عصابة الأشرار مخدوعة في قوتها .. ولن تفيق إلا بهزيمة تاريخية     

ديموقراطية معجونة باليورانيوم المنضب

بقلم : أحمد عز الدين

سلام علي هذه الحرب النظيفة ، الشفافة ، كقطعة نقية من البلور.
سلام عليها وهي تتنفس ردي ، وتمطر دما ، وتبعث صواريخها الموجهة ، وقنابلها الذكية ، رسائل تحديث وتحرير وحرية ، إلي أسقف البيوت الفقيرة ، وساحات الأسواق الشعبية ، ومحطات الكهرباء والمستشفيات العامة ، ومزارات التاريخ الذي لا يستحق حتى أن يوضع في النفتالين ..
سلام عليها وهي تسحق عظام النساء والشيوخ والأطفال ، وتعلمهم دروسا لا تنسي ، في فضائل الانحناء المذل ، والاستسلام الذليل ، والسجود الخاشع ، لإله القوة الأمريكية الأوحد ، باعتباره رب الأرباب ، وقبلة التقوى والرشاد ، من انحنى له نجا ، ومن قاومه تنكب الطريق ، وكتب علي نفسه الضلال إلي يوم الدين .
هذا هو طريق الحداثة إذن ، وتلك هي أدوات التحديث ، وهذه هي الليبرالية الأمريكية الجديدة ، التي لا يشرق وجهها كالشمس في عيوننا الكليلة ، إلا في مرايا الدم الساخن ، ولا نستطيع نحن أبناء عصور الظلام أن نتنسم عطرها ، إلا في روائح اللحم الآدمي ، ممزوجا برماد الحديد ، واللهب .
هكذا- إذن- يمكن أن تتفتح في الفضاء العربي ، ورود الأهداف النبيلة التي تزرعها صواريخ الرئيس بوش ، والتي ستنجب للشرق الأوسط- علي حد تعبيره- أملا جديدا ، فماذا كنا سنفعل بغير ديموقراطية صواريخه ، وليبرالية طائراته ودباباته ، وحداثة نصل سيفه المسنون فوق أعناقنا ، نحن الذين تنكبنا طريق الحداثة ، وتبدي عجزنا عن ركوب قاطرة التحديث ، إذ كيف سنحرر أنفسنا ونسترد عقولنا ، ونعتق أرواحنا من هذه الأنظمة العربية المتسلطة ، إذا لم تكن صواريخه وقنابله عونا لنا ، تدفعنا عبر جسر دموي طويل إلي حرية بغير ضفاف، كيف نتحرر من شياطين تاريخنا، بغير أن تقذفنا صواريخه، وكيف نطرد عفاريت التراث ، والحضارة والخصوصية والعقيدة من دمنا ، دون أن تتفجر قنابله في أجسادنا ، أليس هذا هو الدرس الأول في تاريخ انعتاق الروح ، من العفاريت والشياطين ، في المجتمعات البدائية الأولي ، عندما كان تدمير أبدان الناس حد الموت ، هو السبيل الوحيد ، لتطهير أرواحهم حد الخلاص .
هكذا يجب أن نتفهم بعمق أكبر ، وهدوء أشد ، رسالة هذه الحضارة الأنجلوسكسونية السامية ، وأن ندرك ، أنها لم تأت بآلة حربها من أجل الحرب ، وإنما من أجل التحرير الذي يستوجب القتل ، ويستوجب الهدم ، ويستوجب الخراب ، فهدم العراق علي رؤوس أصحابه ، هو هدف أخلاقي نبيل ، وهو نزوع إنساني أصيل ، وهو علي حد وصف السيد بلير ، عمل عادل ، فهدم البيوت الآمنة عمل عادل ، وتدمير محطات الكهرباء والماء عمل عادل ، وحصار المدن المكتظة بالعطشى و الجوعى والجرحي ، وقطع الخبز عمل عادل ، وإذا لم يكن هذا هو عين العدل بتدمير مقدرات بلد عربي ، وإخراجه من القرن الواحد والعشرين إلي القرن الثامن عشر، الأمريكي ، فماذا يكون ؟
علينا- إذن- أن نقنع أنفسنا ، بأن إضرام النار في الشرق الأوسط ، وزعزعة استقراره ، و إطلاق الزلازل الخبيثة في تربته ، ليس عملا مشروعا فقط ، ولكنه عمل عادل ، وليس عملا عادلا فحسب ، ولكنه فوق ذلك عمل أخلاقي ، مثلما هو واجب أخلاقي ..
عندما بكي نيرون علي روما التي أحرقها ، قال بالحرف الواحد ، أن دموعه واجب أخلاقي ، لقد استكمل مهمته الأخلاقية بواجب أخلاقي ، هو زرف الدموع ، ولأن عيونهم أكثر جفافا من عيون نيرون ، فلا بأس أن يزرفوا مكان الدموع ، بعض أكياس الطحين ، وبعض مكعبات الأرز واللبن المجفف ، لتكتمل دورة العمل الأخلاقي ، بالواجب الأخلاقي !
000
لا أدري أي نشوة تلك التي سارت كالكهرباء في عروق بوش و بلير وتشيني ورامسفيلد وجنرالتهم، وهم يتأملون طابورا طويلا من النعوش الخشبية المتهالكة، تضم بقايا خمسين مدنيا عراقيا ، محمولة علي أعناق رجال ونساء مكدودين ، ولكن كرامتهم الوطنية بدت مرفوعة أعلي من صيحات تكبيرهم وغضبهم ..
أو كلما ازدادت قامة المقاومة العراقية ، ارتفاعا ، وصمودا و كلما نجحت في استنزاف شريان العدوان ، وأظهرت خطأ حساباته ، وضيق رؤيته ، كلما أمطر المدنيين موتا وخرابا ؟ وكلما أمطر المدنيين موتا وخرابا ، كلما ملأ حنجرته أكثر فأكثر ، بكلمات باهتة ، عن الديموقراطية والمساعدات الإنسانية ، وإذا واصل الفعل المقاوم ، ورد الفعل العدواني الغشيم ، تصعيد دورته باستمرار ، فهل سيكون المخرج الأمريكي من المأزق ، هو تدمير العراق كله تدميرا إبداعيا ؟!
في عام 1967 أجري الأمريكيون ، بعد أن زاد نزيف خسائرهم في فيتنام ، دراسة سرية حول إمكانية استخدام الأسلحة النووية ، ولكن نتائج هذه الدراسة قالت أن هذا الاستخدام ، رغم أنه سيمنح حقوقا استراتيجية نهائية للولايات المتحدة ، لكن الخسائر التي ستترتب عليه ، ستكون أكبر من المكاسب ، هذه المرة قد يكون الأمر مختلفا ، فقبل أربع سنوات ، نشط باحثان أمريكيان في المعهد القومي للسياسة العامة للولايات المتحدة ، هما ستيفن هارلي وروبرت جوزيف ، في إعداد دراسة علي جانب كبير من الأهمية ، دار مضمونها حول إمكانية إعادة صياغة شروط استخدام الأسلحة النووية ، لكي يتم دمجها في الحروب التقليدية للولايات المتحدة الأمريكية ، وانتهت الدراسة إلي ضرورة إدخال تعديلات علي مبادئ الاستراتيجية النووية الأمريكية ، لكي يتم دمج العنصر النووي ، في أي حرب أمريكية تقليدية ، ولم يكن ذلك مدهشا ، ولكن المدهش بعد ذلك ، أن صاحبي الدراسة ، قد تم تعينهما بعد ذلك في إدارة الرئيس بوش ، كمسئولين مباشرين عن قضايا السياسة النووية ، في مجلس الأمن القومي الأمريكي ، وما زالا يمارسان عملهما في هذا الموقع ، ثم كان الأكثر مدعاة للدهشة ، ما تبين بعد عام واحد من تسلمهما هذه المسئولية ، إنه لم يتم توظيفهما فقط ، وإنما تم توظيف ما انتهت إليه دراستهما في تعديل مبادئ الاستراتيجية النووية الأمريكية ، ففي مارس من العام الماضي ، أعد البنتاجون خطة طوارئ جديدة تحت عنوان { إعادة تقييم الوضع النووي } ، وكان ما تسرب من خطة الطوارئ ، أو من إعادة تقييم الوضع النووي ، متطابقا مع التعديلات الرئيسية التي طالبت الدراسة بإدخالها علي مبادئ الاستراتيجية النووية الأمريكية ، لدمج العنصر النووي في حالات خاصة ، علي مسرح الحروب التقليدية .
وفي إطار إعادة تقييم الوضع النووي الأمريكي ، قبل عام واحد بالضبط، وبهدي من الدراسة ، ظهرت في خطة الطوارئ الأمريكية الجديدة ، مبادئ جديدة أهمها :
استخدام الأسلحة النووية ضد دول غير نووية ، استخدام الأسلحة النووية لتدمير أهداف يصعب تدميرها بالأسلحة التقليدية ، استخدام الأسلحة النووية كرادع انتقامي في حالة وقوع هجوم بالأسلحة التقليدية علي الولايات المتحدة ، أما أكثر هذه المبادئ الجديدة التي تم دمجها في الاستراتيجية النووية الأمريكية ، استحقاقا للتأمل فيقول نصه :{ استخدام الأسلحة النووية لتقليل الخسائر الأمريكية في أي حرب تقليدية } .
وما يستدعي الانتباه الآن ، هو خروج وزير الدفاع البريطاني ، يوم الخميس الماضي علي الناس ، ليقول : أن لديه أدلة قوية علي استعداد القوات العراقية ، لاستخدام أسلحة تدمير شامل ضد القوات الأمريكية والبريطانية . علما بأن أول استخدام لأسلحة الدمار الشامل في تاريخ الإقليم كله ، ينتسب إلي بريطانيا نفسها ، وبالمفارقة التاريخية ، فإن هذا الاستخدام تم تحديدا في معركة بريطانيا لاحتلال العراق ، فقد استخدم البريطانيون الأسلحة الكيماوية ، وغاز الخردل تحديدا ، عام 1920 ، عندما سعوا بالقوة إلي بسط نفوذهم علي العراق ، لكنهم لم يجدوا في ذلك التوقيت وعلي امتداد فترة احتلالهم ، ما يدعوهم إلي تغطية أيديهم الملوثة بالأسلحة الكيماوية ، فتشرشل نفسه هو الذي قال بالحرف الواحد :[ إنني لا أفهم هذه الحساسية في استخدام هذه الغازات السامة ضد العراقيين ، إنني أؤيد بشدة استخدام هذه الغازات السامة ، ضد هؤلاء البدو الهمجيين ] لكن بلير لو حاول الآن أن يتقمص شخصية تشرشل ، ورأي أن العراقيين مازالوا هؤلاء البدو الهمجيين ، الذين يستحقون أن يضربوا بالأسلحة الكيماوية ، ما استطاع أن يقول ذلك ، خاصة إذا كان الهدف المعلن ، لإعادة احتلال العراق بالقوة المسلحة هو نزع أسلحة الدمار الشامل ، ولهذا فإن الأمر يتطلب بداية ميللودرامية جديدة ، علي شاكلة ما قاله وزير الدفاع البريطاني ، عن أدلة قوية لاستعداد العراق لاستخدام أسلحة دمار شامل ، لكي يمكن أن ينسكب علي الأرض ، سيناريو جديد ، ضد هؤلاء العراقيين الهمجيين ، الذين يدافعون بصلابة وشجاعة وإبداع عن ترابهم الوطني .
إن الخبرة البريطانية ، هي الخبرة الأكثر تأثيرا في الحملة الأمريكية ، وهي الأكثر قدرة علي صنع مقدمات تقود إلي نتائج ، تبدو خادعة ومستقلة عنها .
سوف أكتفي بمثل واحد ، فالبريطانيون هم الذين ملأوا الدنيا ضجيجا علي مشارف الحملة العسكرية ، بأن أحد خيارات النظام العراقي ، بعد بدء أعمال القتال ، هو تدمير الجسور علي نهر دجلة ، لكي يتم غمر بغداد بالمياه ، التي ستحول دون دخول القوات الأمريكية والبريطانية للاستيلاء عليها ، بينما كانت في حوزة البنتاجون ، قبلها بشهور دراسة لجنرال أمريكي هو بوسترجلوسون ، يحدد ثلاثة خيارات أمام القوات الأمريكية ، إذا اختلفت حسابات الوقت والقوة ، اللازمة لاحتلال العراق ، عن الخطة العسكرية الأمريكية ، وقد حدد هذه الخيارات علي النحو التالي :
1. استخدام أسلحة الدمار الشامل .
2. تدمير السدود التي تقع علي دجلة والفرات .
3. توسيع قائمة الأهداف التي يطولها القصف الجوي ،(أي تدمير بغداد تدميرا مساحيا) .
والملفت للنظر في ذلك ، أن فكرة إغراق بغداد بالمياه ، هي جزء من الخبرة القتالية للاستعمار البريطاني في المنطقة ، ففي أوج الحرب العالمية الثانية ، تمت صياغتها في إطار آخر ، هو إغراق مصر نفسها ، بمياه البحر الأبيض المتوسط ، فعندما اقتربت المدرعات الألمانية من الحدود المصرية في الصحراء الغربية ، قدم البريطانيون خطتهم العسكرية إلي مصر ، إذا ما نجحت القوات الألمانية في التعمق نحو الإسكندرية ، ووفق هذه الخطة كان المفترض أن تقوم القوات البريطانية بالانسحاب ، والقيام بعملية إعادة تمركز علي الجانب الشرقي للقناه ، ولكي تتاح الفرصة أمام القوات البريطانية لتحقيق ذلك دون خسائر ، تترتب علي ضرب مؤخرتها أو أجنابها، كان مطلوبا تنفيذ أمرين بشكل قاطع :
الأول : تدمير جميع طرق المواصلات والجسور والمطارات إضافة إلي إشعال النيران في جميع آبار البترول حتى لا تستفيد منها قوات المحور الغازية .
الثاني : إغراق جميع أراضي الدلتا ، وغمرها بمياه البحر الأبيض المتوسط ، أي تبوير جميع الأراضي الزراعية في مصر ، ورغم رفض مصر ، وتقديمها لمشروع بديل ، هو إغراق الدلتا بمياه النيل بدلا من المياه المالحة ، إلا أن البريطانيين- كما تقول الوثائق البريطانية- لم يحيدوا عن خطتهم ، التي حال دون تنفيذها ، توقف القوات الألمانية عند العلمين .
لدينا-إذن- خبرة استعمارية بريطانية ، يانعة ، في تدمير المطارات وطرق المواصلات ، وإشعال النار في آبار البترول ، وإغراق الأراضي وتبويرها ، واستخدام الأسلحة الكيماوية في أنحاء الإقليم ، ولدينا توافقا أمريكيا استراتيجيا معها ، ومع أهدافها قبل أدواتها ، ولدينا مقومات لتهيئة المسرح ، لتوظيفها ، واستخدامها ، وإضفاء المشروعية عليها .
000
لقد لاحظ باحثون أمريكيون ، تابعوا بالدراسة خطابات الرئيس بوش ، إنه لا يخطئ أبدا عندما يكون الخطاب تهديدا بالضرب ، أو استخدام القوة ، سواء علي مستوي النطق ، أو المنطوق ، ولكنهم لاحظوا-أيضا- أنه كثير الخطأ ، عندما يكون الخطاب عن السلام أو التعاون الدولي ، ، واستخرجوا من ذلك دلالة واضحة ، علي أن لديه نزعة قتالية تجاه العالم ، ورغم أن الجنرال فرانكس قائد القوات المركزية الأمريكية ، من أبناء تكساس ،مثله، وأنه مولع-أيضا- بارتداء أحذية رعاة البقر ، وتناول الفطائر الباردة ، إلا أن خطاباته لا تتضمن أخطاء في النطق ، ربما لأنه لا يتحدث إلا عن الضرب ، ونتائج استخدام القوة ، ورغم أن الجنرال فرانكس أمر بتوزيع النموذج العسكري الأمريكي رقم 1156 ، وهو نموذج لتدوين خسائر العمليات علي الوحدات الأمريكية ، إلا أن هناك من يؤكد أن الأوامر لم تصدر بتوزيع النموذج العسكري الأمريكي رقم 1155 ، علي الوحدات الفرعية إلا بعد 24 ساعة من بدأ الهجوم الأمريكي ، والمفارقة أن النموذج الأخير ، هو النموذج الخاص بالقتلى من الأفراد ، والذي يتضمن جميع المعلومات الخاصة عن شخصية القتيل ، وقد تكون دلالة ذلك ، أن القيادة العسكرية الأمريكية ، كانت مثلها مثل القيادة السياسية الأمريكية ، غارقة في تصور خاطئ ، عن رحلة صيد آمنة وسهلة في براري العراق ، سوف لا تجد فيها رصاصا ولا قنابل ، ولا مقاومة ، وإنما ستجد باقات من الزهور ، تطوق أعناق الفاتحين المحررين المنتصرين، والحقيقة إنه لا يمكن تفسير ذلك بالجهل وحده ، أو بخطأ الحسابات العسكرية وحدها ، أو بأن غاشية المعارضة العراقية ، هي التي وضعت عصابة العمي الاستراتيجي ، علي عيون القيادة الأمريكية ، ذلك أن الأجهزة الأمريكية ، لم تثق للحظة واحدة في معلومات هذه المعارضة ، وحتى علي مستوي أحمد جلبي- مثلا- الذي رشحوه رئيسا للعراق ، فإن المخابرات المركزية الأمريكية ظلت تنظر إليه باعتباره دجالا، وقد تحدث بعض المسئولين فيها عن انعدام الثقة في كل المعلومات التي قدمها ، بل أضافوا إلي ذلك أنه لص ، فقد تلقي 4.3 مليون دولار ، لعقد مؤتمر للمعارضة في لندن ، ولم يقدم فواتير صحيحة ، عن أوجه إنفاقها ، وعلي مستوي المعارضة العراقية كلها فإن مشروع ميزانية وزارة الخارجية الأمريكية ، لم يتضمن أي اعتمادات لها ، في العام الذي يبدأ في أكتوبر القادم ، الأمر الذي يمكن تفسيره بأن أمريكا تري أنها لن تكون بحاجة إليها ، وعندما نشرت إحدى الصحف الأمريكية،قبل أيام ، الصلاحيات التي ستعطي للحاكم العسكري الأمريكي ، الذي يريدون إجلاسه علي عرش العراق-وهو وثيق الصلة بإسرائيل ، وصهيوني متعصب – منحوه حقا مطلقا في الاستحواذ علي كل شئ، من الأمن حتى الإعلام ، ومن القضاء حتى المالية.
المهم أننا لسنا بصدد حسابات تكتيكية خاطئة ، أو حسابات عسكرية غير صحيحة ، وإنما بصدد حسابات استراتيجية ، تتمتع بدرجة عالية من العمي الاستراتيجي ، هي نفسها التي انعكست علي الحسابات السياسية ، وعلي الحسابات العسكرية ، في صيغها الميدانية ، ولهذا كانت المفاجأة الأمريكية ، أقوي من شعار الصدمة والرعب ، الذي استعارته الإدارة الأمريكية باللفظ ، كما استعارت مبدأ الضربة الإجهاضية ، من مبادئ العقيدة القتالية لألمانيا النازية .
لقد كتبت أكثر من مرة ، أؤكد أن الخطة العسكرية الأمريكية، قد وضعت في إطار ثلاثة شروط رئيسية ، تصور الذين وضعوها وطبقوها ، أنه لا غني عن أن يتم توافرها مجتمعة وهي :
أولا: سقف زمني ضيق لمعركة سريعة ، أو خاطفة .
ثانيا : ندرة في الخسائر البشرية الأمريكية .
ثالثا : حسم عسكري كامل ، بمعني عدم السماح ببقاء المعركة مفتوحة أو نازفة، حتى لو تم تحقيق انتصار عسكري.
ولقد تحركت استراتيجية المواجهة العراقية ، في الاتجاه المعاكس تماما لبناء بيئة استراتيجية ، محيطة بأعمال القتال ، تحول دون تحقيق هذه الشروط ، فأوصلت سقف المواجهة العسكرية ، بعد أسبوع واحد ، إلي حدود ، يؤكد بوش ومعه بلير ، قبل العسكريين الأمريكيين ، أنهما لا يعرفان نهايته ، ثم عمدت إلي استخدام تكتيك عسكري ، يعتمد علي عرب عصابات بالمدرعات والمدفعية ، يوجه ضربات مفاجئة إلي المؤخرات والأجناب، في الوحدات التي تمددت لكسب الوقت والمسافة ، وسط نسيج شعبي كامل ، مسلح ومقاوم ، فتح بابا واسعا لخسائر بشرية أمريكية ، مع تحصين المدن ، علي اختراق عسكري ، يجعلها ساقطة استراتيجيا ، ويحولها إلي بؤر مقاومة ، وقواعد لشن هجمات مضادة ، ولو كانت جزئية الطابع ، وهكذا أصبحت كل المعارك- تقريبا – غير محسومة ، فلم تنجح القوات الغازية في فرض حسم عسكري علي معارك ممتدة من أقصي الجنوب في أم قصر ، إلي مشارف البصرة ، وعلي محور بغداد والناصرية والقرنة وصولا إلي الموصل وتكريت وكركوك ، ثم ساعد الجنرال (طقس) مع هبوب العواصف الرملية والترابية ، علي عدم فاعلية نمط المعركة البر/جوية ، التي تعتمد علي الاستخدام المكثف للقوات الجوية وتعتبرها قوة النيران الرئيسية ، فقد اضطرت 270 طائرة هليكوبتر ، أن تهجع علي الأرض وتواجه رياحا ، دفعت بعضها إلي أن ينقلب علي جنبه ، فوق وسائد من الرمال المتحركة ، مما دفع أحد قادة المارينز إلي القول :{ إنني لا أعرف ما إذا كانت هذه الظواهر تتآمر ضدنا ، في البداية هاجمتنا العواصف الرملية الرهيبة ، وبعد ذلك العاصفة الترابية وسرعة الرياح ، وفي النهاية المطر الذي حول الأرض إلي أوحال } .
لقد استطاع الرئيس بوش ، أن يؤجر شركة إنتاج سينمائي أمريكية ، لكي تقوم بعمل مظاهرات في الشارع الأمريكي ، مؤيدة لحربه الاستعمارية لكي يضفي علي حملته تأييدا شعبيا ، لكنه لا يستطيع أن يؤجر شركة مماثلة ، لكي تضع معارك انتصار وهمية ، في الصحراء والمدن العراقية ، ليقوم بضخ صورها عبر شاشات التليفزيون الأمريكي ،لكنه- أيضا- لا يستطيع أن يتراجع عن مغامرته الدموية ، ولا أن يجرد هذه المغامرة من شروطها الثلاثة ، الحرب السريعة ، وقلة الخسائر ، والحسم العسكري ، ما هو العمل إذن ؟.
لا حل سوي استمرار الضرب الوحشي ، وهدم بغداد حجرا فوق حجر ، وإطفاء الحنق والأزمة ، في دماء المدنيين ، وتعطيش المدن وتجويعها ، وضرب المستشفيات والأسواق ، ومحطات الكهرباء ، ومصانع الطحين ، والسماح للقوة العمياء ، بأن تحل محل العقل المبصر ، أي إلغاء العقل ، كما كتب كلاوزفيتز يقول ، إن استخدام القوة المطلقة ، يعني إلغاء العقل .
سوف يرمي الأمريكيون بقوة برية أكبر شمالا وجنوبا ، وسوف يستخدمون قوتهم الجوية والصاروخية بمنطق واحد ، هو الإيلام والإيجاع والتدمير ، لكنهم لن يتوقفوا عن دفع عقيرتهم بالغناء ، للحرية والديموقراطية ، والمعونات الإنسانية .
ثم عندما يطول سقف الحرب ، فوق طاقة الاحتمال والنزيف ، ويصبح الحسم العسكري ، طلبا بعيد المنال ، وتتكوم جثث قتلاهم تلالا ، لن يبقي في أيديهم إلا أحد خيارين ، دمج إسرائيل في المعركة العسكرية ، أو استخدام أسلحة تدمير شامل ، وكلا الأمرين في الحقيقة ، سوف يكون موصلا بالآخر !
000
كيف يتحول الإقليم في اتجاه النموذج الأمريكي ، إذا كان الواجهات الزجاجية الملونة ، لهذا النموذج تتحطم ، وتتحول إلي شظايا متناثرة ، وكيف يمكن لهؤلاء المتأمركين ،أن يقنعوا جمهورا غاضبا ومجروحا ، ومنفلتا ، ومهانا ، بأن رغيف الليبرالية الأمريكية ، هو الذي سيشبعهم من جوع ، و يأمنهم من خوف..
لقد كتب كاتب أمريكي ، يقول بالحرف الواحد : إن جماعة الليبراليين العرب ورجال الأعمال يظهرون الأسى علي جمود الأوضاع في الشرق الأوسط ، أنهم لا يعتقدون أن غزو العراق سيغير من الأوضاع إلي الأفضل ولكنهم يتبنون نظرية الانفجار الكبير ، ويفترضون أن التغيير سيحدث للأفضل ، إن هذه الحرب هي الفرصة الأخيرة لهؤلاء الليبراليين ، وإلا فإننا بذلك نترك الفرصة لقيام جيل جديد من الأصوليين والمتطرفين !.
وإذا لم يكن ذلك حلما غائما ، فإنه نبوءة مقبضة ، أظنها آخذة في التخلق ، ولكنه يشكل نصف الطريق ، فعندما كان الصراع محتدما فوق القارة الأمريكية الجديدة ، أرادت بريطانيا أن تكسب معركتها في مواجهة فرنسا ، بضم السكان المحليين إلي معسكرها ، فأصدرت وعدا علنيا ، بتأسيس الدولة الهندية الكبرى ، وعندما وضعت الحرب أوزارها ، وأصبح الشمال الأمريكي في أيدي البريطانيين ، وقف الجنرال الاستعماري المنتصر (توماس جايج) علي ربوة عالية ، وخاطب جنوده قائلا :
" ألم يحن الوقت لأن يفهم هؤلاء الهنود ، أنهم لم يكونوا حلفاء ، بل حثالة من العملاء الأنذال ".
إننا لا نرجو أن يقف جنرال استعماري جديد ، فوق ربوة العراق العالية ،ويخاطب جنوده ، لكنه إذا حدث ذلك لا قدر الله ، فلن تجئ كلماته الجديدة، إلا رجع صدي لتلك الكلمات القديمة ذاتها!
31/3/2003

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :