أمريكا من نصر بلا حرب .. إلى حرب بلا نصر     


بقلم : أحمد عز الدين

في المبارزات التاريخية الكبري ، وبغض النظر عن مضامين المواقف المتواجهة وطبيعتها ، لا تتحدد نتيجة المواجهة بمقدار ما يضغط به الطرف الأقوي ، ولكن بمقدار ما يقاوم به الطرف الأضعف ، تلك حقيقة لا تخطئها العين ، فقد تم اختبارها عشرات المرات ، علي مسار التاريخ الإنساني .
غير أن تعبير مقدار ما يقاوم به الطرف الأضعف ، قد ينصرف تلقائيا إلي معان ذات طبيعة عسكرية خالصة ، لكن في الحقيقة يعبر أكثر من ذلك ، عن معان ذات طبيعة إنسانية ، ، تتشكل سبيكتها من مكونات عقائدية وتاريخية ونفسية ، قد يحيط بها تعبير أشمل هو إرادة القتال ، وهي شئ غير إرادة الحرب ، حيث يتخذ وجهها العكسي نفسه ، أقنعة مختلفة ، مثل الهزيمة المعنوية ، أو الامتلاء بالعجز ، أو الإحساس بالدونية ، وكلها قد تجئ كترجمات للنظرة المباشرة ، إلي موازين القوي أو إلي الفجوة التكنولوجية والمادية .
والحقيقة أن جانبا عميقا من المعني الذي أقصده ، استطاع أن يعبر عنه بإبداع مفرط ، كاتب مصري هو يوسف إدريس ، عندما استطاع أن ينفذ إلي لحظة زمنية بالغة القصر ، وأن يشد مسامها كأنها ألياف من المطاط ، ليكشف عن مكنونها الداخلي ، كانت اللحظة مشهد مواجهة بين الأسد ومدربه في حلقة السيرك فقد قفز الأسد فجأة وغرز أنيابه في صدر الرجل فقتله دون مقدمات ، واستطاع إدريس أن يعيد بناء المشهد كله ، ليقدم إجابة علي السؤال : لماذا تجرأ الأسد وتحول إلي قاتل مفترس ، وكسر قانون علاقة الألفة ، مع صاحبه بعد سنوات من الثبات والاعتياد ؟ وكانت إجابته تقول : إن اللحظة التي فتك فيها الأسد بالرجل ، هي نفسها اللحظة التي نظر فيها إلي عينه ، فأبصر شبح الخوف يتمدد للمرة الأولي فيهما ، وهي إجابة أوسع مدي من حدود الواقعة ، أو فردية الحادثة ، لأنها تنطوي علي ما يشبه القانون العام ، حيث تشكل الحالة المعنوية وما يصاحبها من الإحساس بالضعف والخوف ، أقصر الطرق إلي الانكسار ، وإلي الهزيمة في تجلياتها المادية المباشرة .

ولهذا لم تتوقف محاولات تصدير الهزيمة المعنوية إلي عقولنا وأرواحنا ، ولا محاولات تصدير الإحساس بالعجز والدونية ، فقد اتصلت مدروسة لإقناعنا بأننا أمة مهزومة ، وأن هزيمتنا هي محصلة طبيعية ، لأنظمة مهزومة ، وشعوب مهزومة ، وثقافات مهزومة ، ومنظومات قيم مهزومة ، بل لقد أريد دائما ألا تنسحب روح الهزيمة علي واقعنا فقط ، وإنما أيضا علي وقائع تاريخنا نفسه ، ليبدو أن معاركنا المتصلة ، لتحرير أرضنا ، واستخلاص إرادتنا ، لم تكن أكثر من سلسلة متداخلة من الهزائم ألبسناها بأعمال من السحر ، أردية الانتصار..

▲▲▲

في المشهدين الدمويين القريبين سواء في فلسطين بفعل آلة الحرب الأمريكية التي يركبها الإسرائيليون ، أو في أفغانستان بفعل آلة الحرب الجهنمية التي يركبها الأمريكيون ، لا تستطيع أن تجد إلا دلالة واقعية واحدة ، للإمعان المسرف في استخدام القوة ، وللخلط المقصود بين المدني والعسكري ، وبين القوة والقانون ، هي محاولة تكريس حالة من الإذلال المعنوي ، لكل الشعوب والحكومات التي تطل علي المشهدين في أنحاء الإقليم ، وإذا كان المطلوب إقناع الحكومات بأنه لا سبيل أمامها سواء بحكم موازين القوة ، وفجوة تكنولوجيا الموت ، أو سواء بحكم الحاجات والأزمات ، سوي أن تبتلع رفضها وغضبها ، وتمارس انحناء مذلا لإله القوة الجديد، فإن المطلوب إقناع الشعوب فوق ذلك ، بأن مصدر حمايتها في الخارج لا في الداخل ، وأن عدوها في الداخل لا في الخارج ، لأن الهدف في النهاية استسلام غير مشروط ، وشق للكتل الوطنية غير محدود ، وتأليب المجتمعات علي ذواتها ، وخلق أزمة ثقة عميقة بين الشعوب ونفسها ، وبين الشعوب وحكامها ، وبين الشعوب وبعضها .
غير أنني قد أبدو مبالغا إذا قلت إن منهج المواربة والملاينة أمام هذه الهجمة رغم إغواء ما قد يمثله من استسهال وقلة تكلفة ، يمكنه أن يجر إلي مزيد من التعقيدات والصعوبات ، ولقد جربت القيادة الفلسطينية هذا المنهج في بداية عملية الاقتحام الإسرائيلي ، فأصدرت عدة قرارات تعبر عنه ، سواء بالنسبة لتنظيم الجبهة الشعبية ، أو بالنسبة لفصائل المقاومة المسلحة ، أو بالنسبة لتقييد إطلاق النار ، منتظرة أن تجبر هذه القرارات آلة الحرب الإسرائيلية ، علي إيقاف اختراقاتها ، ومذابحها ، وأن تمد التدخل الأمريكي نفسه بالحوافز اللازمة لإيقاف الهجمة الإسرائيلية ، لكن الآلة العسكرية الإسرائيلية لم تتوقف ، والموقف الأمريكي لم يتغير ، لا في حدود تأثيره الإيجابي في ساحة القتل الإسرائيلي ، ولا في حدود تأثيره السلبي في مجلس الأمن ، بل إن وزير الخارجية الأمريكي انتهي إلي القول ، أمام لجنة العلاقات الدولية في مجلس النواب الأمريكي : " إن إسرائيل – كانت ما تزال تلغ في الدماء الفلسطينية – دولة ديموقراطية " و أنه " يدرك مبررات دخول القوات الإسرائيلية إلي الأراضي الفلسطينية " وأن" شارون صديق عزيز، يدرك (أي باول) عزمه علي حماية شعب إسرائيل " قبل أن يضيف تعهدا مزدوجا مدويا يتضمن " حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها بالطريقة التي تراها ملائمة ، وعدم اتخاذ موقف أمريكي يهدد أمنها " وهو كلام تجاهلته " الأهرام" كليا، وتجاهلته بقية الصحف الحكومية جزئيا ، أما التليفزيون فيبدو أنه لم يصل إلي أسماعه ، لكن إذا كان كلام "باول" يمثل فضيحة سياسية ، فإن كتمانه والتستر عليه إعلاميا ، إنما يمثل فوق ذلك فضيحة مهنية و أخلاقية .
ولست أقصد التصرف في الحدود السابقة هو الذي يعبر عن ملاينة أو مواربة للموقف الأمريكي ، فليس معقولا أن تكون أهم وسائل الإعلام في مصر أكثر حرصا علي تجميل وجه الولايات المتحدة ، من المسئولين الأمريكيين ، ومن الإعلام الأمريكي نفسه ولذلك فإنه يعبر عن ظاهرة أخري ، هي الاختراق وهي ظاهرة ازدادت تعمقا واتساعا ، وأصبحت تضع مفهوم الوطنية نفسه تحت التهديد ، مثلما تدفع قضية الولاء خارج المياه الإقليمية للوطن .
أما مسألة الملاينة أمام هذه الهجمة الشرسة ، فبمقدور كثيرين أن يبحثوا عن مردودها ، ودروسها في وقائع التاريخ ، وسوف يجدون أنها لن تخرج عن درس الأسد الذي أكل الرجل ، لأنه رأي لمعة الخوف كالدمعة في عينيه ، يستوي في ذلك سقوط باريس مع " بيتان " أمام ضربات القوات النازية ، أو تدمير قرطاج ومقدونيا عندما أنحنيتا لاسترضاء روما القديمة .

▲▲▲

من مسافة الرؤية البعيدة تختفي التضاريس الخاصة ، وتحل محلها الملامح العامة ، ومن مسافة الرؤية البعيدة قد يبدو أن ما يجمع بين المشهدين الدمويين في فلسطين وفي أفغانستان ، أننا في الحالتين أمام قوة بلا عقل ، لأن استخدام أقصي درجات القوة- حسب كلمات معلم الاستراتيجية الأول كلاوزفيتز- يلغي تماما استخدام العقل ، وإننا أمام قوة بلا قلب ، الضربات علي الجانبين ، تنصب علي أضعف بواطن المجتمع نساءا وأطفالا وعزلا وبيوتا من الطين والصاج ، تملأ معها بركا واسعة بالدم ، وأننا أمام قوة بلا شرعية ، لأن شرعية الغاب نفسها يصعب أن تبرر هذا التدمير الإبداعي لكل أسباب الحياة وألوانها ومصادرها ، وأننا أمام قوة بلا منطق ، لأن المنطق يبدو معكوسا في الحالتين ، إذ أن القوة ينبغي أن تتحرك في إطار أهداف سياسية محسوبة وممكنة ، يسبقها تحديد أدواتها ومسارها وطبيعتها ، لكن هذا الاستخدام العشوائي للقوة ، ومنتوجه من القتل والتدمير العشوائي ، يبدو وكأنه يمتلك آليته الذاتية ، تحديدا للأهداف ، وتحديدا للنتائج ، فالهدف هو ما تصل إليه القوة ، والنتيجة هي ما تنتهي إليه أي أن القوة العسكرية هي التي تقود الاستراتيجية السياسية وليس العكس ، وهذا ما يفسر الإسراف في استخدام أسلحة الدمار ، وعشوائية القتل والتدمير معا ، بغير مردود سياسي يتكافأ مع الأمرين ، ومن مسافة الرؤية البعيدة التي تعمد إلي التركيز علي التضاريس الخاصة ، يبدو أكثر فأكثر أن ما يجمع بين هذين المشهدين الدمويين ، أن كلا منهما قد حشر نفسه في مأزق حقيقي ، وإذا كانت أمريكا قد بدأت حربا بغير سياسة ، وبدأت قتالا بدون استراتيجية ، فإن إسرائيل ليس لديها غير استراتيجية عسكرية ، تريد فرضها بالقوة المسلحة ، وعندما يصطدم منطق القوة المطلقة ، بمنطق التاريخ ومنطق الشعوب، فإن القوة تستطيع أن تهدم ، وأن تدمر ، وأن تحصد أرواح الناس بمنجل مسنون، لكنها لا تستطيع أن تفرض شروطها النهائية ، أو أن تحقق انتصارها التاريخي، لأنها لا تستطيع أن تنتزع من أفئدة الناس، إرادة القتال ، وتلك هي المعضلة ، التي لا تستطيع القوة إدراكها ،وبالتالي لا تستطيع هضمها ، أو استيعابها ، لأنها تشكل بدورها منطقا مناقضا لمنطقها ، بل هو مناهض لها .
لكن توصيف المأزق الأمريكي في أفغانستان ، علي النحو السابق ، قد يبدو تبسيطا مخلا ، لأن المشهد الواقعي الحي ، أكثر تفصيلا فوق أنه أكثر تعقيدا :
أولا : كلما تباعدت المسافة بين القوة وبين العقل ، وكلما امتلأت فجوات هذه المسافة إحساسا بالعجز عن تحقيق الأعمال الحربية لعوائدها المرتقبة ، كلما بدت القوة أكثر توترا واستفزازا ، وبدت علامات الجنون في سلوكها أكثر وضوحا ، وكأنها تعمد إلي تغطية فشلها أمام نفسها ، قبل تغطيته أمام الآخرين ، وهكذا يمكن أن يكتسب استخدام قنابل عنقودية تزن 3000 كجم ، وتضم في داخلها مائتي قنبلة صغيرة ، زنة الواحدة 1.5 كجم ، مشروعية خاصة ، وهكذا تصبح مخازن الإغاثة الدولية ، التي تضح علي أسطحها صلبانا حمراء ، يستطيع الطيارون أن يروها بالأعين المجردة ، أهدافا مباشرة، مثلما تصبح المستشفيات المتهالكة ، أو القري الرثة التي تنتمي إلي العصور الوسطي ، أو سيارات الركوب المشحونة بأكوام بشرية مذعورة ، أو تصبح محطات الوقود أو محطات الكهرباء والمياه ، أهدافا استراتيجية في حد ذاتها .
وفي بلد يكاد أهله يموتون جوعا ، ويهلكون ظمأ، وتنسد أمامهم سبل الهروب، وسبل الحماية، يكون الطبيعي أن تتوجه مشاعرهم بأقصي درجات الكراهية والازدراء ، إلي هذه الآلة الجهنمية التي تحصد أرواحهم من السماء وتمطرهم رعبا وهلاكا، وهكذا لا تتحقق فحسب نبوءة ( روبرت فيسك ) عن أن " ذبح المدنيين الأفغان في الهجمات الأمريكية يعزز وجهات النظر القائلة بأن هذه الحرب يشنها الغرب ضد الإسلام " ولا تزيد شعبية طالبان بين الأفغان عموما ، وقبائل الباشتون خصوصا فحسب ، وإنما يصبح الأمريكيون في نظر الأفغان البسطاء لا منقذين يهبطون عليهم من السماء ، بالحداثة و الدولارات وأكياس الطحين ، وإنما شياطين وأعداء وكفار وقتلة ، هي المفردات التي تتساقط من أفواه بسطاء الناس ، وفقرائهم في أفغانستان .
والشاهد في ذلك أن جذور طالبان لن تقتلع من تربة أفغانستان ، لأن الصواريخ والقنابل الأمريكية التي جاءت لتقتلعها ، إنما حفرت لها في الأرض عميقا ، مثلما حفرت لها أعمق في عقول الأفغان ، والشاهد في ذلك- أيضا – أننا لسنا بصدد عملية لإعادة توطين الإرهاب فقط ، وإنما بصدد عملية لإيقاظ كل التناقضات ، عرقية أو دينية ، أو مذهبية في عموم المنطقة .
ثانيا: إذا كانت القوة العسكرية الأمريكية لا تستطيع أن تتحدث بشكل مباشر عن خطأ حسابتها ، وقصورها وقلة فاعليتها ، وقدرتها علي تغيير الوضع في أفغانستان ، فإنها لم تجد بديلا عن أن تضفي علي خصمها أوصافا بطولية أو قتالية ، تبرر بها أسباب مأزقها ، فوزير الدفاع الأمريكي نفسه هو الذي وزع علي أكثر من صحيفة أمريكية أوصافا مستحدثة لطالبان ، علي غرار " أنهم مقاتلون قساة ولهم خبرة طويلة في الحرب" ، أو " أنهم أقوياء جدا ولهم خبرة في المعارك ، وبالتالي فإنهم لن يخضعوا ويستسلموا" ، كما أن الصحف الأمريكية والبريطانية هي التي توزع علي الجمهور صورا جديدة لقدرات طالبان ، فهي حسب " نيويورك تايمز " تستطيع الحصول علي أية معلومات تحتاجها ، ولديها شبكة معاونة قوية من الخارج ، وما تزال قادرة علي أن تتزود بالوقود والذخيرة عبر باكستان ، وبالغذاء والحلوى عبر إيران ، والجارديان البريطانية هي التي تؤكد أن هناك إداركا متزايدا في لندن وواشنطن ، لأن الحرب ستكون صعبة وطويلة ، وأن طالبان أثبتت أنها خصم صعب جدا ، والطيارون الأمريكيون لم ينجحوا في تفكيك قواتها ، والمتحدث باسم البنتاجون نفسه ، هو الذي يقول بعد ثلاثة أسابيع من القصف ، أنه من الصعب جدا ، تحطيم بنية طالبان ، وكيسنجر نفسه – وقد كان من أعلي الأصوات تعجلا لبدء الضربات العسكرية قبل العثور علي دلائل – هو الذي تولي رسم صورة شاعرية للمستحيل الأمريكي بقوله : " إن أمريكا تريد أن تجفف محيطات العالم ، كي تعثر علي غواصة " ، أما رئيس أركان الجيش الأمريكي ( ريتشارد مايلز ) فقد تخلص من المأزق كله ، بإحالته إلي عنصر الزمن اللانهائي قائلا : " إن الحرب ضد أفغانستان والإرهاب ، لن تستغرق عاما أو عامين ، كما قيل بل قد تستغرق العمر كله " ويبدو أن علينا بالتالي أن تستهلك أعمارنا وأجيالنا كلها ، في انتظار (جودو) الأمريكي ، او في انتظار أن تفرغ آلة الحرب الأمريكية من إثبات فاعليتها وقدرتها ، وتنجح في تحقيق أهدافها المستحيلة ، وإذا كان استخدام القوة المسلحة يعكس في حد ذاته ، إفلاسا في التغيير بوسائل أخرى ، فقد كاد هو نفسه ، أن يصبح وسيلة مفلسة .
ثالثا: ليس ثمة معركة يمكن كسبها نهائيا بالضرب من الفضاء ، ولكن تجربة القوات الأمريكية علي الأرض ، تبدو علي غرار أهدافها المستحيلة ، فهناك سريتان من القوات الخاصة الأمريكية ، ترافقان قوات الشمال ، ولكنهما لم تضيفا إلي هذه القوات قدرات بادية علي اختراق دفاعات طالبان ، وهناك سرية استطلاع أمريكية أخرى مع القوات الأزبكية ، بقيادة عبد الرشيد دستم كانت مهمتها أن تعمل خلف خطوط العدو الطالباني ، ولكنها لم تقدم جديدا ، لترشد توجهات الصواريخ والقنابل الأمريكية الضالة ، ثم هناك تجربة عملية لقوة سرية من القوات الأمريكية الخاصة أقلعت من مطار " كوتا " ونزلت قرب مطار قندهار ، ومارست تجربة إغارة قتال ، ويبدو أن هدفها كان أيضا القيام بما يطلق عليه " الاستطلاع بالقوة " ولكنها لم تحقق نجاحا ، في مهمتها إضافة إلي أنها فقدت ثلاثة قتلي وستة جرحي سحبتهم معها ، وهي تهرع إلي نقطة انطلاقها ، وهي تجربة كانت نتائجها غير مشجعة علي تكرارها ، ومع أن بريطانيا بصدد إرسال 100 مقاتل من مشاة بحريتها للقيام بمهام مباشرة مماثلة ، ورغم أن لدي قواتها خبرة قتال برية أكبر ، مما لدي القوات الأمريكية ، إلا أن هذه القوة الأصلية ، أو احتياطيها المجهز والمكون من 400 مقاتل لا يشكلون قوة لعمل عسكري مؤثر فوق الأرض .
أما قوات الشمال بالتحالفات العرقية المؤقتة ، التي تستند إليها من الأذبك والطاجيك والهزارة ، فتبدو مهلهلة ومنقسمة وعاجزة ، حد أنها تواصل لومها العلني للقوات الأمريكية ، لأنها لا تقوم بقصف مؤثر لمقدمات قوات طالبان ، ليتيح لها فرصة أن تتقدم بريا ، وهو ما يعكس عجزها الذاتي عن القيام بعمل عسكري فاعل يزحزح طالبان عن الأرض التي تمسك بها ، وهكذا فإننا في النهاية أمام مشهد عسكري علي جانب كبير من الصعوبة كما أن نتائجه غير قابلة للكتمان ، وهكذا أيضا فإن أكثر العناوين وضوحا في الإعلام الأمريكي ، هي التي تتحدث عن " إعادة دراسة جدوي الاستراتيجية الأمريكية البريطانية " وعن أن " أمريكا تبدأ الشك في قدراتها" .
رابعا : إذا كانت هناك صعوبات ، في قدرة القوات العسكرية الأمريكية علي تحقيق أهدافها ، فإن هناك صعوبات أخري تتعلق بطبيعة وامتدادات رقعة المواجهة في أفغانستان ، وبنتائج هذه المواجهة فالمنطقة كلها موصولة بوشائج قوية للغاية ، تتجاوز الحدود الطبيعية لكل دولة ، وإذا كانت تشكل تداخلا وتشابكا فإنها في الوقت نفسه تشكل تعارضا في المصالح ، سواء أكانت عرقية أم مذهبية أم استراتيجية ، بدرجة أن كل نصيب من المصلحة الخاصة يضاف إلي طرف حول مائدة الأزمة يشكل في حد ذاته انتقاصا من أنصبة مصالح الأطراف الأخري ، ولذلك فإن البحث عن نقطة توازن بين المصالح والأطماع ينطوي بدوره علي صعوبات شديدة ، كما أن هذه المصالح والأطماع ذاتها المرتهنة فوق بركان الأزمة ونارها تشكل سيوفا مزدوجة الحد ، فإذا كانت طاجكستان وأوزباكستان ، تتدعمان التحالف الشمالي ، لأسباب تتعلق بالمكون العرقي " الطاجيك 35% والأذبك 9% " فلماذا تدعمه روسيا التي ليس بها لا طاجيك ولا أوزبك ، ولماذا حفزت أوزباكستان وطاجيكستان ، علي تقديم دعم محدود للقوات الأمريكية ، وحفزتهما في الوقت نفسه علي رفض أن تتحول أراضيهما إلي نقطة وثوب مفتوحة للقوات الأمريكية ؟ هل الهدف هو عرقلة خطوات الولايات المتحدة في بحر قزوين ، وقد كانت طالبان هي حارس أنبوب النفط الذي سيمتدد من باكو إلي تركستمان ، إلي كراتشي عبر أفغانستان ؟ قد يكون ذلك صحيحا ، ولكن لا يتقاطع مع هدف أساسي وهو قطع الامدادات والتأثير من طالبان إلي المعارضة الإسلامية التي تتزايد في الجمهوريات الإسلامية الآسيوية ، خاصة أوزباكستان التي مثلت جسرا الناحيتين.
وإذا كانت إيران يعنيها انتصار الأذبك والهزارة ( مجموعهما 17%) لاعتبارات مذهبية ، ولهذا أبدت استعدادا للتعاون في بناء نظام أفغاني جديد لتتيح لهما ولنفسها بالتالي حضورا أكبر في هذا النظام ، وإذا كانت تركيا لا يعنيها من ذلك كله إلا عوائد المشاركة المادية وأنبوب النفط ، ثم إذا كانت باكستان التي يمتد الباشتون ( 37 % من السكان ) عبر حدودها إلي أفغانستان ، كما يمتد حضور طالبان من أفغانستان إليها عبر الحدود ، والتي تتعامل علي حد تعبير " حميد كول " رئيس مخابراتها السابق ( مكرهة مع الولايات المتحدة وهي تتمزق بين مصالحها الوطنية ، وبين مصالحها في أفغانستان ، ومصالح أمريكا فيها ) لا تستطيع أن تقبل بتسوية جائرة مع الهند ولا تستطيع الهند ، أن تتحمل تسوية ناقصة معها ، كما أنها لا تستطيع أن تتحمل امتدادا مؤثرا للأوزبك أو الهزارة بالدرجة الأولي ، وللطاجيك بالدرجة الثانية ، فكيف يمكن الوصول إلي قسمة عادلة أو متوازنة أو مرضية بين الأطماع والمصالح والأعراق والمذاهب ليمكنها أن تعيش طويلا .
وإذا أضفنا إلي ذلك صعوبة إلغاء طالبان نهائيا من فوق الساحة الأفغانية لأسباب يمتزج فيها العرق بالدين بالمذهب ، وإذا تصورنا أنها ستكون مجرد طرف ناقص كغيرها من الأطراف فإن تفاعل هذا كله لا يمكن إلا أن يؤدي إلي حالة مستمرة من الاحتراب ، وعدم الاستقرار ، وإذا كانت امتدادات هذه الحالة تتحرك وشائج قوية تحت الأرض مصالح وأعراقا ، وقبائل ومذاهب ، في ساحة كبيرة مفتوحة علي الجهات الأربع ، فأي قلاقل ستكون قابلة للانتشار وأي صدامات لاحقة ستكون قابلة للانفجار .
إن مسئولا أمنيا إيرانيا كبيرا هو الذي حذر هذه المرة من نتائج هزيمة أمريكا في هذه الحرب ، لأن الفوضى ستشيع – علي حد تعبيره – في المنطقة ، وقد يكون بمقدور أمريكا أن تنتظر ، لكن ليس بمقدورها أن تدفع من دمها ثمن هذا الانتظار ، كما أن أحدا في أوروبا كلها يقبل أو يقدر أن يدفع من دمه الثمن ، وعندي أن انتصارا أمريكيا كاملا بالمعني الاستراتيجي في هذه الحرب لن يتحقق كما أن هزيمة كاملة غير قابلة للحدوث ، ولهذا فإن أقرب الظن أن ميراث هذه الحرب ، لن تكون إلا مزيدا من القلاقل المتحركة ، والفوضى السائبة وغياب الاستقرار ، ثم مزيدا من جموح القوة .
إن أحدا لم ينصت بالقدر المطلوب إلي حكمة متعددة المستويات ، أطلقها مع إشارة بدء العمليات العسكرية الأمريكية ( فان ديتيان جونج ) قائد حملة " تشي منه" وصاحب الانتصار الكبير في فيتنام ، كان المستوي الأول في هذه الحكمة يقول بلغة تقريرية صافية : " إن القوة العسكرية الأمريكية لن تتمكن من كسر شوكة طالبان وبن لادن " ، وكان المستوي الثاني فيها يقول : " إن هذه الحرب لن تطفئ الحقد ، بل ستزيد من اشتعاله ، وستفجر أحقادا جديدة ، وانتقاما أقسى " ، أما المستوي الثالث فقد كان سؤالا مفتوحا هو " كيف سيخرج الأمريكيون من هناك ؟!"

▲▲▲
إذا كانت أمريكا تتحدث عن إعادة دراسة جدوى الاستراتيجية الأمريكية البريطانية ، وإذا كانت صحفها تقول : أن أمريكا بدأت الشك في قدرتها ، فما هو الحل إذا للخروج من المأزق ؟ وإلي أين ستنتهي دراسة الجدوى ؟ .
أتصور أن الصيغة الراهنة للعقل الاستراتيجي الأمريكي ، أو للعقل السائد في منظومة القوة الأمريكية ، تتأرجح بين خيارين وحيدين : إما التصعيد الرأسي للعمليات العسكرية في الميدان الأفغاني ، وإما التصعيد الأفقي بامتداد العمليات العسكرية إلي دول أخرى .
أولا : يترتب علي خيار التصعيد الرأسي فوق المسرح الأفغاني ، استخدام أسلحة أكثر تأثيرا وحسما ، قد تكون علي غرار ما أكده " لوتشانو بوتو " الخبير بمركز الدراسات الاستراتيجية الإيطالي ، من أن الخبراء العسكريين في البنتاجون يعززون فكرة لجوء الولايات المتحدة غلي استخدام القنابل النيتروجينية ، كآخر أوراق الهجوم العسكري ، لأنها كما يقولون أشد تأثيرا وأقل انتشارا ، وقد تكون علي غرار ما نقل عن مصادر عسكرية في بروكسل ، من أن هناك ما يشبه القناعة الأمريكية ، أن طبيعة التضاريس الجبلية التي تتميز بها معظم أفغانستان ، لا يصلح معها إلا صواريخ وذخائر مقواة الرءوس باليورانيوم المخصب ، حتى تستطيع اختراق الأهداف المطلوب تدميرها في مخابئ طالبان .
والحقيقة أن المراقب يستطيع أن يجمع دلائل علي تمهيد أمريكا لاستخدام أسلحة التدمير الشامل من بينها ، تلك الاتهامات التي توزعت علي عدة صحف غربية ، نقلا عن مصادر في المخابرات المركزية الأمريكية ، والمخابرات البريطانية ، تؤكد أن بن لادن ، قد حصل علي مواد نووية في حوزته ، أي أنه أصبح يشكل تهديدا نوويا ، بل إن هذه المصادر قد حددت سبل حصوله عليها ، بطرق غير شرعية من باكستان ، بل وأضافت أن بوش وبلير يعتقدان في صحة هذه المعلومات ، ولديهما مخاوف من أن تكون تهديدات بن لادن الأخيرة ، تعني استخدام أسلحة نووية .
ومن المؤكد أن أمريكا لم تستخدم حتى الآن قنابلها النيتروجينية ، ولكن هناك علامات متزايدة ، علي أنها استخدمت خلال الأيام الأخيرة ذخائر مقواة الرءوس باليورانيوم .
ثانيا : يترتب علي خيار التصعيد الأفقي تقليص التحالف الدولي ، واقتصاره علي الحلفاء الأطلسيين ، والإقدام علي توجيه ضربات عسكرية إلي دولة عربية أو إسلامية أخري .
وإذا نقلت عن الجنرال " جان بول رانين " رئيس مجموعة الاتصال الفرنسية لدي القيادة المركزية الأمريكية ، وأقرب العسكريين الفرنسيين إلي شيراك ، فإن الجنرالات الأمريكيين لديهم ميول لتوسيع الضربات لتشمل العراق وسوريا ، وحسب شهادته ، فإن هؤلاء الجنرالات يبررون رغبتهم ، في توجيه ضربات للعراق ، بحجتين ، الأولي : ادعاؤهم بعقد لقاءات في براغ بين مقربون من أسامة بن لادن ، والعديد من أفراد أجهزة الاستخابرات العراقية ، والثانية : عبارة عن تساؤلات من المخابرات المركزية الأمريكية ، التي تشير إلي مواصلة العراق بشكل سري إنتاج الجمرة الخبيثة ، أما حلم ضرب سوريا عند ضباط البنتاجون ، فيرجع إلي حجة واحدة ، وهي أن سوريا توفر الحماية لحزب الله .
وفي كل الأحوال فإن خيار التصعيد الرأسي فوق المسرح الأفغاني باستخدام أسلحة أكثر تأثيرا وحسما ، لا يلغي خيار التصعيد الأفقي ، إذا لم يحقق الخيار الأول أهدافه كاملة ، أي تحول القوة العسكرية الأمريكية إلي ضرب دولة عربية وإسلامية أخرى ، قد تكون العراق أو سوريا ، حسب ما هو منقول عن ضباط البنتاجون ، وإن كان العراق يحتل موقع المرشح الأول باليقين .

▲▲▲

بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ، وانحصار الحرب الباردة ، كتب الرئيس الأمريكي الأسبق " ريتشارد نيكسون " وهو من أنضج العقول الاستراتيجية التي أنجبتها أمريكا ، يصف الوضع الجديد ، بالنسبة للولايات المتحدة ، بأنه بمثابة " نصر بلا حرب " ، محذرا من مغبة تأثير ذلك علي غلبة الاتجاهات الانعزالية ، داخل الولايات المتحدة ، وعلي شيوع إحساس عميق بتدني منفعة القوة العسكرية ، وغيرها مما رآه عوامل سلبية ، يمكن أن تؤثر علي قيادة الولايات المتحدة للعالم ، باعتبارها الدولة العظمي الوحيدة .
وأحسب أن نيكسون لو كان موجودا ، لكتب يحذر من مغبة التأثيرات العميقة التي ستترتب علي الوضع الجديد ، الذي يواجه الولايات المتحدة ، وأحسب أيضا ، أنه كان سيختار لهذا الوضع ، مقلوب عنوان كتابه السابق ، أي " حرب بلا نصر " .

29/10/2001

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :