ماذا نفعل في قلب النار النووية ؟     


بقلم : أحمد عز الدين

ماذا تكون تلك الرسالة التي بثها التليفزيون الإسرائيلي ، عن مخاطر نووية تحيط بالمنطقة بفعل حدوث تسرب إشعاعي سواء من مفاعل ديمونة أو من البنى التحتية لدفن النفايات النووية في إسرائيل ؟

ما بواعثها وما هدفها ، لكي يمكن استخلاصه إجابة صحيحة على سؤال آخر هو : ما العمل ؟ بصدد الرسالة التليفزيونية انووية الإسرائيلية ، فليس هناك إلا أحد فرضين :

الأول : أن تكون الرسالة مجرد تعبير إعلامي صحيح عن الخطر الذي ظلت السلطات الإسرائيلية تتكتمه على امتداد سنوات ثم لم تستطع أن تمنع تسرب بعض بخاره المكتوم .

الثاني : أن تكون الرسالة ليست سوى خطاب سياسي إسرائيلي ، قصد إيصاله بهذا المستوى إلى من يهمه الأمر ، بغية تحقيق أهداف سياسية بعينها .

إن هناك أولا عدة عوامل تذكي الفرض الأول قد يكون في مقدمتها :

1. أن الرسالة تستند إلى وثيقة إسرائيلية رسمية ، وإلى شهادة إسرائيلية شبه رسمية ، الأولى عبارة عن تقرير رسمي صادر عن وزارة الزراعة الإسرائيلية ، يؤكد تسرب إشعاع ذري قبل سبع سنوات ، وأنه كان محل مناقشات وجدل تنتسب إلى " عوزي إيفيني " أحد أبرز علماء الفيزياء النووية والذي أشرف لسنوات طوال على مفاعل ديمونة نفسه ، والذي يعرف بالتالي عن كثب أن هناك أطنانا من النفايات المشعة للمفاعل مدفونة تحت طبقة صخرية هشة على عمق كيلو متر واحد من سطح الأرض وأن إشعاعتها قد تسربت بالفعل إلى مياه الآبار المحيطة .
2. إن المعلومات الواردة في الرسالة التليفزيونية الإسرائيلية ، لا تتقاطع مع المعلومات الأساسية المتداولة عن مفاعل ديمونة نفسه ، أو عن مجمل حلقات النشاط النووي الإسرائيلي ، سواء من حيث المحتوى أو التصميمات أو طبيعة الإنتاج وسقفه ومشاكله .
3. إن الحسابات السياسية المباشرة قد ترى أن ترويج هذه المعلومات ليس في صالح إسرائيل سياسيا حيث يشكل ذلك إضعافا لنظرية أمنها التي أبتنتها فوق هيكل نظرية المجال الحيوي للنازية ، فإذا كان أجهزة إعلامها وخبراؤها يعترفون علنا بأنها تعاني بعض أمراض حالة نووية متقدمة ، فكيف يمكن القبول بحسابات الأمن التي تقدمها مثلا على جبة المفاوضات مع سوريا أو لبنان ، أو للحفاظ بهوامش حدودية حيث يبدو إصرارها عليها بحجة الأمن لا معنى له .
4. إن الرسالة التليفزيونية الإسرائيلية لا تقدم إسرائيل بوصفها دولة نووية كبرى ، أو القوة النووية السادسة ، على سطح الأرض ، كما كانت الأوصاف التي خلعها عليها الفني الإسرائيلي " فانونو " في تقرير الصنداي تايمز الشهير ، والذي مر على نشره عشر سنوات تقريبا ، وإنما تقدم مفاعلها الرئيسي وهياكلها التحتية في صورة من يعاني أمراض شيخوخة مبكرة ، وهو أمر لا يتجانس مع الصورة الملونة التي تلتقطها إسرائيل لنفسها وتوزعها على العالم .
5. إن نشر الرسالة الآن لابد أن يقوي تلقائيا من تلك الدعوة المبكرة ، التي صاغتها مصر لنزع أسلحة الدمار الشامل من المنطقة ، وأن يعطيها مزيدا من المصداقية ، ويقوي إمكانيات خلق قبول دولي عام بها ، هو أمر في النهاية لا يبدو أيضا في صالح إسرائيل .
6. إن الرسالة تتوافق أيضا ، مع بواعث قلق مصري استبق الزلزال الأخير في المنطقة ، وقدم أكثر من استفسار إلى الجانب الآخر ، عن تسربات إشعاعية مختلفة القياس من ديمونة ، وكانت الإجابة في كل مرة نفيا مؤكدا وقاطعا .

• غير أن هناك – ثانيا – عدة عوامل أخرى تزكي الغرض الثاني وهو أن الرسالة الإسرائيلية هي رسالة مدروسة وموجهة وقد يكون في مقدمتها :

1. أن فهم طبيعة البنية السياسية والمجتمعية الإسرائيلية ، ينتهي إلى قناعة بأنه من الصعب حد الاستحالة ، أن تقدم محطة تليفزيون إسرائيلية مثل هذا البرنامج دون تدخل مباشر من الرقابة الحربية الإسرائيلية ، وهي قائمة طوال الوقت .
وعندما أثيرت منذ سنوات ، إصابة بعض العاملين في ديمونة ، بأمراض تتطلب الحصول على تعويضات من الحكومة ، وبادر بعضهم باللجوء إلى القضاء ، اتخذت هيئة الرقابة الحربية الإسرائيلية ، قرارا ملزما بمنع النشر بكافة وسائله ، فيما أطلق عليه قضية تعويضات ديمونة ، والتي كانت تمس حفنة من الأشخاص وتتعلق بطبيعة العمل لا بطبيعة النشاط النووي .

2. إن الرسالة التي بثها التليفزيون الإسرائيلي لم تكن مجرد خبر صغير عابر يمكن أن يسقط من شبكة الإعلام ، قبل أن تتنبه الرقابة الحربية ، ولكنه تحقيق معد استهلك جهدا ووقتا وتحركت حوله الأضواء قبل بثه ، يضاف إلى ذلك أن التليفزيون الإسرائيلي ، لم يكتف ببثه مرة واحدة ، بل كرره مرتين ، قبل أن توضع شرائطه في يد محطة C.N.N الأمريكية ، ليجد فرصة انتشار بمستوى أوسع .
3. إن وثيقة الزراعة الإسرائيلية ، التي استندت إليها الرسالة ، عمرها يتجاوز سبع سنوات ، وشهادة " عوزي إيفيني " ليست أقل عمرا ، فما الذي يدعو الآن وفي هذا التوقيت بالذات ، إلى إحياء هذه الوثيقة ، وإيقاظ هذه الشهادة وصاحبها ؟
4. إن الرسالة نفسها ذات طبيعة خاصة تستحق التوقف من جانبين :

- إنها تتحدث عن مخاطر نووية ، ولكنها تحصر هذه المخاطر في زاوية واحدة ضيقة للغاية ، وهو مخاطر بيئية ، وكان هذا هو مجمل الخطر الذي يحيط بنا من جراء النار النووية الإسرائيلية ، أو كان المطلوب هو النظر إلى الخطر من هذه الزاوية وحدها ، وهو أمر يمكن التغلب عليه في المستقبل ببعض البيانات والمهدئات .
- أنه إذا كان صدق الرسالة محل شك مفتوح ، فإن كذبها أيضا محل شك مفتوح ، وسيبقيان كذلك لأنه حتى إذا تم قياس الإشعاع في المنطقة المحيطة بالحدود المصرية ، ووجد طبيعيا ، فإن ذلك لا يعني التسرب النووي غير قائم ، ولكنه يعني أنه لم يصل إلينا بعد ، وعلينا أن نقف في انتظاره وبالفرضين الصدق والكذب ، فإن دوائر القلق والتخويف ، ستتعدد وتتمدد وتتسع .

5. بصدد توقيت الرسالة وهو أخطر العناصر في الحسابات الإسرائيلية عامة ، يمكننا أن نجد مجموعة متزامنة من الأخبار ، التي تبدو بدورها إعلانات موجهة ، لا اعتقد أنها منقطعة الصلة بالرسالة الإسرائيلية ، وفحواها وقصدها :

• في يوم بث الرسالة التليفزيونية الإسرائيلية نفسه ، نشر " زئيف شيف " أبرز المحللين العسكريين الإسرائيليين ، وأقربهم إلى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ، أن إسرائيل تخطط للحصول على اعتراف أمريكي مكتوب ، لأول مرة بحاجتها إلى الاحتفاظ بردع استراتيجي ، أي بأسلحة نووية ، حتى في حالة التوصل إلى سلام شامل مع جيرانها العرب ، وأن نصا بهذا المعنى ، قد أدمج في مشروع الاتفاق الاستراتيجي الجديد ، بين أمريكا وإسرائيل ، والذي سيوقعه كلينتون وبيريز في واشنطن أواخر الشهر الحالي ، إضافة إلى بنود أخرى في الاتفاق تحتاج إلى وقفة أخرى .
• في اليوم نفسه نشرت مجلة تايم الأمريكية معلومات أمنية خاصة ، نقلا عن مصادر المخابرات المركزية الأمريكية ، حاولت أن تؤكد أن ليبيا تبني منشأة هائلة لإنتاج الأسلحة الكيماوية تحت الأرض ، وصفتها بأنه الأكبر من نوعها في العالم ، وأضافت أن المخابرات المركزية الأمريكية ، عاجزة عن وقف بناء هذه المنشأة ، التي تقام على طرف جبل بالقرب من مدينة تاجونان ، وأنها – وهو الأهم – لا يمكن تدميرها أو إصابتها إلا بضربة عسكرية مباشرة على قمة الجبل وباستخدام أسلحة نووية .!!!

في التوقيت نفسه أعلن معهد السياسة الشرق أوسطية في واشنطن ، مستخلص دراسة مطولة ، انتهى منها ولم تنشر ، تفيد بأن إيران تمتلك أكبر مخزون من الأسلحة الكيماوية على مستوى دول العالم الثالث ، ويبلغ حوالي 2000 طن ، تشتمل على غاز الخردل والزرنيخ ، وربما غاز السارين ، وأن في حوزة إيران صواريخ قادرة على إصابة معظم المدن الكبرى في الشرق الأوسط . الخ .

في التوقيت نفسه ، وقف وزير الدفاع الأمريكي " وليام بيري " أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي ، ليضع جانبا من محددات الفكر الاستراتيجي الأمريكي الجديد ، قائلا : " إن واشنطن ستستخدم الأسلحة النووية للرد على أي هجوم كيميائي ، وإذا دفعت الحماقة دولة ما لاستخدام أسلحة كيماوية ضد الولايات المتحدة فإن الرد سيكون ساحقا ومدمرا بشكل تام " .

وهو ما يعين على جانب ، منح مشروعية جديدة لاستخدام الرادع النووي ، ضد أي رادع فوق تقليدي حتى لو لم يكن نوويا ، ويعني على الجانب الثاني ، أن وجود رادع كيماوي أو فوق تقليدي ، يستوجب بالضرورة وجود رادع نووي للتعامل معه ، ويمكن أن تكون هذه هي نافذة المشروعية الجديدة ، لترسانة الأسلحة النووية الإسرائيلية في الشرق الأوسط .

إن الرسالة ومادتها ودلالاتها ، تبدو منسجمة تماما ، مع اتجاه التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي ، الذي بلور نفسه خلال السنوات الأاخيرة ، في إطار مفهوم محدد يطلق على نفسه " العنف المطلق المفضي إلى السلم " ، أو تطوير استراتيجية الردع مع دمج العنصر النووي فيها " استراتيجية القسر " .

لقد انتعشت مؤخرا في الادبيات العسكرية الإسرائيلية ، مقولة قديمة "لإيجال ألون" كتبها مبكرا في كتابه " صنع الجيش الإسرائيلي" ، ووقال فيها " أن الردع العسكري التقليدي ليس الوسيلة الوحيدة أو الوسيلة الرئيسية للتقدم في عملية السلام ... فمن أجل تحقيق السلام الضروري انتزاع أمل الانتصار الواهم من أفئدة العرب ، مرة واحدة وإلى الأبد " .

ويبدو أن ما يحدث على وجه التحديد ، هو محاولة لانتزاع الأمل من قلوبنا مرة واحدة وإلى الأبد .

يدخل في السياق نفسه ، أن الخلاف داخل إسرائيل حول الإعلان عن القوة النووية الإسرائيلية ، قد حسم لصالح فوائد الإعلان ، أي أن الردع باليقين أصبح أكثر فائدة من الردع بالظن ، أو من استخدام مبدأ القنبلة في القبو .

لقد كتبت قبل سنوات ، مؤكدا أن إسرائيل قد اعتمدت بالفعل دراسة الباحث الإسرائيلي " ساعي فيلدمان " التي تنحاز كلية إلى الإعلان عن الحقيقة النووية الإسرائيلية ، وتلخص فوائد هذا الإعلان في أنه يعزز مصداقية الردع أكثر ، ويسهل وضع عقيدة خاصة وثابتة في إسرائيل لاستخدام الأسلحة النووية ، كما أنه – كما يرى – يمهد السبيل أمام حوار استراتيجي حقيقي بين إسرائيل والعرب ، ويؤدي إلى تطبيع حقيقي وثابت للمواقف في الشرق الأوسط ، ويخلق بالتالي ، حالة من استقرار العلاقات والأوضاع والأنظمة .

لذلك كله فإنني منحاز تماما إلى صحة الفرض الثاني ، وهو أن الإعلان التليفزيوني الإسرائيلي ، هو رسالة مدروسة وموجهة ، تستهدف تحقيق أهداف بعينها ، قد لا يصعب الإحاطة بها .

وفيما احسب أن هذه الرسالة النووية الإسرائيلية ، سوف تمضي في توكيد نفسها ، خلال الشهور القليلة القادمة ، حتى تصل إلى صيغة إعلان أكثر اكتمالا ووضوحا عن الحقيقة النووية الإسرائيلية ، حيث يكون قد مضى عشر سنوات بالضبط على قرار إسرائيل بالبدء في الإعلان عن الحقيقة النووية والذي مد خطوته الأولى ، " فانونو " في الصنداي تايمز الذي نشر بالتحديد في يوم 14/10/1986 .

أليس من حقنا أن نقف مرة ثانية لنتساءل : ماذا نفعل بالضبط ، في قلب النار النووية ؟!

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :