السلاح خيار استراتيجي لإسرائيل ..السلام خيار استراتيجي لنا !     



بقلم : أحمد عز الدين

تلك هي القسمة الأمريكية العادلة :


السلام خيار استراتيجي لنا ، والسلاح خيار استراتيجي لهم ، ثقافة السلام من نصيبنا ، وثقافة السلاح من نصيبهم .

لجان الإذعان لنا ، بحراب مفتشي الأسلحة ، وخناجر مفتشي الحريات ، ولجان الاطمئنان لهم ، بصواريخ ، الباترويت ، وآرو ومنصات الاستطلاع الاستراتيجي .
نخبة الثروة عندنا يتحتم أن تدفع للصعود والجلوس في مقاعد العقل والفعل ، والشرعية ، ونخبة القوة عندهم يلزم أن تبقى في مواقع العقل والفعل والشرعية .
لم تكذب ولم تبالغ رؤية الجنرال ديجول إذن ، فبعد ثلث قرن يصبح ما سجله نصل عقله الثقافي ، ووزير ثقافته ، ( أندريه مارلو ) في كتابه ( السنديان ) ـ قابلا للبقاء والدرس .
لقد كتب ( مارلو ) بحروف ناصعة نبؤة ( ديجول ) عندما كانت أمريكا قوة صاعدة ، تضم ما تبقى من إرث الاستعمار التقليدي ، وهي ما تزال تضع في عروة قميصها ، وردة يانعة لحرية الشعوب وحق تقرير المصير ، وكان نص النبؤة يقول :
" عندما يصبح الأمريكيون سادة العالم عن وعي ، فسوف ترون إلى أي مدى ، سوف تصل استعماريتهم " .

ـ 1 ـ

كيف نعيد طلاء الوجه الأمريكي بمساحيق التجميل ، بعد أن تهرأت طبقات جلده ؟ .
بعض وسائل الإعلام العربية أجابت ، على السؤال بطريقتها فحذفت من تصريحات بوش أي إشارة إلى تأكيد أو تجديد تعهده بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس ، واعتبرته ـ كما أعتبر بعض كتابنا شارون نفسه ـ مجرد كلام عابر في جلسة عابرة ، أما بعض وسائل الإعلام الأخرى ، فقد كلفت مراسليها في واشنطن أن ينقبوا في صحراء الموقف الأمريكي عن ظل أو ينبوع ماء ، وسمح المراسلون لأنفسهم بالاجتهاد فأختار بعضهم أن يركز على المقارنة بين صورة بوش أمام شارون ، وصورة باول أمام الكونجرس ، ليستخرج من تهافت الثاني ، توازن الأول ، واختار بعضهم أن يركز على رفض بوش الحاسم ، أن يعطي شارون صورة مسبقة من يوميات ضرب العراق ، ليستخرج من الرفض دلالة ، على أن التحالف الاستراتيجي بين أمريكا وإسرائيل ليس قائماً إلا في أذهان بعض المتطرفين العرب ، وأختار بعضهم أن يركز على اعتراض بوش على بناء آلاف المكعبات الاستيطانية قرب رأس العامود ، ليستخرج من الاعتراض دلالة على أن الإدارة الأمريكية ما تزال تزن مواقفها الأساسية بموازين الشرعية الدولية .
ولمن يكن في ذلك كله وغيره شئ من الصحة ، فلقد تركت ـ مثلا ـ مهمة التوقف أمام المكعبات الاستيطانية الجديدة للمتحدث باسم الخارجية الأمريكية ، بعيداً عن الرئيس والبيت الأبيض ، ليقول أنها " لا تساهم في السلام ، ولا في الاستقرار " فلم يعد بناء المستوطنات مرفوضا ، لأنه يتم في أرض محتلة ، وإنما أصبح مكروها ، لأنه لا يساهم في " التهدئة " التي أصبح يطلق عليها " الاستقرار " .
والحقيقة أن شارون لم يعد من رحلة صيدة الأمريكية وقد حصل ـ حسب تعبيره ـ على دعم واشنطن لكل شئ ، بما في ذلك رؤية إسرائيل الإقليمية ، فتعبير الدعم ليس دقيقا ولا كافيا للاحاطة بواقع الحال ، لأن ما عاد به ( شارون ) هو صياغة توافق استراتيجي أمريكي إسرائيلي ، لإعادة بناء وضبط أوضاع الإقليم ، وما يبدو على السطح من بنية هذا التوافق الاستراتيجي أقل بكثير مما يختفي منه بالعمق ، من طبقات أكثر عمقاً على صعيد القضية الفلسطينية ، فإن ما يبدو على السطح من بنية هذا التوافق الاستراتيجي ، بين أمريكا وإسرائيل ، يمكن توصيفه على النحو التالي :
تنزيل القضية الفلسطينية ، من كونها قضية قومية عربية وإقليمية ودولية ، إلى اعتبارها قضية إسرائيلية داخلية بحتة ، وذلك بفرض حلقتين من الحصار عليها :
• حلقة حصار عسكري واقتصادي مباشر ، تتكفل به آلة الحرب الإسرائيلية .
• وحلقة حصار سياسي تالية عليها تتكفل به أدوات الديبلوماسية الأمريكية .
وإذا كانت آلة الحرب الإسرائيلية عليها أن تتكفل باستخدام كل أسلحة القمع والموت والدمار ، بإطفاء جذوة الانتفاضة المشتعلة في الداخل ، فإن أدوات الديبلوماسية الأمريكية عليها أن تتكفل بمنع ومصادرة أية إمدادات تعين هذه الجذوة على أن تظل محتفظة بتأججها ، وقد صبت الإدارة الأمريكية خلال حيز مني ضيق ، جهودا هائلة ومتعددة الاتجاهات لدفع القضية الفلسطينية فوق هذا المنحدر الوعر :
1. لقد فتحت الإدارة الأمريكية بنفسها أمام شارون ، طريقه إلى لقاء سكرتير عام الأمم المتحدة ، في مقر المنظمة الدولية ليلقي بنفسه على أذنيه ، تحذيراً مباشراً من السماح بإقرار مبدأ إرسال مراقبين دوليين إلى الأراضي المحتلة ، وبينما واصل المندوب الأمريكي في الأمم المتحدة ، رفع سيف الفيتو ، أمام نطفة قرار مماثل ، تكفل سفراء الولايات المتحدة الأمريكية ، في المنطقة العربية ، وعدد مؤثر من بلدان العالم الثالث ، بإبلاغ وزارة الخارجية والمسئولين في هذه البلدان ، تحذيرا مباشراً آخر ، من مغبة التفكير في نقل قضية المراقبين الدوليين إلى ساحة الجمعية العامة للأمم المتحدة لاستصدار قرار منها ، بإرسال هذه القوات وقد انطوى التحذير الأمريكي المنقول على خشونة واضحة بتأكيده على أن مثل هذا العمل من وجهة نظر أمريكا لن يكون عملاً إيجابياً على جانب ، وسوف يتحمل من يدعو إليه ، ويسعى نحوه ، المسئولية عن سعيه ودعوته على جانب آخر .
2. وسحبت المخابرات المركزية الأمريكية ، بأمر رئاسي أمريكي ما تبقى من أطرافها ، في هياكل اللجان الأمنية الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة ، مع العلم بأن وجود هذه الاطراف في هياكل اللجان الأمنية ، تم بالحاح فلسطيني غالبا وعربي أحيانا ، بل أن هذا الحاح لم يطلب أن تكون أطراف المخابرات المركزية الأمريكية موجودة في لجان المباحثات الأمنية ، فحسب ، بل اشترط أن تكون موجودة في آليات تنفيذ الاتفاقيات الأمنية ، كي تكون شاهدا وحكماً أمام سلوك إسرائيلي مكرر ، بالوصول إلى اتفاق ثم نسخه في التنفيذ ، وهو ما يعني أنه إذا تمت العودة إلى اللجان الأمنية ، فإن القرارات ستكون إسرائيلية خالصة ، والشروط إسرائيلية خالصة ، والتفسيرات والتنفيذ إسرائيليان خالصان .
3. وقدمت الولايات المتحدة الأمريكية ، تأكيدات عملية في جميع اتصالاتها الإقليمية والدولية ، على تبنيها ليس فقط لأولوية موضوع الأمن ، من وجهة نظر إسرائيل ن بل على قبولها لتوصيف إسرائيل لهذا الأمن ، وبالتالي فإن وقف العنف الفلسطيني عندها ، سابق على أية مفاوضات .
ومع أنها أبلغت أكثر من طرف أنها ستظل خارج مفاوضات السلام إذا قدر لها أن تبدأ ، وأنها لن تقوم حتى بوضع إطار عمل ، لأية مفاوضات في المستقبل ، ولن تقرر أهدافها ، فإنها لم تمنع نفسها ، من أن تعرض صفقة غير متكافئة ، على عدد من الدول العربية ، بان تقوم هذه الدول ، بإيجاد صيغة لوقف الانتفاضة ، مقابل قيامها ـ أي الولايات المتحدة ـ باقناع الإسرائيليين بتخفيف الحصار على الفلسطينيين ، وليس العكس ، أي تخفيض الانتفاضة ، مقابل إنهاء الحصار .
4. وإذا تغاضينا عن أن الولايات المتحدة الأمريكية ، هي التي أجهضت مهمة لجنة التحقيق الدولية ، وحولتها إلى لجنة تهويم دولية ، للحيلولة ، دون تجريم إسرائيل ، فكيف يمكن التغاضي عن طلب أمريكي ، أصبح مكررا كأنه نشيد الصباح في أذان عدد من أطراف القمة العربية القادمة ، وهو ألا تتخذ القمة العربية ، موقفاً أو قراراً يعني من بين ما يعنيه ، السعي إلى إسقاط شارون أو حكومته ، أي بمعنى أخر ، أن تتخذ القمة العربية قراراً غير مباشر ، بقبول شارون ! .

ـ 3 ـ

وعلى صعيد الوضع الإقليمي فإن ما يبدو على السطح ـ من بنية هذا التوافق الاستراتيجي ، بين أمريكا وإسرائيل يمكن توصيفه على النحو التالي :
اعتبار عملية السلام مجرد فرع في جذع العلاقة العربية الأمريكية وفصل هذا الفرع عن مجرى العلاقة ـ إعادة توصيف التهديدات الاستراتيجية من منظور مشترك ـ تجزئة المنطقة إلى دولة منفردة ومناطق مستقلة ـ تمكين إسرائيل من دور القوة الإقليمية الكبرى ، ومن وظيفة حارس تفاعلات الإقليم :
1. أظن أن ( كيسنجر ) نفسه هو القائل مبكراً وقبل أن تنضج الظروف ، أنه " لن تكون هناك عولمة اقتصادية ليبرالية ، دون عسكرة ، بقيادة " واشنطن " وهذا يعني بشكل أو بآخر ، تحويل القوة العسكرية ، إلى استثمار اقتصادي سواء لفتح الأسواق بالقوة أو الإمساك ، بمصادر الثروات الطبيعية ، بالقوة ، أو لمنع قيام تهديدات للأوضاع القائمة أو القادمة بالقوة أيضا .
2. في عمق هذا التوافق الاستراتيجي ، تتبدى مقدمات تقسيم وظيفي جديد في المنطقة ، على أسس استراتيجية ، إلى أقسام ثلاث ، وهو تقسيم يستهدف تحطيم هيكل النظام الإقليمي العربي ، وإعادة صياغة بعض جوانبه ، وإطلاق يد إسرائيل في بعضها :
• منطقة الخليج العربي بدولة وممراته الاستراتيجية ، وثرواته في دائرة نفوذ أمريكي خالص .
• منطقة دول جنوب البحر الأبيض المتوسط ، مضافاً إليها الأردن ( وهي دولة لا تقع على البحر الأبيض ، ولا ترتبط به إلا وفق هذا التصور ) وهي منطقة شراكة أمريكية أوربية ، يتم السعي من خلال أشكال بعضها تفاوضي ، وبعضها أقرب إلى الضغوط السياسية والاقتصادية ، إلى دمجها تحت مظلة الناتو ، علماً بأن دمجها تحت مظلة الحلف ، هو بمثابة توسيع لمدى عمل الحلف ولحدود تأثيره ، بما في ذلك صلاحيات استخدام القوة المسلحة وليس بالضرورة توسيعاً لعدد وحداته ، أو دوله ، أو دخول دولها في إطاره ، وبمعنى آخر ، فإن شمال البحر المتوسط ، بقيادة الحلف الإنجلو ساكسوني ، سيكون مسئولا عن ضبط التفاعلات ، وصياغة التوجهات في جنوب البحر الأبيض المتوسط .
• الدائرة النيلية الجنوبية ، وامتداداتها الأفريقية ، مع جزء من دائرة البحر الأحمر ، منطقة مستقلة عن المنطقتين السابقتين ، تبقى غير محسومة ، أي مثلها مثل أفريقيا منطقة تنافس مفتوح بين أمريكا وإسرائيل ، وبعض الدول الأوربية .
3. ستبقى إسرائيل مضطلعة بدورها في عموم المناطق والأقسام السابقة ، فهي موجودة في ظل امتداد الناتو إلى جنوبي البحر الأبيض ، وفاعلة في تنظيم هذا الامتداد ، وبينها وبين الولايات المتحدة شراكة استراتيجية ، تسمح لها بان توظف نفسها ( لمهمة محددة ) في دائرة الخليج العربي وبجميع المعايير ، فإنها تتحمل مسؤليات خاصة في الدائرة النيلية الإفريقية وظلالها على البحر الأحمر .
4. في دائرة الخليج العربي ، وتخومه الأسيوية ، كان التصور الأمريكي قبل فترة وجيزة في ظل الإدارة السابقة ، يدور في إطار دراسة مشتركة للكلية العسكرية الأمريكية ، ولمركز أبحاث الكونجرس ، عنوانها " البحث عن سلام راسخ في الخليج العربي " وكانت الديباجة الأساسية للدراسة ، تدور حول فتح حوار إقليمي ، لتخفيف حدة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران والعراق ، وتقليص الخلافات بينها ـ أي الولايات المتحدة وبين حلفائها حول العقوبات ، وذلك في سبيل التعاون في قضايا أمنية إقليمية .
غيرأن هذا الحوار الإقليمي المهدأ ، كان يستهدف من واقع الدراسة " تشكيل مجموعة عمل للحد من التسلح في الخليج " تتولى مهمة تشكيل جهاز أمريكي ( على غرار لجنة الأمم المتحدة المكلفة بنزع أسلحة الدمار الشامل من العراق ) وتكون وظيفة هذا الجهاز ( التفتيش الدائم عن كل أسلحة الدمار الشامل في كل دول الخليج ) ، وهو ما يعني إخضاع المنطقة كلها ، لمبدأ ( حرية التفتيش عن الأسلحة ) ، جنباً إلى جنب مع مبدأ ( حرية التفتيش عن الحرية الدينية ) .
5. كان المقصود من تعبير ( التعاون في قضايا أمنية إقليمية ) والذي خص بالذكر العراق وإيران هو ـ أولا ـ بالنسبة للعراق إنهاء العقوبات والقبول بالعراق كدولة طبيعية في المنطقة ، مقابل قبول العراق أن تستقبل المنطقة الكردية في الشمال ، الكتلة الفلسطينية في لبنان لتوطينها بها .
وسبق وأن طرحت أمريكا هذا المشروع قبل حرب الخليج ، متصورة أن قبولا عراقيا بمبدأ تهجير هذه الكتلة الفلسطينية ، سوف يستند إلى إغراء ما يمكن أن تضيفه هذه الكتلة إلى الجمهور العراقي ، سواء بمنطق التوازنات المذهبية الخاصة ، أو التوازنات الديموجرافية الخالصة ، ثم عادت أمريكا واستخدمت عدة قنوات ، متلمسة إعادة طرح المشروع على العراق ، ولكن العراق أكد إصراره على الرفض ، وبالتالي فلم يكن ثمة أشكال أخرى متاحة بين أمريكا والعراق للتعاون في ( قضايا أمنية إقليمية ) تتيح إنهاء العقوبات .
6. وحين انتهى رفض العراق توطين الكتلة الفلسطينية ، بدأ السعي الأمريكي لإحكام الحصار على جانب ، وتوسيع الإطار الجديد في المنطقة الكردية ، ليتسع لكتلة أكبر من الفلسطينيين ، وكتلة موازية من التركمان للاستيطان في المنطقة ذاتها ، وتخفيف العبء عن تركيا ، وقد يتسع أيضا ـ هذا الإطار ـ لأول ترانسفير يهودي عكسي من إسرائيل يتكون من 70 ألف يهودي كردي ، يستوطنون فلسطين الآن ، ليبقى الهدف الأخير ، هو إنشاء إطار جديد في شمال العراق ، وبين العراق وتركيا ، متعدد القوميات والديانات يحول دون قيام دولة كردية لا تقبل بها تركيا ولا إيران ، ويمثل حلا لمشكلة توطين الفلسطينيين ، ويعمد بشكل مبتكر إلى ( لبننة المنطقة الكردية ) ، ويمنحها فرصة أن تنتفخ بما يساوي مليون لاجئ .
ولقد بدأت خطوات تنفيذ المشروع عمليا مع التصعيد العسكري الأمريكي ضد العراق ، حيث تجري إلى جانب مقدمات بنية أساسية له فوق الأرض ، عمليات تدريب لقوة مسلحة له ، سواء في شمال العراق ، أو في قواعد أجنبية ، في البحر الأبيض أو في داخل إسرائيل نفسها .
7. وكان المقصود من تعبير ( التعاون في قضايا أمنية إقليمية ) مع إيران هو تخفيف التوتر معها ، والاعتراف لها بدور ما في الخليج العربي ، وبدور ما لامتداداتها الجديدة في قلب آسيا الوسطى ، شريطة أن يتقاطع دورها مع دور روسي في المسرح الاستراتيجي لآسيا الوسطى ، خاصة منطقة بحر قزوين ، من أذربيجان وتركستمان إلى كازختسان وأوزباكستان ، في الوقت الذي تداخلت فيه مع هذا المسرح ، بعد مد أنابيب بترول منه إليها ، تتوجه منها شرقاً لتصلها بالنموات الاقتصادية الكبيرة في آسيا خاصة الصين واليابان وكوريا ( مع العلم بان التأييد الأمريكي لطالبان لم يكن يرجع كما هو شائع إلى تفريغ التأثير الإيراني هناك ، أو التلويح له بقوة إقليمية مندفعة ، فلم يكن المطلوب من طالبان سوى استضافة وحماية خط أنابيب البترول الشمالي .
لقد كان ذلك كله يجري في إطار علاقات أكثر عمقاً ، يتم بناؤها أمريكيا بين مسرح الخليج الاستراتيجي ، والمسرح الاستراتيجي في آسيا الوسطى ، ولكن إيران بدلا من أن تتقاطع مساراتها مع روسيا ، تقابلت وتكاملت واتسعت خطوطها ومنحنياتها لحسابات عسكرية ، سواء في مجال التسليح ، أو في خلق تهديدات جديدة للموازين المحسوبة بين المسرحين .
وهكذا لم يعد لمشروع( التعاون في مجالات أمنية إقليمية ) صلاحية لا مع العراق ، ولا مع إيران ، ليتم من جديد وضعها كلوحة التنشين ، أمام الشرق الأوسط ، ثم ليأخذ التوتر مع روسيا مداره ، وقوة دفعه ، حد الإقدام على طرد خمسين ديبلوماسيا روسيا من الولايات المتحدة ، في حادثة تجسس قابلة للتكرار ، ولا تحتمل طرد أو إنذارا على هذا النحو ، لأن الولايات المتحدة لن تسمح لروسيا ( وكذلك ألمانيا واليابان والصين بالدرجة الاولى ) بان تصبح قوة كبرى ، ولو في حدودها الإقليمية ، ولن تسمح لها كذلك بالتمدد إلى منطقة أخرى ، والسيطرة عليها ، على النحو الذي يمكن أن تجعل هذه المنطقة منها قوة دولية .
8. في إطار هذا التقسيم الجغرافي الوظيفي السابق ، فإن الإدارة الأمريكية ، تبدي ضيقا متزايداً من أشكال التعاون الإقليمي داخل الدائرة العربية ، وقد عبرت بشكل واضح عن عدم رضاها عن تعميق العلاقات المصرية السورية ، وعدم رضاها عن اتفاقية التجارة الحرة بين مصر والعراق ، فضلا عن ان تكون راضية أو راغبة في أن يشهد النظام الإقليمي العربي إحياء لقاعدة تعاونه وتفاعله اقتصاديا أو سياسيا أو ثقافيا ، وهذا موقف ليس خاصا بالنظام الإقليمي العربي ، فجزء من رسالة هذه الإدارة ، العمل على تفكيك كل أطر التعاون الإقليمية والدولية ، التي لا تخضع لها بشكل كامل ، وإلا كيف يمكن تفسير تلك الرسالة التي حملها مؤخراً مندوب أمريكا الدائم في الأمم المتحدة إلى الدول الأفريقية ، مطالبا إياهم بالسعي من أجل تفكيك ما تبقى من بنية حركة عدم الانحياز ! .
لست أعرف سببا محددا ، لهذا الفيض من التفاؤل الذي غمر الشطآن العربية ن بالإدارة الأمريكية الجديدة ، فور انتخابها ، وتحديد وجوهها ، بل قبل انتخابها وتحديد وجوهها ، فهل كان التفاؤل ، مدفوعاً بطاقة ضيق بالإدارة السابقة ، ووجود أقليتها النافذة ، أكثر من اندفاعه بطاقة فهم ومعرفة وحساب ! .
ربما يقوم الدليل على ذلك في شهادة باول في كتابه ( رحلتي الأمريكية ) ، الذي صدر في عام 1995 ، حيث يؤكد أن الرئيس كلينتون ، أتصل به قبل أولبريت ، وطلب منه أن يكون وزيراً لخارجيته ، بدلا من ( وارين كريستوفر ) ، بعد أن أطبقت على الأخير من كل جانب ، تهم انحياز للعرب ، وصلت حد اتهامه في بعض أوساط اللوبي اليهودي ، بالعداء للسامية ، ورغم رفض باول دعوى كلينتون ، لكن ذلك لا يمنع من احتمال أن ترشيحه قبل أولبريت ، قد مر على مصفاة أولئك الذين دمغوا كريستوفر باتهامات باطلة ، بسبب نزوعة القانوني واستطاعوا ان يطيحوا به ، من موقعه ، ويستبدلوه بغيره ، لكن المدهش ان باول ، لا يفسر رفضه لمنصب وزير الخارجية ، في إدارة كلينتون ، إلا بمعرفته بكم العداء الدفين ـ على حد تعبيره ـ الذي يكنه الحزب الديمقراطي للمؤسسة العسكرية الأمريكية ، وهذا العداء الدفين نفسه هو الذي دفعه إلى الانتقال من الحزب الديموقراطي إلى الحزب الجمهوري في عام 1980 ، دفاعاً عما رآه " الولاء للمؤسسة العسكرية الامريكية ، ورغم أن باول يصف إيزنهاور ، بأنه " المثل والقدوة والبطل " فإن المسافة بين الشخصين والتجربتين والرؤيتين بعيدة جدا ، ربما بحكم أن إيزنهاور ، أمضى فترة طويلة قبل الحرب العالمية الثانية ، يعمل كاتبا سياسيا ، ووسيطا في شئون السياسة والديبلوماسية ومع ذلك ، وقد يبدو الأمر مثيرا للدهشة ، فإن ( باول ) يبدو أقل تشددا ، وإنحيازاً لاستخدام القوة من كوندوليزا ، مستشارة الأمن القومي ، فهي من دعاة الحزم المتشدد في التعامل مع من تصفهم بـ " النظم الشريرة والقوة المعادية " ، وهي من أنصار تطبيق نظرية ( الردع الشامل ) باستخدام السلاح ، وبلورة القوة كأداة في حل مشاكل العالم ، ورغم انها عازفة بيانو هاوية ، ومتزحلقة محترفة على الجليد ، إلا أن موضوع دراستها للدكتوراة ، تركز على العلاقة بين المؤسسة العسكرية في الاتحاد السوفيتي قبل انهياره ، والمؤسسة العسكرية في تشيكوسلوفاكيا ، قبل ان تقبل القسمة على دولتين ، وإذا كان نائب الرئيس ( تشيني ) هو وزير الدفاع في حرب الخليج ، وأكثر الأسماء سطوة وسطوعا لما في عالم احتكارات البترول الأمريكية ، وأقرب المقربين إلى عقل بوش الإبن ، حد قوله عنه أن ما يقوله لسانه ـ أي تشيني ـ إنما ينطق عنه أي بوش ، فإنه ـ أيضا ـ أكثر الأمريكيين إيمانا بالرؤية الاستراتيجية لنيكسون ، الذي كان يرى أن الأمم تعلن الحروب ، عندما يحقق ذلك مصالحها ، وأن الدولة العظمى عليها أن تفرض القواعد التي تؤمن بها على العالم أجمع ، و أن فكرة أن تتولى الامم المتحدة الوساطة بين العرب والإسرائيليين هي فكرة مرفوضة ، كما أن بين تشيني ورامسفيلد وزير الدفاع وشائج صلات فكرية قوية ، سواء على مستوى بناء درع مضاد للصواريخ ، بغض النظر عن نتيجة ذلك في العلاقة سواء مع أوربا أو روسيا أو الصين ، ولهذا ـ أيضا ـ عندما أراد بوش أن يمسح جانبا من الإجهاد في العلاقة بين الجمهوريين والديموقراطيين ، أثناء الانتخابات ، باختيار وزير ديموقراطي ، أختار وزير تجارة كلينتون ( نورمان منيتا ) ، ولكنه عينه وزيرا للمواصلات ، وكان أهم ما يميز ( منيتا ) ليس أنه ياباني الأصل ، وإنما أنه رئيس سابق لمجموعة لوكهيد الصناعية العسكرية الكبرى ، لتكتمل ( عسكرة ) الإدارة الأمريكية ، ولتنفتح أبواب جديدة ، لتفسير ما قاله كيسنجر مبكراً : ( لن تكون هناك عولمة اقتصادية ليبرالية دون عسكرة بقيادة واشنطن ، ثم لتنفتح أيضا ، أبواب أوسع للتعاون بين إدارة أمريكية ن تمثل ( نخبة القوة ) في أمريكا ، وبين وزارة تمثل ( نخبة القوة ) في إسرائيل ، يقودها شارون ، ويصنف من بين وجوهها ثمانية عشر وزيرا ـ على أنهم " خبراء في شئون الأمن ) ! .

ـ 5 ـ

كلما طرحت تهديدات الرؤية الأمريكية ، على مستوى الإقليم ، وانعكاساتها على مصر ودورها ورسالتها ، كلما بادر بعض الباحثين ، بتلاوة تصنيف بول كنيدي لمصر ، على أنها ( دولة محورية هامة ) ، كأنه تميمة النجاة ، من أي تهديد أو تنزيل .
والحقيقة انني لم أفهم منذ البداية استحسان بعض الكتاب المصريين لأفكار بول كنيدي عن الدولة المحورية ، وتصنيف مصر في إطارها ، حد هز الاعطاف طربا ، لان مصر ليست دولة محورية ، وفق هذا المفهوم ، ولا يصح أن تسمح لنفسها ـ بإبداء رضاها عن أن تسكن في إطاره أن تفسير ذلك يحتاج إلى تفصيل ـ سبق وأن أسهبت في شرحه ، لكنني سأعمد جاهداً إلى الاختصار .
1. إن أطروحة بول كنيدي التي قدمها مع آخرين إلى مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة تحت عنوان الدولة المحورية كان هدفها تحريض السياسة الخارجية الأمريكية على إعادة تشكيل علاقاتها مع المستويات الإقليمية المختلفة ، من خلال علاقاتها الوثيقة ، مع الدول المحورية في كل إقليم ، وقد حددها على نحو قاطع في : البرازيل والمكسيك في أمريكا الجنوبية ، وتركيا وباكستان والهند واندونيسيا في آسيا ، وجنوب أفريقيا والجزائر ومصر في أفريقيا .
2. اختار بول كنيدي هذه الدول ـ حسب قوله ـ وفقا للمساحة الجغرافية ، وللموقع وإمكانيات التأثير في القضايا العالمية والإقليمية ، ثم وهو الأساس ، العوامل المتعلقة بالاهتمام الأمريكي الأول ، لماذا ؟ لأن نظرية الدولة المحورية كمدخل للسياسة الخارجية الأمريكية لاترتكز جوهريا ، على هذه القاعدة السابقة ، وإنما على أن هذه الدولة المحورية ـ بألفاظ البحث والباحث " يهدد أضطرابها محيطها الإقليمي ، من خلال انتشار العنف والهجرة والتلوث البيئي في المحيط الإقليمي والدولي " .
3. إذا كان هذا مدخل ، يسبق فيه دفع الضرر استجلاب المنفعة فهو لا ينطبق على مصر ، علاوة على أنه يضعها في إطار غير إطارها الصحيح ، بمنظور مكانها ومكانتها ، فمصر لم تكن ولن تكون منجما لنشر العنف والهجرة ، والتلوث البيئي سواء في المحيط الإقليمي أو العالمي ، وما قد ينطبق على غيرها في الإقليم ذاته أو غيره ، لا ينطبق بالضرورة عليها ، فهي في أدنى أوضاعها تاريخيا ، لم تكن مصدر خطر على الإقليم ، بينما كان غيابها ، على العكس من ذلك ، أو تغييبها داخل حدودها ، أو تمدد قوة إقليمية أو دولية أخرى محيطها ، هو مصدر الخطر على الإقليم كله .
4. إذا وضعت مصر والجزائر من دول الشرق الأوسط في إهاب الدولة المحورية ، فأين توضع إسرائيل بالضبط ؟ كذلك إذا وضعت الهند وباكستان واندونيسيا في الإطار نفسه في البيئة الأسيوية المضطربة ، فأين توضع الصين أو اليابان أو روسيا ، ألا يعني ذلك أن الدولة المحورية هي نسق إقليمي آخر غير الدولة الحارسة ، أو ضابط التفاعلات الإقليمية وأنها وفق هذا الفهم دولة ذات وظيفة أقليمية بحكم قوانين الطبيعة وينبغي احتواؤها ، ومنع تأثيرها في صياغة التوازنات الإقليمية ، أي أن الدولة المحورية على هذا النحو مجرد مفهوم عصري ، يحتفظ بجوهر سياسة غرب أوربا البحرية تجاه مصر ، وهو مفهوم يتلخص في عدم السماح بقيام مركز قوة دولي حقيقي في مصر ، وهو بالتالي نقيض سياسة مصر منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر ، والتي كانت في جوهرها محاولة على الجانب الأخر ، لبناء قاعدة قوة في المنطقة تسترد مصر بموجبها ، وظيفتها الحضارية الإقليمية .

ـ 6 ـ

على هذه الخلفية الواسعة المشحونة ، ما الذي يمكن للقمة العربية ان تحققه ، وما هي رؤوس الجسور التي عليها أن تفتحها وأن توسع حدودها ومداها ؟ : .
1. إن إدراك الخطر يقتضي من هذه القمة أن تزيل تناقضات وحساسيات لا ينبغي لها أن تنشأ بين حقوق السيادة لكل دولة عربية ، وما يمكن أن تتنازل عنه طائعة ومختارة لصالح الأمن القومي العربي ولصالح العمل العربي المشترك ، لأنه لن يكون مفيدا لأحد أن تتحول الحاسة القومية ، التي ألهبها الإحساس بالخطر ، إلى حاسة ذاتية تنظر إلى مصلحتها الوطنية من زاوية غير صحيحة ، فتراها في تناقض مع المصلحة القومية العليا ، وإذا نجحت القمة ، وفق هذا الفهم ، أن تنتصر لنفسها على نفسها ـ وأن تنتصر لتناقضها الرئيسي مجتمعة على خصومها ، على تناقضاتها القانونية ، فسوف تكون بذلك قد فتحت أفقاً صحيحاً ، لبناء عمل جماعي قومي صحيح .
2. إذا كانت تلك هي افتتاحية النجاح ، فلابد أن تقود إلى الحلقة الأساسية ، للمهمة وهي ما اتصور أنه ، إعادة بناء أوضاع النظام الإقليمي العربي ، بأبعاده السياسية والاقتصادية والثقافية والأمنية ، أي بمعنى أخر ، التحرك بصيغ محددة لرد الاعتبار لهذا النظام ، ولفلسفته ، ومضمونه ، ومواثيقه باعتبار ان هذا التحرك هو الاتجاه الصحيح في الوقت نفسه للوصول إلى حالة قد تمكن من فرض السلام ، ذلك أن السلام لن يتحقق دون فرض ، ولن يفرض إلا في ظل نظام إقليمي عربي صحيح ، وفوق قاعدة صحيحة من موازين القوى ، وهذا ما يتطلب دون شك ، إعادة دمج العراق في هذا النظام .
3. الانتقال من منهجية السلام بالتجزئة إلى منهجية أخرى تفرض تصور الصفقة السياسية المتكاملة ، وهو ما يتطلب تحقيق عدة أمور :
• مواجهة تلك المحاولات المستميته لتحويل القضية الفلسطينية إلى قضية إسرائيليية داخلية ، بدمجها سياسيا واقتصاديا في الوضع الإقليمي العربي كله ، وهذا لا يعني فقط تقديم الدعم المادي المناسب ، واللازم لصمود الفلسطينيين ، ولكن تقديم مدد سياسي يرفع القضية إلى كل المنابر الدولية والمنظمات الإقليمية ، كما يعني أيضا محاصرة إسرائيل ، سياسيا ، واقتصاديا في انحاء الإقليم ، وسياسيا في دائرة دولية واسعة .
• إعادة توصيف مشروع السلام العربي ، أو السلام المعتمد عربيا في صيغته النهائية بطرح مشروع يتضمن شكل التسوية بأبعادها المختلفة ، عبر كل المسارات ، أو سواء بالنسبة لنزع أسلحة الدمار الشامل من المنطقة ، مع بلورة آلية عربية .للحفاظ على الجوهر الكلي للمشروع ، باعتباره الحد الأدنى المقبول عربيا ومن أطرافه المباشرة .
• وضع قائمة متدرجة بالخيارات العربية البديلة ، في مواجهة الخيارات الإسرائيلية البديلة ، ويمكن في هذا الإطار تصور عدة خيارات متتالية لحكومة شارون ، يحتاج كل منها إلى خيار عربي بديل ، فإذا كان خيار حكومة شارون هو رفض التفاوض إلا بعد إيقاف الانتفاضة ، واستمرار آلة الحرب الإسرائيلية في دورها الراهن ضد الشعب الفلسطيني ، فعلى القمة أن تجيب ما هو الخيار العربي البديل .
وإذا كان خيار حكومة شارون هو التمسك ببرنامجها المعلن ، القدس عاصمة موحدة لإسرائيل ، ولا انسحاب من الجولان ، ولا مساس بالمستوطنات الخ فعل القمة أن تجيب ما هو الخيار العربي البديل .
وإذا كان خيار حكومة شارون هو اللجوء إلى عمليات عسكرية لفرض تصورها أو فرض أوضاع جديدة فوق الأرض ، مثل تفويض السلطة الفلسطينية ودخول المدن الفلسطينية ، أو مثل شن حرب محدودة ضد لبنان ، او توجيه ضربة عسكرية ضد سوريا الخ ، فعلى القمة أن تجيب ما هو الخيار العربي البديل ، في مواجهة كل خيار إسرائيلي بديل .
ودون ذلك ، فسوف تبقى القسمة الأمريكية العادلة :
السلام خيار استراتيجي معلق لنا ، والسلاح خيار استراتيجي معلق لهم ! .

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :