فرض مشروعية الاستعمار .. ونفي مشروعية المقاومة !     


بقلم : أحمد عز الدين

كان المفوض الأوروبي المسئول عن الشئون الاجتماعية في الاتحاد الأوروبي ، (بادرنج ملن) هو الذي أخذ يكرر علي مستمعيه ، مقاطع غاضبة- كأنها أبيات من ديوان بودلير "أزهار الشر" – تعبر عن الاختناق والقلق وعذابات المصير ، بعد أن قدم إليهم نتائج آخر دراسة ميدانية استهدفت رسم صورة لبقايا العنصرية في العقل الأوروبي ، فقد جاءت نتائج الدراسة صادمة ، فمن بين كل 3 أوروبيين شملتهم الدراسة ، أعترف اثنان بعنصريتهم ، وإن اختلف تقدير نصفهم لدرجة هذه العنصرية ، فإن كان ثلث من شملتهم الدراسة ، قد نفوا عن أنفسهم صفة العنصرية كليا ، فإن الثلث الثاني ممن شملتهم الدراسة ، اعترفوا بعنصريتهم ، ووصفوها بأنها شديدة ، أما الذين شملهم الثلث الأخير فقد اعترفوا بدورهم بعنصريتهم ، لكنهم وصفوا هذه العنصرية بأنها بسيطة ، وليست متشددة ، بل أن نصف من شملتهم الدراسة ، في بلدان تتغني بالحرية والمساواة والإخاء ، مثل بلجيكا وفرنسا والنمسا ، اعترفوا بأنهم عنصريون عاديون ، أي أن المفوض الأوروبي واجه اعترافا لثلث سكان أوروبا ، بأنهم عنصريون عاديون، تتملكهم مشاعر عنصرية بسيطة ، واعترافا لثلث آخر بأنهم عنصريون متشددون ، تتملكهم مشاعر عنصرية مركبة ، ولهذا فإن اللجنة الأوروبية لمناهضة العنصرية ECRI التي أفزعتها النتائج السابقة ، سعت إلي إصدار تشريع أوروبي ضد العنصرية ، لكن صياغته اصطدمت بشئ أكبر ، ربما يكون نزعة المركزية الأوروبية نفسها .
ولست أعرف الفرق بين العنصرية البسيطة ، والعنصرية المركبة ، إلا إذا كان هذا الفرق علي غرار الفرق بين الجاهل البسيط ، والجاهل المركب ، مثلما وضعه " توفيق الحكيم " ، في مدخل واحد من كتبه ، علي لسان حماره الشهير ، أو علي لسان حمار الحكيم "توما" كما اسماه .
لقد تساءل الحمار مندهشا : " متى ينصفني الزمان فأركب ، فأنا جاهل بسيط ، أما صاحبي فجاهل مركب " ، وحين سئل الحمار عن الفرق بين الجاهل البسيط ، والجاهل المركب ؟ قال : " الجاهل البسيط هو من يعرف أنه جاهل ، أما الجاهل المركب ، فهو من لا يعرف بجهله " .
أي أننا أمام صنف واحد من العنصرية ، يتخلل ثلثي البنيان الفكري والاجتماعي الأوروبي ، ولا يختلف من حيث النوع ، وإنما يختلف من حيث درجة وعيه بذاته .
ولهذا كان تصويب " عمرو موسى " دقيقا علي كلمات " بيرلسكوني" رئيس وزراء إيطاليا ، التي صنفت الحضارة العربية الإسلامية في مستوي متدن، عن الحضارة الغربية ، تماما كما وضع " دانتي" نبي الإسلام ، في الدرك الأسفل من جحيمه ، فإذا كان " عمرو موسى " قد وصف كلمات " بيرلسكوني" بأنها عنصرية ، وفسرها بأنها تنم عن " حاجة شديدة للإطلاع علي الحضارة العربية الإسلامية " ، فقد انتهي علي هذا النحو إلي اعتماد تصنيف " الحكيم" لصاحبها ، باعتباره " عنصري مركب" ، وهو تصنيف أكده وصف جانب من اليسار الإيطالي ل" بيرلسكوني" بأنه : " ملياردير آخر ، علي شاكلة الملياردير أسامة بن لادن " .

▲▲▲

إن الأسئلة الكبيرة تشبه دوما آلة كبيرة قادرة علي إنتاج مزيد من الأسئلة ، علي شاكلة ذلك السؤال الكبير الذي يقول : " لماذا يحمل الغرب منظورين مختلفين لرؤية العالم من حوله ، فيبدو مع الحرية في مكان ، وليس معها في مكان آخر ، ومع حق تقرير مصير لشعب ، ومع المحتلين لشعب آخر ، ومع دفع قرارات الشرعية الدولية للتعبير عن نفسها بالقوة في مكان ، ومع خنقها ومصادرتها في مكان آخر؟" .
فهل الغرب مصاب بـ" شيزوفرينيا " سياسية ، أو انقسام في الرؤية السياسية ؟، وهل هذا الانقسام يستند إلي المصالح الذاتية الراهنة ، أم ما زال يستند إلي البعد التاريخي ، فوق لوحة الصدام بين الشرق والغرب ، قبل أكثر من مائتي عام ؟.
أعرف أنه ليس صحيحا أن نضع الفكر الغربي كله ، أو نضع الغرب كله معا في سلة واحدة ، كما أنه ليس صحيحا أن نضع الموقف الأوروبي علي قاعدة منهجية واحدة مع الموقف الأمريكي ، فخلايا العقل الأوروبي المحافظ في بريطانيا هي التي وصفت – عبر الأوبزيرفير – قبل أسابيع من العمليات الانتحارية في نيويورك وواشنطن ، تصرفات إدارة بوش الأبن بأنها " نتيجة فساد العقل المحافظ " ، واعتبرت أن توجهات هذه الإدارة تشكل تعبيرا عن تمثيلها المنغلق ، لمصالح ضيقة فوق الخريطة الاقتصادية والاجتماعية الأمريكية ، حددتها في نادي البترول في هيوستن وتكساس ، ومقاولي الدفاع ، والدائرة المستديرة للأعمال ، وهي تؤكد بالنص :" إن أمريكا الصاعدة بعد انتصارها في الحرب الباردة ، ليست أمريكا المتنورة ، والتي قدمت للعالم قيادات ليبرالية بدءا من عام 1930 ، وإنما أمريكا التي ترتد إلي التوجه المحافظ والأحادية المنتمية ، إلي بدايات القرن الماضي " .
وإذا كان الحديث البريطاني ، عن عقود القرن الماضي وعواصفه ، فلابد أن يطول ظواهر بعينها فيه ، كالفاشية والنازية ، فقد كان موسيليني غربيا مسيحيا ، وكان هتلر غربيا مسيحيا أيضا ، ومع كل الخراب الذي ألحقته النازية والفاشية بأوروبا ، قبل غيرها من قارات الدنيا ، ومع كل بحار الدم التي أسالتها في ربوعها ، فإن أحدا لم يضع الحضارة الغربية ، أو المسيحية في موضع اتهام مباشر ، بل إن أحدا لم يوجه اتهاما ، إلي أحد مكونات الحضارة الغربية ، بأنه مثل رافدا أمدّ النازية بجانب من وقودها الفكري المدمر ، مع أن "هتلر " نفسه ، كان اختيارا ديموقراطيا غربيا ، لأنه في الحدود الدنيا ، لم يصعد إلي سدة الحكم في ألمانيا ، بانقلاب عسكري ، وإنما بوسائل وأدوات الديموقراطية الغربية ذاتها ، ومن خلال صناديق الانتخاب .
ولهذا ليس غريبا أن يكون هذا الانقسام في رؤية الغرب ، قد طبع الفلسفة الغربية الحديثة كلها ، من " ستيوارت ميل" حتى " كارل ماركس" ، فإذا كان الأول وهو أحد أبرز فلاسفة الثورة البرجوازية ، وصاحب شعار (دعه يعمل ، دعه يمر ) ، قد أحل حرية العمل والمرور للغربيين ، وحرم حرية العمل والمرور علي غيرهم ، فإن الثاني لم ينج من مظاهر انقسام في الرؤية خاصة في مسألة المستعمرات ، وموقفه معروف من قضية الاستعمار الفرنسي في الجزائر ، الذي رأي فيه أداة تحديث .
ولهذا يبدو أن العقل الغربي السائد ، لم يتجاوز جوهر تقسيمه الدولي للعمل ، ولم يتخل عن جوهر رؤيته الاستعلائية ، لقد خلع أردية الحملات الصليبية ، ثم التبشيرية ، وغطي ملامح الاستعمار التقليدي ، وبدا تحريريا أحيانا ، وليبراليا أحيانا ، وثوريا أحيانا ، ولكنه لم يتخل في أي مشروع مستقبلي له ، عن تصوره لإلحاقنا مجرد أدوات طائعة بين مفرداته ، ولقد أكدت أكثر من مرة أن هذا العقل الغربي السائد ، بات يعرف الجنوب بأنه ما ليس شمالا ، وبات يعرف الشرق ، بأنه ما ليس غربا ، وأن هذا التعريف لا يحمل دلالة جغرافية أو مكانية ، وإنما بنائية وحضارية وفكرية ، وبموجبه تتمتع إسرائيل بمكانتها الخاصة ، في العقل الغربي ، والموقف الغربي ، باعتبارها الشمال في الجنوب ، والغرب في الشرق .

▲▲▲

إن " هنري كيسنجر " هو الذي أخذ يكرر عبر كتاباته ، خلال الأعوام الأخيرة ، مقولة ثابتة يقول نصها : " لن تكون هناك عولمة اقتصادية ليبرالية ، بدون عسكرة بقيادة الولايات المتحدة " ، ولهذا لم يكن مدهشا أن يري " مارك جروسمان "- وكيل الخارجية الأمريكية- في التعازي المتبادلة بين وزير الخارجية الأمريكي ، وضيوفه من وزراء دول العالم ، معني غائبا عن الجميع ، فقد رأي أن هذه التعازي المتبادلة ، إنما تمثل " برهانا ساطعا علي العولمة " ، فقد أصبحنا بصدد عولمة الفوضى ، بعد عولمة رأس المال ،وعولمة الموت بعد عولمة التجارة ، وعندما انضمت وجوه منتقاة مثل " هنري كيسنجر و جيمس شليزنجر ، ودان كويل ، و نيوت جينجرتش " إلي مائدة مؤتمر لمجلس السياسة الدفاعية للبنتاجون ، استمر يومين برئاسة شخصية تشبه حد الموس ، في انحيازها إلي القوة ، هي ريتشارد بيل ، كان طبيعيا أن يخرج مؤتمر مجلس السياسة الدفاعية للبنتاجون ، بصياغة جماعية متوافقة للرد علي هجمات يوم 11 سبتمبر ، تتضمن توسيع دائرة الضربات العسكرية الأمريكية ، في أنحاء الشرق الأوسط ، وتخومه الآسيوية ، علي أن يكون العراق هدفا سريعا ومباشرا بهذه الضربات ، بعد قصف أفغانستان .
الغريب أنه في شهر مايو من هذا العام ، كان " رامسفيلد" وزير الدفاع الأمريكي ، هو الذي يكشف بنفسه عن مقدمات تغيير في الاستراتيجية العسكرية الأمريكية ، لا تطول الأهداف الاستراتيجية المحددة في ورقة البنتاجون ، لكنها تعيد ترتيب الأولويات ، أولا بالتخلي عن معيار ظلت واشنطن تستخدمه لعقود ، من أجل تحديد حجم قواتها المسلحة ، وهو الاستعداد لخوض حربين في وقت واحد ، وثانيا بالتركيز علي دوائر عمل محددة ، كان ما أعلن من بينها :
• إعطاء اهتمام أكبر بشرق آسيا ، وتقليل التركيز علي أوروبا .
• معالجة عدد من المواقف الصعبة المحتملة ، مثل الإبقاء علي مضيق" هرمز" في الخليج مفتوحا ، أمام الملاحة الدولية ، ومثل الدفاع عن تايوان من حصار صيني محتمل .
• مواجهة التهديدات التي تفرضها عملية انتشار الأسلحة ، ذات التكنولوجيا المتقدمة في العالم اليوم .
وفي التوقيت نفسه ، وقبل حادثة الطائرة الأمريكية ، فوق سواحل الصين ، كان رامسفيلد هو الذي يقول بنفسه لإحدى المحطات الفضائية الأمريكية ، أنه يجرى مراجعة شاملة لكافة الاتصالات العسكرية مع الصين ، قبل أن يجري البنتاجون بعد ذلك بشهرين- في شهر يوليو تحديدا – اتصالات مع الحكومة الباكستانية ، طالبا تمهيد المسرح الباكستاني ، لأوضاع ملائمة لتدخل عسكري أمريكي مباشر في أفغانستان .
قبل ذلك بشهور قليلة ،وبالتحديد في الأسبوع الأول من شهر فبراير ، كان " جورج تينيت"- رئيس المخابرات المركزية الأمريكية – هو الذي يقف أمام الكونجرس ، ليقدم رؤية جهازه عن " التهديدات عالمية الاتساع ضد الأمن القومي الأمريكي " ، وكانت أهم بنود الرؤية تطول الشرق الأوسط ، أكثر من غيره ، وتطولنا أكثر من غيرنا .
كان " تينيت" يحدد " جوهر التناقض" في " الصدام الرهيب بين قوتين" .
الأولي : عجز عدة أمم خاصة في الشرق الأوسط ، عن السيطرة علي الحداثة ، مما سوف ينتج عنه ، جمهور ثائر بلا عمل .
الثانية : انتشار تكنولوجيا المعلومات التي تمكن الشباب في مجالات عدة ، من تهديد الدول التي يعيشون فيها ، وكذلك تمكنهم من تهديد أمريكا .
ثم أضاف إلي ذلك ، لوحة كبيرة يمكن فصل وتجميع بعض خطوطها العريضة : " النمو المتعجل للقدرات الصاروخية في عدة أماكن- الإيقاع المتزايد لسرعة التغيير في عدد كبير من المناطق التي تهدد الأمن القومي الأمريكي – تزايد ضعف الروابط الداخلية في عدد من الدول التي أصبح تماسكها أمرا غير مسلم به – الضغوط السكانية من ناحية ، والنظرة إلي النمو الاقتصادي ، اللذان سوف يؤثران بعمق ، في مستقبل الشرق الأوسط، قبل أن يضيف صورة بلاغية ، تجعل الفعل الخارجي مقبولا ، والتدخل الأجنبي مشروعا ، ومهمة الاحتلال هي مهمة إنقاذ ، وعمليات الاختراق هي عمليات إيقاظ ، لقد أضاف تينيت:
" إن المواطنين العاديين في عدة أماكن من العالم العربي ، يبدون في صورة من الهياج الزائد والصياح المدوي " فهناك " جمهور قلق يصعب احتواؤه ، لا قيادة معروفة له ، ولا هيكل تنظيميا واضحا " .
العولمة-إذن – واقعة تحت التهديد ، ومنع الصدام بين العجز والحداثة ، غير ممكن بوسائل الاحتواء التقليدية ، لأن إيقاع التغيير هائل ، والروابط الداخلية مفككة ، والهياكل التنظيمية غير واضحة ، والقيادات مجهولة ، ومحصلة ذلك كله تعني أن إدارة مصالح الولايات المتحدة ، وأمنها القومي في دائرة الشرق الأوسط وتخومه ، قد أصبحت مستحيلة من الخارج ، وعند ذلك تبدو كلمات "كيسينجر" أكثر وضوحا وتحديدا وغاية ، فلن تكون هناك عولمة اقتصادية ليبرالية ، بدون عسكرة بقيادة واشنطن .

▲▲▲
إن كلام " تينيت" وتشخيصه لمخاطر الشرق الأوسط ، التي أصبحت تحتل موقعا متقدما للغاية في التهديدات عالمية الاتساع ، ضد الأمن القومي الأمريكي ، يبدو كأنه لا يخلو من صدى عميق لدراسة " تشارلز وليم " التي أصدرها معهد دراسات الشرق الأوسط في واشنطن ، تحت عنوان " الشرق الأوسط في القرن الواحد والعشرين " ، فأهم خطوط هذه الدراسة ترتكز علي التحولات الديموجرافية السكانية ، فهي التي ستبدّل تاريخ المنطقة ، وستمثل أحد أهم تحولات التاريخ الضخمة :
• في عام 1980 كان المسلمون- كما تقول الدراسة – يشكلون 18% من سكان العالم ، وبحلول الربع الأول من القرن الواحد والعشرين ، سيشكلون أكثر من 30% ، فمصر ستقفز إلي حدود 120 مليونا قبل حلول منتصف القرن ، وسوريا ستصبح قوة سكانية كبري ، بوصولها إلي 50 مليونا ، والسعودية ستتضاعف ثلاث مرات ، فتقفز من 21 مليونا إلي 61 مليونا ، أما إيران فإن نموها سيكون انفجاريا ، وسيتجاوز 160 مليونا يضاعف من تأثير ذلك تضخم البنية السكانية الشابة ، في الهيكل السكاني لهذه الدول التي ستصبح أعمدتها ، تحت ضغط هائل ، لأجيال جديدة شابة ، تتميز بوعي سياسي وطني متصاعد ، يرفض التدخل الخارجي ، ويقوي روح المقاومة ، ضد تدخل الشمال ، وذلك ما يمثل- حسب ألفاظ الدراسة- أكبر تحد للوضع الأمريكي في الشرق الأوسط ، خلال القرن الجديد .
• إن اتساع الفجوة التكنولوجية ، بين الشرق الأوسط والشمال ، سيتزايد باطراد ، ولكن قدرة الشمال علي استخدام ميزته ، وتفوقه التكنولوجي ، من أجل السيطرة ، ستنخفض من الناحية العملية ، ولذلك فإن الشمال يستطيع أن يوظف هذه الفجوة المتسعة ، من أجل أن يلحق العقاب بمن يريد، فسوف يكون قادرا علي ممارسة العقاب ، وليس فرض السيادة ، وسوف يكون مرد ذلك إلي أمرين : زيادة الوعي المتصاعد في الجنوب ، والمقاومة المتنامية لخسائر التدخل العسكري في الشمال ، والذي سيصبح في المحصلة النهائية ، ورغم كل توافر أسباب القوة ، مقيدا علي نحو أشد .
• في وقت من القرن الجديد- كما تضيف الدراسة – سوف تحصل دولة شرق أوسطية ، بجانب إسرائيل ، علي أسلحة تدمير شامل ، فتلك مسألة وقت ، وعندما يحدث ذلك ستتضاعف المخاطر، علي نحو فريد ، لأن الدول الشرق أوسطية تميل إلي أن تكون أكثر هياجا ، واضطرابا ، من الداخل بسبب طبيعتها الخاصة ، وبنائها السكاني ، وهذا ما سيعني أن تكون أكثر عدوانية ، علي المستوي الدولي .
يمكنك أن تلاحظ أن تقرير" تينت" لم يتحدث عن هياج واضطراب في المستقبل ،كما أشارت الدراسة ، بل تحدث عن اضطراب حال وهياج أصبح زائدا ، لدرجة الصياح المدوي ، أي يتطلب تدخلا سريعا ، ويمكنك ان تلاحظ أن التقرير والدراسة معا ، ألحقا الشر والتهديد ، بدول الشرق الأوسط ، كمعطى بنائي ، فالشر كامن وأصيل في هذه البنية الجغرافية ، وهو متصاعد النمو مع نموها ، وبغض النظر عن طبيعة واتجاه التطور والتوجه الأيديولوجي ، أي أن صراع المصالح ، أو صدام المصالح علي وجه أدق ، لا علاقة له بنمط النمو الاقتصادي ، أو التوجه الاجتماعي ، فالصدام الحتمي علي هذا النحو بين الشمال والجنوب ، ليس صداما سياسيا أو اقتصاديا ، وإنما هو صدام حضاري ، تتسبب فيه البنية الشرق أوسطية نفسها ، بنمطها السكاني ، الذي ينحو بها إلي طبيعة أكثر عدوانية ، علي المستوي الدولي .
ويمكنك أن تلاحظ-أيضا- أن هذه الرؤية بدورها هي صدى لرؤية قديمة ، تنتسب إلي الرئيس الأمريكي الأسبق " ريتشارد نيكسون " حيث تنطق كل توجهات إدارة الرئيس بوش الأبن داخليا وخارجيا ، بأنها وضعت كتابه " اقتناص اللحظة Seize the moment ، بمثابة إنجيل لها ، بدءا علي المستوي الداخلي ، من تخفيض الضرائب علي رأس المال ، مرورا بفكرة سقوط التعليم الخاص ، وبمعالجة العنصرية ، بوضع بعض الملونين في مواقع مرموقة ، وانتهاءا بالتأكيد علي أن القوة الاقتصادية ، ليست بديلا للقوة العسكرية ، وبدءا علي المستوي الخارجي ، من أن وساطة أمريكا لا غني عنها ، وأن فكرة أن تتولي الأمم المتحدة ذلك مرفوضة ، مرورا بأن الدولة العظمى ، عليها أن تفرض قواعد اللعبة ، التي تؤمن بها ، وبأن الأمم تعلن الحرب عندما يحقق ذلك مصالحها ، وانتهاءا بأن الغرب ، سيضطر للتحالف مع روسيا لمواجهة الإسلام ، لأن العالم الإسلامي –بألفاظه- يشكل واحدا من أكبر التحديات السياسية ، ولأن المسلمين سيشكلون مخاطرة كبيرة ، وهي أن الإسلام نفسه- بألفاظه أيضا – سوف يشكل قوة جيوبوليتيكية متطرفة .
هل من أجل هذا جاءت الوفود الأوروبية إلي المنطقة ، مستهدفة علي حد تعبير " جاك سترو" وزير خارجية بريطانيا ، تبديد الانطباع بأن التحالف ضد الإسلام ، وماذا يكون التحالف إذن ؟ يجيب سترو ، أنه تحالف حضاري ضد قوة تخريب ، وأي حضارة وأي قوة تخريب ؟ تظل التعريفات القاصرة ، ومصادر التهديد غائمة ، والأهداف المعلنة مبهمة ، ولا تستقيم مع وسائلها ، ولهذا أيضا لم يجد الأوروبيون ، سبيلا لمحاولة إقناع بعض العرب ، بالانضمام إلي التحالف ، بعد أن اعترفوا ، بغياب تعريف موحد للإرهاب ، سوي في أن انضمامهم سوف يساهم في عرقلة الاندفاعة الأمريكية ، نحو ضرب العراق ، وهو كلام مرسل ، يرد عليه كاتب أمريكي " جون تشيبمان " وهو يقدم إلي الإدارة الأمريكية تحذيرين : الأول هو تجنب الإمعان في قوانين الحرب ، لأنه لو سميت الحملة ضد الإرهاب حربا ، فسيكون للذين يقع عليهم الهجوم ، حقوق كالحق في أن يعاملوا كأسري حرب ، أو الحق في أن يشنوا هجوما مضادا علي المنشآت العسكرية الأمريكية ، فعلي أمريكا أن تنزع عن عملها الحربي ، صفة الحرب ، فلا تسمي الحرب حربا ، ولا القتل قتلا ، ولا الاحتلال احتلالا ، وكأنها ذاهبة لتبيد فئرانا ، أو حشرات لا بشر ، الثاني أن وجود ائتلاف سياسي واسع ، وتحالف عسكري ضيق ، قد يخلق ضغوطا في المحافظة علي استمرار الدعم الدبلوماسي لهذه الحرب ، والحل- في تقدير كاتب آخر – أن يكون جوهر سياسة بوش ، تحالفا يضم بشكل بارز دولا إسلامية ، وأن يقاتل بكل حلفائه العدو ، بعمليات عسكرية جراحية ، ولذلك فإن تركيا يجب أن تكون محور هذا التحالف ، فهي الدولة الديموقراطية الوحيدة ، المستمرة في العالم الإسلامي ، قبل ان يضيف الكاتب علي استحياء ، دولتين إسلاميتين أخريين ، هما أندونيسيا وباكستان .
لكأننا أمام لوحة شطرنج ، علي مقاس العالم يصطف فوق أحد أجنابها ، فريق كامل من القطع المحاربة ، أما جانبها الآخر فهو ليس خاليا فقط ، من القطع المحاربة الخصمة ، وإنما أيضا من المربعات التي تحدد قواعد اللعبة ، ومبادئ المواجهة .

▲▲▲

أمام بداية ، زمن استعماري جديد ، يريد أن يفرض مشروعية الاستعمار ، بديلا لمشروعية التحرير والمقاومة ، وتطل الولايات المتحدة ، في قلب مشهده ، بكل أدوات بأسها وقوتها ، لتعيد صياغة خرائط الجغرافيا الاستراتيجية والسياسية والفكرية ، في عموم الشرق الأوسط ، ماذا بمقدور مصر أن تفعل ، خاصة إذا كان المشهد العربي كئيبا ، وإذا كانت أغلب حوائط وأعمدة الأنظمة العربية ، في تخوم الإقليم ، تبدو إما منهارة انصياعا ، وإما قابلة للانهيار .
لحسن الحظ أن أحدا في ربوع الدنيا كلها ، لا يستطيع أن يزايد علي الموقف المصري ، في مسألة الإرهاب ، لا سياسيا و فكريا ولا أمنيا ، فقد بح صوت مصر ، وهي تنبه وتحذر ، وتلقت ضربات الإرهاب في صدرها ، دامية ومتفجرة ، بينما كان اللذين يطلبون مساعدة مصر ، في محنتهم ، هم اللذين حصنوا الإرهاب في محنتها ، وهم اللذين آووه ، وأطعموه وسمنوه ، وفتحوا أمامه الثغور كي ينفذ ويدمر ويروع ، وعندما كانت مصر ، تتصبب كدا ، وتنزف دما ، وتقدم صفوفا من خيرة رجالها وضباطها وجنودها ، شهداء فوق ساحة المواجهة ، كان الآخرون أنفسهم ، هم اللذين يعمدون إلي قطع الطريق عليها ، بأسلحة ملغومة باسم حقوق الإنسان .
ليس لدي مصر إذا ما تخشاه ، ولكن لديها ، ما تخشي عليه ، تمسكها بهويتها الوطنية والقومية ، وتمسكها بالشرعية والقانون ، وتمسكها بدورها ورسالتها ، ثم تشبثها بصخرة وحدتها الوطنية ، التي لا عاصم لها غيرها ، في الطوفان والزلزلة القادمين .
إن الدولة القومية في العالم العربي ،تعاني مظاهر إجهاد مضاعفة ، ليس هذا وقت الدخول ، في أسبابها ، كما أن الأطر السياسية والاجتماعية ذاتها ، تبذل جهودا هائلة ، لكي تحافظ علي تماسكها ، أمام ضغوط داخلية ، تزداد قوة وحدة ، وفي العواصف المجنونة التي تهب ، غير عابئة إلا بنفسها ، تبقي سلامة السفينة الوطنية ، هي المهمة المقدسة الأولي ، للذين يمسكون بالدفة ، لأن الاستسلام أمام اندفاعة العواصف الخارجية ، من شأنه أن يلغي دون سابق إنذار ، تلك المسافة المخادعة ، بين المياه العميقة ، القابلة للإبحار ، وبين الصخور المفترسة ، التي تعشعش فوقها الغربان .

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :