الإمبريالية انحطت إلى طور سحيق في التاريخ الاستعماري     


بقلم : أحمد عز الدين

كيف فهم الإسرائيليون ، طلبات بوش المتكررة للجيش الإسرائيلي ، بأن يسحب يده المدرجة بدماء الفلسطينيين ، من الأراضي المحتلة ، في الضفة الغربية ؟
لقد أجاب كاتب إسرائيلي علي هذا السؤال ، بقصة تبدو فاضحة بالمعني الرمزي والأخلاقي ، قائلا : "إن نداء بوش لإسرائيل بأن تسحب قواتها العسكرية ، دون إبطاء ، جاء شبيها بصوت ناعم لإمرأة كانت تجلس في إحدى صالات السينما المعتمة ، عندما حركت مشاهد الفيلم الساخنة ، يد جارها الغريب ، فاندفعت واندست تحت ثيابها ، وعندها استدارت إلي جارها وقالت له بهدوء: إذا لم تخرج يدك من مكانها ، قبل مرور نصف ساعة ، فسوف استدعي الشرطة "
وبعيدا عن الدلالة الأخلاقية للقصة ، فإن الدلالة الرمزية قد تعني من بين ما تعنيه ، أن الإسرائيليين لم يكونوا فقط علي قناعة ، بأن الإدارة الأمريكية ، قصدت أن تمنحهم سقفا أطول مما يحتاجون لاستكمال مذبحتهم الدموية ، وأن النخبة المسيطرة علي القرار الاستراتيجي ، فوق القمة الأمريكية لم تكن مستحسنة لما تقوم به آلة الحرب الإسرائيلية ، وهي توسع من حدود بركة الدم الفلسطيني ، ومن تلال الدمار والخراب حولها فحسب ، وإنما كانت في حالة استمتاع حسي بمشاهدها ، وهي تعصف موتا وتمطر دما ، وأن هذا الاستمتاع الحسي هو بعض من علامات الاندماج الأمريكي في العملية الإسرائيلية .
وبعيدا عن تلك العملات الفكرية المزورة التي يتعامل بها الصرافون المعتمدون ، في بنوك الإعلام ، علي غرار أن موقف الإدارة الأمريكية ، مقيد بانتخابات قادمة في الكونجرس وبضغوط ثقيلة للوبي الصهيوني ، أو كتفسير الموقف كله ، بشخصية بوش نفسه السطحية المترددة الضعيفة ، فإن كل الدراسات التي أجريت حول دور العامل الشخصي في صياغة القرار الأمريكي ، أكدت ضمور هذا الدور ، ومحدودية تأثيره، فالرئيس الأمريكي لا يستطيع أن يطرح مفهوما أو موقفا ، لم يتم انضاجه من خلال شبكة معقدة من الدوائر ومراكز الأبحاث والدراسات ، فضلا عن أمريكا ، ليست محكومة بفرد وإنما بمؤسسات ، وأنها لا تمشي بخطواط عشوائية وإنما تسير علي قضبان من حديد ، فهي نفسها محددات الرؤية الاستراتيجية ، التي بدأت قبل عشر سنوات بمذكرة وولفيتس الصهيوني المسيطر علي التخطيط الاستراتيجي في البنتاجون ، وكان عنوانها القرن المقبل ، ثم انتهت اكتمالا بوثيقة الأمن القومي الأمريكي ، التي صدرت قبل خمس سنوات ، متضمنة هيكل الدور الإمبراطوري الأمريكي ، ومحددة خطوطه وممراته ومساراته ، فوق خريطة العالم ، ولذلك لا ينبغي أن يكون مدهشا ، في موقف بوش نفسه ، أنه ليس مدينا للوبي اليهودي ، فقد تبني هذا اللوبي موقفا مناهضا له حتى قبل أن يرشح منافسه "آل جور" "ليبرمان" ، لمنصب نائبه ، وكادت المعركة ضده أن تكون يهودية خالصة أثناء موقعة إعادة فرز الأصوات في ثلاث دوائر بولاية فلوريدا ، أي أنه لا يسدد دينا ، ولا يدفع ثمن بضاعة تهيأت له فرص الحصول عليها

▲▲▲

وهل بمقدور بوش أن يفعل غير ما فعل ؟ نعم ، كان بمقدوره إذا لم يكن الدور الإسرائيلي الإقليمي ، قد بات مندمجا في الأهداف الإستراتجية الكونية للولايات المتحدة ، وإذا لم تكن الأعمال الحربية لهذا الدور ، تصب نتائجها لصالح هذه الأهداف الاستراتيجية الأمريكية ، وإذا كان المطلوب التدليل علي ذلك ، فلدينا تجربة أخري ، كان رئيس أمريكي آخر هو بطلها ، بينما كان رئيس وزراء إسرائيلي آخر ، يسعي جاهدا إلي أن ينتزع منه دور البطولة .
لقد بدأت مقدمات هذه التجربة بعد شهرين فقط ، من تولي " هنري كيسنجر " مسئولية وزارة الخارجية الأمريكية ، فوفق تقرير إسرائيلي فإن كيسنجر سعى ، إلي أن يضمه ركن عشاء مغلق مع "سيمحا دينتس " سفير إسرائيل في أمريكا ، ثم رق صوته وهو يهمس في أذن "دينتس" أنه لا يستطيع بوصفه يهوديا ، أن يمضي قدما في عمله ، إلا إذا وضع إسرائيل في صورة ما لديه من معلومات ، ولابد أن أنفاس الرئيس الإسرائيلي قد تصاعدت قبل أن يضيف "كيسنجر " : ( إن لديه ما يفيد أن كارتر ، أبلغ السادات أنه عازم علي أن يرغم إسرائيل علي أن تنسحب إلي حدود عام 1967 ، وأنه بصدد الموافقة علي إقامة دولة فلسطينية ) . وحين التقطت "دينتس" سلك الكهرباء المتوهج ، الذي رماه "كيسنجر " سأله عن نصيحته ، وقال "كيسنجر دون تردد : ( في تنظيم القوى في الولايات المتحدة ، لا تظهر بمظهر المتردد ، بل كن حازما ، وأعمد إلي المجابهة بأسلوب صلب قوى ) .
بعد ذلك بشهور كانت إسرائيل تقفز ، من نوايا كارتر إلي الأمام ، أو إلي لبنان ، فيما أطلقت عليه "عملية الليطاني" ، وحين صدر قرار من الأمم المتحدة بانسحاب إسرائيل ، ظلت القوات الإسرائيلية تماطل في تنفيذ القرار ، وطلب كارتر من" بيجن" أن يسحب قواته العسكرية علي الفور ، ثم كرر طلبه في اليوم التالي ، ولكن "بيجن" فاجأه بالقول : " إن إسرائيل قد سحبت قواتها ومعداتها بالفعل "، وطلب كارتر صور الأقمار الصناعية ليتأكد بنفسه أن الإسرائيليين كاذبون ، ولكنه لم يشأ أن يطلب بيجن مرة ثانية ، ليكرر طلب الانسحاب علي مسامعه ، ولم يرسل وزير خارجيته إليه ، وإنما أرسل عبر سفارته في إسرائيل ، خطابا مكتوبا إلي بيجن ، كلف بحمله إليه الموظف الثاني في السفارة الأمريكية ، وكان مضمون الخطاب ينص علي ما يلي : " إذا لم تسحب إسرائيل قواتها إلي داخل حدودها ، خلال 24 ساعة فسوف تعلن الولايات المتحدة قطع كل مساعدتها لإسرائيل" .
ويروي " فيتس" الموظف الثاني بالسفارة الأمريكية في إسرائيل ما حدث بعد أن توجه حاملا رسالة كارتر ، ليسلمها مباشرة إلي بيجن في خلوة بيته ، فقد أعطي الرسالة لرئيس وزراء إسرائيل ثم جلس يحدق في وجهه : ( ما أن قرأ الرسالة ببطء شديد ، حتى شحب لونه ، ثم توجه إلي المنضدة الجانبية ، وسكب مشروب الويسكي في كأسين كبيرين ، وأخذ جرعة كبيرة ثم قال وهو يناولني كأس :" لقد فزت يا سيد فيتس" ).
ولعل جانبا من المفارقة في ذلك ، هو تصور حجم المخاطر الإقليمية المترتبة علي موقف إدارة بوش من شارون ، قياسا علي موقف إدارة كارتر من بيجن ، فبينما كانت إدارة كارتر تسعي إلي تطويق اندفاعة بيجن العسكرية كان بيجن نفسه يسعي إلي تطويق اندفاعة شارون بعد أن أصبح وزيرا للدفاع .
إن مفاتيح التحكم النهائي في منظومة الأسلحة النووية الإسرائيلية منوطة بلجنة من ثلاثة أشخاص ، هم : رئيس الوزراء ، ووزير الدفاع ، ورئيس المخابرات ، وخلا ل اليوم التالي لبدء الهجوم العسكري الإسرائيلي الواسع علي لبنان ، عام 1982 ذهب شارون الي بيجن واخبره ان ثمة احتمالا بان يهاجم السوريون القوات الإسرائيلية انطلاقا من هضبة الجولان ، وفي موقف مشبع بالمخاطر سريع التقلب قد يكون من الصعب عليه وهو في قلب المعركة ان يتصل برئيس الوزراء أو برئيس الموساد (اسحاق حوفي) اذا ما تطلبت طبيعة المخاطر الاقتراب من الخيار النووي ، وبالتالي فقد طلب من بيجن وضع خطة تحكم تكتيكي ، تسمح له خلال المعركة بالسيطرة وحده علي منظومة الأسلحة النووية ، ومع أن بيجن بارك اندفاعة شارون العسكرية حتى قلب بيروت، إلا أن رفضه لطلب شارون كان قاطعا كالسكين ، فما بالنا الآن إذا كانت سيطرة شارون علي مفاتيح التحكم النهائي في هذه المنظومة كاملة أو شبه كاملة .
▲▲▲

إن مبدأ الاندماج العسكري الوظيفي ، بين إسرائيل والولايات المتحدة ، موجود في نطفة إسرائيل ، قبل أن يكتمل اختلاقها ، والأمر نفسه ينطبق علي مبادئ أخري ، أهمها نظرية الأمن المطلق ، التي يراها البعض تطور مستحدثا في المفاهيم العسكرية الإسرائيلية ، وأهمها أيضا فصل العمل الاستراتيجي العسكري عن الظروف السياسية ، وعدم السماح بإخضاعه لها ، فاستخدام القوة ينبغي أن يخضع لقوانين القوة وحدها ، لا للظروف السياسية ولا لمواقف الرأي العام ، لأن الحرب ليست امتدادا للسياسة بوسائل أخري في المذهب العسكري الإسرائيلي ، وإنما السياسة هي التي تشكل امتدادا للحرب .
إن "ديفيد كمحي " هو الذي يؤكد في شهادة له ، أن أحدا في الخارجية الإسرائيلية لم يكن علي علم مسبق ، بقرار إسرائيل تدمير المفاعل النووي العراقي ، وأن أحدا هناك أيضا لم يكن يعلم ، بقرار غزو لبنان عام 1982 ، و" موشيه شاريت" رفيق " بن جوريون " اللدود هو الذي كتب في مذكراته شاكيا ، من أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية اعتمدت منذ إنشائها مبدأ رفض إدخال الظروف السياسية في القرار الاستراتيجي العسكري ، توجهها وتوقيتا : ( عندما كنت أفاوض "دالاس" في جنيف قام الجيش الإسرائيلي بهجوم مفاجئ علي الكونتيلا وعندما كنت علي وشك الحصول علي صفقة أسلحة من فرنسا ، هاجم الجيش مواقع سورية عند بحيرة طبرية ) .
لماذا؟ لأن السياسة الخارجية الإسرائيلية هي أحد فروع التخطيط العسكري الشامل ، وليس العكس . وقبل ذلك بسنوات عندما سأل الصهيوني البريطاني " هربرت صموئيل " " وايزمان" : ( هل ستمنح إسرائيل حال قيامها لبريطانيا قواعد برية وجوية في فلسطين ؟) أمهله يوما ثم عاد إليه بإجابة "بن جوريون " التي تعكس رؤية إسرائيل لنفسها قبل أن تقوم ، وكان النص كما يلي : ( نرحب بالفكرة ، ونقترح حيفا قاعدة بحرية ، والمناطق المجاورة لغزة ويافا ، قواعد جوية فسيحة ، والساحل الممتد بين غزة وحيفا للقواعد البرية ) ، ثم كانت الإضافة أكثر أهمية : ( إن ذلك سيعطي الدولة اليهودية ، أمنا مطلقا ولكن ذلك يتطلب ضم فلسطين كلها ، وشرق الأردن والجزء الجنوبي من لبنان ، وبعض أجزاء من سوريا ) .
وفيما بعد إعلان الدولة ، كان من بين المحترفين الذين دعم الجيش الإسرائيلي نفسه بهم ضابط أركان أمريكي سابق أسمه " فريد جرونيتس " عمل في صفوف الجيش الإسرائيلي تحت أسم مستعار هو " فريد هاريس" وقد دون أحد الصحفيين الإسرائيليين نقلا عنه بعد سنوات طوال أهم تعليمات أصدرها "بن جوريون" له عند بناء الجيش ، وكان نصها حرفيا يقول : " أن يتم تنظيم وتدريب وتجهيز الجيش الإسرائيلي ، بشكل يتلاءم قدرة وتكوينا مع الاندماج مستقبلا في الاستراتيجية الشاملة للولايات المتحدة الأمريكية " .
ولذلك فإن الحقيقة التي ينبغي أن تحظى بقدر أكبر من الإدراك ، أن ما نشهده الآن فوق المسرح الإقليمي كله ، وليس المسرح الفلسطيني وحده ، هو تعبير محدد عن لحظة كيفية جديدة هي علي وجه التحديد لحظة التعبير العملي عن الاندماج الإسرائيلي الكامل في الاستراتيجية الشاملة للولايات المتحدة ، وأي توصيف بخلاف ذلك لن يكون بمثابة تسطيح الوعي بها ، وبالتحديات التي تترتب عليها ، وإنما سيكون تضليلا متعمدا ومقصودا ، لا يخدم إلا عملية الخداع الاستراتيجي ، التي توظفها الولايات المتحدة ، لصالح سلسلة تفاعلات مفتوحة ، سوف تنتج عن طاقة هذا الاندماج في بنية الإقليم وتوازناته السياسية والعسكرية والاستراتيجية .
▲▲▲

لقد كنا نتحدث في مرحلة عن توافق استراتيجي بين أمريكا وإسرائيل ، وكنا نتحدث في مرحلة أخري عن تحالف استراتيجي بينهما ، لكن الاندماج الاستراتيجي شئ مختلف عن التوافق والتحالف ، لكنه لا يشكل روابط مؤقتة ، ولا تشكله دوافع موقوتة ، ولا تدفعه أهداف علي مرمي البصر ، ولهذا فإن هذا الاندماج الاستراتيجي بين أمريكا وإسرائيل لا تفسره علاقات الأشخاص أو الأفكار ، أو المصالح التي تربط الآن بين نخبة القوة الحاكمة في إسرائيل ، ونخبة القوة المسيطرة في الولايات المتحدة ، لأن كلتا النخبتين علي ما بينهما من تقارب ، يصل إلي حد التماثل ، خاصة في تحويل مفهوم الأمن المطلق إلي دين رسمي ، إنما تشكل في حد ذاتها ظاهرة تاريخية علي المستوي السياسي والاقتصادي والفكري ، لا تفسر بالأشخاص ، ولا بالأهداف المباشرة وحدها ، ولهذا فإن تفسير توجه إسرائيل بشخص شارون ، مثله مثل تفسير توجه أمريكا بشخص بوش ، مثله مثل تفسير هذا الاندماج الاستراتيجي بين أمريكا وإسرائيل بالتوافق المزاجي بين رئيس الولايات المتحدة ، ورئيس وزراء إسرائيل .
لقد برهنت أكثر من مرة ، علي أن صعود شارون إلي قمة السلطة في إسرائيل كان تتويجا ، لمرحلة كاملة من المتغيرات ، التي لحقت بالبنية الداخلية الإسرائيلية ، استطاعت خلالها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أن تحكم قبضتها علي جميع المدخلات والتفاعلات السياسية والفكرية في إسرائيل ، ولم يكن أبرز مظاهرها هو استيلاء عناصر هذه المؤسسة علي ثلاثة أرباع النخبة السياسية الفاعلة في كافة الأطر السياسية والحزبية الإسرائيلية ، وإنما تحول نخبة القوة ذاتها إلي أقوي جماعة في المجتمع ، وتحول قيم الثقافة العسكرية إلي القيم العليا المسيطرة علي العقل الجمعي الإسرائيلي ، وتحول الأمن إلي القيمة الجوهرية في الثقافة السياسية السائدة ، ولذلك لم يكن غريبا ، ولا مدهشا ، أن يندفع القوام الأعظم من رموز ما أطلق عليه معسكر السلام في إسرائيل إلي إعلان (توبة جماعية ) والعودة إلي صف ( الإجماع الوطني ) عكسها بيان 34 شخصية تمثل القوى والتيارات المركزية في المعسكر ، لم يري فقط أن حق العودة للفلسطينيين يتناقض مع حق تقرير المصير للشعب اليهودي ، بل رأت بعض رموزه أنه يجب التخلي عن "أوسلو" مثلما يلزم تحريك الكتل الاستيطانية أبعد نحو الشرق ، من أجل مزيد من الأمن .
ولهذا لم تكن العمليات العسكرية الإسرائيلية في عمق الأراضي الفلسطينية نتيجة تلقيح صناعي ، بين الأهداف الإسرائيلية والاستراتيجية الأمريكية ، وإنما كانت النطفة الأولي لعملية إخصاب طبيعي ترتبت علي هذا الاندماج الاستراتيجي بين الطرفين ، فالولايات المتحدة تقود انقلابا استراتيجيا شاملا في أوضاع العالم ، وإسرائيل تسعى إلي إحداث انقلاب شامل في أوضاع الإقليم ، ولهذا أيضا ليس من قبيل المبالغة القول أن إسرائيل تعزف علي الوتر الفلسطيني الذبيح ، الافتتاحية الأولي في المرحلة الثانية من الحرب الأمريكية ضد الإرهاب ، ومن العبث القول إن إسرائيل بذلت جهدا في إقناع الإدارة الأمريكية في القيام بذلك ، أو مارست عليها ضغوطا لإبقاء يدها طليقة فالواضح أن أمريكيا لم تطلق يد إسرائيل فحسب ، ولكنها وفرت لها كل سبل الحماية الدولية ، تأثيرا في مجلس الأمن وفي بقية المنظمات الدولية ، أو تكبيلا لموقف أوروبي كان يريد أن يعبر عن نفسه بصيغ أكثر توافقا مع بقايا الضمير الإنساني في مضامين ثقافته ، وأشكال خطابه ، وربما كان " ليبرمان" الذي رشحه آل جور نائبا له علي حق ، في إطار فهمه للموقف حينما وصف دعوة بوش لشارون كي يوقف عملياته العسكرية ، لأنها تنم عن غياب النزوع الأخلاقي في التعامل بين أمريكا وإسرائيل ، وأنها تلون الشفافية الأخلاقية للحرب الأمريكية ضد الإرهاب ، لأن بوش طلب من إسرائيل ، أن توقف حربها في فلسطين بعد سبعة أيام ، بينما كانت حرب أمريكا في أفغانستان متصلة ، بعد 7 شهور .
غاية القصد أننا بصدد تحول في أنماط الصراع الدولي يترتب عليه تحول الإمبريالية نفسها من صيغ إدارة مصالحها من الخارج إلي صيغ مباشرة للتحكم باستخدام القوة المسلحة التي تتحول بدورها إلي استثمار اقتصادي مباشر ، وأن هذه الإمبريالية النفاثة في أزمتها الخانقة ، ترتد إلي طور منحط في التاريخ الإنساني ، أقرب إلي طور الظاهرة الاستعمارية ، ولهذا يبدو مبررا أن السياق الفكري ، للمرحلة كلها يجري انضاجه علي أساس مزدوج هو تأكيد مشروعية الاستعمار ، ونفي مشروعية المقاومة .
▲▲▲

ما هي النتائج المباشرة ، لمقدمات هذا الانقلاب الاستراتيجي ، في أوضاع الإقليم ، مثلما يعكسه المشهد الراهن ؟ ، إن النتائج لا تزال سائلة ، ومع ذلك فإن فتح بعض الجسور في اتجاهها قد يكون ممكنا :
1. إذا كانت جسور الاقتراب ، موصولة بالوضع الإقليمي ، في صيغه العامة ، فإن دمارا يصعب حسابه بدقة ، قد لحق بقوانين وموازين هذا الوضع الإقليمي ، ويكفي للإشارة والتدليل ،أن الخطوط الحمراء التي تم تثبيتها علي الأرض ، فوق تخوم المنطقة ، قد أزيل بعضها نهائيا ، وتحرك بعضها من مكانه ، علما بأننا نتحدث عن إقليم ، تترابط أحزمة فقراته ، وتتداخل أنسجة وحداته ، ويرتكز علي عمود فقري كبير ، يربطه بشبكة عصبية ، تتوزع كالمياه الجوفية عبر هياكله ، مشحونة بطاقة الزمان والمكان ، والهوية والخصوصية الاستراتيجية ، أي أننا نتحدث عن كتلة استراتيجية واحدة تتميز وحداتها عن بعضها ، ولكن الضغط العنيف علي إحدى وحداتها ، شأنه شأن الجذب العنيف لإحدى فقراتها ، لا ينتج عنه إلا ارتجاجا في بقية الفقرات والوحدات ، إن ارتفاع منسوب انهار الغضب الشعبي في عموم الوطن العربي ، دالة واضحة علي ذلك ، وأعراض الإجهاد التي ظهرت علي الأنظمة العربية هنا وهناك ، دليل آخر علي ذلك ، كما أن حالة العجز المركبة التي وزعت مظاهرها علي النظام السياسي العربي كله ، ليست منفصمة عنه .
ثم أن الاستقرار يعني في صيغه السياسية والعسكرية والاستراتيجية ، مثلما في صيغه الاقتصادية والاجتماعية ، أن الحدود بين الأشياء سواء في الفضاء السياسي ، أو فوق أرض الواقع ، محروسة بخطوط حمراء لا تقبل الإزاحة ، بحكم توازن الضغوط من حولها ، وعندما تنزاح هذه الخطوط عن أماكنها ، أو تفقد ضمانات ثباتها في مواقعها ، فمعني ذلك أن الصيغ العامة للاستقرار قد أصبحت واقعة تحت التهديد.
2. وإذا كانت جسور الاقتراب موصولة بالوضع الإقليمي في صيغه الاستراتيجية ، فإنه يصعب التسليم ، بأن نظرية الردع العربية قد بقيت علي حالها ، ذلك أن فاعلية أية نظرية للردع تتطلب تحقيق ثلاثة شروط ، أولها : وجود القوة العسكرية الرادعة ، وثانيها : توفر إرادة استخدام هذه القوة ، وثالثها : إقناع الخصم بالأمرين السابقين ، أي توفر قوة الردع ، وتوفر إرادة استخدامها ، ولذلك يظل من بين أهداف الضغط العسكري الإسرائيلي ، خلخلة الفضاء العربي ، وتوليد قوة دفع داخلية ، تفتح بطاقة الانفعال ، ساحة أوسع للمواجهة العسكرية ، ولا شك أن القفزة إلي الأمام ، في صيغ عسكرية مباشرة ، تحت تأثير الضغوط الداخلية أو الخارجية ، ينطوي علي مغامرة غير محسوبة ، غير أنه لا سبيل إلي إنكار أن القفز إلي الخلف ، أية كانت صيغه ، ينطوي بدوره علي أضرار جسيمة يمكن أن تلحق بالكيان الوطني ، لكنه بين القفز إلي الأمام ، والقفز إلي الخلف ، ثمة مساحة واسعة ، لخيارات وطنية عقلانية ورشيدة ، تحفظ للكيان الوطني وحدته ، وتحفظ لنظرية الردع فاعليتها وتأثيرها .
لقد خرقت إسرائيل اتفاقية السلام علي ثلاث جبهات ، خرقتها استراتيجيا بتهديدها بحرب تتجاوز الحدود ، وخرقتها سياسيا بالإطاحة بإطارها القومي العربي ، وخرقتها عسكريا بنقل بعض وحداتها الثقيلة في المنطقة "د" المحظور تواجد مثل هذه الوحدات فيها ، ليس هذا فحسب ، ولكن الأعمال العسكرية الإسرائيلية في عمق الأراضي الفلسطينية ، لم تكن تمارس عدوانا غاشما ضد الفلسطينيين ، بشرا وحجرا ، وإنما كانت تمارس إلي جوار ذلك فعلا عدائيا ضد نظرية الأمن القومي المصري ، وهي ليست أقدم نظرية للأمن في الشرق الأوسط ، ولكنها أقدم نظرية للأمن في العالم ، صاغتها مدرسة العسكرية المصرية بالدم قبل آلاف السنين ، من محاولة عالم أمريكي أسمه " سموك" لصياغة تعريف مستحدث لمفهوم الأمن القومي ، وإذا لم يكن الحيز مناسبا ، لتفصيل أسس نظرية الأمن القومي المصري ، فإنه مناسب للتنبيه إلي وجودها وحضورها ، لأن بعض الذين يتحدثون في السياسة المصرية من المسئولين والإعلاميين ، لا يجهلون فقط أسس نظرية الردع ، ولكنهم يجهلون أيضا وجود نظرية للأمن القومي المصري ، وعندما يجيب مسئول حكومي مصري علي سؤال صحفي ، عن إمكانية تدخل مصر عسكريا ، إذا ما وقع عدوان إسرائيلي علي لبنان أو سوريا ، وتجئ إجابته علي طريقة الإعلان التليفزيوني المبتذل ( أنسي يا عمرو ) ، فإن إجابته لا تتناقض فحسب مع أسس نظرية الردع ، ولكنها تعطي إيحاءا ، بأن مصر قررت أن تبتلع دورها الإقليمي ، وأن تمارس حضورها في إقليم وافقت طائعة ، علي أن تظل حدوده وتخومه مستباحة ، أما شهوة القوة العسكرية الإسرائيلية .
3. وإذا كانت جسور الاقتراب موصولة ، بمشروع السلام الإقليمي ، فمن الواضح أن هذا المشروع قد سقط استراتيجيا ، ولن تجدي محاولات بعثه استنادا إلي طاقة دبلوماسية خالصة ، مهما تكن قوة الدفع التي تستند إليها هذه الطاقة ، وبذلك فإن محاولة إعادة بناء عملية سياسية جديدة ، تحل محل عملية مدريد ، سواء في شكل مؤتمر دولي أو إقليمي ، لن تكون لصالح السلام ، ولا لصالح الاستقرار الإقليمي ، ولكنها ستكون لصالح إسرائيل ولصالح حملتها العسكرية ، لأن ذلك سيعني التسليم بنتائج الحملة العسكرية الإسرائيلية ، ودمجها جبريا في هذه العملية السياسية الجديدة ، وهو ما سيعني بدوره التسليم بدور إقليمي لإسرائيل ، يستند في المحصلة النهائية ، إلي الخطوط التي تفرضها حقائق القوة وموازينها ، لا حقائق التاريخ والجغرافيا والحقوق.
4. وإذا كانت جسور الاقتراب ، موصولة بصيغ ورهانات وقناعات سياسية بعينها ، عاشت وتنفست في بيئة الإقليم أكثر من ربع قرن ، فإن الواضح أن أغلبها قد سقط بدوره تحت جنازير الدبابات الإسرائيلية ، التي لم تهدم قنابلها أسقف البيوت الفلسطينية فوق رؤوس ساكنيها ، ولكنها هدمت معها أسقف كثير من الأبنية الفكرية العربية ، التي أدمن العالم العربي العيش تحتها .
كان هناك رهان علي دور أمريكي ، يحظي منفردا برعاية السلام ، ثم تحول الدور الأمريكي ، لكي يحظى منفردا برعاية آلة الحرب الإسرائيلية ، وكان هناك رهان ، علي تغير في بنية المشروع الصهيوني ، يسمح له بأن يقبل بفرصة مصالحة تاريخية ، تدمجه في كيان الشرق الأوسط وفق صيغة الأرض مقابل السلام ، ولكن نمط التغير في بنية المشروع الصهيوني ، برهن علي أنه ليس مؤهلا للاندماج في الإقليم ، إلا بمنطق القوة المسلحة ، وكان هناك رهان علي دور أوروبي ، يمكنه أن يمثل ، قوة دفع إضافية للدور الأمريكي ، كلما نفذ وقوده ، ثم تبين أن الدور الأوروبي برمته محتجز في إطار الدور الأمريكي ، وأن أوروبا التي لم تعدم صيغ تمرد علي أمريكا في أوضاع السلام ، إنما تتبعها منقادة وطائعة في حالات الحرب ، وكان هناك رهان علي الأمم المتحدة ، ثم تبين أن الأمم المتحدة نفسها قد أصبحت رهينة في سجن الإرادة الأمريكية .
وإلي جوار هذه الرهانات مثل تدني منفعة القوة العسكرية ، ومثل أن قبول التكيف الهيكلي ، اقتصاديا واجتماعيا ، يعني التحاقا مأمونا ، بالحداثة والغني والعصر ، ومثل أن عصر السنوات المفتوحة ، إنما هو دالة علي الحرية ، وعلي كمش الحدود الاقتصادية والاجتماعية والفكرية ، بين العالم الأول والعالم الثالث ، ثم أضيف إلي الرهانات والقناعات ، بالونات كبيرة أخرى ، سبحت في سماء الدنيا ، كأنها نجوم لامعة ، مثل النظام العالمي الجديد ، ومثل النظام القانوني للعالم ، ومثل حقوق الإنسان ، وغيرها ، وغيرها .. وحين انقشع الدخان تبين أن الطحن بغير طحين ، وأن الرهانات والقناعات ، والبالونات كلها لم تتحمل صواعق الصدمات ، فسقطت أكوام رماد ، وأنقاض شظايا .
▲▲▲

إن حجم الضغوط المتزايدة فوق الهياكل السياسية والاجتماعية والفكرية ، في عموم الإقليم ، لا يترك لهل إلا أحد خيارين :
• إما أن تقبل طائعة بتكيف هيكلي كامل ، غير مشروط ، أمام الطور الجديد للظاهرة الاستعمارية دوليا وإقليميا ، وهو ليس تكيفا اقتصاديا أو اجتماعيا فحسب ، ولكنه تكيف عقلي وثقافي ، ينزع زبدة الخصوصية الوطنية والقومية ، من عموم الحليب العربي ، ويحوله إلي ماء ملوث ، لا يصلح للشرب ، ولا يصلح للزراعة .
• وإما أن تقبل بمنازلة التحديات الاستراتيجية المفروضة عليها ، فتعيد بناء قوتها الذاتية علي أفق من المراجعة النقدية الشاملة ، ومن التخطيط الاستراتيجي المتكامل ، وعلي قاعدة صلبة من الوحدة الوطنية والقومية ، لكي تبدأ بعد ذلك بغير أذن من أحد ، مرحلة جديدة ، بصيغ جديدة ، من حروب التحرير العربي .
29/4/2003

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :