أمريكا : إمبراطورية الشر الجديدة     


بقلم : أحمد عز الدين


أظن أن " أرنولد توينبي ) وهو واحد من أشهر فلاسفة التاريخ في القرن العشرين ، هو الذي رأي مبكرا ، أن الولايات المتحدة الأمريكية ، تسعى إلى وراثة دور الإمبراطورية الرومانية القديمة ، وأنها تقتبس لنفسها هذا الدور عن عمد .

وأظن أن الجنرال " شارل ديجول " وهو واحد من أبرز قادة القرن العشرين ، هو الذي أملى على وزير ثقافته " أندريه مارلو " نبوءته التي أوردها في كتابه " السنديان " ، والتي تقول : " إن أخطر ما يواجه العالم ، هو تضخم أمريكا خارج كل حدود .. وعندما يصبح الأمريكيون سادة العالم ، فسوف ترون إلى أي حد تبلغ استعماريتهم .

و الحقيقة أن توصيف " توينبي " لطبيعة التوجه الأمريكي ، لم يكن بلاغيا محضا ، فقد عمد إلى تأكيد معنيين أساسيين ، أولهما : أن الاستعمار لا يعين بالضرورة ، سيطرة حضارة متقدمة على حضارة متخلفة ، فروما التي جسدت التخلف الحضاري ، والجفاف الروحي ، هي التي حطمت واحدا من أهم مراكز الحضارة الإنسانية في " قرطاجة " قبل أن تندفع بقوتها العسكرية الغاشمة ، لبناء إمبراطورية كاملة في الشرق الأوسط والأدنى ، ثم لتتمدد لتشمل أوروبا كلها ، جنوب الدانوب وغرب الراين ، وعلى جانبي المانش ، وهي التي اتخذت مبدءا ثابتا في معاقبة كل مدينة تمردت على سطوتها ، بإخماد أنفاسها ، وذبح ناسها ، وثانيهما : أن روما التي حركتها شهوة السيطرة والحرب بغير عقل ، قد هزمتها ، لذة الاستهلاك والاستبداد بغير قلب .

والحقيقة – أيضا – أن رؤية الجنرال " ديجول " ، كانت تعني بين ما تعنيه ، أن النظرة الإستراتيجية ، لا تلغي التساؤل الأخلاقي ، لأن منظومات القيم الإنسانية ، أكثر ثباتا من إستراتيجيات الدول ، رغم سعي الولايات المتحدة الأمريكية ، إلى إلغاء المسافات التي حفرتها قرون متصلة من النضال الإنساني ، سواء أكانت المسافة بين القوة والحق ، أو بين المدني والعسكري ، أو بين الحكومات والشعوب .

فعندما تتغير إستراتيجية الردع إلى إستراتيجية القسر ، بمعنى الكسر المطلق لإرادة الخصم ، ويتحول الأمن مفهوم مطلق ، لابد وأن يعود توصيف القوة ، إلى معناها الاصطلاحي في أوج الظاهرة الاستعمارية ، لتصبح القوة هي الحق ، والقوة المطلقة هي الحق المطلق ، وتتبدل العلاقة بين السياسة والحرب ، فلا تصبح الحرب امتدادا للسياسة بوسائل أخرى ، وإنما تصبح السياسة امتدادا للحرب بوسائل أخرى .

*****

يبدو أن ثمة نزعة استعلائية عامة في السلوك السياسي الأمريكي ، وأنها نزعة قديمة ، لا علاقة لها بالزمان والمكان ، والحقيقة أن هذا الاستعلاء المتورم ، هو نزعة عامة في السلوك الأمريكي ، لا علاقة له بأشخاص الحوار ، أو طبيعته ، أو زمانه ، أو مكانه ، ولعل حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية ، قد اختبروا ذلك ميدانيا و بعمق ، أثناء الحرب العالمية الثانية ، فعندما رمت أمريكا بثقلها العسكري في الحرب ، لم تسمح لأحد من الحلفاء ، أن يطرح وجهة نظر تخالف وجهة نظرها ، حتى على مستوى الأعمال الميدانية التكتيكية ، فقد عقدت القيادة لنفسها ، وتصرف قادتها وضباطها على جميع المراتب والمستويات ، بنزعة استعلائية واضحة ، وهي نزعة فرضت نفسها على الحلفاء ، وانحنوا خاضعين لها ، عندما تبين لهم أن القدرة الأمريكية ، تتجاوز بكثير المستويات والقدرات الأوروبية ، بل لقد قُدر لهذا الاستعلاء أن يسجل نفسه بتعبيرات مدوية ، في مذكرات " روزفلت " المريض ، وفي وثائق القيادة الأمريكية ذاتها ، مشحونا بمشاعر تتميز بالجلافة والفوقية .

لقد بدأت أمريكا نواة صغيرة لمستعمرة غربية ، لا تزيد قوتها البشرية عن 4 ملايين ، لكن مساحتها تضاعفت أربعين ضعفا خلال ما يربو على قرن ونصف ، كما أنفرد نمط توسعها ونموها ، بأنها اكتسبت أرضها ، بالشراء أحيانا ، وبالاستئجار أحيانا ، وبالضم باستخدام القوة أحيانا أخرى ، ففي مرحلتها القارية الأولى في منتصف القرن التاسع عشر ، اقتطعت تكساس بالقوة من المكسيك ، وكذلك كاليفورنيا ، واستولت على فلوريدا من أسبانيا ، ولكنها اشترت لويزيانا من فرنسا ، وفي النصف الثاني من القرن حين كان التوسع الأمريكي يمتد على طول جذر الباسيفيك ، استولت من أسبانيا على هاولاند وبيكي ثم ميداوي ، حتى وصلت إلى هاواي ثم الفلبين ، لكنها اشترت ألاسكا من روسيا ، وفي القرن العشرين استولت على بورتريكو وكوبا ، ومنطقة القنال في بنما ، بينما أشترت أيضا جذر فرجين من الدنمارك ، لتفوق أوروبا مساحة ومواردا ، ولتبدأ من حيث انتهت ، أو من حيث بدأ الانقلاب الصناعي ، ولذلك فإن غريزة التوسع الجغرافي والتمدد ، تشكل مكونا أساسيا في الذاكرة التاريخية الأمريكية ، ولهذا لم يكذب منظر أمريكي هو " ترنر " حين قال : " إن تاريخ الولايات المتحدة ، هو تاريخ الحدود المتحركة على الدوام ودون تردد " ، ولم يبالغ " سبيكمان " أهم المفكرين الاستراتيجيين الأمريكيين في منتصف القرن ، في تعبيره الصافي عن هذه الغريزة الأمريكية بقوله : " إن شكل الأرض نفسه ، يلغي الأخلاق ، ويعطي الأقوى المبرر لتدمير الأضعف " .

وخارج طبيعة التكوين الأمريكي نفسه يصعب تفسير كثير من ظواهر الخصوصية الأمريكية ، فعندما يصبح الشراء بالمال والضم بالقوة ، هو منطق الحرفة التاريخية لتحويل مستعمرة إلى دولة على مقاس قارة ، يصبح الشراء بالمال ، والضم بالقوة ، هما حرفة الحياة الأمريكية نفسها داخليا وخارجيا .

وعندما تصبح نزعة التوسع ، هي أكثر الحواس يقظة ، وهي رحم الثراء والنمو والقوة ، لا تنتج هذه النزعة غير ثقافة تخدم نفسها ، وهي ثقافة التوسع والتمدد والهيمنة ، التي لا يمكن بدورها أن تزدهر إلا تحت خيمة مفهوم الاصطفاء القدري أو الإلهي ، لشعب تم اختياره ليلعب دور البطل والمخلص ، وهي صلب إيديولوجية الشعب المختار .

ولهذا يمكن أن يكون مفهوما لماذا لا تنشأ ثقافة ذاتية قومية ، رغم منطق التعددية الثقافية السائد ، الذي تفرزه حالة واسعة من التعددية العرقية ، ولماذا عندما تتوهج إيديولوجية الاصطفاء أو الشعب المختار ، تتأسس المرجعية القومية على التراث ، لا على التاريخ ، الذي ليس مشتركا وليس متوحدا ، وينصرف دور المؤرخين الأمريكيين إلى تسجيل بعض الوقائع ، أو إلى خلق وشحن الروابط بين أمريكا وبين الحضارة الغربية .

وخارج سطوة التكوين الأمريكي ، على المكون الأمريكي ، سياسة وثقافة وإستراتيجية ، لا تستطيع أن تجد تفسيرا حقيقيا ، لهذه الرغبة الأمريكية الجامحة في سعيها المهرول ، لصبغ الكرة الأرضية كلها ، بألوان العلم الأمريكي ، أو في بحثها الدائب لاختلاق عدو ، أو في أن مفاهيمها الأساسية لا تنتهي إلا إلى تصنيف الناس والدول إلى صنفين : صنف قابل للشراء ، وصنف قابل للضرب .

وإذا كانت روما القديمة ، قد فسرت بالأسطورة منابع نزعتها الإمبراطورية التوسعية العدوانية ، على أساس أن مؤسسها وشقيقه ، قد تغذيا صغارا في غابة مهجورة على حليب ذئبة مفترسة ، فإن أمريكا لا تحتاج إلى أسطورة لتفسير هذه النزعة الإمبراطورية .

******

أظن أن التوجه الإستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية ، في الشرق الأوسط ، وتخومه الآسيوية والإفريقية الواسعة ، لا يتعلق فقط بالقضية الفلسطينية ، كما أنه لا يتعلق بالعراق فحسب ، رغم أن الحوارات والكتابات والتحركات كلها تجرى على قدم وساق حول هذين البعدين ، إما بالتحريض أو التحذير ، أو محاولة الربط الملزم ، أو الفصل الجائر بينهما ، وأظن لذلك أن أمريكا تعمد إلى أقصى درجات التعمية الإستراتيجية ، على الأبعاد الحقيقية لتوجهها الإستراتيجي في المنطقة :

• لا أريد أن أعود إلى ما كتبه " ليندل لاروش " عالم الاقتصاد الأمريكي ، ومرشح الرئاسة الأمريكية السابق ، الذي تتهمه الإدارة الأمريكية الحالية بالجنون والخبلان ، لأنه كتب يؤكد أنه يعتقد أن أحداث 11 سبتمبر هي مؤامرة من صنع الولايات المتحدة نفسها ، مفسرا ذلك بأنه النظام المالي العالمي ، كان في طريقه إلى الركود الشامل ، نتيجة سياسة سنين عديدة من ضخ الأموال في أسواق المضاربات المالية ، وإهمال الاستثمارات في الصناعات الثقيلة والزراعة والبنية الأساسية ، على مستوى معظم دول العالم ، لكنه بغض النظر عن فرضية جنون أو خبلان " لاروش " فقد قدم قبل أحداث 11 سبتمبر بعشرة أسابيع ، نبوءة سوداء ، يصعب وصفها بالجنون ، فقد كتب يقول أنه يتوقع أزمة عالمية عسكرية إستراتيجية ، لأن النظام الاقتصادي في العالم سينهار كليا ، في الفترة الممتدة إلى آخر العام ، إذا لم تندلع حرب كبرى في العالم .
والثابت أن الاقتصاد الأمريكي ، قد صدر جانبا من أزمته إلى خارجه ، وأن أوضاعه بعد أحداث 11 سبتمبر ، أفضل منها قبل هذه الأحداث ، والثابت – أيضا – أنه بعد شهر واحد من أحداث 11 سبتمبر ، انتفخ المجمع الصناعي العسكري الأمريكي ، بطاقة طلب هائلة ، دفعته إلى العمل بكامل طاقته ، فمصنع شركة " بوينج " – على سبيل المثال – لا يتوقف عن العمل ليل نهار ، في إنتاج القنابل الذكية ، التي أصبحت مخازن القوات الجوية الأمريكية والبحرية ، تعاني من نقص حاد في مرتباتها ، وكذلك في إنتاج طلبات متضخمة من الذخيرة الهجومية المعروفة باسم ( جي دي ايه أم ) .
• إن الأمر ليس اقتصاديا بحتا بالطبع ، وإذا كان من الصعب فصل التوجه العسكري الإستراتيجي ، عن المنتوج الاقتصادي ، فإن من الخطأ البالغ فصلهما أو فصل أحدهما ، عن التوجه الثقافي ، أو عن البيئة الثقافية الحاضنة لهما .
لقد سبق وأن أشرت إلى ذلك البيان الذي أصدره ستون من أبرز المثقفين الأمريكيين ، يؤكدون فيه أن الحرب تمثل ضرورة أخلاقية ، وأن العدو الذي تخوض الولايات المتحدة الحرب ضده ، هو الإسلام الراديكالي ، الذي يهدد العالم اليوم ، وأنه في هذه الحرب ، هناك حتمية ينبغي القبول بها ، وهي سقوط مدنيين كمنتوج جانبي لها ، وقد ضمت صفحات هذا البيان العشر ، دفاعا فلسفيا وأخلاقيا عن أي عدوان أمريكي قادم على أية بقعة يسكنها هذا الإسلام الراديكالي ، لكن الحقيقة أن مقالة السيدة مارجريت تاتشر – التي ضمها عدد من مجلة نيويورك تايمز – تحت عنوان : نصيحة للقوة العظمى ، لا تمثل دفاعا فلسفيا أو أخلاقيا عن استخدام أمريكي للقوة العسكرية في الشرق الأوسط وتخومه ، بقدر ما ترسم خريطة أكثر تحديدا ووضوحا لتوجهات الإستراتيجية الأمريكية ، يندمج فيها ما هو عسكري ، بما هو ثقافي ، فإذا كانت السيدة تاتشر ترى ضرورة " في الاستخدام المكثف للقوة في إسقاط صدام حسين " فهي ترى قبل ذلك أن الدرس الأساسي في المرحلة الأولى التي شملها الهجوم العسكري على الأعداء في أفغانستان ، يتضمن بالأساس " ضرورة التركيز على الحسم العسكري " ولذلك فإن المرحلة التالية ينبغي أن تتضمن " ضرب مراكز الإرهاب الإسلامي في أفريقيا وجنوب شرق آسيا ، وهي مرحلة تتطلب " أعمال مخابرات ودبلوماسية مع التزام عسكري طويل المدى " ، أما المرحلة الثالثة ، فتتضمن التعامل مع الدول الحمراء أو الدول المارقة ، التي تعرفها أنها معادية للقيم الغربية ، وقد ضمت إليها إضافة إلى العراق وإيران ، سوريا وليبيا والسودان ، مع الأخذ في الاعتبار على حد تعبيرها ، أن التطرف الإسلامي يشبه الشيوعية في مراحلها المبكرة ، لأن كلاهما عقيدة مسلحة ، وإيديولوجية عدوانية .
ولهذا فإن على أمريكا ، أن تركز على المسائل العسكرية واستخدام القوة فحسب ، لأن الهيمنة الأمريكية هي صمام الأمن ، للاستقرار الدولي ، ولأن أي تحد لقوة أمريكا وهيمنتها ، مصيره الفشل ، فهي القوة الوحيدة حقا ، وليس اسما .
وحسب كلام السيدة تاتشر ، فإنه إذا كان العراق في قلب لوحة التنشين الأمريكية ، فإن الخريطة المتبقية على اللوحة أوسع بكثير من حدوده ، كما أن جوهر التوجه الأمريكي ذاته ، لا علاقة له بالإرهاب ، ولا علاقة له بوجود أو عدم وجود ، أسلحة الدمار الشامل ، لأن هدفه المباشر هو بسط الهيمنة الأمريكية ، وتصفية جيوب مقاومة هذه الهيمنة ، من كل القوى التي تكره القيم الأمريكية .
وفي الحقيقة فإن هذا هو جوهر الموضوع والتوجه بالفعل ، ولا علاقة له بأسلحة الدمار الشامل ، أو بالسماح أو عدم السماح بحضور فرق التفتيش الدولية ، لأن إعادة صياغة خريطة الإقليم ، أوسع مدى من مسألة الصراع العربي الإسرائيلي ، ومن ضرب العراق ذاته ، ولعل تقدير رئيس المخابرات الأمريكية قبل أحداث 11 سبتمبر بأكثر من نصف عام ، يضئ بعمق أكثر ما كان يتخلق بالفعل من مفردات صياغة هذا التوجه الإستراتيجي الأمريكي ، فالقضية التي تحظى بالأولوية ، هي أن هذا الإقليم ، يتنكب طريقه نحو التحديث وفق المفهوم الغربي ، وأن الإخفاق في عملية التحديث ينطوي على عملية أكبر ذات طبيعة سياسية واجتماعية واقتصادية ، وهي عملية بالغة الخطورة ، لأنها تنزل بالإقليم وتخومه إلى طور أكثر تخلفا ، تتكاثر في مناخه ، تيارات إسلامية راديكالية ، ترفض التكيف مع الغرب ، وتلد أجيالا جديدة من الظلاميين الانتحاريين ..!
• إن التركيز على الأمن له أولوية مطلقة ، ففي الجولة الآسيوية الأخيرة للرئيس بوش ، كان التركيز أساسيا بالفعل على قضايا الأمن ، بغض النظر عن نصيب الجولة من النجاح والفشل ، فقد سعى في الصين إلى اتفاق للحد من أسلحة الدمار الشامل ، فشل في الوصول إليه ، وهو فشل تبعه إلى كوريا الجنوبية ، فبعد أن كان ذاهبا لمراجعة الاستعدادات لشن حرب ضد كوريا الشمالية أو التلويح بها ، أضطر تحت ضغط الرفض الكوري إلى التراجع أمام شعار " الشمس المشرقة " ، لكن والثابت أن القوات العسكرية الأمريكية لم تتوقف خلال الشهور الأخيرة ، عن بناء حالة واسعة من التصعيد الأفقي والرأسي في آن واحد ، وفي عموم المنطقة وتخومها الآسيوية والإفريقية ، فقد تم تكثيف الوجود العسكري الأمريكي ، والبريطاني أيضا .
في القرن الأفريقي ، حصارا لسواحل الصومال ، وخنقا إستراتيجيا للمدخل الجنوبي للبحر الأحمر وباب المندب ، وتكثيفا للتواجد العسكري في موانئ كينية ، كما شمل التصعيد الأفقي إقامة قواعد عسكرية ثابتة في طاجكستان ، فضلا عن باكستان ، وبناء قاعدة عسكرية جوية كبرى قرب عاصمة قيرغيزيا ، وتمركزا لثلاثة آلاف جندي في قاعدة أوزباكستان ، ونقل وحدات عسكرية إلى جورجيا ، كما شمل التوسع الرأسي ، نقل لواء مدرع إلى قطر ، وفرقة عسكرية كاملة إضافية إلى الكويت ، وبدا واضحا أن هناك عملا ميدانيا لربط مسرح العمليات في الخليج العربي ، بمسرح العمليات في آسيا الوسطى ، وفي المحصلة النهائية فإن تراكما عسكريا أمريكيا وتعبئة وحشدا للقوة يجري على قدم وساق في الخليج العربي ، وفي البحر الأحمر ، وفي آسيا الوسطى ، بينما بدا واضحا أيضا ، أن هناك حرصا أمريكيا على أن يكون تراكم الحشد هادئا ، وغير لافت للنظر ، أو مثير للجلبة .

*****

ما الذي دفع " أوجست هانينج " رئيس المخابرات الألمانية ، إلى أن يخرج على تقليد ألماني ثابت ، بعدم الإقدام على إعلان تقويم للمخابرات الألمانية ، حول وضع إقليمي أو دولي ، من المؤكد أن المخابرات الألمانية ، اضطرت لإعلان تقويمها حول دور محور الشر ، بالمصطلح الأمريكي الفج ، لسببين في الأقل ، الأول أن تخفف الضغط على القيادة الألمانية بتقديم تقويم أمني إستراتيجي يسند موقفها الرافض للمشاركة حتى الحملة العسكرية ضد العراق ، والثاني ، أن لديها ما يفيد أن إعلان استخدام القوة ضد العراق ، ليس مجرد صيغة أمريكية ، لتهديد العراق ، أو ابتزاز جيرانه ، وفي كل الأحوال فقد كان تقويم المخابرات الألمانية ينطوي جوهريا على النقاط التالية :

1. لا علاقة بين العراق وبين الإرهاب
2. إيران دولة بالغة الأهمية في إقليمها وأنها تتجه نحو الاعتدال
3. كوريا الشمالية لم يكن بينها وبين الإرهاب صلة في يوم من الأيام

أما الملاحظات الختامية للتقويم فقد تضمنت إمكانية معالجة قضية التفتيش الدولي في العراق دون إعلان الحرب عليه ، وأنه يمكن معالجة تزويد كوريا الشمالية لدول بعينها بتكنولوجيا الصواريخ ، من خلال الوسائل الدبلوماسية .

حين سخرت أمريكا من التقويم الألماني ، لم يجد بديلا عن أن يؤكد علنا ، أن " أمريكا تعامل حلفاؤها كتوابع " وأن التحالف بين الأنظمة الديموقراطية الحرة ، لا ينبغي أن يتقلص إلى تبعية ، أما الصحافة الألمانية فقد توصلت إلى مذهب سياسي واستراتيجي جديد ، أطلقت عليه اسم " مذهب بوش " الذي بموجبه تعطي أمريكا نفسها الحق ، في أن تقوم في كل مكان في العالم بهجوم وقائي على غرار ضرب أفغانستان .
وحين اتسعت دائرة النقد الأوروبي للموقف الأمريكي أو لمذهب بوش ، على غرار قول " كريس باتن " مفوض العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي : " أن منهج أمريكا منهج متشدد ، يتسم بالسطحية والاستبداد على نحو خطير تجاه دول العالم " ، بدأت أمريكا تدافع عن نفسها بطريقة تدعو أكثر فأكثر إلى السخرية ، فقد وقفت " كونداليزا " تقول أن العالم سيتفهم وجهة نظر بوش ، إذا استمع بقوة وعن قرب ، ملقية اللوم على أذان أوروبا التي لا تسمع عبر ضفتي الأطلنطي ، وعلى عيونها التي لا ترى - حسب تعبيرها - ، إن بوش " اجتهد كثيرا في إطعام الأفغان ، وفي إصلاح التعليم في باكستان ، وفي إعفاء الدول الفقيرة من الديون " أما تشيني فقد ركز على الجانب الآخر ، لأن " صدام يشكل قلقا على المنطقة ، وتهديدا لها ، وأن الوقت قد حان بالنسبة له ، بسبب ما لديه من أسلحة كيماوية " ، ولما كان لدى الذاكرة الأمريكية في العراق ، حتى يتحول المعارضون الأوروبيون إلى مؤيدين .
وهكذا فقد فض الأمريكيون الرسائل الأوروبية ، وفهموها ورفضوها بشكل قاطع ، ثم أخذوا يكررون على أنفسهم نتيجتين ، الأولى أننا لم نعد نثق إلا في حلفائنا الأنجلو ساكسون في بريطانيا وكندا واستراليا والثانية علينا ، أن نقيم حائط صد لا يسمح لأي طرف بأن يؤثر في قرارنا .
ومن المؤكد أن البنية التاريخية الأوروبية ، والمكون السياسي والاجتماعي والثقافي الأوروبي ، لا يتحملان مثل هذه الإندفاعة الأمريكية ، التي تشبه رغبة جرم سماوي منفلت في الاصطدام بكوكب الأرض ، ومن المؤكد أيضا أن أوروبا لن تتوقف عن إنتاج نقدها المتوهج لهذه الإندفاعة الأمريكية ، وقد تكون قادرة على تخفيف سرعتها ، أو إزاحة توقيتها ، لكنها لن تكون قادرة على إيقافها أو منعها ، إنها لن تؤيد ضرب العراق ، لكنها لن تترجم هذا الرفض إلى مواقف إجرائية أو عملية ، يترتب عليها عرقلة الإندفاعة الأمريكية ، أو منعها من عمل عسكري ضد العراق ، وعلى حد هذا التساؤل اللاذع الذي طرحه كاتب ألماني : إننا لن نؤيد ضرب العراق ، ولكن هل سنرفض بعض ما يطلبه الأمريكيون لدعم حملتهم ، هل سنرفض مثلا ، فتح الأجواء الأوروبية ، أمام الطيران الحربي الأمريكي ، أظنهم لن يفعلوا ، وأظنهم لن يبتعدوا كثيرا عن حدود الموقف الروسي ، الذي أعاد تأكيد رفضه توجيه ضربة عسكرية إلى العراق ، ولكنه طمأن الولايات المتحدة الأمريكية ، على نحو علني ، إن هذا الرفض لن يترتب عليه إذا أقدمت الولايات المتحدة على توجيه ضربتها ، خروج روسيا من التحالف الدولي ضد الإرهاب !

*****
دعك – أولا – من هذه الأكاذيب التي تروج لمواصلة إنتاج أسلحة تدمير شامل ، ومن تلك الدعاية الإعلامية التي تساندها ، مثلما تحدثت " الأوبزرفر " عن وثيقة أمريكية تؤكد أن صدام حسين بذل جهدا للحصول على طاقات نووية أولية ، بالإضافة إلى قدراته ، على إطلاق قنابل نووية قذرة ، فالثابت أنه ليس لدى العراق أي برنامج لإنتاج أسلحة نووية ، ولم تعد تتوفر لديه القاعدة العضوية ، لمثل هذا الإنتاج ، وحتى على مستوى الأسلحة الكيماوية ، فإن التقديرات الغربية نفسها ، هي التي تؤكد أن العراق يحتاج إلى أكثر من عام ، إذا أراد أن يبدأ برنامجا متواضعا لإنتاج مثل هذه الأسلحة .

ويكفي – مثلا – أن العراق قدم خلال مراحل التفتيش للجنة " أونسكوم " ما يساوي 2 مليون وثيقة حول برامجه التسليحية ، أي أنه قدم وثائق عن مشروعاته العسكرية الإستراتيجية ، تصل إلى حوالي ربع مليون طن متر طولي ، ولم تعد نظرية " بتلر " عن الوثائق الناقصة ، قابلة للصمود ، فالبحث في قاع السلاح البيولوجي ، قد نزع وثائقه كاملة ودون نقصان .

ودعك – ثانيا – من هذه الردود الدفاعية ، التي تتكفل بالنفي القاطع كلما تسربت معلومات ، عن تواجد مجموعات من القوات الجوية ، ومشاة البحرية البريطانية ، والقوات الأمريكية الخاصة ، وعناصر من المخابرات المركزية ، تقوم ببناء قوة عسكرية منظمة في شمال العراق فقط ، وإنما يتم إضافة إلى ذلك ، في قواعد أجنبية في البحر الأبيض ، كما يتم داخل إسرائيل نفسها ، والحقيقة أيضا أنه داخل المنطقة الكردية ذاتها قد تم بناء مركزي قيادة أمريكيين محصنين ، في " زاخو " وفي " أربيل " ، كما تم تجهيز خمسة مطارات عسكرية صالحة للاستخدام ، لأنه منذ أن انتهى رفض العراق لمشروع أمريكي لتوطين كتلة الخطر الفلسطينية في لبنان ، داخل شمال العراق ، بدأ السعي الأمريكي لإحكام الحصار على جانب ، وبدأت عمليات واسعة ، لتوسيع الإطار الجديد في المنطقة الكردية ، ليتسع لكتلة أكبر من الفلسطينيين ، وكتلة موازية من التركمان ، للاستيطان في المنطقة ذاتها ، وتخفيف العبء عن تركيا ، وقد يتسع الإطار ذاته أيضا ، لأول ترانسفير يهودي عكسي من إسرائيل ، يتكون من 70 ألف يهودي كردي يستوطنون فلسطين الآن ، ليبقى الهدف الأخير ، هو إنشاء إطار جديد في شمال العراق ، وبين العراق وتركيا ، متعدد الديانات ، والقوميات ، يحول دون قيام دولة كردية ، لا تقبل بها تركيا ولا إيران ويمثل حلا لتوطين آلاف الفلسطينيين ، ويعمد بشكل مبتكر إلى " لبننة " المنطقة الكردية ، ويمنحها عمليا ، فرصة أن تنتفخ بمليون لاجئ .

ودعك – ثالثا – من هذه الأفكار التي تتسرب كالنمل من شقوق الصحف الأمريكية ، والتي تريد أن توحي بأن هناك اختلافا جوهريا ما زال قائما بين البنتاجون وبين المخابرات المركزية ، حول كيفية إدارة معركة هجومية ضد العراق ، وأن البنتاجون يرى أن تقود المعارضة العراقية المعركة من الأرض ، بينما تدعمها أمريكا من الجو ، على غرار ما حدث في أفغانستان ، بينما ترى المخابرات الأمريكية ، تهيئة انقلاب متزامن من الداخل ، تقوم به عناصر من دوائر السلطة الضيقة ، فالمطلوب أيا كانت الوسائط ، وأسلوب الغزو وطرق الاقتراب ، هو القيام بجراحة عسكرية عميقة لإسقاط النظام ، ، وزرع حكومة عراقية جديدة مكانه ، لا يهم أن تكون تحالفا قبليا ، أو عشائريا أو طائفيا ، ولكن المهم أن تكون مصطنعة ، ومصدرة على غرار أغلب الوجوه ، في الحكومة الأفغانية المؤقتة الحالية ، والتي يفتخر بعض منهم ، أنهم ساهموا بجدية في إرشاد الطائرات الأمريكية ، إلى مواقع قصف قنابلها ، ويداري تسعة وزراء منهم ، أنهم يحملون الجنسية الأمريكية .

ودعك رابعا من محاولة تقليل الإحساس بالخطر ، برد الأمر إلى أن الأمريكيين لن يقفزوا برؤسهم في مياه الخليج ، لأنهم يدركون أن النتائج المترتبة على هجوم عسكري واسع ستكون وخيمة على مستوى العراق ، وعلى مستوى الإقليم ، ويدركون أن خلخلة ستحدث في التحالف الدولي ، وكراهية أكثر مرارة ستنمو في حقل الشوك العربي ، لكن ذلك كله في تقديري لم يعد واردا بالقدر المطلوب في حسابات الولايات المتحدة ، فالأمريكان لم يعودوا عابئين ، بحرج الحكام ، أو بغضب المحكومين ، فضلا عن أن خلخلة قوية للمنطقة ، سوف تجعل منطق تكسير فقراتها الإستراتيجية ، أكثر يسرا .

إن الفوضى كما يقول الإستراتيجيون الأمريكيون ، مزعجة ، لكن النظام أكثر إزعاجا ، خاصة عندما يكون المطلوب إعادة صياغة الأوضاع ، وفق توجه استراتيجي جديد ، والإستراتيجيون الأمريكيون أنفسهم ، هم الذين صاغوا " نظرية الصدى " أي المنتوج الجانبي لتفاعلات الفعل العسكري مع الوسط المحيط ، ولكن المنهج الأمريكي عموما ، حتى في الاقتصاد ، يفصل بين الفعل ، وبين منتوجه الجانبي ، فإذا كان الاقتصاد الحر ، سينتج جيوشا من الفقراء ، فإن الحل ليس رفض الاقتصاد الحر ، وإنما البحث عن حلول جانبية للفقر ، وهكذا أيضا في طبيعة التفكير الإستراتيجي الأمريكي نفسه ، فإذا كانت القناعة قائمة ، فإن الضربة العسكرية ، ستنتج إلى جوارها مزيدا من الخلخلة والفوضى ، فإن الحل ليس إسقاط الضربة العسكرية وإنما توجيهها ، والبحث عن حلول لمنتوجها الجانبي من الخلخلة والفوضى .

*****

إن توجهات الإستراتيجية الأمريكية ، تتعامل مع المنطقة كلها كوحدة ، ولكنها تتصرف مع دولها كوحدات ، وتوجهات الإستراتيجية الأمريكية ، ستقودنا إلى أهدافها البعيدة ، عتبة فوق عتبة ، ولذلك ينبغي أن يتأسس رفض عربي صارم لضرب العراق ، بغض النظر عن حبنا له أو كراهيتنا ، وبغض النظر عن قبولنا بنظامه أو رفضنا ، وعلى هذا الرفض أن يتحصن وراء مبدأ واحد ، هو رفض بناء مشروعية جديدة في الإقليم ، تسمح بإسقاط نظام عربي من خارجه باستخدام القوة المسلحة ، لأنه إذا سمح أحدنا لظهره أن يتحول إلى جسر لتدمير العراق ، وإسقاط نظامه ، فسوف يتحول ظهر غيره في مرحلة تالية ، إلى جسر لتدميره وإسقاط نظامه ..!

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :