رأس جسر شارون الجديد : القتال قد يكون هناك ، لكن الحرب ستجري هنا ..!     



بقلم : أحمد عز الدين

لا أجد تفسيرا ، لتلك الحالة الإسرائيلية ، التي حولت ظهور الإسرائيليين إلى جسور ، صعد عليها شارون ، بدبابته المتهالكة ، إلى رئاسة الوزارة الإسرائيلية ، سوى في أنها تعبير عن أزمة ، ولا أجد توصيفا لهذه الأزمة الإسرائيلية ، سوى في أنها أزمة معنى ، ثم أنني لا أجد شرحا أكثر تبسيطا لمعنى " أزمة المعنى " من هذه القصيدة التي كتبها الشاعر الألماني الكبير " بروتولد برخت " وأسماها " البغي ايقيلين رو " وملخص القصيدة أن السيدة ايفيلين ، أدركت روحها قشعريرة النهاية ، فقررت أن تتطهر من آثامها ، بالذهاب إلى قبر المسيح ، وحين توجهت إلى أقرب ميناء ، عرضت نفسها على أقرب سفينة ، وقدمت جسدها ، ثمنا لتذكرة الرحلة إلى قبر المسيح ، وعلى خشب السفينة البار المبتل ، حصد جميع البحارة ، ما تبقى من زهو الحياة في جسد ايفيلين وهي تهتف ، من أجلك يا يسوع ، وحين فاضت روحها ، وألقوا بجسدها في البحر ، صعدت روحها إلى السماء ، وتوجهت إلى الجنة ، لكن حارس الجنة منعها من الدخول ، ثم توجهت إلى النار ، ولكن حارس النار منعها بدوره من الدخول ، وهكذا ظلت روحها شريدة في الفضاء إلى الأبد ، معلقة بين السماء والأرض ، وبين الجنة والنار .

****

هل أريد أن أقول على هذا النحو ، أن أزمة المعنى في إسرائيل ، مصدرها أنها لا تقدر على أن تعيش في النار ، أي في حرب دائمة ، بحسابات التكلفة ، ولا تقدر على أن تعيش في الجنة ، أي في سلام دائم ، بحسابات مكونات بنيتها ، وأنها ستظل إلى الأبد ، تراوح بين الجنة والنار ، أو بين الحرب والسلام ، أم أن أزمة المعنى في إسرائيل ، مصدرها أنها تعيش على الأرض ، وترفض أن تكون كائنا أرضيا ، تنطبق عليه قوانين البشرية ، وأنها لا تعيش في السماء ، وتصر على أنها كائن سماوي ، لا تنطبق عليه سوى القوانين الإلهية ، التي تنسبها بنفسها إلى الحرب ، أم أن لأزمة المعنى وجوها أخرى ، تتصل – مثلا – بأنها تعيش في الشرق الأوسط ، ولا تريد أن تنتمي إليه ، فهي تصر على أنها الشمال في الجنوب ، والغرب في الشرق ، والاستثناء في القاعدة ، والجيتو المنغلق في المحيط المفتوح .

إن كل ذلك قد يكون صحيحا ، فأزمة المعنى ، قديمة قدم إسرائيل نفسها ، بل قدم الصهيونية قبلها ، فعندما جلس قادة المنظمات الصهيونية عام 1948 ، ليتفقوا على الأساس الذي تقوم عليه الدولة ، لم يجدوا حلا لاحتدام الخلاف بينهم ، غير أن يلحقوا أساس الدولة الوليدة ، بتعبير محدد هو " صخرة إسرائيل " ليصبح لمن يشاء منهم ، أن يفسره بما يشاء ، سواء كانت مرجعية الدولة عنده هي الله ، أو كانت التراث اليهودي ، أو التوسع والأمن .

لكن أوضح أسباب أزمة المعنى في إسرائيل الآن ، كما أعتقد ، هو ذلك اليقين الذي تسرب في الروح الإسرائيلية ، بأنها لا تستطيع أن تفرض إرادتها كاملة لا على الفلسطينيين ، ولا على الشرق الأوسط ، بينما يصر عقلها التاريخي على رفض القبول بهذا اليقين ، فهي لا تستطيع أن تتحمل ثمن قبولها ، ولا تستطيع أن تفي بشروط رفضها ، ولهذا فإن صعود شارون إلى قمة السلطة ، بإرادة أغلبية الإسرائيليين ، ليس تعبيرا عن مشكلة حالة جديدة في إسرائيل ، ولكنه تعبير عن مشكلة مستعصية تجدد نفسها ، تحت اسم ثابت هو إسرائيل .

***

مع ذلك فإننا للأسف الشديد ، نواجه بتقديرات وتفسيرات إعلامية غالبة ، لا تعين على فهم صحيح لما حدث في إسرائيل ، ولا على تفسير صحيح ، ولا تقود بالتالي إلى استبصار نتائجه ومخاطره المحدقة بالأمن القومي والإقليمي ، قبل الحقوق الفلسطينية ، وكأنه مقابل أن يطمئن المجتمع الإسرائيلي نفسه ، بأن يضع شارون رأسا له ، فإن على المجتمع العربي ، أن يطمئن نفسه ، بأن يرى رأس إسرائيل ، مجرد قناع مستعار من الجبس ، مؤقت وعابر ، ولا ينبغي أن يخيف أحدا .

• من بين أهم التقديرات الإعلامية المضللة ، تلك التي تحاول أن توزع قناعة زائفة ، بأن الليكود يستطيع أكثر من حزب العمل ، أن يتحمل إنجاز مصالحة تاريخية في المنطقة ، لأن الليكود بقيادة مناحم بيجين ، هو الذي أنجز مع مصر اتفاقية كامب دافيد ، ولهذا فإن مصادرة إمكانية الوصول إلى تسوية سياسية ، من خلال حكومة يقودها الليكود ، حتى لو كان على رأسها شارون ، لا يستند إلى حقيقة قدرات الليكود ، وتأثيره داخل الأوساط اليمينية الإسرائيلية ، ودفعها إلى طريق السلام ، مثلما فعل بيجين ، أو كما يرد كورس السلام ، برتابة إسرائيلية : " إن العمل ينجرف وراء الليكود في السلام ، والليكود ينجرف وراء العمل في الحرب " .

ومثل هذه التقديرات لا تعمد إلى الخلط بين حالتين غير متماثلتين فقط ، ولا تنزع ركاما ثقيلا من المتغيرات لتفسر اللحظة الحاضرة ، بلحظة ماضية فحسب ، ولكنها تعجز عن الإمساك بالعنصر الأكثر ثباتا ، وأبعد مدى ، عن الخارطة السياسية والاجتماعية الإسرائيلية ، وهي تحرك البناء السياسي والاجتماعي الإسرائيلي بخطى ثابتة ، نحو مواقع أكثر يمينية وعنصرية ، أو نحو صهيونية جديدة ، أظن أن إسرائيليا مخلصا هو " أباإيبان " كان أول من تنبه إليها ، وحذر منها ، وقدر أنها ستدفع إسرائيل إلى حتفها .

• ومن بين أهم تلك التقديرات الإعلامية المضللة ، تلك التي تسعى إلى تخفيض درجة الإحساس العربي بالخطر ، تجاه ما يمثله صعود شارون ، وحسبما كتب أحد رؤساء تحرير الصحف المصرية فإن : "مجئ شارون إلى منصب رئاسة الوزراء في إسرائيل ، لا ينطوي على خطر غير مسبوق و مجئ شارون ليس فيه ما هو غير مألوف " .

وحسبما كتب رئيس تحرير آخر ، فإن شارون مجرد حاكم عابر في ظروف عابرة ، أو حسبما كتب ثالث فإن مجئ شارون ينبغي ألا يخيفنا ، لأنه كسابقه ولاحقه من حيث الجوهر .

والمدهش – أولا – أن أكثر الذين فتحو شرفة للأمل في معسكر السلام في إسرائيل ، وروجوا لنظرية الحمائم والصقور ، هم الأعلى صوتا في محاولة إقناعنا ، بأن الوجوه واحدة ، والتوجه واحد ، وأنه لا جديد تحت شمس إسرائيل .

والمدهش – ثانيا – أن أولئك الذين يريدون بث الطمأنة فينا ، بالتأكيد على أن شارون سيكون مقيدا بعوامل دولية ، تستهدف التهدئة ، يتحركون عمليا ضد عملية تقييد شارون ، التي تتطلب إقناع العوامل الدولية ، بمدى المخاطر التي يمثلها وصوله إلى الحكم ، وانعكاساتها أفقيا فوق ساحات الإقليم ، أي أنهم يساهمون في تحرير شارون .

والمدهش – ثالثا- أن هذه الرؤية كلها تخفيض للإحساس العربي بالخطر ، أو ترويجا للعوامل الدولية ، التي ستعمد إلى تقييد شارون ، تبدو عاجزة عن أن تمسك بالعناصر الجديدة ، فوق الخريطة الدولية ، سواء في استراتيجية الإدارة الأمريكية الجديدة ، وفي انعكاساتها المباشرة على تقييد أوروبا ، لا تقييد شارون ، ودون الدخول في تفاصيل لا يسعها هذا الحيز ، فإن الإدارة الأمريكية الجديدة ، والحكومة الإسرائيلية الجديدة ، تبدوان لي أكثر توافقا ، سواء من حيث مصادرهما في المجتمع الأمريكي والإسرائيلي ، فإحداهما تمثل نخبة القوة في الولايات المتحدة ، والثانية تمثل نخبة القوة في إسرائيل ، أو سواء من حيث وضع كل منها لمفهوم الأمن كأولوية في صياغة إستراتيجيته ، بل أن التغيرات التي تلحق بمفهوم الأمن عند الطرفين تكاد أن تكون متقاربة ، فمفهوم الأمن في استراتيجية الإدارة الأمريكية الجديدة ، أكثر تعبيرا عن الانتقال من التوازن النسبي للردع ، إلى الأمن المطلق ، وفي ضوء ذلك ينبغي فهم تصريح بوش الابن المدوي : ( أمن إسرائيل هو أساس عملية التسوية ) .

***

المشكلة في أن أولئك الذين جاهدوا ، لإقناعنا أن حزب العمل غير الليكود ، وأن اليسار الإسرائيلي غير اليمين ، وأن جماعات السلام ، مارقة على الأيديولوجية الصهيونية ، هم أنفسهم الذين يريدون أن يقنعونا الآن ، أن شارون لا يختلف عن باراك ، وأن باراك لا يختلف عن رابين ، وكأننا سنقيم السلام ، مع شخص رئيس وزراء إسرائيل ، لا مع شعب إسرائيل ، أو سنقيمه مع بعض الذين يقيمون في إسرائيل مثل عرب 48 أو حزب ميريتس ، مثلا ، وليس مع المجتمع الإسرائيلي ، الذي قال بأغلبية واضحة : لا نريد السلام .

ثم إن تعليق السلام كله ، على أن شارون هو رئيس وزراء عابر في ظروف عابرة ، يعني أن المهمة الأساسية التي ينبغي أن نلقيها على عاتقنا هي – على حد تعبير كبير المفاوضين الفلسطينيين – أن نجعل شارون فترة انتقالية ، أو كما كتب غيره يقول : " لن يمر وقت طويل حتى نجد انتخابات جديدة في إسرائيل ، ويأتي شريك إسرائيلي يدرك تماما ، فشل المراهنة على خيار شارون ، ويقبل بالسلام العادل " ، أو على شاكلة تلك الكتابات التي ما تزال تعيش في عقلية كوبنهاجن ، وترى أن مهمة القيادة الفلسطينية ، هي " التأثير على المجتمع الإسرائيلي ، بما يساعد على بلورة أوضاع مواتية لصعود قوى الاعتدال إلى الحكم " وهكذا فإن علينا إما أن نجلس على محطة الوقت في انتظار وصول " جودو " الإسرائيلي ، الذي سيمنحنا سلاما عادلا ، وإما أن نناضل لنجعل شارون فترة انتقالية ، أي أن مهمتنا أن نغير في إسرائيل ، لا أن نغير في أنفسنا ، وهي ذاتها الفكرة العقيمة التي أنجبت جماعة كوبنهاجن ، تحت تصور تغيير إسرائيل بتقوية مركز الحمائم فيها ، أو وجود إمكانية للعب في الطبق السياسي الإسرائيلي ، وهي محاولة سرعان ما ارتدت إلينا ، تأثيرا إسرائيليا عابثا يلعب في بعض صحفنا ومراكز أبحاثنا الإستراتيجية .

ومن خلال المنهج نفسه يوضع شارون بين خيارين ، إما أن يشكل حكومة من الأحزاب الدينية المتطرفة ، تجئ هشة ولا تدوم ، وإما أن يشكل حكومة وحدة وطنية ، رغم ثباتها فإنها ستكون أكثر قدرة على تقييد خطى شارون .

وقد يكون شارون وفق الخيار الأول ، رئيس وزراء عابر ، ولكنه لا يعبر في حالة إسرائيلية عابرة ، وقد تكون وزارته بالغة الهشاشة ، وتفتح الباب أمام انتخابات إسرائيلية جديدة ، ومن الممكن أيضا ألا يكون شارون هو رئيس هذه الحكومة القادمة ، لكن الأغلب في هذه الحالة ، أننا سنواجه نتنياهو من جديد ، أما تصور أن شارون سيكون مقيدا بثلاثة وزراء من حزب العمل ، أو سيكون مقيدا بموقف أوروبي من مصلحته ، أن يلعب دورا في صياغة أوضاع المنطقة ، أو بموقف أمريكي تعنيه التهدئة من أجل البترول ، فإنه تصور ليس أقل عقما ، من الرهان عليه .

إن سلسلة طويلة من الرهانات الخاسرة ، قد آن لها أن تنتهي ، من الرهان على تقييد شارون ، إلى الرهان على تغيير إسرائيل ، إلى الرهان على موقف أوروبي فاعل ، أو موقف أمريكي عادل ، فكل الرهانات قد باءت بالفشل ، لأن مشروع السلم قد سقط استراتيجيا بالفعل ، ولم يبق غير رهان واحد بين أيدينا ، هو رهاننا على أنفسنا ، وعلى قوتنا وعلى قدراتنا ، فم تعد مهمتنا الممكنة أن نغير في إسرائيل ، أو في أمريكا ، أو في أوروبا ، وإنما أن نغير في أنفسنا .

***

وحتى في حدود هذه الصور الشخصية التي توزع إعلاميا لشارون ، فإنها لا تركز إلا على بعد واحد صحيح من ملامحه ، فهو الجنرال الآفاق ، المغامر الذي يعشق السباحة في برك الدم ، قاتل الأسرى والجرحى ، ماكينة الدمار المنفلتة من الضوابط والقيود ، كل ذلك مؤكد وصحيح ، لكن غير المؤكد وغير الصحيح ، ما قاله شامير عنه ، احتفاءا بنجاحه ، من أنه أفضل عقلية عسكرية في تاريخ الجيش الإسرائيلي ، لأن كل أعماله العسكرية ، من عملية اقتحام بيروت إلى عملية ثغرة الدفرسوار ، لا تمثل ابتكارا عسكريا ، بقدر ما تمثل مغامرة غير محسوبة على جانب ، ونقلا نمطيا عن العقيدة العسكرية النازية على الجانب الآخر ، وقد برهنت على ذلك في دراسة موسعة عن ثغرة الدفرسوار لا يراد لها أن ترى النور .
لكن ذلك كله لا يعني إلا أمرين :

الأول : أنه لا يمتلك إلا سكينا للذبح ، وليس لديه رؤية استراتيجية أوسع مدى من حدود إسرائيل .
الثاني : أنه لا ينتسب بشكل كامل وعضوي إلى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ، وأدبياتها ، وعقيدتها القتالية ، وثقافتها الإستراتيجية .

على الجانب الأول ، فإن الدراسة الشهيرة التي كتبها " عاموس لينان " تحت عنوان " رحلة في أعماق عقل شارون " قد تعد أفضل تلخيص لرؤيته الإستراتيجية ، وهو القائل على لسانه : " .. إن إسرائيل طورت أحد أنجح الجيوش الهجومية في العالم ، فجيش الدفاع الإسرائيلي من بين أكثر آلات الحرب قوة في العالم ، أوليس من الهدر أن نستخدم هذه الثروة الغالية ، من أجل القيام من وقت لآخر ، بعمليات تأديبية صغيرة ، إن هذا شئ مضحك ، يشبه استغلال بئر نفطية من أجل إشعال سيجارة ، لماذا لا نستخدم جيش الدفاع في أرجاء الشرق الأوسط ، الذي لا يعدو كونه منطقة خواء سياسي كبيرة واحدة ، منطقة مباحة ليس فيها أية قوة حقيقية ، عند ذلك ستصبح إسرائيل عاصمة حلف الأطلنطي ، لأن تل أبيب ستكون الحليف الوحيد للولايات المتحدة ، التي ستقود ذلك النمر الناهض بفضل مساعدتها على الوقوف على أرجله الأربع " .

أما على الجانب الثاني ، وإذا وظفنا تعريف مفكر استراتيجي بارز هو " جيران شاليان " للثقافة الإستراتيجية لشعب من الشعوب بأنها " التعبير في زمن معين عن الذاكرة العسكرية " فإن الذاكرة العسكرية الإسرائيلية ، لا تشكل طبيعة الفكر الإستراتيجي لشارون وحده ، وإنما تشكل طبيعة هذا الفكر الاستراتيجي والذي يحتل عقل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية كلها .

إن الثقافة العسكرية الإسرائيلية ، قد حددت نفسها – مثلا – بقوالب ذاكرتها العسكرية ، في القرنين الثامن والتاسع عشر ، حيث لم يصادف الأمريكيون ، خصما لقدراتهم العسكرية ، لا الهنود الحمر ، ولا الكنديين ، ولا المكسيكيين ، وبهذا فإنهم أمنوا بأن يكسبوا معاركهم بنصر مطلق من حربهم ضد أسبانيا 1889 إلى الحرب العالمية الأولى 1917 إلى الحرب العالمية الثانية 1942 ، ولهذا أيضا ، خانتهم ثقافتهم العسكرية في حربي كوريا وفيتنام ، حينما واجهوا أوضاعا مختلفة عن تلك التي شكلت طبيعة فكرهم الإستراتيجي .

وفي ضوء ذلك فإن المعتقدات الإسرائيلية التي شكلت طبيعة الفكر الإستراتيجي الإسرائيلي ، في مفهوم نخبة القوة الإسرائيلية ، هي نفسها المعتقدات الأساسية التي تشكل طبيعة التفكير الإستراتيجي في عقل شارون ، وهذه المبادئ التي تنتسب إلى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ، الحاكم الحقيقي والفعلي لإسرائيل ، والتي ستمثل محددات خيارات شارون وسلوكه في الفترة القادمة ، هي مستخلصة من الدراسة القيمة للدكتورة إيمان حمدي على النحو التالي :

• الأسبقية للردع على الإقناع
• الأولوية للقوة على الحوار
• الأفضلية للتشدد على المرونة
• الفاعلية للسلوك العملي ، لا للسياسة الدولية
• الأهمية في الأمن للأوضاع فوق الأرض ، وللقدرة على الدفاع عنها ، لا للضمانات الدولية .

***

إن إسرائيل في النهاية لم تختر شارون دفعا للملل ، ولم تمنحه أصواتها ، قرفا من باراك ، لكنها اختارته لأسباب أعمق ، تستوجب فهما أدق :

1. لقد كتبت في السابق ، ما أبدو مضطرا لأن أعيده بالحرف الواحد :

" ينبغي أن يكون واضحا لأولئك الذين تصوروا أن الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان ، هو ثمرة مؤكدة للمقاومة اللبنانية الباسلة ، هو إجراء مستقل من جانب إسرائيل عن مجمل إعادة عملية بناء خريطة استراتيجية جديدة للمنطقة ، أن عليهم أن يراجعوا عدة نقاط ، تبدأ بتوظيف إسرائيل للانسحاب وفقا لقرار الأمم المتحدة 425 بغية إضفاء المشروعية الدولية الكاملة عليها ، وقد حصدت هذا المسعى فعليا بعد ساعات من انسحابها ، بموافقة الأمم المتحدة على اعتبارها عضوا في المجموعة الأوروبية بعد ظلت خارج سقف كل المجموعات الجغرافية بها طوال خمسين عاما ، وعليهم أن يراجعوا كذلك ، انعكاس ذلك على الحالة الإسرائيلية الداخلية ، وعلى الجمهور الإسرائيلي ، الذي أصبح على حد تعبير " زئيف تشيف " لا يتطلب الآن إلحاحا للانسحاب من الجولان ، لا من طبريا ومياهها ، وعليهم أن يراجعوا كذلك استعداد إسرائيل لاستخدام ما أطلق عليه " رون بن بشاي " استراتيجية الردع الجارف ، إذا ما حدثت مواجهات في غزة و الضفة الغربية .

2. وقد أضفت في التوقيت نفسه ، ثلاثة أمور ينبغي التنبه إليها :

• أننا بصدد مفصل تحول في أوضاع الإقليم عنوانه الصحيح هو : انقلاب استراتيجي كامل ، يجري إنضاج عوامله ، وسيتم فرضها بالقوة ، وهو انقلاب لا يطول المنطقة العربية وحدها ، لكنه سيمتد كالسحابة السوداء ، عبر امتداداتها الآسيوية ، وتخومها الإفريقية .
• جزء من التحول أو الانقلاب الاستراتيجي في أوضاع الإقليم ، موصول بحقيقة ينبغي أن تحظى بإدراك أوسع ، وهي أن مشروع السلام في الشرق الأوسط ، قد سقط استراتيجيا ، وإن بقي لبعض الوقت ينازع في مكانه .
• جزء من مظهر هذا التحول لإعادة بناء الإقليم ، يمكن تسميته " مقلوب حرب الخليج " حيث تتطلب الأزمة الاقتصادية العالمية ، الاندفاع نحو أشكال من التسوية الناقصة ،كان المفروض أن تتحمل إسرائيل جانبا كبيرا من تكلفتها السياسية ، ولكنها أبت أن تضيف إلى أعباء انسحابها من جنوب لبنان ، أية أعباء إضافية ملموسة جديدة ، وهذه التسويات الناقصة ، تحظى بدعم وقبول أمريكي كامل ، وهي بدورها جزء من استراتيجية كاملة ، سوف يكون همها حفظ الأمن وفق مفهوم هذه التسويات وحدودها ، وفي إطار تهدئة إقليمية عامة ، وكان ملخص ذلك تعبيرا عن المطلوب تحقيقه هو : " تسوية بغير سلام ، وتهدئة بغير استقرار "

3. هكذا جرى حمل الفلسطينيين إلى كامب دافيد ، تحت وهم حسابات خاطئة تستند إلى أمرين :

الأول : أنه لم يبق بعد تقشير اللحم الفلسطيني في مراحله السابقة ، إلا أن يسلم الفلسطينيون ، تحت ضغوط هائلة من الإكراه السياسي ، ما تبقى من هيكلهم العظمي ، فيقبلوا بتقسيم القدس الشرقية ، دون سيادة على المسجد الأقصى ، ويعطون الحي الأرمني ، والحي اليهودي ، وقلب القدس القديمة للإسرائيليين ، ثم يتنازلوا عن حق العودة ، مقابل حفنة نقود ، وعودة رمزية تحت اسم لم شمل العائلات .

الثاني : أن مصر التي ظلت تمثل تاريخيا ، مصدر الإمدادات ورأس الأفعى ، لديها في نفسها ، ما يشغلها عن غيرها ، فهي منشغلة بأوضاعها الاقتصادية الصعبة ، على جانب ، وبتفاعلات هذه الأوضاع في بنيتها الاجتماعية والسياسية على الجانب الآخر ، إضافة إلى تلك الألغام التي بثت في أرضها تطرفا وطائفية ، وفوق ذلك كله ، معاول الهدم التي استهدفت عقلها الوطني ، وفرضت الحصار على خلاياه الحية ، تارة باسم ثقافة السلام ، وتارة باسم الاعتراف بالآخر ، وتارة باسم قطعان التمويل الأجنبي ، تحت شعر المجتمع المدني ، ثم بقية عوامل التعرية ، التي كشطت من حليبها زبدة الثقافة العربية الرصينة ، وخلطته بماء فاسد ، فأضحى تجريدا في الفن ، وتجريدا في المسرح ، وابتزالا في السينما ، وسطحية غالبة في الكتاب والإعلام .

4. ثم ظهر جليا خطأ الحسابات كلها على الجانبين ، فلم يسلم الفلسطينيون أنفسهم ولا هيكلهم العظمي ، بل واجهوا بصدورهم العارية آلة الحرب الإسرائيلية غضبا ورفضا ، ولم تنحن مصر وتدخل في شرنقة ذاتها وأوضاعها ، بل وقفت حائط صمود صلد ، في مواجهة ضغوط لا يعلم كثيرون أنها كانت هلى شاكلة تلك النظرية ، التي اختارها الإسرائيليون لعملياتهم العسكرية ضد الانتفاضة الفلسطينية ، وأطلقوا عليها اسم الردع الجارف .
5. لا أستطيع أن أتجاوز على نقطة تبدو لي بالغة الأهمية ، تتعلق بالموقف المصري ، خلال الفصول الدامية على الساحة الفلسطينية ، عبر الشهور الأخيرة ، وسوف يصدقني كثيرون حين أؤكد بضمير مستريح أن الرئيس مبارك قد لعب دورا يصعب وصفه بغير أنه تاريخي ، سواء في تعبئة عوامل الصمود الفلسطيني والعربي ، أو في الحفاظ على الحقوق الفلسطينية ، ولو قدر للمصريين ، أن يراجعوا نصوص التسجيلات التي لم تذع للقاءات الرئيس مع المسئولين الإسرائيليين والأمريكيين ، خلال مفاصل حاسمة في المواجهة ، لأشرقت وجوههم كبرياءا وطنيا ، وزهوا قوميا .
6. هكذا تأكد الإسرائيليون أن مشروع السلام ، قد وصل إلى صخرة لا تشق بالأساليب التقليدية ، سواء بالنسبة للقدس أو بالنسبة لحق العودة للاجئين الفلسطينيين ، وهي صخرة لا تقبل القسمة ، وتأكد لهم أن مصر ، لم تتزحزح عن دورها ورسالتها ، وهكذا انسحبوا انسحابهم غير المنظم إلى الجيتو مرة ثانية ، وهم يواصلون إطلاق النار ، ثم استحضروا شارون من متحف المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ، ليستكمل المهمة التي لم تنجح ، والهدف الذي لم يتحقق ، وليضع نفسه رأس جسر جديد ، لمرحلة إسرائيلية جديدة ، وإقليمية جديدة أيضا .



*****


ماذا سيحمل رأس جسر شارون الجديد للفلسطينيين ولنا وللإقليم ؟

يبدو أن رسم خريطة دقيقة لطبيعة التحركات الإسرائيلية فوق رأس الجسر الجديد ، بقيادة شارون ، أمر يتسم بالصعوبة ، إضافة إلى أنه يحتاج إلى تفصيل فوق " تختة رمل " لا صفحات جريدة ، غير أن الاتجاهات الأساسية لهذا التحرك لن تكون بعيدة عن التوقعات التالية :

أولا : المطلوب من التحركات الإسرائيلية فوق رأس الجسر الجديد ، ليس إقناع الإسرائيليين ، بالقدرة على توفير الحماية والأمن ، لأن الأمن المطلق خارج الطاقة والقدرة ، ولكن المطلوب هو إعادة المصداقية إلى استراتيجية الردع الإسرائيلية ، التي جرحتها أحجار الصبية الفلسطينيين ، وتدنت بوظيفة الجيش الإسرائيلي ، الذي يعتبر نفسه الأقوى والأحدث ، إلى مستوى مذل ، في مواجهات ميدانية مع مدنيين عزل ، قوامهم الأساسي صبية صغار أسلحتهم حناجر وأحجار .

ثانيا : و المطلوب من التحركات الإسرائيلية فوق رأس الجسر الجديد ، ليس إقناع الإسرائيليين ، بأن القوة ينبغي أن تسبق الإقناع والحوار ، فتلك بديهية في العقل الجمعي الإسرائيلي ، ولكن إقناع الفلسطينيين و العرب ، أن القوة هي أداة الإقناع ، وسبيل الحوار ، وطاقة دفعه إلى شاطئه المأمول .

ثالثا : و المطلوب من التحركات الإسرائيلية فوق رأس الجسر الجديد ، هو وضع الأحجار والسدود ، بشكل عملي ، أمام إمكانية أي سلام ، قد يبدو عادلا أو متوازنا في المستقبل ، وسوف ينصرف هذا الجهد عمليا ، إلى القيام بجراحات جغرافية وديموجرافية ، عميقة في جسم القدس والضفة لكي يصبح الاحتلال الإسرائيلي قدرا ثابتا ، لا تأخذ منه عاديات الزمن ، ولا يغيره تراكم الفصول ، وتعدد الوجوه .

رابعا : و المطلوب من التحركات الإسرائيلية فوق رأس الجسر الجديد ، أن يظل السلام طلبا مؤجلا لسنوات قادمة ، فمطلب إيقاف الانتفاضة له الأولوية المطلقة ، ثم بعد ذلك يجئ دور التفاوض من جديد ، وصولا إلى اتفاقيات مؤقتة ، ثم إلى اتفاقيات مرحلية ، ليتم البحث بعدها عن إطار تسوية ، ثم برنامجا زمنيا للإطار ، وهكذا ... لتمض عشر سنوات أخرى عزيزة وغالية ، تتكفل خلالها التحركات الإسرائيلية والأمريكية فوق جسور أخرى ، بأن تصبح الصفقة المستحيلة ، قابلة للتحقق ، ليوافق القادمون الجدد ، على ما يرفضه الحاضرون ، وربما نظروا إلى أسلافهم وراءهم في غضب .

خامسا : و المطلوب من التحركات الإسرائيلية فوق رأس الجسر الجديد ، تخفيض حدة سخونة الحالة الفلسطينية ، بخلق حالة إقليمية جديدة أكثر سخونة ، أي التغطية على القضية الأساسية ، بقضية فرعية إقليمية جديدة ، لتنزاح القضية الفلسطينية ، من فوق سلالم الأولوية ، إلى مستوى أقل ، ووضع أدنى ، وينبغي على أولئك الذين يتبنون الآن نظرية " تقييد شارون " ، أن يعلموا أنه أكثر الذين عبروا عن إيمانهم في إسرائيل ، بما كتبه ذات مرة الحاخام " شولوموا فنير " قائلا : " حينما يطلب الله من سائر الأمم الخضوع للقوانين الأخرى ، المحددة الخاصة بالعدل والفضيلة فإن هذه القوانين لا تنطبق على اليهود ، لأن الله يتكلم مع شعبه ، أي شعب إسرائيل مباشرة " لكن شارون في الوقت نفسه ، هو أكثر الإسرائيليين تعبيرا عن إيمانهم بما كتبه " إيجال ألون " في كتابه " صنع الجيش الإسرائيلي " من أن الردع العسكري التقليدي ليس الوسيلة الوحيدة ، أو الوسيلة الرئيسية للتقدم في عملية السلام ، فمن أجل تحقيق السلام ، من الضروري انتزاع أمل الانتصار الواهم ، من أفئدة العرب مرة واحدة وإلى الأبد .

****

لا تستطيع كل التحركات السابقة الإسرائيلية فوق رأس الجسر الجديد، أن تحقق أهدافها ، إذا بقيت مصر في قلب المسرح الإقليمي ، تمارس دورها القومي ، وتضطلع برسالتها الحضارية ، ومسئولياتها التاريخية .

لذلك لا بديل لتثبيت المشروع الإسرائيلي ، في مرحلته الجديدة ، دون أن يتحقق الهدف الاستراتيجي الأعلى ، أيا كانت الطرق والوسائل وصولا إليه ، وهو تفجير مصر من الداخل ، ولذلك فإن مصر لا تحتاج فقط إلى أن تتشبث بصخرة وحدتها الوطنية ، كما فعلت في كل مبارزة تاريخية ، ولكنها تحتاج فوق ذلك إلى منهج عمل وطني جديد ، على كل محاور العمل الوطني ، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ، وثقافيا وإعلاميا ، ذلك أن الصمود المصري فوق شرفة التحديات البازغة ، أمام مصر ، ودورها ورسالتها ، يتطلب بالضرورة ، تغييرات هيكلية عاجلة ، لا تستطيع هذه الوزارة منهجا وأسلوبا وتصورا ، أن تفي بشروطها الأساسية ، بل أنني أحد الذين يعتقدون بصراحة ووضوح ، أن أفق عمل هذه الوزارة ، يتحرك بعيدا عما تتطلبه ضرورات توفير هذه الشروط .

ينبغي أن يكون واضحا ، أن المعركة الفاصلة هنا ، وليست هناك ، وأن الحرب غير القتال ، وسوف ينشب القتال هناك ، ولكن الحرب ستجري هنا ..!


 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :