حوار جاد مع الجنرال يَأْس     

أمريكا ستحاول استنساخ الحالة العراقية وتطبيقها على جميع الدول العربية

بقلم : أحمد عز الدين

تحت سقف الهزيع الأخير من الليل ، كانت بقايا النهار السابق ما تزال تتنفس في دمى ، صخبا وألوانا ، كأنها ألسنة حريق متقد ، وبينما كان كل شئ في الغرفة المنعزلة كسجن انفرادي، يبدو غارقا في غلالة سميكة من النعاس ، كنت أحس قلبي عصفورا شاردا ، يضرب زجاج النافذة ، بمنقاره الصغير ، وكأنه يتعجل ضوء النهار .
كان للصمت صوت ، وللوحشة لغة ، وللفراغ لون ، وكأن نهر الناس الجارف في شقوق المدينة العميقة ، قد توقف عن النبض ، وكف عن الجريان .. وحين انتابتني قشعريرة الوحدة ، سمعت صوت حذائه الثقيل ، يعبر الممر المعتم نحو باب الغرفة ، ثم وجدته أمامي مكتملا كمخلوق هرب لتوه من حفريات التاريخ ، وكما لم يطلب إذنا بالاقتحام والدخول ، لم يطلب إذنا بالجلوس ، فقد تكوم على المقعد الخشبي الذي يواجهني ، ثم وضع ساقا فوق ساق بحيث حدقت مسامير حذائه العسكري في وجهي ، وقبل أن يجفف خيوط عرق فوق جبهته ، أو يخلع غطاء رأسه، بادرني بالقول : أظنك تعرفني .. أنا( الجنرال يأس) ..
حدقت في وجهه طويلا ، وانسكب شعاع من عيني في بئر عينيه ، ثم سرت قشعريرة الكهرباء في أوصالى ، فلم تكن صدمة المفاجأة عندي ، أن( الجنرال يأس ) ، قد تجسد رجلا ، اقتحم غرفتي ، و أحاط بي كسوار من حديد ، وانه يشاركني النفس والمقعد والفضاء ، ولكن في أن الشفرة البشرية له ، لم تقع لدى في موضع استرابه ، فقد بدا وجها ورائحة ومذاقا مكررا ، وكأنني أراه عشرات المرات في كل يوم .
وحين صعد الدم حارا إلى رأسي ، جرى معه شلال ضوئي من الصور ، تبينته فيها حاضرا ، وكانت الصور موزعة ، بين مقاعد الحكومة ، ومؤتمرات الجامعة العربية ، وشاشات التليفزيون ، والصفحات الأولى للجرائد القومية .
ضغطت على حروفى وأنا اسأله :
كيف دخلت إلي َ ؟
أجاب باستهانة :
لم أحطم بابا، ولم أخلع نافذة ، ولكنى وجدت مسام روحك مفتوحة ، فدلفت منها إليك .
لم يمهلني ردا فقد أضاف :
تعرف أن الجنرال (موشي ديان) كتب قبل ربع قرن ، نص نبوءة مقبضه ، كانت النبوءة تقول :
(إن العرب سيلقون هزيمتهم النهائية والأخيرة ، على يد الجنرال يأس ) . وها أنا ذا حاضر بينكم ، ثم ها انا ذا تجاوزت خطوط بابك .
غمغمت دون صوت : وها انا ذا اكتشف انك لا تتجول طليقا في أنحاء الوطن ، ولا تمارس حرفتك الهدامة في شوارعه ، وحوانيته ، ومنابره ، ومؤسساته، وأجهزته ، ولكنك اختزنت طاقة قوة ، من ضعفه، مكنتك من أن تقتحم وحدتي ، وان تتسلل إلى خلايا عقلي ، كما تتسلل سموم المبيدات ، عبر مسارب ضيقة ، إلى عصارة الشجرة .
في اللحظات التالية ، كنا قد أصبحنا وجها لوجه ، كنت أحفر في الفضاء حول مقعدي خندقا دفاعيا أخيرا ، بينما كان يخرج من جيبه ترسانة من الأسلحة ، وكانت رقعة الحرب ، مائدة صغيرة إلى جوار النافذة ، اخذ يصف فوقها ، ارتال من المدرعات ، وبطاريات الصواريخ ، والمدفعيات الثقيلة ، وعلى حافتها حاملات طائرات ، وبوارج ، وغواصات نووية .
لم اسمع صفارة الإنذار التي انطلقت في رأسي ، ولكن المعركة بدأت دون شك ، فقد انهمرت القذائف ، والصواريخ ، من كل حدب وصوب ، واشتعلت الغرفة كلها ، كأنها مكعب مصنوع من الشمع .
...
هدأت الصواريخ ، وسكتت المقذوفات فجأة ، ثم حل سكون تام ، وحين أخرجت رأسي من حفرتي الدفاعية للاستطلاع، وجدت الجنرال يأس قد حول المقعد إلى منبر ، ووقف عليه خطيبا ، ممسكا بميكروفون من الورق المقوى ، ثم خاطبني قائلا :
أنا آسف لاستخدام القوة لان لغة الحوار الحضاري ، معطلة من جانبكم ، وهذا ليس تقديري في كل الأحوال، ولكنه تقدير قادة الحرب في البنتاجون ، ولقد سمعت ذلك بنفسي من البروفسير ( أهود شيفرينتسك ) الباحث الخبير في شئون الإرهاب بمعهد هرتزليا ، وبعد ان أمضى قبل أيام ، عدة جولات من المباحثات مع قادة البنتاجون ، انتهى إلى تلخيص فهمهم ورؤيتهم للعالم العربي في ملمحين أساسين :
الأول : أن هذا العالم العربي هو عالم من المتخلفين .
الثاني : أن هذا العالم من المتخلفين ، لا يفهم إلا لغة واحدة ، هي لغة القوة .
وإذا كان هذا تقدير قادة أقوى قوة عسكرية فوق الأرض ، وفى تاريخ البشرية ، فهل يمكن ان يتناقض تقدير جنرال مثلى معه ، وإذا لم يكن التقدير متناقضا فإن السلوك لابد وان يصبح متطابقا .
أضاف الجنرال يأس :
تعرف أن الفهم هو الذي يلد المفاهيم ، وان المفاهيم تدخل عنصرا أساسيا في صياغة الاستراتيجيات ، ولهذا أرجوك ألا تعتريك الدهشة مرة أخرى ، إذا أطلعتك على مستخلص محضر آخر لقاء ، تم بين ( دافيد ساترفيلد ) نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشئون الشرق الأوسط ، وبين القيادة الإسرائيلية وعلى رأسها ( الجنرال شارون ) ، في حضور الجنرال ( موشيه يعالون) رئيس الأركان الإسرائيلي الجديد.
لقد كانت المادة الأساسية التى بنى عليها اللقاء ، هو البحث الذي أعده معهد (راند ) في الولايات المتحدة بطلب من ( ريتشارد بريل ) نائب (بول وولفيتز) المسئول عن التخطيط الإستراتيجي في البنتاجون ، وقد جاء البحث إجابة على سؤال محدد هو : ( ماذا يجب أن تكون الإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط )
إن ما تسرب من هذه الدراسة ، قبل ثلاثة أسابيع ، تعبير واحد هو وصف المملكة العربية السعودية ، بأنها عدو يجب معالجته ، لكن الخطوط الرئيسية للدراسة ، والتي تم اعتمادها فعليا، وتحولت إلى مادة رئيسية للحوار في هذا الاجتماع ،-حسب تقرير المحرر العسكرى لصحيفة (يدعوت أحرنوت) تضمنت ثلاثة أعمدة رئيسية :
الأول : أن الهجوم العسكري الأمريكي ضد العراق هو هدف تكتيكي .
الثاني : أن الهدف الإستراتيجي الأول ، هو المملكة العربية السعودية .
الثالث : ان مصر في إطار هذا التصور ، هى الجائزة الكبرى .
أى أن الهدف الإستراتيجي ليس تغيير الرئيس العراقى ، وليس تغيير النظام العراقى ، ولكنه إضافة الى ذلك تغيير أنظمة الحكم في السعودية وفى مصر . والحقيقة ان الهدف لا يقتصر على تغيير أنظمة الحكم في البلدان الثلاث ، لانه يطول بالأساس ، تغييرا شاملا في الأبنية السياسية ، والاقتصادية ، والاجتماعية ، والفكرية فيها ، على اعتبار أنها تشكل بيئات صالحة لإنجاب مزيد من التخلف والمتخلفين ، والإرهاب والإرهابيين ، او من التحديات الإستراتيجية التى تواجه المصالح الأمريكية .
وها انت ترى ان الأهداف الإستراتيجية ، تتطابق مع المفاهيم التى هى نفسها نبت فهم مستقر ، للأمرين السابقين ، اى البيئة المتخلفة العاجزة عن التحديث ، والبيئة المتخلفة التى لا تفهم في الوقت نفسه غير لغة القوة . ولهذا كما تعرف ، إذا كانت الإستراتيجيات لا تنفصل عن أدواتها ، فان هناك اندماجا وظيفيا كاملا ، بين هذه الأهداف ، وبين أدوات تحقيقها ، وهى حسب مستخلص الاجتماع ، أو حسب تقرير (راند): تغيير الخرائط السياسية للمنطقة العربية ، بوسائل عسكرية بحتة .
استطرد الجنرال يأس ضاحكا :
إن التوقيت لا يعنى عندكم شيئا ، ولهذا فانتم لا تربطون بين ما يطلق من إشارات ، أو من(طلقات إشارية)، وبين حيزها الزمنى . عندما كان الأمريكيون يهمون بضرب أفغانستان ، لم يكف الخبراء الاستراتيجيون أمريكيون عن القول ، أن سياسة افغانستان اولا ، لا يجب فهمها خطأ على انها أفغانستان فقط ، وعندما تبدأ أمريكا عملية الفتح الإستراتيجي لضرب العراق ، فان هناك أيضا من يقول ، ان سياسة العراق اولا ، لا يجب فهمها خطأ على إنها العراق فقط ، ولكن صدى الكلمات ، يبدو عندكم كصدى الطلقات ، منفصل تماما عنها .
ان الصحف الامريكية لم تتوقف خلال عام كامل منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر ، عن ان تصف نظم الحكم العربى ، بانها استبدادية ، ومفلسة سياسيا ، ومستنفذة معنويا ، ولا تملك برامج سياسية عصرية ، وانها لا تستحق الدعم المالى التى تحصل عليه ، ومع هذا مضى كل منكم يرى ان المقصود أحدا سواه ، وربما يكون الأمر متعلقا بجاره ، او جار جاره البعيد .
ولان الفهم لم يكن صحيحا ، فان المفاهيم أيضا عانت من القصور ، بينما قاد القصور الى نوع من التقصير الفاضح .
ربما سيكون من حسن الطالع ان الولايات المتحدة باتت تدرك، انها لم تعد تسطيع بالقدرة نفسها ، تجديد العواطف الإنسانية المستهلكة ، من جراء ما حدث فوق أراضيها ، ولهذا يتجه خطابها الى مزيد من الوضوح ، لكن الوضوح عندكم يبدو مضببا ، لانه عندما كان وزير الدفاع الامريكى رامسفيلد ، يصف الوجود العسكرى الاسرائيلى في الضفة الغربية بانه ليس احتلالا ، ويخلع عن الاراضى الفلسطينية صفة المحتلة ، كان الرد الدبلوماسي العربى ، يبدو غارقا في الضباب ، فقد اعتبر الكلام زلة لسان،بينما كان الكلام مدروسا ومبرمجا ومعبرا عن واحدة من اهم ابعاد الإستراتيجية الامريكية ، التى تريد أن تدفع عن العراق بعد تدميره ، مخاطر انقسامات متوالية طبيعية ، وتريد ان تدفع عن إسرائيل مخاطر دولة فلسطينية في الضفة والقطاع ، ولذلك تسعى الى ان تضع فوق راس العراق او بقاياه ، في إطار جراحة سياسية وجغرافية عميقة ، عمامة هاشمية مصطنعة ، بينما تتيح لهذه العمامة ان يمتد ظلها الى أجزاء من السعودية ، وتتيح لإسرائيل ان تنقل قوام الدولة الفلسطينية الى الأردن ، بعد شطب عرفات بشكل نهائى . اما سوريا فمصيرها ليس مرتبطا فقط كما يشاع بمصير حزب الله وانما هو اكثر ارتباطا ، بمصير عملية اختلاق ، هذا الرصيف الإستراتيجي الكبير ، الذى ينبغى تمهيده ورصفه من إسرائيل عبر تركيا الى تخوم آسيا الوسطى .
قد تستطيع ان تفهم مغزى الأبعاد لذلك كله من أمرين :
الأول : من ذلك السؤال الذى طرحه فريدمان ، في أول سبتمبر الحالى بنيويورك تايمز ، لقد كان منطوق السؤال يقول : هل عراق اليوم نتيجة صدام ونظامه ، ام هل نظام صدام هو نتيجة تركيبة العراق ؟‍‍‍‍
انك تستطيع ان تعيد طرح السؤال بوضع اى نظام عربي مكان نظام صدام ، ووضع اى تركيبة لدولة عربية مكان تركيبة العراق ، فالولايات المتحدة على حد تعبيره تريد ان تعرف المادة الخام ، التى ستصبح ملكا لها ، والتى ستبنى منها دولا جديدة بتركيبات جديدة ، وبيئات جديدة ، وأنظمة جديدة . وفى جوهر النظرة الأمريكية ، وفى مئات الدراسات والأبحاث والتقارير ، تستطيع ان تقرأ بوضوح ، ان الخلل ليس خلل الأنظمة فحسب ، وانما خلل البيئة وخلل المادة الخام ، ولذلك فالمطلوب تغيرا اعمق، وجراحة أوسع ، تسمح بإعادة صياغة المادة الخام ، و إعادة تركيبها لتكون قابلة للعصرية وللتحديث ، بعد نفى جوهرها ، وذاتها ، وخصوصيتها .
الثانى : من ذلك التعبير الذى صاغه مسئول أمريكي ، رفض ذكر اسمه ، وهو يمليه على إحدى وكالات النباء العالمية ، قائلا : ان الهدف ليس قتل الناموس ، ولكن تجفيف المستنقعات .
استدار (لجنرال يأس)، وهو يواجهني بصوت اعلى :
قل لى ، كيف ستحول أيها الناموس ، دون تجفيف المستنقعات ، وماذا ستفعل إذا نجوت بعد تجفيفها .
...

كأن الغضب قد أصبح ، لهبا في دمى ، فخرجت من خلف متراسي في العراء ، ثم تسلقت المقعد وتحولت بدوري إلى خطيب ؛
قلت( للجنرال يأس ) :
وطني ليس مستنقعا ، وأنا لست ناموسة ، وأنت لا تريد أن تفهم أن هذا الكلام الكثير المعاد ، عن بيئة الإرهاب ، وبيئة التخلف ، ليس إلا قناعا مستحدثا ، لأهداف استعمارية بحتة شأنها شأن الحروب الصليبية ، التي كانت حروبا اقتصادية خالصة ، بدأت وهي تتغذى علي كبار تجار اوليجاريكية البندقية ، وجنوه وبيزا ، وانتهت أقرب إلى حروب القراصنة التي تستهدف السلب والنهب .
إنه ليس عصر حروب المسلمين ، على حد تعبير هنتجتون ، ولكنه عصر حروب اللصوص والقراصنة .
إذا كان هدف الحروب الصليبية هي الأراضي المقدسة ، فلماذا اتسعت لتشمل جانب الشام كله العراق والحجاز ومصر أي النصف الشمالي من دائرة المشرق العربي ، ولماذا تتسع الحملة العسكرية الأمريكية ، لتضع نفس الأهداف الإستراتيجية فوق لوحة تنشينها ، ولماذا يبدو إنها عامدة إلي أن تتحرك كما تحركت الحروب الصليبية ، في اتجاه عقارب الساعة ، حتى وإن بدأت بنقطة أعلي إلى الشمال ، ثم إنه ليس صحيحا أن الاستعمار يعني سيطرة حضارة راقية علي حضارة متخلفة .. فالرومان لم يخلقوا سوي أدوات الدمار والردى، ولكنهم دمروا الإغريق ، قوة وتراثا وحضارة، ولكن الدرس الأكبر والأبقى في ذلك ، يشمل بندين :
الأول : أن المبالغة في استرضاء روما أو إمبراطورية الشر القديمة ، تاريخيا ، كانت سببا ودافعا لتدمير قرطاج ، كما كانت سببا ودافعا لتدمير مقدونيا .
الثاني : لخصه (بول كينيدي) في شكل سؤال استنكاري : من هي الدولة الكبرى التي يمكن أن تبقى ، إذا كانت سبارطة ، وروما ، قد فنيتا ..
ثم ماذا نقول للرئيس بوش ، هل نستعيد كلمات ( سرفانتس ) في ( دون كيشوت ) ، إلى النبيل ذو المعطف الأزرق : ( دعني أقبل قدميك لأنك أول قديس أراه فوق صهوة جواد )،فنقول له : دعنا نقبل قدميك لأنك أول قديس نراه علي صهوة صاروخ .! باعتباره قديس التحديث والعصرية ، الذي يلف حول صدره علم (يسوع) ، ويعتبره بكلماته وألفاظه ، فيلسوفه الوحيد .
ما أشق الكلمات علي النفس والبدن ،فما علاقة يسوع الذي ظل يكرر حكمته ( من ضربك علي خدك الأيمن، فأدر له خدك الأيسر ) ، بإستراتيجية الضربة الإجهاضية ، التي يتصور أركان الإدارة الأمريكية ، -حسب كلمات باول – إنها مقتبسة من النظرية العسكرية الإسرائيلية ، رغم أنها ، تشكل ابتكارا خالصا للمذهب العسكري ، لألمانيا النازية .
وما علاقة يسوع بتحويل القوة العسكرية الغاشمة ، إلي استثمار اقتصادي ، أو إلي ذراع طويل ، للسطو والقنص ، فالحاجات الجديدة ، والسعي إلي الهيمنة ، هو الذي يشكل المادة الخام التي تشكلت منها إستراتيجية الولايات المتحدة ، وأهدافها الخفية والمعلنة ، لا نية الشر ولا غريزة الانتقام، ولا استعادة الهيبة . وإذا كان الشر كامنا في بنية الشرق الأوسط، وفي بنية الحضارة العربية الإسلامية، فما علاقة ذلك بمحاولة أمريكا مطالبة تركيا بالضغط علي باكو للحصول علي موطئ قدم عسكري يطل علي بحر قزوين، وما علاقته بمحاولة أمريكية صارمة ، لمحاولة عزل روسيا في القوقاز ، وإضعاف سيطرتها علي مناطقها الجنوبية ، بل وقطع هذه المنطقة بمنشار كهربائي شمال القوقاز وجنوبه ، وبنقل قوات أمريكية الي أذربيجان علي الحدود الجنوبية لها ، وأخري إلي جورجيا .
إن الإستعارة هنا لم تتوقف عند مبدأ الضربة الإجهاضية ، الذي تسعي الولايات المتحدة إلي وراثته بشكل شرعي من المذهب العسكري لألمانيا النازية ، ولكن الاستعارة تطول الأهداف نفسها ، فألمانيا النازية ، وضعت بحر قزوين أحد أهدافها الإستراتيجية في الحرب العالمية الثانية ، لكن الولايات المتحدة قد أكملت سيطرتها علي 30% من آبار بحر قزوين ، وفي القطاع الكازخى وحده ، بلغت العقود الأمريكية 30 مليار دولار ، وفي أذربيجان وصلت استثمارات شركة واحدة هي ( بريتش بتروليوم ) إلي 12 مليار دولار ، وفي الكلمة التي أذيعت بصوت (ديك تشينى) في اجتماع أخير بمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن ، كان التركيز واضحا علي هدف الاستحواذ علي بترول العراق ، فالرئيس العراقي – حسب قوله- وقد تسلح بترسانة من أسلحة الرعب ، يقبع فوق 10% من احتياطات العالم من البترول ، ويمكنه أن يقوم بالسعي للهيمنة علي الشرق الأوسط برمته ، وفرض سيطرته علي جزء هائل من إمدادات الطاقة العالمية .
وليس فيما سبق كله سوي حقيقة واحدة ، هي نسبة الاحتياطي الإستراتيجي من البترول ، الذي يقبع تحت الأرض العراقية ، أما نزعة الهيمنة بفرض وجودها ، فإنها لا تملك سلاحا للهجوم ، وليس لديها سوى ما تدير به معركة دفاعية ، غير أن الاستحواذ علي ثلاثة آبار للنفط في جنوب العراق ، تكاد أن تتساوى مع عائد البترول الكويتي كله .
كما أن السعي إلي ربط المسرح الإستراتيجي لمنطقة الخليج العربي ، بالمسرح الإستراتيجي لدول آسيا الوسطي وبحر قزوين ، هدفه حاجات جديدة للولايات المتحدة، إضافة إلي البترول .
إن صناعة محرك طائرة قاذفة مثل أف-15 أو أف- 16 يترتب عليه أن تستورد الولايات المتحدة نسبة 100% من معدن الكلومبيوم ، و 90% من الكروم ، 93 % من الكوبالت ، وزهاء نصف الكمية يأتي من هذه المنطقة ، فضلا عن الاحتياطات الإستراتيجية الهائلة من اليورانيوم ، التي تتوفر لطاجكستان وحدها مثلا نسبة 25% من بينها ، ثم إن إعادة بناء هذا المسرح الإستراتيجي الذي يمتد ظله في قلب المحيط الهندي ، يعني الإمساك بمفاتيح الخليج العربي والبحر الأحمر معا ، فالمياه المفتوحة ، تتحكم في المياه المغلقة ، وقد يكون ذلك جانبا ملحوظا في نظرية (ماكيندر) التي أعادت الولايات المتحدة الاعتبار لها ، ولكن العرب طبقوها قبل ذلك بمئات السنين ، بمحاولتهم أن يحموا إمبراطوريتهم بالارتكاز شرقا حتي الهند . ومع كل انكماش عربي ، كانت الإزاحة واجبة ، نحو صناديق المياه المغلقة في الخليج والبحر الأحمر ، لذلك نلاحظ أن إسرائيل اختارت ، لتجربتها الأخيرة ، إطلاق صاروخ بالستي من غواصة دولفين ، منطقة ارتكاز للإطلاق في المحيط الهندي ، قرب جزيرة سيريلانكا ، فالتوجه واحد والخطوط الإستراتيجية متوازية، وجميعها تنتهي عند الخنق الإستراتيجي للمنطقة العربية ، وللنظام الإقليمي العربي ، وعلي طريق هدمه ، بغية إعادة بنائه من جديد .
والحقيقة أن الخطوط الإستراتيجية ، بين أمريكا وإسرائيل ، ليست متطابقة ومتلاقية زاوية وظلا فقط ، وليست متطابقة ومتلاقية فهما ومفهوما فحسب ، فقد وصل التطابق إلي ابتكار صياغة مفردات مشتركة جديدة ، وعندما كان (دافيد ساترفيلد ) في زيارته الأخيرة لإسرائيل ، سمع من رئيس الأركان الإسرائيلي ابتكارا لغويا جديدا ، لما تقوم به آلة الحرب الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية ، كان التعبير هو ( الدمار البناء )، وأظن أن الولايات المتحدة سوف تري في هذا الابتكار اللغوي الإسرائيلي ، صدى إيجابيا ، يحيط بعملياتها العسكرية الواسعة القادمة فوق تخوم الشرق الأوسط .
قلت (للجنرال يأس) :
ما هو المطلوب منا بالضبط أن نعترف بنظرية الدمار البناء ، وأن نباركها ؟ وكيف يتأتي لنا ذلك ؟ إذا كنا مادتها ، ووقودها ، ورمادها المنتظر .
...

قال ( الجنرال يأس ):
الم تسمع عن النظرية الأخرى التي يروج لها (دينيس روس ) ، ولقد أطلق عليها أسم نظرية العربة الموسيقية ، فعندما تتحرك عربة المنتصرين ، وتصدح بالغناء يتبعها الجميع ، ويرددون من ورائها أناشيدها المنتصرة .
ليست ثمة سبيل إذن – سوي أن تشاركوا في دفع عربة الموسيقي الأمريكية . وليست ثمة سبيل ، سوي أن تطلقوا حناجركم تصدح بموسيقاها ، وإذا كانت أوروبا ، عاجزة عن أن تواجه الولايات المتحدة ، فهل تتصور بكل موازين القوي المختلة ، أنكم قادرون علي مواجهتها .
غنوا إذن أغاني النصر الأمريكية ، ارفعوا عاليا ، صور الرئيس كلينتون ، وتخيلوه فارسكم المنتظر ، الذي سيهز عروش جلاديكم ويشق جلود حكوماتكم المتسلطة ، ويمنحكم فرصة الصعود فوق التل ، كي تتنسموا نسائم الحرية ، وإذا لم يكن في ذلك كله شئ من الصحة ، فتخيلوه واقعا ، وعاشروه حلما .

قلت ( للجنرال يأس ) :
إذا كان الأمر أمر نظم متسلطة ،وأنظمة مجهدة ،وحكومات فاسدة ومستنفذة ، فلماذا لا يجمع الرئيس بوش جيوشه، ويذهب دون تكلفة باهظة في حسابات النقل والمسافة ، الي الحديقة الخلفية للولايات المتحدة ، حيث الفساد والتسلط يشكلان الهياكل الرئيسية للحكومات الحليفة في أمريكا اللاتينية .
فالنظام المعنوي للسلطات الحاكمة هناك قد تدهور ، بشكل غير مسبوق ، وبين كل الرؤساء الذين تحضنهم الولايات المتحدة ، ليس ثمة رئيس واحد لم تتدهور شعبيته (وفق آخر دراسة أكاديمية ) الي نسبة أقل من 30% وهو ما يشكل الحد الأدنى ، الذي يتيح لرئيس وحكومة أن تمارس قدرا من الفاعلية ..
أليس الأولي بالولايات المتحدة ، أن تنزع الحشائش الضارة من حديقتها الخلفية ، حسب تسميتها ، بدلا من أن تذهب إلي العالم الآخر ، لتهدم أسوار التخلف والإرهاب ، وتزرع أشجار الحداثة والليبرالية ..
ثم أى ليبرالية وحرية تتحدث عنها الإدارة الأمريكية، إذا كان النظام الأمريكي نفسه ، يكاد أن ينغلق في إهاب نظام بوليسي داخليا وخارجيا ، إن عدد المعتقلين في أنحاء العالم ، تحت دعوي واحدة، هي تمويل الإرهاب، قد وصل حتى الآن إلي 9300 رجل ..
إذا كانت الولايات المتحدة تريد في هذه المنطقة ، حكاما صالحين وأنظمة صالحة ، فلتترك المنطقة لأهلها، ولتفاعلاتها الذاتية ، ولتغيراتها العميقة ، التي ستتم بالتراضي العام ، أو بالقوة الجبرية ، لكنها علي العكس من ذلك ، تطمع في أن تلعب دور قاطع الطريق ، فوق مجري التقدم السياسي والتطور الاجتماعي ، لأنها تريد حكاما مصنوعين من فطيرة التفاح الأمريكية .
وإذا كانت الولايات المتحدة حريصة علي التقدم والحداثة والاستقرار حقا، فلماذا تندفع في طريق لن ينجب إلا مزيدا من التخلف والصراع ، عندما يشعر الناس ، وهم يشعرون ، انهم يواجهون قوة جبارة ، عاتية ، لا قبل لهم بمواجهتها ، فإن خطواتهم لابد أن تدب في أحد طريقين ، إما ترجمة طبقات العنف والإحساس بالمهانة الشديدة ، التي تراكمت تحت جلودهم ، إلي فعل صاعق عنيف ، أيا كانت طبيعته ، وأيا كان اتجاهه . و إما درء الخطر الداهم ، باللجوء إلي قوي ما وراء الطبيعة ، ليصبح المجد في الوطن خالصا ، للعفاريت والشياطين ، إن عليك أن تلاحظ أيها الجنرال ، أن البيوت قد تتآكل وقد تتداعى من أسقفها وأعمدتها ، ولكنها لا تنهار إلا من قواعدها .
...


علي حافة الهزيع الأخير من الليل ، كان ( الجنرال يأس ) ، ما زال يلقي علي مسامعي خطبه النارية ، في فضائل الاستسلام ، وفي عبقرية الانحناء ، وفي حتمية امتطاء ذيل الحصان الأمريكي .
وعلي حافة الهزيع الأخير من الليل، كنت أعيد بناء المشهد من جديد ، ماذا لو أننا انحنينا واستسلمنا ، واستسهلنا ركوب ذيل الحصان الأمريكي ، هل سنجد عربة حضارية في انتظارنا ،تنقلنا إلي الجانب الآخر من التل ، حيث الحقوق والديموقراطية والعدالة ، بعد أن تفرغ آلة الحرب الأمريكية من مهامها المقدسة في (الدمار البناء) للمنطقة .
لقد كان يقيني يترسخ ، أننا قد نجد هناك عربة أيا كان شكلها أو مسارها ، وقد تكون نفسها عربة الموسيقي التي تحدث عنها(روس) . ولكننا بالتأكيد سوف نجد أشباح مهزومين آخرين غيرنا، يشبهوننا ، وباختصار، فأننا لن نجد أنفسنا .


 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :