التكوين النفسي للصهيونية السياسية .. محاولة لفهم نتنياهو     


بقلم : أحمد عز الدين

أوضح ما في نتنياهو أنه يبدو استقطارا خالصا وحيا ، للروح الصهيونية ، ليس فقط على مستوى الأبنية السياسية والفكرية لها ، وإنما على مستوى أبنيتها النفسية والقيمية أيضا .
إنه الصهيونية التاريخية في لحظتها الراهنة ، حتى لكأننا أمام " جابو تنسكي " وقد خرج من بين دفتي كتابه الأصفر .
" النبي المقاتل " الذي يعد توراة الليكود ، قبل التوراة ذاتها .

لذلك فإن جوهر أطروحات " نتنياهو " ينتهي إلى التمسك حد التشبث بالجيتو الإسرائيلي ، على الرغم من أنه لا ينتمي إلى الأجيال الأولى والثانية من رواد الحركة الصهيونية ولهذا يبدو أن التكوين النفسي للصهيونية السياسية ، ليس وقفا على هؤلاء الرواد ، أي أنه ليس تراثا ذاتيا خاصا بتكوينهم ، أو بظروف المخاض السياسي الذي أحاط بتجربتهم ، وإنما هو تراث تم نقله كاملا ، من جيل إلى آخر ، وكأن هناك آلية خاصة بتوريث " جيناته " للأجيال الجديدة في إسرائيل .

إن الأمر يشبه في بعض أبعاده ، ما كتبه " انجلز " ذات يوم معرفا " الغريزة الإنسانية بأنها ذاكرة النوع الإنساني ، أي أننا بصدد ما يمكن أن يسمى بالغريزة الصهيونية ، أو ذاكرة النوع الإسرائيلي إذا صح التعريف .

لقد كتب أحد علماء علم الاجتماع في إسرائيل يقول بالحرف الواحد : " إننا نفضل العيش في تلافيف مشكلة ، ولهذا فإن جميع مشاكلنا من صنع أيدينا " ، ولذلك ليس غريبا أن تنتقل الغريزة الإسرائيلية ، بين رغباتها المعلنة في العيش في سلام ، ما بين واقع سلوكي عملي ينتهي بها إلى العيش الدائم في حالة مشكلة ، طاتلما أن إسرائيل نفسها حكمت نفسها بأن تظل مشكلة حالة .

ولعلي أتصور لذلك أن تحليل الخطاب السياسي لنتنياهو بعيدا حتى عن التنصل أو التنكر لجميع المرجعيات الدولية ، يمكن أن يبلور هذه النتيجة بوضوح وجلاء ، فالسلام مع العرب كما ذكر نتنياهو في حضرة الكونجرس الأمريكي ، لا يمكن أن يتحقق لأنهم " مجموعة من الأنظمة الشمولية التي لا تمارس الديموقراطية " ولا تراعي حقوق الإنسان ، وتلك مقدمة تقود إلى نتيجة حتمية ، سبق أن اقترحها جنرال إسرائيلي أنشغل بعض الوقت ببعض الدراسات الأكاديمية وملخص هذه النتيجة أو الحل ، أن على إسرائيل أن تتمسك بسياج نووي تحيط به نفسها أي بجيتو يهودي مستحدث ، وأن تغلق على نفسها أبواب ونوافذ هذا الجيتو النووي وأن تنتظر لمائة عام ، حتى تنتهي عملية التحديث في العالم العربي ، فعندما يصبح العالم العربي بعد مائة عام ، ديموقراطيا وتحديثيا ، يمكن للمصالحة التاريخية بين العرب واليهود أن تتم ، ويمكن للجيتو الإسرائيلي أن يرفع أسواره .

كما أن الموافقة الإسرائيلية على قيام دولة فلسطينية ، هي أمر مستحيل لأن الفلسطينيين – كما أضاف نتنياهو أيضا – هم أقلية ، وإذا قامت كل دولة بتلبية مطالب أقلياتها ، فسوف يشهد العالم ولادة 182 دولة جديدة ، وإذا كان الفلسطينيون ليسوا أقلية بالموازين الديموجرافية ، الراهنة أو المستقبلية ، فإن نتنياهو يضع تعريفا جديدا للأقلية ، وهو تعريف كيفي وليس كمي ، حيث يمكن لهذا التعريف أن يتسع ، فيصبح العرب بموجبه أقلية في الشرق الأوسط ، ولهذا كان " بيجن " يصرخ دوما أثناء مفاوضات كامب دافيد كلما ورد ذكر الفلسطينيين ، قائلا : " لا تقولوا فلسطينيين نحن فلسطينيون أيضا " .

إن هذا البناء النفسي لسكان الجيتو بالغ الوضوح في حديث نتنياهو عن عدم حاجة إسرائيل للتعاون اقتصاديا مع العرب ، " لأن 90% من صادرتنا تذهب لأمريكا وأوروبا الغربية واليابان ، وستزداد لتصل إلى 95% وربما 98% " وهو كلام ليس صحيحا ، حسب دراسات مستقبلية إسرائيلية ، استندت إليها – مثلا – رؤية " شيمون بيريز " وتظهر أجلي ملامح هذا البناء النفسي في مفردات خاصة ، رصف بها نتنياهو خطابه أمام الكونجرس ، مثل أن إسرائيل تنتمي إلى الدول المتقدمة ، وأنها دولة كبرى ، وأن بمقدورنا الاعتماد على الذات والاستغناء عن المعرفة الأمريكية ، وأن إسرائيل هي الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط ، وأن على الأىخرين أن يتكيفوا معنا ، ومع الحقائق القائمة ، لأننا لا نستطيع أن نوجد حقائق جديدة لمجرد أننا نريدها ، أما الشرق الأوسط فلن يكون جديدا ، ولن يكون قديما ، وإنما سيكون شرقا أوسطا مختلفا ، بل تصل وقاحة هذا البناء النفسي التسلطي، حدا لم ينتبه إليه كثيرون ، في سياق حديث " نتنياهو " عندما سمح لنفسه أن يكون مرشدا لضرورة إعادة تغيير برامج التعليم العربي ، ومنبها لضرورة التزام العرب بتعليم أبنائهم ثقافة السلام ، فقد نصب السيد نتنياهو نفسه حاكما تعليميا لعموم الوطن العربي ، محذرا من مغبة الاستمرار في المناهج التعليمية الحالية ، بينما لم يجد حاكم عربي واحد في ذلك ، مظهرا لتدخل سافر في الشئون الداخلية لبلده .
إننا نواجه إذن ، هذا الموروث النفسي ، الذي يعد بناء تكميليا ، للأسطورة الدينية التي يتسلح بها ، والأهداف السياسية التي يستند إليها ، فهذا الصهيوني الي يخرج من أوراق " جابوتنسكي " ما زال يحمل سيكولوجية الجيتو ، ويتمسك به ، وما زال يتشبث بالبناء النفسي ، لليهودي التائه ، الذي تسول له نفسه أنه بمقدار ما يستنزل على ذاته من مشاعر عداء الأغيار ، وكراهيتهم ، بمقدار ما يمتلأ بعقدة اضطهاده الكاذبة ، وبنقاء عنصريته الزائف ، وتفرد تكوينه الملفق ، وهو يقود شعب الله المختار ...!!

ألا نحيد على هذا النحو عن جوهر الموضوع وكما أننا في مواجهة ظاهرة نفسية ، مكانها العيادات الطبية والمستشفيات ، لا أمام ظاهرة سياسية ، تنشب أظفارها في حقوقنا ومستقبلنا ، مثلما حاول " وايزمان " ذات يوم أن يقنع الرئيس السادات ، بأن الصراع في البداية والنهاية هو صراع نفسي ، علينا أن نقفز أسواره في داخلنا أولا ، لتصبح جبال الخلاف والعداء ، سهولا مفتوحة ..

لعلي أح الذين يتصورون أن البناء النفسي هو أحد أبعاد أي ظاهرة سياسية ، مهما كان هامشا رقيقا ، ولكننا في هذه الحالة بالذات ، أمام بعد متضخم ، أضيفت إليه طبقات كاملة على مسار التاريخ ، ولا يزال مفتوحا ، لطبقات مضافة جديدة ، ولذلك لا ينبغي إهماله ، والدليل على ذلك أن أحدا لا يستطيع أن يجرد النازية كعقيدة سياسية من بعدها النفسي ، الذي أفاض العلماء في تحليله ، لا كما تقمصه هتلر بذلته فحسب ، ذلك أن الخطط العسكرية لألمانيا النازية ، لم تعدم من يجد لها أسانيد نفسية في العقيدة النازية ، وفي البناء النفسي لصاحبها ، أليس مدهشا أن السياق ذاته ، ذلك التشابه حد التطابق ، ليس فقط ، بين نظرية الحرب النازية ، أو نظرية المجال الحيوي ، ونظرية الأمن الإسرائيلية ، أو نظرية الحدود الآمنة ، بل أيضا بين المبادئ الأساسية للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية النازية ، على مستوى العقيدة القتالية ، بدءا من مبدأ الضربة الإجهاضية ، مرورا بذراع الطيران الطويلة وثنائية الطائرة – الدبابة ، وانتهاء بنظرية الخرشوفة ، أو القضم المتتابع للأهداف ، ولست أبلغ حيث أقول أنني انتهيت من مراجعة متأنية مقارنة بين الهجوم الجوي الكبير الذي قامت به ألمانيا النازية ، ضد الاتحاد السوفيتي ، وبين الضربة الجوية الإسرائيلية صبيحة يونيو عام 1967 ، إلى أن الثانية كانت مجرد صورة بالمرآة للأولى ، ولكن على نحو مصغر .

أريد أن أقول بوضوح : أنه إذا كان بعضنا ما يزال يتصور أن بمقدوره أن يعتصر ماء السلام ، من هذا الحجر الإسرائيلي الصلد ، فإن عليه أن يراجع تصوره ، وأنه إذا كان بعضنا لا يزال يرى أن هناك معطيات جديدة دولية وعربية ، سوف تجبر هذه المياه على أن تنفصد من مسام هذا الحجر ، لنغسل وجوهنا ، ونروي ظمأنا ، بعد أن جرت الدماء أنهارا ، فإن عليه أن يراجع هذه الرؤية .

ومن الأهمية بما كان أن ننتبه إلى أن جانبا من هذا البناء النفسي ، يقوم على نمطين سلوكيين محددين : الأول التوقيع على اتفاق تم التنكر له ، أو إعادة تفسيره ، وهو سلوك إسرائيلي ثابت منذ توقيع اتفاقية الهدنة عام 1948 ، وبالتالي هو التقليل والتجاهل ، من أهمية تأثير الآخرين وعدم إسباغ الاهتمام على مواقفهم وردود أفعالهم ، ولقد عبر " بن جوريون " عن هذا النمط في حرب عام 1956 بشكل أوضح ، فعندما سأله أحد مساعديه " كيف ستقوم بهجوم عسكري على مصر دون أن نعير الرأي العام العالمي التفاتا ؟"

وكانت إجابة بن جوريون ناطقة : " إن واجبنا الآن أن نقوم بالهجوم وعندما تتحق أهدافنا العسكرية ، يمكننا أن نجلس لنفكر في هذا الرأي العام العالمي " .

ولهذا لست أعرف سببا لإصرار الأستاذ إبراهيم نافع في مقاله يوم الجمعة الماضي ، بعد أن رأى أن النتيجة الراهنة لموقف نتنياهو ، وتجميد السلام ، على أن يضيف أكثر من مرة ، وفي أكثر من موقع ، أنه " لا عودة إلى الحرب " خاصة أنه لم يحدد أن تأكيده بعدم العودة إلى الحرب نابع من تصوره لموقف أي طرف ، فإذا كان بمقدوره أن يعطي يقينا بحدود الموقف العربي ، فكيف يتبرع بإعطاء مثل هذا اليقين ، نقلا عن ضمير الطرف الآخر ، ومن ذا الذي يستطيع أن يعطي صك طمأنينة للناس ، بأن إسرائيل لن تمارس سلوكا عدوانيا ، وباستخدام القوة المسلحة اليوم ، أو غدا ، أو بعد غد ، هنا أو هناك ؟ المهم أن نتنياهو سوف يأتي بعد ساعات إلى الإسكندرية ، ومن المرجح مع هذا البناء النفسي ، أنه سيكون أكثر زهوا ، وهو ممتلئ الأوداج ، بحرارة الاستقبال العاصف في الكونجرس ، وببرودة التراجع في موقف كلينتون ، وليست تلك هي المشكلة ، فليست المشكلة في اللقاء ، فسوف يصر الرئيس حسني مبارك ، على ما بلوره إجماع القمة العربية ، وعلى المرجعيات الدولية المعروفة ، وسوف يصر نتنياهو على ما وصفه بالتزامه أمام الناخب الإسرائيلي ، المشكلة في جانب آخر تتعلق بهذا البناء النفسي ذاته لهؤلاء المتشبثين بالجيتو الإسرائيلي .

ولست أريد أن أكون صوتا أضيف إلى ذلك ، معادلة مختبرة في السلوك الإسرائيلي ، تقول إن أي تمدد نفسي إسرائيلي ، كان يتجه في كل مرة إلى التعبير عن نفسه ، في شكل تمدد عسكري باستخدام القوة المسلحة ، ولدينا تجارب شائعة لذلك السلوك ، لعل أوضح صورها ما فعله بيجن في أعقاب اجتماعه مع الرئيس السادات ، حيث أقدم اليوم التالي مباشرة على توجيه ضربة جوية للمفاعل النووي العراقي .

أقول إن المشكلة ليست في اللقاء كما أحسب ، ولكن فيما ستتمخض عنه الأيام التالية عليه ...!!

16/7/1996

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :