أمن اسرائيل يتطلب إخراج العرب من التاريخ     



بقلم : أحمد عز الدين

دون أن يتفق مذياع عربي مع مذياع عربي آخر ، أو فضائية مع أخرى ، وجدت كلمة النكبة نفسها تجري طليقة على ألسنة العرب جميعا، رغم أنها تعبير صكته الهزيمة في أعقاب حرب عام 1948 ، ولم يعش غير سنوات قليلة ، قبل أن يعاود رقاده في قواميس اللغة .
لماذا ـ إذن ـ بعد أكثر من نصف قرن ، استعادت كلمة النكبة نفسها على ألسنة العرب ، وكأنها نمت كالنباتات الشيطانية التي تشق الأرض على نحو مفاجئ ، وبشكل غزير .
هل يعني ذلك أن ثمة إحساس عربي ، بأننا أقرب إلى حالة ما قبل حرب 1948 ، أو إلى النتائج التي ترتبت عليها ، أو أننا نعود إلى نقطة البداية الأولى ، فوق تخوم الصراع ، لأن إسرائيل نفسها ، تعود إلى لحظة اختلاقها الأولى : حيوان همجي من عصور ما قبل التاريخ ، خارج لتوه من أنقاض حفرية ، قديمة ، بينما لا يشبهه دمامة ودموية ، في العصر الحديث ، سوى ( فرانكشتين ) الذي كان بدوره إبداعا غربياً خالصا .
وأي غرابة في أن تعود إسرائيل إلى كامل همجيتها الحيوانية ، إذا كان ( إيمانويل هايمان ) قد سمع مندهشاً ، وهو يعد كتابه عن الأصولية اليهودية ، أحد طلاب معاهد التلمود في القدس يقرأ عليه الرواية التالية :
قالت رواية الإسرائيلي ، طالب التلمود :
" مرة أخرى شهدت العلاقة بين الرب وشعبه المختار ، حالة من التدهور ، كان سببها أن اليهود قد واصلوا ، التعبير عن تذمرهم من كثرة القوانين والأوامر والنواهي ، وحين أخذ الرب ، يستمع في أعالي السماوات إلى شكاوى اليهود، على الأرض ، من كثرة أوامره ، وقوانينه ، وصلته أصواتهم غاضبة وعالية تقول : أيها الرب ، أختر لك شعباً آخر ، ورد الرب من عليائه عليهم :
لا مانع لدى ، ولكن عليكم أن تعيدوا إلى التوراة التي أنزلتها لكم .
وقبل اليهود شرط الرب ، وأندفعوا من كل أنحاء العالم نحو جبل سيناء ، وهم يحملون كتب التلمود ، وكتب الصلوات ، ولفائف الوصايا ، وهوامش الحاخامات . وهوامش الهوامش ، وحين انتهت عملية جمع الأوراق كلها من كل صوب ، تكوم جبل من الكتب ، وعند ذلك أنفرجت أبواب السماء ، ثم هبط صوت الرب حزينا وهو يقول : ولكنني لم أبعث إليكم أبداً كل هذه الأوراق ! .
وأي غرابة أذن ، في ذلك التفسير الذي صاغه حاخام صهيوني ، ليدفع عن إسرائيل ، جرائم سفك دم الفلسطينيين والعرب ، حيث لم يجد وسيلة لتبرئة إسرائيل من جرائمها ، سوى ان يلحقها بالرب ، قائلا : مادام الإله يحارب مع إسرائيل ، فإنه هو المسئول عن الدماء والمذابح.
ومادام الإله أو " رب الجنود " ـ حسب المفردات الصهيونية ـ هو الذي يوجه صواريخ أرض أرض ، ويطلق المدفعيات الثقيلة ، ويدفع المدرعات لتقسيم جسد الضفة الغربية ، وهدم البيوت واجتثاث أعواد الأطفال النابتة في حقول غزة ، وهو الذي يقود طائرات إف 16 ، ويقذف القنابل من السماء المفتوحة الأبواب على رام الله ونابلس ، ويحبس الصرخات المدماة فزعاً في حلوق الأمهات .
ومادام ( رب الجنود ) الصهيوني ، هو الذي يركب إف 16 ليطارد ظل طفل فلسطيني في حواري " جبالية " وبيت ناهية ، فما السبيل أمامنا لإقناعه بالتوقف عن حربه ، غير السجود المذل أمام فوهات دباباته ، والاستسلام المهين غير المشروط لشروطه ، وطقوس صلاته ، في رعاية رب النفط وصناعة الموت ، في البيت الأبيض .

* * *

لماذا يتزايد سقوط الجنون ، الإسرائيلي كأنه قطع من الليل المظلم فوق رؤوسنا ؟ وهل يعود ذلك إلى جنون شخص واحد إسمه ( شارون ) ؟ .
لا أظن أن الإجابة بالإيجاب ، يمكن أن تتسم بالدقة ، لأن شارون ، الذي تم استدعاؤه من متحف المؤسسة العسكرية الإسرائيلية قد سبقه تجهيز المسرح الداخلي الإسرائيلي ، بل إن هذا المسرح الذي أعيد بناؤه من أجل مرحلة إسرائيلية ، وإقليمية جديدة ، هو الذي أختار شارون ، واستدعاه ، ووضعه على سدة الحكم .
وإذا لم تكن مفردات الحرب صريحة في السياسة الإسرائيلية قبل شارون ، فقد كانت تتنفس حية ، في منهج التفكير الإستراتيجي الإسرائيلي ، وفي توجه إسرائيل التسليحي ، وإذا لم يكن نغير الحرب عالياً في خطاب المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ، قبل شارون فقد كانت تتحرك عملياً ، طوال الوقت استعداد للحرب القادمة ، ومثلما كانت تضع تصوراتها ، مفصلة لمسارح العمليات المستقبلية ، كانت تمارس تدريباتها العملية ، بجدية ودأب ، فوق هذه المسارح .
ليس هدفي الآن هو الدخول في تفاصيل ذلك ، ولكن حسبي أن أشير إلى أن شارون لم يضف جديداً نوعياً ، لا إلى منهج التفكير ، ولا إلى وسائط التنفيذ ، فخطة المائة يوم ، كانت مكتملة في ملفات الجيش الإسرائيلي ، قبل أن يكتمل صعوده إلى موقعه ، وتشكيل وحدات عسكرية إسرائيلية ، للقتال في المدن الفلسطينية ، وفي شوارع القرى بأساليب مختلفة عن الأساليب التقليدية ، للعمل في ميادين القتال الاعتيادية ، كان قد تم الانتهاء منه قبل عام كامل من انتخاب شارون ، بل لقد بلغت الاستعدادات والتدريبات العملية على ميادين القتال الفلسطينية ، حد أن الجيش الإسرائيلي ، قام ببناء مناطق ونماذج منقولة عن خرائط دقيقة ، لأحدث أوضاع القرى والمدن الفلسطينية ، حيث مارست هذه الوحدات العسكرية الإسرائيلية الخاصة ، تدريباتها ، على أساليب القتال التي استخدمتها هناك في المستقبل القريب ، تحت عنوان محدد هو : ( استراتيجية الردع الجارف ) .
وحتى هذا القصف بالصواريخ ، ثم القصف بطائرات أف 16 لمدن نابلس وطولكرم ورام الله ، رغم أنه جاء تطبيقا ميدانياً لخطة عسكرية مسبقة ، هدفها استئصال إرادة الفلسطينيين ، إلا أنه مثل تدريباً ميدانياً لخطة أكبر تقبل التطبيق على مدن أكبر ، في ميدان أخر ، أقول ذلك من واقع الضرب الجوية الإسرائيلية ، التي تداخل معها استخدام الصواريخ أرض / أرض ، فما حاجة إسرائيل ميدانيا التي استخدمت سرباً جوياً ، في عمليات قصفها ، في سماء مفتوحة تخلو من أي دفاعات أرضية أو جوية ، إلى أن تستخدم الصواريخ أرض / أرض بشكل متزامن ؟ هل هي الرغبة في إيجاد فزع أكبر بين الفلسطينيين ، الذين لا يرون الطائرات ، ولا يرون الصواريخ ، وإنما يرون أثارهما فوق الأرض ؟ ! .
الحقيقة أن إسرائيل كانت تمارس تطبيقاً ، لأحد أسس استراتيجية تطوير قواتها الجوية ، لتطوير استخدام الطيران ، بالتنسيق مع استخدام صواريخ أرض / أرض لتحقيق هدفين : عزل ميدان المعركة على جانب والحاق تدمير كامل بالبنية الأساسية للخصم على الجانب الآخر .
وهكذا فإننا كنا نرى عدواناً ينفذ خطة عسكرية مسبقة التجهيز لقصف المدن الفلسطينية ، وكنا نرى في داخلها مشروعا تدريبياً على عدوان قادم ، سوف يأتي زمانه ومكانه ، ولا نستطيع أن نفهم ذلك على نحو صحيح ، إذا لم نفهم أن ما حدث ليس خيار شارون ، لأن شارون نفسه ، هو خيار مرحلة كيفية إسرائيلية جديدة ، هدفاً ، وتوجهاً ، وأسلوبا.

* * *

هل يتساقط الجنون الإسرائيلي ، قطعاً من الليل فوق رؤوسنا ، بسبب هذا الإحساس الغريزي ، العميق ، بالخوف الذي يكتنف الإسرائيليين ، أي بسبب إشكالية الأمن الإسرائيلي ، وإذا كان ذلك صحيحاً ، فهل يعني أن الحل لن يتحقق إلا بتطبيق مفهوم نظرية الأمن الإسرائيلية المعروفة ؟
الحقيقة أن طرح السؤال على هذا النحو ، قد ينطوي على خطأ كبير ، لأننا مانزال في أغلب أدبياتنا ، ووسائل إعلامنا نتحدث عن نظرية أمن إسرائيلية لم تعد قائمة في الواقع ، فلم تعد المفردات القديمة التي صيغت منها نظرية الأمن الإسرائيلي ، مثل الردع أو الحدود الآمنة ، أو نقل المعركة إلى أرض الخصم ، في مكانها القديم من صياغة هذه النظرية ، فقد تحول ـ مثلا ـ مفهوم الردع إلى مفهوم القسر ، وتحولت الحدود الآمنة ، إلى حدود الإقليم كله ، وتغير مبدأ نقل المعركة إلى أرض الخصم ، إلى مبدأ ، بدأ المعركة في أرض الخصم ، وتحول مفهوم الضربة الجوية ، إلى مفهوم الحرب الجوية الطويلة التي يمكن أن تستمر أسابيع ، دون أن تتدخل القوات البرية ، لإن نظرية الأمن الإسرائيلي ذاتها ، قد تحولت من الإرتكاز على أسس مختلفة ، لتحقيق أمن نسبي إلى الارتكاز على قاعدة واحدة هي تحقيق الأمن المطلق .
وهذا التحول يستحق التفاتا من أجل فهم أعمق لطبيعة التآلف بين الحكومة الإسرائيلية الحالية ، وبين إدارة بوش ، ذلك ان التغييرات التي لحقت بمفهوم الأمن ، عند كل منهما ، تكاد أن تكون متماثلة ، فمفهوم الأمن إضافة إلى أنه يتقدم استراتيجية الإدارة الأمريكية ، فإنه أصبح أكثر تعبير عن الانتقال من التوازن النسبي للردع ، إلى الأمن المطلق ، فضلا عن مصادرهما ـ الوزارة الإسرائيلية والإدارة الأمريكية ، في المجتمعين الإسرائيلي والأمريكي ، واحدة ، فأولاهما تمثل ( نخبة القوة ) في إسرائيل ، وثانيهما تمثل ( نخبة القوة ) في الولايات المتحدة .
ماذا بمقدورنا أن نفعل ـ إذن ـ من أجل تهدئة وطمأنه هذا الأمن المطلق ؟
للأسف فإنه يمكن الجزم ، بأنه لا شئ يمكن أن يوفر درجة مقبولة من التهدئة والطمأنة ، لمطلب الأمن المطلق ، لأنه لا يعني فقط ، ألا تتواجد في دائرة الإقليم أية قوة ، تمثل تهديداً في الحاضر ، وإنما ألا تتواجد ، أية قوة يمكن أن تمثل تهديداً في المستقبل ، ثم أن تعبير القوة لا ينصرف إلى القوة بمعناها الاصطلاحي العسكري ، ولا إلى القوة الشاملة في صيغها العامة ، وإنما إلى كل مفردة من مفردات القوة ، ذات صبغة مادية ، أو معنوية ، قد تتعلق على سبيل المثال ، بالصناعة ، أو الاقتصاد ، أو تتصل بالتعليم ، أو الثقافة السياسية السائدة .
ولهذا فإن هذا الأمن المطلق ، لا يتطلب فقط ، إقصاء الحقيقة الفلسطينية ، وإخراجها من الزمان والمكان ، ولكنه يتطلب أيضا ، إخراج العرب من التاريخ ، أي من ذاكرتهم ، وزمانهم لأن الأمن المطلق ، يتطلب خلق تاريخ خاص ، وزمان خاص ، وإقصاء بقية التواريخ والأزمنة .
عندما توصف الصهيونية بالنازية ، فهو ليس وصفاً بلاغياً محضا ، كما يعتقد البعض ، أو أنه يؤسس على النزعة المشتركة للتوسع والاحتلال ، أو على التماثل في أبجديات المدرسة العسكرية ، لأنه كما سعت الصهيونية إلى خلق اسطورة في صحراء تيه التاريخ ، لتبرير جريمة طرد شعب من أرضه ، بإعادة تمثيل الماضي ، بحثت النازية بدورها عن أسطورة غارقة لتبرر بها حروبها التوسعية ، وقد وجد هتلر ضالته في أسطورة قارة أطلنطا المفقودة ، التي اعتبرها أصل العنصر الحرماني ، وبالتالي روح خصوصيته وإمتيازه وتفرده ، وإذا لم تكن استعادة وهم اطلنطا من أعماق المحيط ممكنة ، فمن الممكن إحياء حضارتها القديمة ، التي ينبغي أن تتسع لامبراطورية جرمانية تحكم العالم ، لتعيد بنائه على شاكلة حضارتها ، التي لا يمكن أن تزدهر إلا في ظل أمن مطلق ، وهكذا ـ أيضا ـ فإن الصهيونية لا يمكن لها أن تزدهر ، وأن تعيد ، تمثيل الماضي وتنفي التاريخ ، وتبيد الفلسطينيين ، وتعيد إحياء صهيون ، إلا في ظل هذا الزمن المطلق .

* * *

هل يتساقط هذا الجنون الإسرائيلي ، كأنه قطعاً من الليل فوق رؤوسنا ، لأنه يجد محفزات في الموقف الأمريكي خاصة ، والغربي عامة ، دون أن تتوافر على المستوى الدولي كله ، كوابح ، تمنعه من التحقق ؟ .
عندما كان محمود عباس في الولايات المتحدة قبل أيام ، فوجئ بكولن باول ، يقول له : إن الرئيس بوش قد أحال تقييم دور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ، إلى مجموعة رئاسية من السياسيين والعسكريين الأمريكيين ، وأن هذه المجموعة صاغت رؤيتها في تقرير ، وأن التقرير قد وضع بين يدي بوش منذ شهر ، وأنه سوف يفرغ من قراءة التقرير ، وتقييم التقييم قريباً ، وفي أنتظار أن يفرغ بوش من القراءة والتقييم ، أو يفرغ شارون في الأصح من تنفيذ خطة المائة يوم ، فإن المطلوب أمريكيا ، مازال على حاله :
أن يتم إيقاف العنف ، وأن يبتلع الفلسطينييون مطالبهم ، باستحقاقات سابقة التوقيع ، وأن يبتلعوا حقوقهم المشروع ، أو المٌشرعة كالسيوف ، أي أن يمارسوا انتحارا جماعياً ، على الطريقة اليابانية .
وعندما أنفجرت الشهادة الفلسطينية في ناتانيا ، لم يكتف " بوش " بطلب " باول " ، أن ينتحر الفلسطينيون وإنما قدم دعوة انتحار مماثلة إلى كافة القادة العرب ، بان طلب منهم أن يدينوا علنا العنف الفلسطيني ! .
والحقيقة أن هناك توافقا أمريكيا إسرائيليا ، في إطار توافق استراتيجي أوسع ، تعبر عنه حالة تقسيم وظيفي واضحة بين أمريكا وإسرائيل ، هدفها تنزيل القضية الفلسطينية من كونها قضية قومية عربية ، وإقليمية ودولية إلى اعتبارها قضية إسرائيلية داخلية ، وذلك كما قلت مسبقاً ـ بفرض حلقتين من حصار القوة حولها : .
• حلقة حصار وتدمير عسكري واقتصادي مباشر ، تتكفل بها آلة الحرب الإسرائيلية .
• حلقة حصار سياسي أكثر اتساعا ، تتكفل بها أدوات الديبلوماسية الأمريكية .
وإذا كانت آلة الحرب الإسرائيلية ، عليها أن تتكفل باستخدام كل أسلحة القمع والدمار ، بإطفاء جذوة الانتفاضة المشتعلة ، فإن أدوات الديبلوماسية الأمريكية ، عليها أن تتكفل بمنع ومصادرة آية إمدادات ، تعين هذه الجذوة على أن تظل محتفظة بتأججها ، ولقد صبت الإدارة الأمريكية خلال حيز زمني ضيق ، جهوداً هائلة ، لدفع القضية الفلسطينية فوق هذا المنحدر ، أي تنزيلها إلى قضية إسرائيلية داخلية ، في الوقت الذي منحت القوة الإسرائيلية ، مشروعية استخدام كل ترسانة أسلحتها ، لإطفاء جذوة الانتفاضة ، ثم أضفت على جرائمها حصانة في مجلس الأمن ، وحتى بعد أن أقدمت إسرائيل على استخدام سرب من طائرات اف16 لهدم المدن الفلسطينية على رؤوس سكانها الآمنين ، فإن الولايات المتحدة ، ظلت تعيد في كل اتصالاتها الدولية والإقليمية ، تأكيدات على تبنيها ، ليس فقط أولوية موضوع الأمن من وجهة نظر إسرائيل ، بل على قبولها لتوصيف إسرائيل لهذا الأمن ، وبالتالي فقد ظل وقف العنف عندها سابق على أية خطوات سياسية أو ديبلوماسية ، دون أن يؤرق ضميرها على أي نحو ، فيض الدم الفلسطيني الذبيح .
وإذا لم يكن هذا هو مجال الدخول في أفق الاستراتيجية الأمريكية الاسرائيلية المشتركة في الشرق الأوسط ، فقد يكون من المهم التأكيد على أن الولايات المتحدة ، تريد على وجه التحديد استئصال خيار المقاومة ، في عموم الإقليم بشكل نهائي ، أو قل بتحديد أدق ، تصفية ما تبقى من " إرادة القتال " ، في قلوب وعقول العرب ، لكي يتمدد مفهوم الأمن الإسرائيلي المطلق دون حواجز ، ودون حدود .
لقد كان في ثنايا بعض ما قدمه ( جورج تنت ) رئيس المخابرات المركزية الأمريكية ، أمام الكونجرس في الأسبوع الأول من شهر فبراير الماضي ، حول التهديدات عالمية الاتساع ضد الأمن القومي الأمريكي ، شريحة عرضية للمجتمع العربي ، رأى فيها مواطنين عاديين في عدة أماكن من العالم العربي ، يبدون في صورة من الهياج الزائد ، فهناك " جمهور قلق يصعب أحتواؤه ، ليس له قيادة معروفة ، ولا هيكلاً تنظيمياً واضحاً ، ويبدو أن جانبا من مهمة إسرائيل الإقليمية الجديدة ، هو احتواء هذا الجمهور أو تفريغه بأساليب بعضها ، سيكون عسكريا ومؤلماً .
يمكن أن يضاف إلى ذلك أن الموقف الأوربي في عمومه لم يكن بعيدا عن الهدف السابق نفسه ، فقد بدا أن هذا الغرب ، إنما يستند إلى خبرة حاسته الاستعمارية التاريخية ، التي لا تريد المنطقة سوى مجموعة أسواق تابعة مفتوحة ، والذين قٌدر لهم أن يقرأوا أو يتصنتوا على ما جاء في أوراق الخبراء الغربيين ، الذين شاركوا مؤخراً في مؤتمر الدفاع الخليجي الذي عقد على هامش معرض ( إيدكس ) في أبو ظبي ، قد انتابتهم دهشة خانقة ، فسواء أكانت الأفكار التي قدمت تنتسب إلى ( مايكل جريدون ) قائد القوات الجوية البريطانية الأسبق ، أو إلى خبراء غربيين ، مثل جوزيف مونبهان ، أو نيل باتريك ، أو غيرهم ، فإن الرؤية الاستراتيجية التي طٌلب من دول الخليج العربي أن تتبناها ، والتي وضع جريدون نفسه عنوانا جاذباً هو : ( حمل عصا كبيرة والتحرك بنعومة ) ، بدأت عناصرها بالضغط لاستبعاد إسرائيل من دائرة الصراع في الخليج ، لأنه لا خوف من إسرائيل على الخليج ، وانتهت بضرورة قبول قوات صديقة قوية ووحيدة في المنطقة ، مروراً بتمتين العلاقات التجارية مع أوربا ، واختلاق مخاطر على شاكلة ، احتمال قيام إيران بمساعدة قوات خارجية بهجوم نووي على أي مكان بالمنطقة ، الأمر الذي يتطلب الدخول في منظومة دفاع صاروخية غربية .

* * *

ما هو المطلوب منا الآن ؟
أولا : أن علينا أن ننظر بقدر أكبر من العمق إلى طبيعة المخاطر والتحولات الجديدة في أوضاع الإقليم ، وإلى نتائجها على المستوى الوطني والقومي ، فالنتائج المباشرة ليست مجرد تفكيك السلطة الفلسطينية ، وتدمير بنيتها ، أو استئصال إرادة المقاومة من الشعب الفلسطيني ، أو إنهاء السلام الذي أكدت منذ مايو في العام الماضي في هذا المكان أنه قد سقط استراتيجياً ، وإنما تأجيج صراع مفتوح في المنطقة ، ومده بكل أسباب الحريق والانتشار .
إن ما يحدث في ميادين المواجهة ، وما يتخلق في العمق العربي ، لم يكن معزولا ، حتى عندما كانت ميادين القتال معزولة ، فنكبة 1948 ، على سبيل المثال ـ لم تهز قواعد الأنظمة العربية ، ولم تنجب زلازل اجتماعية وسياسية فحسب ، بل أن تأثيرها امتد حتى وصل إلى الشعر العربي ، فحطم قوانين تفعيلته البنائية ، وموسيقاه التقليدية ، فما بالنا هذه المرة ، وميادين العدوان مفتوحة ، والأنقاض تملأ العيون ، وبقع الدم والشظايا ، تتطاير من شاشات التليفزيون ، لتسقط في أطباق الطعام .
إن منحنى الضغوط بالغ الشدة في هذا الوضع الإقليمي ، في لحظات مشبعة بالتحول والتغير ، من تحول في أوضاع إسرائيل ، إلى تحول في أوضاع الإقليم ، وفي أوضاع العالم ن تقود إلى سلسلة متصلة من التناقضات ، التي ستبحث بالقوة الجبرية عن صيغ توازن ، من أنظمة محاصرة بجماهيرها ، إلى جماهير محاصرة بأنظمتها ، إلى أنظمة وجماهير محاصرة ، بحالة إقليمية جديدة ، لم تكن تتوقعها ، ولا تنتظرها ، فضلا عن أنها لم تحسب احتمالاتها وتفاعلاتها بالدرجة المطلوبة من الدقة .
إن تشبعاً بالعنف يصل إلى مداه ، ويتم اختزانة طبقات كثيفة تحت طبقات جلد الفلسطينيين والعرب ، ولا أحد يستطيع أن يحدد بشكل قاطع ، حجم الأسماك المفترسة التي لابد وأن تتوالد وتنمو في بركة الدم الفلسطيني ، وعلى حوافها العربية هنا وهناك ، ولا أحد يستطيع أن يحدد ، على سبيل اليقين ، متى وكيف يمكن لطاقة العنف المختزنة تحت جلود الناس ، تحت تأثير مشاهد العنف الإسرائيلي ، والإحساس معها بالهوان ، أن تترجم نفسها ، إلى حركة وفعل ، وعلى أي وجه وشكل .
ثم أنه إذا اقتنع العرب ، أو بعضهم ، في قواعدهم الشعبية ، أنهم يواجهون قوة عسكرية لا يقدرون على مواجهتها ، وأنظمة لا تستطيع أن تجمع شملها وإرادتها ، لتدير مبارزة استراتيجية ومصيرية مفروضة عليها ، ومعادلات توازن لا تستطيع أن تدفع تكلفة تصحيح الخلل فيها ، فماذا يبقى لهم ، غير أن تنطلق في صفوهم جيوش من العفاريت يطلبون منها ، ومعها الحل والحماية ، فيما وراء الطبيعة ليتم خلخلة الفضاء السياسي والفكري والاجتماعي ، أمام استقواء عقل سلفي ، بمركبات الضعف التي تحيط به ، ليضخ تيارا سلفيا ، يرغب أن يصعد على أكتافه إلى مواقع التأثير والحكم .
ثانيا : بهذا الفهم فإن أكثر الفجوات خطر في هذا التوقيت ، هي الفجوات التي يمكن أن تنشأ بين الجديد الذي يتخلف في قلب المجتمع ، وما يظل على ثباته وقدمه في أساليب ومناهج العمل السياسي ، وفي أساليب ومناهج العمل الإعلامي ، وتلك مساحة جديرة بتأمل أعمق ، إذا أريد للجبهات الداخلية ، أن تظل آمنة ، وللتفاعلات أن تكون محسوبة ومرشدة ، وبغير ذلك فإن التهديدات ستكون متنامية ، والفيضانات جارفة :
• إن أقل ما يمكن أن نفعله الآن وعلى وجه السرعة هو ـ أولاً ـ قدر واضح من التصعيد المحسوب ، ليس على المستوى الديبلوماسي فحسب ، وإنما على مستوى تنظيم تعاون وثيق بين المستوى الديبلوماسي ، وقنوات منظومة القوة في الدولة ، على أن يصعد هذا التصعيد المحسوب سلالم متوالية ، بمرور الوقت ، وزيادة الضغوط .
• وأقل ما يمكن أن نفعله الآن وعلى وجه السرعة وهو ـ ثانيا ـ مراجعة للعلاقات الثنائية مع إسرائيل ، وتقليص هذه العلاقات ، على أساس واضح من تقليل القبول ، مؤسسيا بها ، وبما يتناسب مع الرفض الشعبي لها .
• وأقل ما يمكن أن نفعله الآن ، وعلى وجه السرعة ، هو ـ ثالثا ـ مراجعة أنشطة أولئك الذين أخذونا في طريق وهم فاسد ، إسمه كوبنهاجن ، وأسمه جمعية السلام وتصفية أوضاع نفوذهم ، التي صعدوا على أكتافها إلى مواقع التأثير سياسيا وإعلامياً .
• وأقل ما يمكن أن نفعله الآن وعلى وجه السرعة هو ـ رابعاً ـ مراجعة تلك السياسة الإعلامية لصحف ومطبوعات وشاشات ، محسوبة على الدولة المصرية ، بينما يضع القائمون عليها ، مصالحهم وفهمهم وسلوكهم ، في تناقض صريح مع مصالح الأمن القومي للدولة المصرية .

وبعد
لقد أوصلتنا الٌملاينة الشديدة باسم الحكمة ـ بعد ثمانية أشهر من قمع منظم للانتفاضة ، ومن تحول كيفي في الموقف الإسرائيلي ، إلى ما نحن فيه ، من استهانة أمريكية وإسرائيلية ، واضحة ، بالدور الإقليمي لمصر ، وبمسؤليتها في قلب الإقليم ، وعلى رأس النظام الإقليمي العربي .
إن المطلوب على وجه السرعة تصعيد ا مصرياً محسوبا ، يثبت للجميع ، أم مصر ما تزال في قلب موقعها ودورها ورسالتها ، تمتلك الرؤية العميقة والفعل الجسور ! .



 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :