إلى حافة اضطراب كبير ، مستهدفة بذلك ثلاثة أمور متداخلة .
• أولها تعمية مصر ، عماً يدور حولها ، وما يستهدفها بالدرجة الاولى لأن ما يحدث هو تغيير استراتيجي كامل في أوضاع الإقليم ، بوتائر انقلاب هادئ ، وهو تغيير لا يطول الشرق الأوسط فقط ، ولكنه يطول تخومه الأسيوية البعيدة ، وظلاله الأفريقية الممتدة .
• وثانيها ، تعطيل مصر عن أداء رسالتها الحضارية التاريخية بتفجيرها من الداخل ، ووضعها على حافة انقلاب مدني .
• وثالثها ، ضرب مضمون الخصوصية الوطنية المصرية ، في صيغها المتجددة ، وأصولها الثابتة بغية الاجهاز على هذه الرسالة الحضارية التاريخية ، التي هي جماع شخصية مصر , وجوهر قوتها ، وطاقة تأثيرها وفاعليتها .

ثانيا :
حتى لا يبدو الكلام السابق رجماً بالغيب ، أو إحالة أخرى إلى المطلق والمجرد ، فسوف أتصور أننا نقف أمام صورة استراتيجية جديدة لاوضاع المنطقة وتخومها ، ولكنها فارغة تماما إلا من خطوط طول وخطوط عرض ، تقسمها إلى مربعات صغيرة ، ليكون علينا أن نفعل ما يفعله الأطفال أمام لوحة للعبة " البازل " فنثبت المربعات الصغيرة في مكانها واحدا بعد الآخر ، ليكون بمقدورنا في النهاية ، أن نرى صورة مركبة للأوضاع الاستراتيجية الجديدة التي يجري بناؤها على قدم وساق : .
1. في المربع الصغير الخاص بالانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان ، فقد رأينا هرولة اسرائيل المهزومة وانتصار منطق المقاومة اللبنانية الباسلة ، وامتلأت صدورنا بأريج التحرير والحرية ، لكننا لم نتفرس بالقدر الكاف ، فيما يحيط بذلك على الجانب الآخر ، وكيف سيتم توظيفه .
2. كان كافياً أن تجد 40 أسرة فلسطينية ( يتشكل قوامها من 400 فرد ) في عاصفة هروب قوات لحد ، فرصة عبور إلى الجانب الآخر من الحدود ، حيث أرض أجدادها ، حتى تتحول في إسرائيل بعد ساعات قليلة ، إلى وجبة جاهزة للهجرة العكسية من فلسطين إلى ألمانيا ، التي أبدت استعداداً فوريا لدفع تكاليف مقدمة " الترانسفير " الفلسطيني الجديد وتوطينها ، بشرط واحد أن يتم توزيع الفلسطينيين المهجرين ، وتفتيتهم بين المدن الألمانية جميعها .
3. لقد تحدد بالفعل يوم 16 من هذا الشهر موعداً لبدء الهجرة الفلسطينية العكسية ، والمشكلة ليست في أربعين أسرة ، أو أربعمائة فرد ، سوف يذوبون في تلافيف المانيا ، ولكن في عدة مشروعات ، قد اكتملت ملفاتها بالفعل ، وتوشك أن تدخل في حيز التنفيذ تلتقي جميعها في هدف واحد ، هو إلغاء حق العودة على نحو عملي ، يكفي من بينها التوقف عند ملفين رئيسيين ، هما الملف الكندي الذي يفتح باب الهجرة لمائة ألف شخص سنويا ، والملف العراقي الكردي ( الذي سأتوقف عنده في التالي تفصيلا ) وهو يتسع لـ 400 ألف فلسطيني .
4. عندما دارت الحوارات والمساجلات حول المستقبل اللبناني ، كان الشغل الشاغل هو مستقبل حزب الله ، وهل يمكنه تسخين الحدود اللبنانية الإسرائيلية ، ثم انعكاس وضع الحزب وجبهة الحدود ، على الصيغة الداخلية اللبنانية ذاتها . وباستثناء ما التقطه مفكر استراتيجي نابه ، هو اللواء صلاح الدين سليم ، من أن مصدر الخطر القادم من منظور اسرائيل هو الكتلة الفلسطينية في لبنان ، فإن أحداً لم يتوقف أمام ذلك .
غير انه عندما قدمت المخابرات العسكرية الإسرائيلية ( أمان ) عدة سيناريوهات للمخاطر المحتملة بعد الإنسحاب من جنوب لبنان ، كان السيناريو الأسوأ ( وهو الأقل احتمالا ) : " توتر حدود وحرب مع سوريا " ، ومع أن هذا السيناريو قد أعطى احتمالية متدنية للغاية إلا أن الجيش الإسرائيلي أجرى عليه فور الانسحاب مناورة عسكرية كبيرة بمشاركة عدة ألوية ، لكن المهم أن السيناريو الذي أعطى احتمالية عالية من المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ، ومن مفكرين عسكريين إسرائيليين بارزين هو " هدوء ثم تصعيد عبر الحدود من الفلسطينيين ، وليس حزب الله ، ولهذا فإن ترتيب الأولوية في إسرائيل ، ليس نزع سلاح حزب الله ، وإنما ترحيل الكتلة الفلسطينيية ( 400 ألف ) من لبنان ، وهذا هو الملف الثاني في الهجرة العكسية الفلسطينية والذي يحمل عنوان العراق ، المنطقة الكردية والذي ينفتح بدوره على متغيرات أخرى ، يجرى بناؤها فوق خريطة جديدة للمنطقة .
5. ينبغي أن يكون واضحاً ـ أيضا ـ لأولئك الذين تصوروا أن الإنسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان ( وهو ثمرة مؤكدة للمقاومة اللبنانية الباسلة ) هو إجراء مستقل من جانب إسرائيل عن مجمل ترتيبات إعادة بناء خريطة استراتيجية جديدة ، للمنطقة ، أن عليهم أن يراجعوا عدة نقاط ، تبدأ بتوظيف إسرائيل للإنسحاب وفقا لقرار الأمم المتحدة (425) بغية إضفاء صفة المشروعية الدولية الكاملة عليها ، وقد حصدت جانبا من هذا المسعى بعد ساعات من الإنسحاب بالفعل ، بموافقة الأمم المتحدة على اعتبارها عضوا في المجموعة الأوروبية بالمنظمة الدولية ، بعد أن ظلت خارج سقف كل المجموعات الجغرافية بها طوال خمسين عاما .
وعليهم أن يراجعوا ـ أيضا ـ انعكاس ذلك على الحالة الاسترائيلية الداخلية ، أو على الجمهور الإسرائيلي الذي أصبح على حد تعبير ( زئيف شيف ) لا يتطلب الحاحا الآن للإنسحاب من الجولان وليس من طبريا ومياهها .
ثم أن عليهم أن يراجعوا ـ أيضا ـ استعداد إسرائيل لاستخدام ما أطلق عليه ( رون بن بشاي ) : استراتيجية الردع الجارف ، إذا ما حدثت مواجهة واسعة في غزة والضفة الغربية ، ثم أن اسرائيل بعد ذلك كله ، لم تغلق الجبهة الشمالية عسكريا ، بل عمدت خلال الإنسحاب إلى استخدام قطع بحريتها في قصف عدة مواقع لبنانية ، مثل جونين ، ثم عمدت بعد ذلك إلى استخدام سلاحها الجوي في قصف قواعد بالقرب من الحدود قالت أنها تخص ( أحمد جبريل ) .
6. نزع كتلة الخطر الفلسطيني من لبنان لها الأولوية إذن ، ثم يأتي بعد ذلك ترك لبنان ، لتفاعلاته الداخلية المشروطه ، ثم ترك الدور السوري في لبنان ، عاملا بين هذه التفاعلات ، وفي الحقيقة فإنه ليس رجماً بالغيب ، القول أن لبنان يدفع إلى استعادة دوره القديم قبل الحرب الأهلية ، منطقة ترانزيت اقتصاديا وفكريا ، والأهم أنبوبة اختيار كبيرة لتفاعلات أكثر تعقيداً ، ستجري بين محاور المنطقة وبعضها ، وبينها وبين الحافة الأخرى للبحر الأبيض المتوسط .
7. ولذلك ، فإن المطلوب من الدور المصري في أنبوبة الاختبار اللبنانية أمرين :
الأولى : مشاركة رمزية مصرية في إطار قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام ، وهي إذا تمت سوف تضفي على الدور المصري ـ خاصة إذا قررت إسرائيل لسبب أو آخر أن تتمدد عسكرياً إلى الشمال ـ صفة المراقب ، لا الفاعل ، وحارس الشريط الحدودي المنتدب ، لا حارس الإقليم الفعلي .
والثاني : تداخل اقتصادي مع البنية الاقتصادية اللبنانية ، هدفه النهائي ، تعميق التواجد المصري في اقتصاد الترانزيت والخدمات ( وقد دشن ذلك مبكراً وزير الاقتصاد بطلب شركة لبنانية للاستفادة على حد تعبيره من الشطارة اللبنانية في التسويق ) والأهم من ذلك أن هذا التداخل الاقتصادي ، في بنية الاقتصاد المصري في موضع يتأثر أكثر مما يؤثر ، ويعطي أكثر مما يأخذ .
ثالثا : في المربع الكبير الخاص بالقضية الفلسطينية ، والمحور السوري ، ورغم طبقات الغموض التي تلف المفاوضات السرية على جانب والحوارات غير المباشرة على جانب آخر ، فإن الصورة يمكن أن تكون ناطقة بالأبعاد التالية :
1. أن التداعيات الذاتية للانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان رغم ارتباطها بالخريطة الاستراتيجية الجديدة ، سوف تترك آثارها بعمق على الموقف الإسرائيلي ، من بقية المحاور ، فإضافة إلى أن الثمن السياسي للإنسحاب الإسرائيلي ، الذي ستدفع جانباً من فاتورته الولايات المتحدة ، و أوربا ، يعني تقليص الضغوط الخارجية على إسرائيل لتحقيق انسحاب ملموس أخر على جبهة أخرى ، فإن القانون الداخلي الإسرائيلي ، سواء على مستوى منظومة القوة في إسرائيل أو الدوائر المجتمعية المحيطة بها ، ينجب في كل ممارسة مماثلة ، رد فعل عكسي ، إن كل انكماش جغرافي إسرائيل يترتب عليه تلقائياً ، تمدد نفسي ، لإعادة التوازن إلى البنية الصهيونية ذاتها ، وهذا التمدد النفسي المضاد ، غالبا ما يعبر عن نفسه في أشكال حادة ، سواء أكانت عسكرية الأداء ، أو سياسية الطابع .
2. قد يعني هذا من بين ما يعنيه ، أنني قابل تماما لتصديق ما قاله وكيل الخارجية الإسرائيلية وبتعبيره : " أن الممر السوري قد أغلق إلى الأبد " .
وسوف يبقى لسوريا اعترافا ، بدور محسوب في لبنان ليشارك فحسب في التهدئة الداخلية ، وليتوسع في حدود مرسومة ومؤقتة لضبط التفاعلات ، في أنبوبة الاختبار اللبنانية ، ثم لتنضغط سوريا بين قوسين كبيرين في انتظار أن تنشق الأرض فيها عن بدائل سياسية ، تعيد دمجها في الرصيف الاستراتيجي الكبير ، الذي أطلق عليه أحيانا : " الهلال الخصيب " ، ليمتد من إسرائيل ، موصولاً بتركيا ، حتى إطار كردي جديد ستجرى له بدوره ، جراحه عميقة ، ليكون مصب هذا الجسر الذي يبدأ من إسرائيل .
3. وقد يعني هذا من بين ما يعنيه أنني لا أجد داخلي ذرة تفاؤل ، بان إسرائيل حتى لو أقدمت على إنسحاب آخر ملموس من الضفة الغربية ، وحتى لو قبلت بصيغة متوازنة لاقتسام المياه ، وحتى لو سلمت بتفكيك بعض المستوطنات ، وحتى لو وضعت بين يدي السلطة الفلسطينية ثلاثة قرى مؤجلة حول تخوم القدس ، وقبلت بإعلان دولة فلسطينية في نوفمبر القادم ، فإنها لن تتجاوز فيما تقبل به خطين أحمرين بارزين هما : القدس وحق العودة للاجئين الفلسطينيين .
وليس سراً أن أصواتا مصرية ، بعضها ليس بعيداً عن مواقع التأثير ( وإن كانت بعيدة عن الخارجية المصرية ) ترى بأسم الواقعية والعقلانية الشكلية ، أن تقبل السلطة الفلسطينية بما سيعرض عليها ، خاصة أغتنام الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة ، ثم تبقى القدس ، وحق العودة رهينتين مؤجلتين ، في أيدي الزمن الإسرائيلي القادم .
وإذا قدر للسلطة الفلسطينية رغم أوضاعها المضغوطة والمأزومة ، أن تقبل بذلك ، فسوف تكون ، على حد تعبير سعد زغلول ـ قد تلقت دعوة للإنتحار، فقبلتها .
4. وقد يعني هذا من بين ما يعنيه أن مشروع السلام الإقليمي قد سقط استراتيجيا حتى وإن بقى على قيد الحياة اكلينيكيا ، لبعض الوقت .
الغريب حقا ، أن أول الأقلام التي بشرت بإنهيار السلام ، واستبدلت سؤالها الناصع عن مرحلة ما بعد السلام ، بسؤال آخر عن مرحلة ما بعد انهيار السلام ، هي أول الأقلام التي أخذت تدفع الوطن كله ، إلى رهان خاسر ، على معسكر السلام الإسرائيلي ، وعلى التطبيع مع اسرائيل باسم طمأنتها ولست أعرف سبباً مؤكدا لأن يستبدل هؤلاء الذين أجلسوا على أهم مواقع التأثير في أكبر مراكز الدراسات الاستراتيجية بالأعلام المصري ، جلود وجوههم التي تمزقت في الرهان على ثقافة السلام ، وجمعية السلام ، وحوارات السلام ، بهذه السرعة الفائقة .
هل نحن بصدد مرحلة جديدة يحاول هؤلاء الفرسان المنهارون فوق جيادهم الخشبية الشائخة ، أن يستبدلوها بجياد شابه ، ليحفظوا لأنفسهم مواقعهم ، في الصفوف الفكرية والسياسة الأولى ، أم أنهم وجدوا أنفسهم كجنود لحد " في حالة انكشاف سياسي ، فدفعتهم ضغوطهم إلى القفز تلقائيا نحو الجانب الآخر ؟ ! .
أبا كان التفسير ، فإن السؤال الذي تم طرحه من جانبين فكريين متباعدين ، عن مرحلة ما بعد انهيار السلام ، وجد من الجانبين إجابة يصعب وصفها بالاكتمال .
فليس صحيحاً في المطلق ما قاله أنصار تعميم نموذج المقاومة اللبنانية ، من أن منهج السلام قد سقط ، وليس صحيحاً ـ أيضا ـ في النسبي ما قاله الجانب الآخر من أن مفاوضات السلام بذاتها ، هي التي أصابها الانهيار .
التوصيف الصحيح يقول أن مشروع السلام الإقليمي ، لا منهجه ولا أدواته التفاوضية ، هو الذي أصيب بالفشل ، وعندما نقول أن مشروع السلام قد سقط استراتيجياً ، فهذا يعني أن التفكير الصحيح ، في المرحلة التالية ، ينبغي أن يستهدف بهذا التوصيف ، لأن تعبير " المشروع " لا يعني استبدال منهج بمنهج ، أو أدوات تفاوضية بسواها ، أو البحث عن وعاء تفاوضي جديد ، وعن مصادر قوة لشحنه ، وإنما يعني أن البديل لا يطول السياسة فقط ، وإنما يطول دوائر كاملة ، اقتصادية ، وثقافية ، واجتماعية وإعلامية .

رابعا : في المربع الكبير الخاص بالخليج العربي وتخومه الأسيوية ، فإن الأمور تجري ، وفق معادلات محسوبة .
1. قبل بضعة شهور تم تسريب دراسة للكلية العسكرية الأمريكية ، ولمركز أبحاث الكونجرس تحت عنوان " البحث عن سلام راسخ في الخليج العربي " وكانت الديباجة الأساسية للدراسة تدول حول " فتح حوار إقليمي لتخفيف حدة التوتر بين الولايات المتحدة والعراق وإيران على جانب ، وتقليص الخلافات بينها أي الولايات المتحدة وحلفائها حول العقوبات ، وذلك في سبيل : " التعاون في قضايا أمنية إقليمية " . غير أن هذا الحوار الإقليمي المهدئ يستهدف من واقع الدراسة ما يلي : " تشكيل مجموعة عمل للحد من التسلح في الخليج " تتولى مهمة تشكيل جهاز أمريكي على غرار لجنة الأمم المتحدة المكلفة بنزع أسلحة الدمار الشامل من العراق " وتكون وظيفة هذا الجهاز هي : " التفتيش الدائم عن كل أسلحة الدمار الشامل في كل دول الخليج " .
وهو ما يعني إخضاع المنطقة كلها وفقرات هيكلها الاستراتيجي ( باستثناء إسرائيل طبعا التي وصفها مستشار الأمن القومي الأمريكي في التوقيت ذاته بأنها دولة ديموقراطية متحضرة ) ، لمبدأ : حرية التفتيش عن الأسلحة " .
2. بصدد تعبير " التعاون في قضايا أمنية إقليمية " والذي خص بالذكر العراق وإيران ، ترى ماذا يمكن أن تكون عليه طبيعة هذه القضايا الأمنية الإقليمية التي يمكن صياغة تعاون فيها بين الولايات المتحدة والعراق على جانب والولايات المتحدة وإيران على جانب آخر ؟
3. بالنسبة للعراق تحديداً ، ووفق هذا السياق الذي يمكن أن ينشأ لإنهاء التوتر مع الولايات المتحدة ، وينتهي بالتالي إلى القبول بالعراق كدولة طبيعية في المنطقة ، ورفع الحصار عنها ، فإن الشروط الأمريكية تتلازم مع قبول العراق تحديدا بمبدأ استقبال المنطقة الكردية ، في الشمال وتوطينها ، كتلة الخطر الفلسطيني في لبنان .
وفيما أعلم فإن أمريكا قامت بطرح هذا المشروع مبكراً على العراق ، وقبيل اندلاع حرب الخليج .
وفيما أحسب ، فإن أمريكا كانت تتصور أن قبولا عراقياً بمبدأ تهجير هذه الكتلة الفلسطينية إلى العراق ، سوف يستند إلى إغراء ، بما يمكن أن تضيفه هذه الكتلة إلى الجمهور العراقي ، سواء بمنطق الموازين الديموجرافية الخالصة ، أو بمنطق التوازنات المذهبية الخاصة ، وفيما ـ أحسب ـ أيضا ـ فإن هذا الإنجزاء لم يكن يحلق بعيداً عن أرض الواقع .
4. لكن تهجير هذه الكتلة الفلسطينية إلى المنطقة الشمالية في العراق ، يأخذ الآن منحى خاص ، إضافة إلى ما يمثله من إغراءات سابقة ولاحقه ، لأنه يرتبط أساساً بمشروع أكبر يتزامن معه دمج كتلة كبيرة من " التركمان " للاستيطان في المنطقة ذاتها ، وتخفيف العبء عن تركيا ، وقد يتسع المشروع ذاته لأول ترانسفير يهودي عكسي من إسرائيل يتكون من 000ر70 يهودي كردي . يستوطنون فلسطين الآن ، ويبقى الهدف الأخير في ذلك هو إنشاء إطار جديد في شمال العراق ، وبين العراق وتركيا ، متعدد القوميات والديانات ، يحول دون قيام دولة كردية لا تقبل بها إيران ولا تركيا على جانب ، ويعمد بشكل مبتكر إلى " لبننة " المنطقة الكردية .
5. أما بالنسبة لصيغة تخفيف التوتر مع إيران ، فهي تعني ، الاعتراف لإيران ، بدور ما في الخليج العربي ، وبدور ما لامتداداتها الجديدة في قلب آسيا الوسطى ( جنبا إلى جنب مع الاعتراف بدور إقليمي روسي في المنطقة الأخيرة ) .
أن ثمة علاقة يجري بناؤها بين مسرح العمليات الراهن في الخليج وبين المسرح الاستراتيجي في آسيا الوسطى ، أو في منطقة بحر قزوين تحديداً من أذربيجان وتركستمان إلى كازاخستان واوزبكستان ، وفي الوقت الذي تداخلت فيه إيران مع هذا المسرح خاصة بعد مد أنابيب منه إليها ، فإن خط أنابيب البترول المتجه شرقا منها سوف يصل هذه المنطقة وبترولها بالنموات الاقتصادية الكبيرة في آسيا خاصة الصين واليابان وكوريا .
6. أن التأثير الأمريكي الكامل لطالبان لم يكن يرجع كما هو شائع إلى تفريغ التأثير الإيراني هناك ، أو إلى التلويح لها بقوة إقليمية مندفعة ، فقد كان المطلوب من طالبان استضافة وحماية خط أنابيب البترول الشمال ، لكن " بوتين " هو الذي قدم بنفسه عرضا لأن تكون روسيا بديلا لأمريكا في معالجة الأوضاع في أفغانستان ، إلى جانب الاعتراف الأمريكي الذي حصل عليه ، بدور إقليمي في آسيا الوسطى .
وهكذا فنحن بصدد التهيئة لدورين متقاطعين بين روسيا وإيران في آسيا الوسطى وأفغانستان ، لخلق حالة توازن جديد هناك .
خامساً : في المربع الكبير الخاص بالامتدادات العربية الافريقية ، فإن علامات واضحة ، تقف كالشواهد على الطريق :
1. بغض النظر عن هذا السعي الأمريكي المحموم للاستحواذ على مواقع أقدام في عموم إفريقيا ، والذي ينطق به مشروع أمريكي كبير لتحزيم أفريقيا كلها ، بكابل بحري للاتصالات ، يتمدد حول محيطها الكامل في مياه المحيط ، فإن التصور القريب الذي يجري بناؤه ، ينتهي إلى فصل منطقة البحيرات العظمى عن العمق العربي ، بتجزئه كتلتها الاستراتيجية ، المتداخلة الفقرات .
ولهذا يتحمل السودان ضغطا مضاعفاً ، لان موقعه الفقري ، يشكل منطقة الكسر الضعيف ، لوحدات هذه الكتلة ، وإرهاصات ذلك واضحة في تعميم صيغ الصراع الأفريقي في المنطقة ، بدءا من صدام أثيوبيا مع ارتيريا ومرواً بالحرب ضد الكونغو ، انطلاقا من رواندا وأوغندا ، وانتهاء بالدور العكسي الذي أقدمت عليه زيمبابوي وانجولا ، فتحطيم محور أفريقيا النيلي هو الهدف العاجل والمباشر .
2. في الحرب الأثيوبية الأرتيرية ، التي تغيرت فيها موازين القوى بغته ، وبلغت الاندفاعة الأثيوبية مداها ، بمحاولة الوصول بالقوة إلى البحر الأحمر عبر ميناء عصب الاستراتيجي ، يتبدى إيقاظ رأس جسر جديد على رأس المحور الأفريقي النيلي ، فالمعلومات المؤكدة تفيد أن طائرات الميج الأثيوبية التي ساهمت في تهرئة الدفاعات الأرتيرية ، قد جرى مؤخراً " تعمير " مواتيرها وتجديدها ، بأيد إسرائيلية .
ورغم التحفظات على روايات أرتيرية عن ضباط إسرائيليين يعملون داخل الخطوط الأثيوبية ، وعن طيارين روس يساهمون في إعمال القتال ، فالمؤكد أن أثيوبيا قد تم شحنها عسكريا ، بأيد أجنبية ، والمؤكد ـ أيضا ـ أنه قد سمح لها بان تتجاوز العديد من الخطوط الحمراء ، فوق خريطة الصدام ، وأن ذلك كله جرى ويجري فوق خريطة الصدام ، في ظل تجاهل ، إذا لم يكن مباركة أمريكية وإسرائيلية ، ليس المهم في ذلك أن نظام " أفورقي " قد حاول ان يلعب في إطار دولة صغيرة محدودة القوة والفاعلية ، دوراً أكبر من طاقته ، ولكن المهم أن الولايات المتحدة فضلت إنهاء دور أرتيريا الذي اختارته لها في مرحلة سابقة ، وهو دور أقرب وظيفيا إلى دور فصائل " لحد " العسكرية ، ولكن فوق رقعة جغرافية أكبر واختارت أن تعيد احياء رأس هذا المثلث ، فوق مياه النيل وعند منابعه .
3. أما تلك الصيغة المطاطة للولايات الافريقية المتحدة ، فعندما تحدثت مؤخراً عنها إحدى محطات التلفزيون العربية ، فإنها لم تجد بديلا عن أن تنشر خريطة متكاملة لها ، لكن الخريطة لم تجد حلا بديلا ، سوى ان تمسح مصر بالكامل من فوق رقعتها! .

سادسا : يبقى ما يتعلق بالمربع الأخير في إسرائيل ، وقد يكون من المهم الالتفات إلى ما تمثله الوقائع التالية من دلالات .
1. إذا كانت إسرائيل تتمحور في القرن الإفريقي ، وفي محور افريقيا النيلية ، وإذا كانت أصابعها تساهم في إحياء رأس المثلث الأثيوبي ، فإن " بوتين " نفسه ، والذي اقترح على كلينتون بناء منظومة دفاعية مشتركة مع الولايات المتحدة لمواجهة الأخطار الصاروخية التي قد تهدد أراضيها ، هو الذي يعد إسرائيل بزيارة قريبة للتوقيع على صفقة عسكرية يقوم بين بنودها إيكال مهمة تجديد طائرات الميج والسوخوي الروسية ، إلى أيد إسرائيلية.
2. وإذا كانت إسرائيل ماضية في توسيع دائرة تعاونها التكنولوجي العسكري مع الصين والهند في وقت واحد فإن هناك ما يؤكد اشتراكها مع اليابان في أبحاث مشتركة لتطوير الدفاعات الصاروخية المضادة للصواريخ .
3. إن الاعتراف بعضوية إسرائيل في المجموعة الأوربية بالأمم المتحدة إذا لم يكن يعني تمهيدا لامتداد الناتو جنوباً من خلال البوابة الإسرائيلية ، أو تنشيطاً لمحورها التركي ، وتزكية لمشروع الهلال الخصيب ، فإنه يعني أن تعريف الشمال غربيا ، لم يعد تعريفا جغرافيا ، وإنما تعريف سياسي واستراتيجي ، فالشمال بمعنى أدق هو ما ليس جنوباً .
4. جميع اتجاهات النمو داخل تضاريس هذا المربع الإسرائيلي على المستوى العسكري والسياسي والإيديولوجي ، تعني أمراً واحداً ، هو التأهل أو التأهب للإضطلاع بدور القوة الإقليمية الكبرى ، فوق تخوم تلك المنطقة الواسعة الممتدة بين البحيرات الاستوائية ، وبين الممرات الاستراتيجية في آسيا الوسطى .

سابعا : ماذا تعني العودة إلى تأمل " تخنة الرمل " أو " لوحة البازل " بعد أن تتجاور مربعاتها الصغيرة ، على النحو السابق .
1. نحن ذاهبون إلى مرحلة جديدة لإعادة بناء الإقليم ، يمكن تسميتها بمقلوب حرب الخليج ، حيث تتطلب الأزمة الاقتصادية العالمية ، خاصة في أوربا ، إيصال المنطقة إلى اشكال من التسويات السياسية الناقصة ، كان مفروضاً أن تتحمل إسرائيل جانباً كبيرا من تكلفتها السياسية ، ولكنها أبت أن تضيف إلى أعباء انسحابها من جنوب لبنان ، أعباء ملموسة جديدة .
2. تحظى هذه التسويات الناقصة ، الآن ، بقبول أمريكي وهي بدورها ، جزء من بناء أوضاع استراتيجية كاملة سوف يكون همها حفظ الأمن وفق مفهوم هذه التسويات وحدودها ، وفي إطار تهدئة إقليمية عامة .
3. سوف يكون مطلوبا من عناصر هذه التهدئة ، السماح بضخ دم جديد في دورة رأس المال العالمي ، سواء برفع أسعار البترول التي تضاعف فاتورة الواردات الغربية من السلع والأغذية والسلاح ، أو رفع الحصار عن العراق وليبيا ، واستئناس إيران ، وفوق رأس الكعكة العراقية وحدها ، ما يزيد على 250 مليار دولار ، سيتوزع جانب من أنصبتها بين الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا ، أما بريطانيا فهي على رأس الجسر الغربي نحو ليبيا ( وقد وقع قبل أيام عقد بمبلغ 25 مليار جنيه استرليني ، لإعادة تجيد البنية الأساسية هناك ) ، بينما تبدو ألمانيا هي الأقرب إلى الحدود الإيرانية ، اما قلب كعكعة الخليج فالمطلوب أن تبقى بين أصابع الولايات المتحدة ، وكأننا بصدد " سايكس بيكو سري جديد ! .
وسوف تتكفل أعمال الإعمار وإعادة بناء البنية الأساسية إضافة إلى قوائم المشتروات الجاهزة من السلاح الجديد والسلع ، بفتح أسواق المنطقة على اتساعها وبالتالي فتح شرايين دورة رأس المال الدولي ، وطرد الركود منها .
ثم بعد أن يبلغ التراكم في السلاح والبنية وإشباع الأسواق مداه ، بعد حقبة أو اثنتين ، سيحتاج الأمر إلى تفجير كبير جديد ، يعيد دورة رأس المال الدولي نحو تجيد نفسها ، بعكس الدائرة في اتجاهها الآخر ، بدراما إنسانية جديدة ، وأبطال آخرين .

ثامنا : على " تختة الرمل " السابقة ومربعاتها ، تبقى مصر لا إسرائيل هي المشكلة المستعصية ، التي تحتاج إلى حلول غير تقليدية ، وإذا كان إقصاؤها مستحيلا ، فتفجيرها هو البديل المتاح .
إن تفجير مصر عندي يعني ، ضرب الخصوصية الوطنية ، وعزل منظومة القوة ، والإنزلاق إلى انقلاب مدني .
غير أن مصر كما أنها المشكلة المستعصية ، فإنها الحل الفريد ! .
وهذا ما سيتصل به الحوار.




11/6/2000

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :