لم ينهزم العراق وحده ، في منظور أمريكا ، وإنما كافة الأنظمة العربية معه.     


• وكلاء أمريكا في مصر يخفضون درجة الإحساس الوطني بالخطر .
• احتلال أمريكا للعراق ، هو استعمار استيطاني ، تدفعه أطماعه ، لابتلاع الإقليم كله.
• انتصار أمريكي زائف ، صنعوه بجماجم المدنيين ، وحصلوا عليه بالخديعة والرشوة .
• تقزيم مفهوم الأمن القومي ، في تعبير ضيق لصيانة الأمن العام ، داخل حدود مخفورة ، وغير محصنة استراتيجيا.
• إسرائيل تقول أن اتفاقية السلام مع مصر لم تعد كافية ، وتتحدث عن شروط جديدة للسلام النهائي .

بقلم : أحمد عز الدين

لم أجد نصيحة سياسية أكثر رشدا وعمقا ، من تلك التي وجهها مفكران أمريكيان ، إلي إدارة الرئيس بوش ، بأن عليها ألا تبني تفكيرها الراهن في الشرق الأوسط ، خارج نطاق الزمن التاريخي ، لأن التفكير خارج الزمن ، لا يعني فقط تجاهل دروس التاريخ ، ولكنه يعني فوق ذلك ، تنكب فهم الواقع ، والتعامل بالقوة معه ، علي نحو يناهض جوهره ، ويناقض طبيعته .
لقد استولي الاتحاد السوفيتي علي "كابول" ، تحت سقف هجوم عسكري كاسح ، لم يطل أكثر من يوم واحد ، وواصل علي امتداد عشر سنوات ، محاولة زراعة كيان غريب في تربة أفغانستان القومية ، ثم أضطر إلي الرحيل منهكا ومنكسرا ، قبل أن تفرض عليه الهزيمة ، انكماشا جائرا ، طال جميع أبعاد تمدده الإمبراطوري .
ومارس الأمريكيون ، تدميرا إبداعيا لفيتنام ، علي امتداد سنوات عشر أيضا ، لكنهم كانوا يرون أهدافهم السياسية ، تزداد تصدعا وانهيارا ، كلما أمعنوا في استخدام القوة ، فكلما استعرت محاولات استئصال المقاومة ، امتدت كالحشائش الشيطانية في التربة ، وكلما لجأوا إلي زرع حكومات عميلة ، كلما تكسرت كنباتات بغير جذور تمسك سيقانها ، وكلما لجأوا إلي منطق الرشوة لتحقيق منافع سياسية باقية ، تحققوا من أنها منافع غير قابلة للبقاء .
مع ذلك وللأسف الشديد ، فلست أعتقد أن الإدارة الأمريكية ، يمكن أن تأخذ بالنصح ، وأن تفكر في نطاق الزمن التاريخي ، لسبب آخر غير تلك الأسباب المتداولة عن التكوين الذاتي لهذه الإدارة ، ورموزها ، وهو أن الذاكرة الاستراتيجية ، هي جزء من الذاكرة التاريخية ، وما تزال المساحة المضيئة في هذه الذاكرة الأمريكية ، مجبولة علي تحقيق نصر حاسم ، وسيادة مطلقة ، علي غرار ما حققته في حربها الداخلية ، أو حروبها ضد الاستعمار الأسباني ، أو في الحربين العالميتين الأولي والثانية .
أما دروس كوريا وفيتنام وغيرها ، عندما خذلتها ذاكرتها التاريخية ، فقد بقيت جزرا مطمورة ، في محيط إرث إمبريالي طويل ، ذلك أن الحاسة الاستعمارية مجبولة بدورها علي أن تنفي منطق العقل ، لأن الحكمة السياسية ،-كما قال أفلاطون- هي أم الحكمة العسكرية .
000000
أنني لست معنيا في الحقيقة بمسألة بذل النصح للإدارة الأمريكية ، فهي لا تنطوي علي جدوى ، لأنه تكليف للأشياء ضد طباعها ، { ومكلف الأشياء ضد طباعها}-كما يقول الشاعر العربي القديم- { متطلب في الماء جذوة نار } ، ولكنني أريد أن التفت إلي مفارقة موازية علي الجانب الآخر ، ذلك أن أغلب الوجوه المكررة في الإعلام المصري ، والتي تقدم علي أنها تمثل خبرات استراتيجية ، إضافة إلي أغلب ما يقال من فوق منابر الدبلوماسية المصرية ، لا يبدو خطابها علي أنه تفكير خارج سياق الزمن التاريخي فحسب ، ولكنه يبدو-أيضا- علي أنه تفكير خارج نطاق حقائق الجغرافيا السياسية ، وليست المشكلة في ذلك أن التفكير مصريا خارج نطاق الزمن ، ينطوي علي استبعاد للذاكرة التاريخية الوطنية ، فهي تتنفس حية في الفضاء الشعبي ، ولكن في أن التفكير خارج نطاق الجغرافيا السياسية ، يكرس منطقا مأزوما ، بأن طلب النجاة والسلامة ، إنما يتطلب أن تسحب مصر أطرافها بعيدا عن الحريق الكبير ، وأن تنقل مساكنها ، ومصالحها ، ودوائر تحركها ، خارج ساحة الزلزال ، وأن تتوقي الخطر بدرء مشاكل الإقليم عنها ، وألا تمارس بالقول أو بالفعل ، ما يمكن أن يعد عملا معيقا لاكتمال عملية الانقلاب الاستراتيجي ، الذي تدفعه القوة العسكرية الأمريكية في أوضاع الإقليم .
إن هذا المنطق المأزوم لطلب النجاة والسلامة ، لا يحقق سلامة ، ولا يؤمن نجاة ، ولكنه يقود إلي تصفية المكانة الدولية لمصر ، بعد تجريف دورها الإقليمي ، باعتبار أن الدور الإقليمي هو مفتاح المكانة الدولية .
ثم أنه يقود-أيضا- في دولة ذات طبيعة فيضية تاريخية ، إلي احتباس طاقتها داخل حدودها ، وكما ينتهي إلي إشاعة وهن وطني عام ، فإنه وهو الأخطر ينتهي إلي اختلاق أشكال مبتكرة من الاحتراب الداخلي ، ويعمم تلك النظرية التي يروج لها وكلاء أمريكا في مصر ، التي يقول منطوقها بالنص : " أن العدو في الداخل " .
وإذا كان من المهم التوقف أمام هذا المنهج المأزوم ، فإن ذلك يقتضي تحديد أهم الصيغ التي يعبر بها عن نفسه ، ولعله يمكن تركيزها كما يلي :
أولا : تخفيض درجة الإحساس الوطني بالخطر .
ثانيا: غض البصر عن التهديدات الاستراتيجية المستجدة ، التي تترتب علي متغيرات تتسم بالعنف والحدة ، تعيد تشكيل البيئة الاستراتيجية الإقليمية بالقوة .
ثالثا: تقزيم مفهوم الأمن القومي ، في تعبير ضيق لصيانة الأمن العام ، داخل حدود مخفورة عسكريا ، وليست محصنة استراتيجيا .
رابعا: الحض علي استراتيجية الملاينة ، وتزيينها ، والترويج لفضائلها ومنافعها ، واستبعاد استراتيجية المقاومة ، وذمها وتشويها ، والتحقير من شأنها .
000000
يبدأ تخفيض درجة الإحساس الوطني بالخطر ، باختيار مفردات اللغة المستخدمة في الخطاب الإعلامي والسياسي ، حيث يصبح العدوان غير المشروع حربا ، والاحتلال تواجدا ، وتدمير الدولة العراقية ، إسقاطا للنظام ، وإبادة الشعب العراقي ، وإطلاق يد الفوضى في أركانه ، " أعمالا عسكرية في العراق " ، علي حد تعبير بيان لمجلس الشورى .
وينتهي تخفيض درجة الإحساس الوطني بالخطر ، بمحاولة حقن الرأي العام ، بقناعة مؤداها ، أن ما حدث في العراق ، هو الاستثناء ، وأنه لن يشكل قاعدة لتوجه أمريكي في الإقليم ، ولن يطول دولا عربية أخري ، وأنه غير قابل للتكرار ، والحقيقة أن هذين الأسلوبين ، قد تكررا بشكل نمطي في تجربة ضرب أفغانستان ، فعندما جاء الجنرال (تومي فرانكس) إلي القاهرة ، قبيل بدء الحملة العسكرية الأمريكية ضد أفغانستان ، قال في خطاب علني ، " أنه ليست هناك خطط أمريكية لضرب أية دولة عربية ، وخص العراق بالتحديد ، ثم اندفعت بعده التأكيدات من أفواه إعلامية ودبلوماسية مصرية ، بأن أفغانستان حالة خاصة ، سببها إعادة الاعتبار إلي الأمن القومي الأمريكي ، والذي أهانته أحداث 11 من سبتمبر ، بل بلغت هذه التأكيدات بخصوصية الحالة الأفغانية وتفردها ، حدا لم يجر علي فم مسئول أمريكي.
وبين هذين الأسلوبين في تخفيض درجة الإحساس الوطني بالخطر ، توصيف ما حدث ويحدث بغير حقيقته ، أو حصر ما حدث ويحدث في زمانه ومكانه ، استخدمت كل أساليب السحر الممكنة ، للنظر إلي الانقلاب الاستراتيجي في الإقليم ، وإلي دور الولايات المتحدة ، من زوايا نظر تتسم بالخداع ، وإذا كان الأمريكيون قد قلبوا صفحة المقاومة العراقية الباسلة ، التي اتصلت ثلاثة أسابيع، وغطوها بورقة انتصار زائف وناقص ،حصلوا عليه بالخديعة والرشوة، فقد قلبوا-أيضا- صفحة جرائم الحرب التي ارتكبوها في أنحاء العراق ، وغطوها بصفحة الفوضى التي فتحوا أمامها الأبواب ، سلبا ونهبا وتدميرا ، فلم يجر التركيز إعلاميا فقط علي مظاهر الفوضى والسلب والنهب ، والتغطية علي مظاهر التدمير والإبادة ، وإنما جري تسويق تفسير وحيد للفوضى والنهب المنظمين ، جري إلحاقه بالنظام الذي كان قد لفظ أنفاسه الأخيرة ، وفي كل الأحوال فقد استخدمت كل الدعاية المبذولة عن بشاعة النظام المتسلط ، للتغطية علي كل حقائق استخدام القوة الأمريكية المطلقة ، التي رفعت القوة التقليدية إلي مستوي أسلحة الدمار الشامل ، ووظفت يوميا طاقة تدميرية من الصواريخ والقنابل ، في قصف بنية العراق ، وشعبه ،تكافئ استخدام عشرة رؤوس نووية تكتيكية .
وعندما جري تصوير اندفاعة سكان العشوائيات ، والمهمشين ، لنهب بغداد، لم يجر فقط تصوير الشعب العراقي علي أنه شعب لص ، وإنما استخدمت صور سرقات اللصوص المنبوذين اجتماعيا ، في دوائر الفقر المنتفخة حول بغداد ، للتغطية علي صور أكبر عملية سرقة لمقدرات أمة في التاريخ ، تقوم بها دولة ليبرالية ، بأسم الحرية والديموقراطية والتحديث .
ولم يستنتج أحد من ذلك أمرين علي جانب كبير من الأهمية :
الأول : سقوط النظرية الليبرالية ذاتها ، التي ظلت تري أن الدولة السلطوية وحدها هي التي تتميز بالعدوان ، إذ تمثل الحكومة الديموقراطية، بحكم ديموقراطيتها رغبات موظفيها المسالمين ، وهكذا فنحن أمام نظرية ليبرالية فاسدة، تعبر عن تمثيل سياسي واجتماعي فاسد، بدليل أنها لم تعبر عن غير مصالح نخبتها المحتكرة ، وهي نخبة عدوانية وضيقة الأفق .
الثاني : أن الأخطاء الاجتماعية ، لابد أن يتم دفع ثمنها سياسيا في يوم من الأيام ، لأن اندفاعة الفوضى في بغداد ، التي أمدتها القوات العسكرية الأمريكية بالوقود ، لم تكن تعبيرا عن الخروج من حالة الاختناق السياسي ، في ظل نظام شمولي ، أكثر مما كانت وليدة حالة من الاختناق الاجتماعي ، في ظل سياسة تمييز اجتماعي ، حطمت الطبقة المتوسطة العراقية ، وخلقت جيوبا واسعة من الفقراء المهمشين اجتماعيا ، يشبهون غيرهم في كل مكان ، قنابل قابلة للانفجار ، عندما تتوفر حولها درجة مناسبة من الحرارة .
وهكذا من الصور المنتقاة إلي الكلمات المنتقاة ، إلي زاوية الرؤية المنتقاة ، جرت وسائل السحر الحديث ، مدعومة بتكنولوجيا الاتصال لتلميع الحقائق ، وإخفاء جوهر المشروع الإمبراطوري الأمريكي ، للهيمنة واحتلال العراق ، وتحويله إلي جسر وثوب إلي عموم الإقليم .
000000
وفي المجرى العريض ، لتخفيض درجة الإحساس الوطني بالخطر ، جرت محاولة مزدوجة : تبرئة أمريكا-أولا- بتضخيم دور إسرائيل فيما حدث ، وتحميل مسئولية دفع الولايات المتحدة إليه ، بما في ذلك دفعها إلي التحرش بسوريا ، إشاعة تفاؤل كاذب-ثانيا- بتحقيق السلام علي صعيد القضية الفلسطينية ، لأن بريطانيا مضطرة إلي الضغط علي أمريكا ، ولأن أمريكا مضطرة للاستجابة لضغوط حليفتها الوحيدة، وكلا الأمرين ليس صحيحا ، لأن ما بين أمريكا وإسرائيل ، لم يعد صيغة تحالف استراتيجي كما يشاع ، وإنما تطورت صيغة التحالف ، إلي صيغة اندماج استراتيجي ، وفي مثل هذه الصيغة ، فإن التفكير يكون مشتركا ، والتخطيط يكون مشتركا ، وليس من الضروري أن يكون التنفيذ كذلك ، أما الحديث عن السلام القادم ، فإنه ينطوي علي تجاهل حقيقة ، لم أتوقف عن الإشارة إليها علي امتداد السنوات الثلاثة الماضية ، وهي أن مشروع السلام الإقليمي، قد سقط استراتيجيا بالفعل .
غير أن الأكثر خطورة ، من تخفيض درجة الإحساس الوطني بالخطر ، هو غض البصر عن التهديدات الاستراتيجية المستجدة ، وعن التغييرات التي أصابت البيئة الاستراتيجية ، بعد احتلال العراق ، فنحن بالفعل ، أمام بيئة استراتيجية جديدة ، لا تتميز فقط بأنها مشحونة ، ولكن بأن موازينها الاستراتيجية قد أعيد بناؤها ، علي نحو كامل :
أولا : أننا بصدد احتلال عسكري أمريكي للعراق ، وهو ليس احتلالا مؤقتا، ولا عابرا ، ولم يكن هدف عدوانه إسقاط النظام ، ولا نزع أسلحة الدمار الشامل ، التي لا وجود لها ، ولا إقامة نظام ديموقراطي بديل ، بل إننا أمام نمط جديد قديم من الاستعمار ، هو علي وجه التحديد ، صنف من الاستعمار الاستيطاني .
ثانيا : إن الأمريكيون لم يأتوا فقط من أجل النفط العراقي كما يشاع ، وإنما جاءوا من أجل توسيع حدود الإمبراطورية الأمريكية ، وسوف يتخذون من العراق قاعدة دائمة ، لمواصلة توسيع حدود هذه الإمبراطورية الأمريكية ، أي لإقامة أمريكا جديدة ، في الشرق الأوسط ، وإذا كانوا قد لجأوا إلي أقصى درجات التصعيد العسكري الرأسي ، لإحكام قبضتهم علي العراق ، فسوف يلجأون إلي أشكال جديدة من التصعيد العسكري الأفقي ، لتوسيع قاعدة احتلالهم ونفوذهم .
ثالثا : ربما يتهمني كثيرون بالمبالغة ، حين أقول أن أمريكا جاءت لإقامة أمريكا جديدة ، في عموم إقليم الشرق الأوسط ، لأن أمريكا القديمة قد استنفذت نفسها ، وهذه مسألة يحتاج البرهنة عليها إلي إسهاب وتفصيل ، ولكن حسبي أن أشير إلي عدة مؤشرات :
1. لقد ظلت الولايات المتحدة ، خلال أغلب أحقاب القرن التاسع عشر دولة زراعية ، ومصدرا للخامات الأساسية ، ظلت حقل أوروبا الواسع ، ومنجمها الكبير ، ولذلك ظل عامل الاستهلاك ، هو الأساس ، سواء في مرحلتها الأولي كظل أوروبا، أو في مرحلتها التالية ، عندما أصبحت أوروبا ، منذ منتصف القرن العشرين ظلا لها. وهكذا خلال قرنين توسعت أمريكا أفقيا ، قدر مساحتها أربعين مرة ، وكان التوسع الأفقي باستمرار ، سواء بالضم بالقوة ، أو بالشراء ، هو البديل الوحيد ، بعد استهلاك التوسع الرأسي العارم .
2. منذ النشأة الأولي ،عندما بدأت أمريكا مستعمرة صغيرة ، كان منطق الاستهلاك العارم هو الحاكم الأساسي لها ، بما في ذلك استهلاك الثروات الطبيعية ، وخلال ثلاثمائة عام ، فإن أمريكا ، تكاد أن تكون استهلكت أمريكا ، لقد كان لديها-مثلا- قبل ثلاثة أحقاب أكبر احتياطي استراتيجي للمنجنيز في العالم ، واليوم يكاد أن يكون استخراجه غير اقتصادي ، وهو ما ينطبق علي أغلب المواد الخام الأساسية في الولايات المتحدة .
يكفي للتدليل- فقط- أن 4% من سكان العالم يستهلكون 25% من بترول العالم ، وينتجون ربع إنتاج العالم من الغازات الملوثة للبيئة .
3. ربما تتعمق صورة أمريكا التي استهلكت نفسها ، عندما نتوقف عند حاجة الولايات المتحدة ، لاستيراد المواد الخام من الخارج لإنتاج محرك طائرة مقاتلة قاذفة من طراز أف – 15 فهي تستورد لإنتاجه 100% من الكولومبيوم ، و90% من التنتاليوم ، و90% من الليمنيوم ، و93 % من الكوبالت ، و91% من الكروم ، وهذه المعادن النادرة علي وجه التحديد ، هي القاسم المشترك الأساسي ، في إنتاج كل أنواع تكنولوجيا السلاح المتقدمة ، وتكنولوجيا الفضاء.
4. لقد راكمت الطبقة الرأسمالية الأمريكية ، ثروتها أوليا من خلال التصنيع ، وبمنطق الاستهلاك العارم نفسه ، وعندما أصبح سوق السلع الصناعية في الولايات المتحدة ، غير قابل للتوسع الرأسي ، والولايات المتحدة نفسها في السبعينات غير قادرة علي التوسع الأفقي ، كان البديل هو إقدام الرأسمالية المالية ، علي إزاحة الرأسمالية الصناعية جانبا، وإلقاء الصناعة إلي خارج الولايات المتحدة في مراكز العمل الرخيص ، ولكن حقبتين ونصف من سيادة الرأسمالية المالية ، وتوسعها أفقيا ورأسيا ، بشكل سرطاني ، أوصل الولايات المتحدة إلي أزمة اقتصادية هيكلية ، لعل أبسط دلالاتها علي صعيد الرأسمالية المالية ، هو أن سوق الأسهم والسندات في الولايات المتحدة الأمريكية ، قد فقد من قيمة رأسماله ، خلال العامين الأخيرين- فقط- من إدارة الرئيس بوش ما يساوي أكثر من ثلاثين بالمائة من قيمته ، فقد فقد علي وجه التحديد ما يساوي 5 تريليون دولار .
5. مع سطوة تراث طويل من التوسع والتمدد ، ومع الأزمة الاقتصادية الهيكلية ، وبروز حاجات جديدة ، بعد أحقاب من الاستهلاك العارم ، ومع بزوغ نزعة سيادة إمبراطورية ، يبدو مبررا ، ومنطقيا ، تحويل القوة العسكرية ، إلي استثمار اقتصادي ، و رد الاعتبار إلي نظرية "سبكمان" القلب والحافة ، ويصبح الشرق الأوسط نفسه ، هو القلب الجديد ، وتصبح المساحات الجغرافية البكر ، التي ينظر إليها علي أنها مصادر تهديد محتملة للأمن القومي ، بمثابة سلع أمن ، ويصبح التداخل مدهشا بين سلع الأمن ، وسلع الاقتصاد .
6. يبدو التوجه أكثر وضوحا ، عندما يتم اختيار شخصيات لحكم العراق ، علي غرار الجنرال (جاي جارنر) رئيس شركة "أس. واي. كولمان" المتخصصة في صناعة أنظمة الصواريخ ، والذي أيد تحطيم عظام الفلسطينيين ، ودافع بثبات عن الاحتلال الإسرائيلي للضفة والقطاع ، وأوصى البنتاجون بإنشاء وحدة جديدة ، تشكل دائرة واسعة من العملاء السريين للجيش الأمريكي في الإقليم ، هدفها تصفية كل من يمثل خطرا علي مصالح الولايات المتحدة ، ويقوم البنتاجون بإنشائها بالفعل ، تحت دعوى أن عملاء المخابرات المركزية الأمريكية ، غير كافيين لتحقيق أهداف البنتاجون ، أو علي غرار " جيمس ديسلي " مدير المخابرات الأمريكية السابق ، وعضو مجلس إدارة المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي بواشنطن ، والذي أعلن في محاضرة ألقاها في الأسبوع الأول من الشهر الحالي ، في إحدى الجامعات الأمريكية ، أن أمريكا منخرطة في حرب عالمية رابعة قد تطول لسنوات ، وأن تحرك أمريكا نحو الشرق الأوسط الجديد ، يستهدف إضافة إلي العراق سوريا وإيران ، والإسلاميين المتطرفين ، وأن هذا التحرك الأمريكي سوف يقلق مصر والسعودية ، ,وأن عليهما أن يقلقا، مؤكدا علي ما قاله " جاستين ريماندو" من أن العراق سيتحول إلي قاعدة عسكرية للهجوم علي الإقليم .
7. عندما يتم التلويح ، في وجه سوريا ، بمسألة أسلحة الدمار الشامل ، فإن القضية لا تخص سوريا ، وإنما تخص عموم الإقليم ، باستثناء إسرائيل طبعا ، وليس هذا من قبيل الرجم بالغيب ، ولكنه إعادة قراءة لدراسة مشتركة بين الكلية العسكرية الأمريكية ، ومركز أبحاث الكونجرس ، وهي دراسة صدرت قبل أكثر من خمس سنوات ، تحت عنوان "البحث عن سلام راسخ في الخليج العربي " ، وطرحت تصورا بتشكيل مجموعة عمل أمريكية ، تتولى مهمة تشكيل جهاز أمريكي علي غرار لجنة الأمم المتحدة ، المكلفة بنزع أسلحة الدمار الشامل من العراق ، وتكون مهمة هذا الجهاز ، إخضاع كل دول المنطقة ، لتفتيش دائم عن كل أسلحة الدمار الشامل ، أي إخضاع المنطقة كلها وفقرات هيكلها الاستراتيجي ، لمبدأ أمريكي ، هو "التفتيش عن الأسلحة" ، أما إسرائيل فقد تم استثناؤها من وظيفة اللجنة ، ومن مهمتها ، حيث وصفها مستشار الأمن القومي الأمريكي ، في التوقيت ذاته ، (بأنها دولة ديموقراطية متحضرة )
8. عندما نتحدث عن النتائج المباشرة ، لانتصار عسكري أمريكي في العراق ، فلابد أن يعلم بعض هؤلاء العرب ، الذين كانوا يتعجلون نصرا أمريكيا ، وهزيمة عراقية ، أن هذه الهزيمة قد تكون هزيمة النظام السياسي السابق في العراق ، في منظورهم ، ولكنها هزيمة كل الأنظمة العربية في منظور الولايات المتحدة ، فهي بالجمع الجبري ، محصلة ناقصة من دفاعات المقاومة العربية .
وأظن أن هناك من أستعاد مؤخرا ، طلبا قدمته قيادة عربية ، إلي وزير خارجية الولايات المتحدة ، بعد حرب الخليج الثانية ، بأن تفي بوعودها ، وتفرض علي إسرائيل انسحابا كاملا ، من الأراضي العربية المحتلة بعدوان عام 1967، وأظن أن إجابة " جيمس بيكر" جاءت ناطقة بهذا الفهم ، لأنه لم يجد غضاضة أن يتجرأ بالقول مستنكرا " أننا نتعامل مع الدول العربية علي أنها كلها مهزومة ، وليس العراق وحده " .
إن العراق لم يهزم- إذن- من منظور الولايات المتحدة الأمريكية فحسب ، ولكن الأمة العربية كلها ، قد أصبحت ساقطة بالدلالة المعنوية ، وبالمعني الاستراتيجي ، وهذا ما يضفي علي سلوك الولايات المتحدة ، قدرا واضحا من الخشونة ، فضلا عن درجة من التجرؤ ، تصل إلي حد الوقاحة .
9. أما الحديث عن إعطاء الأمم المتحدة دورا في العراق ، فليس هدفه كما يقال ، إضفاء مشروعية علي الحرب الأمريكية بأثر رجعي ، لأن الولايات المتحدة تعتقد أن شرعية الحرب ، إنما تترتب علي النصر الذي حققته ، ولو كان نصرا مؤقتا أو معلقا ، فأمريكا تريد إضفاء مشروعية دولية ، علي السلطة الانتقالية ، التي تختار لها وجوها منتقاة عميلة ، لكي تضفي علي العقود والاتفاقيات التي توقعها مشروعية دولية ، أي لكي تضفي علي بقاء الاحتلال مشروعية ، وعلي سرقة مقدرات العراق مشروعية ، وعلي أن يتحمل العراق فاتورة العدوان الأمريكي مشروعية ، وهي تقدر وحدها بدون تكلفة الاحتلال بنصف العائد السنوي للبترول العراقي ، حتى عام 2070، ولن يخرج دور الأمم المتحدة عن هذا السياق ، لأنه كما يقول ( ريتشارد بيرل) " لا ينبغي الاعتراف بأي سلطة للأمم المتحدة في العراق " ، لماذا؟ ، لكي تتمتع الولايات المتحدة بالسلطة المعنوية ، كي تروج لأهدافها الأخرى في المنطقة ، كما يجيب ، أي بمعني آخر ، كي تبني من احتلالها للعراق ، شرعية إقليمية ، تمكنها من توظيفه كقاعدة توسع مشروع في جنبات الإقليم .
10. إذا كان الأمريكيون قد جاءوا ليبقوا ، وإذا كان حضورهم العسكري صورة مستحدثة للاستعمار ، فإنه صورة مبتكرة للاستعمار الاستيطاني ، فعلي أولئك الذين أحنوا ظهورهم ، جسورا كي تعبر عليها قوات أمريكا وآلات حربها، أن يتفهموا حقيقة راسخة في التاريخ ، هي أن كل المستعمرين ، الذين ذهبوا إلي أي بقعة من الأرض ، بنية البقاء ، بدءوا تأمين بقائهم دون إبطاء بنسف الجسور ، التي حملتهم وفتحت لهم الطريق !
رابعا : عندما نتحدث عن المتغيرات المستجدة في البيئة الاستراتيجية ، فإن أهم هذه المتغيرات ، توجه أسلحتها مباشرة إلي مصر ، سواء علي حدودها الشرقية ، أو في عمق مسرحها الاستراتيجي الجنوبي :
1. بالنسبة لإسرائيل ، فإنها تعلن صراحة ، أن ترمومتر موقفها الإقليمي ، سيظل قائما في طبيعة موازين القوة في المنطقة ، فبقدر ما يعتري موازين القوى من تغير ، بقدر ما يطرأ علي موقفها من تغير ، أي أنه كلما ازدادت موازين القوي خللا ، كلما ازدادت نزعتها الهجومية ، وكلما دفعت قواتها ومصالحها ، إلي الأمام ، وكلما اعتبرت صيغ العلاقات القائمة في المنطقة بما فيها الاتفاقيات الموقعة ، لا تعبر عن الحقائق الاستراتيجية الجديدة ، وسعت إلي الحصول علي اتفاقيات جديدة ، تمثل الحقائق الجديدة ، قبل أن تغير الوقائع والتوازنات ، ثم الاتفاقيات ، وتبني أوضاعا وصيغا ثنائية وإقليمية جديدة .
ومع التغيرات التي اعترت موازين القوى ، بعد احتلال العراق فإن إسرائيل تري بوضوح ، أن هذه التغيرات لصالحها ، وأن اتفاقيتي السلام ، التي وقعتها مع مصر والأردن ، لم تعد كافية ، ولا تلبي شروط الوقائع الجديدة ، فالحصول علي سلام نهائي ، يتطلب قبولا مصريا ، وعربيا ، لشروط إسرائيلية جديدة ، ولذلك علي حافة تغير إقليمي جديد ، في موازين القوى ، فإن صفحة الاتفاقيات القديمة ، لن تكون من وجهه نظر إسرائيل ، صالحة حتى لاستمرار هدنة مؤقتة .
2. في عمق المسرح الاستراتيجي الجنوبي لمصر ، فإن ما يجري تخليقه وبناؤه ، يعرض الزاوية الحرجة في بنية مصر الاستراتيجية ، إلي مخاطر مضاعفة ، أقصد وجود شريان الحياة المائي ، خارج حدودها ، إن الأمر لم يعد تمددا إسرائيليا في القرن الإفريقي ، وفي محور إفريقيا النيلية ، ولم يعد مجرد ضغط علي السودان ، لتصفية هويته القومية العربية ، وهدر قدراته ، ولكن يكفي مراجعة طبيعة الاصطفاف ، مع الهجمة العسكرية الأمريكية ، عبر فقرات هذا المحور ، فهناك أربع من دول حوض النيل ( أوغندة – - أثيوبيا – إريتريا – رواندا ) قد انضمت للتحالف الأمريكي علنا ، وهناك ثلاثة دول أخرى من منطقة القرن الإفريقي ( كينيا -الكونجو – تنزانيا )انضمت دون إعلان ، أي أن جميع دول حوض النيل قد انضمت إلي التحالف الأمريكي ، باستثناء دولة واحدة ، لم يسمح اضطراب أوضاعها الداخلية بذلك .
خامسا : إن الذين فرضوا علينا قناعة بفضائل المجتمع المدني، حاولوا أن يفرضوا في الوقت نفسه قناعة ، بتدني منفعة القوة العسكرية ، ولم نكن وحدنا ميدانا لنشر هذه القناعة الكاذبة ، فقد تم بذل القناعة نفسها ، لروسيا ، وألمانيا ، وفرنسا ، ولغيرها من الدول ، لكن الجميع قرءوا في توهج النار الأمريكية فوق العراق ، أن العودة القسرية إلي منطق موازين القوة العسكرية ، يرد الاعتبار تلقائيا إلي أهمية القوة العسكرية ، وأن الحديث عن القوة الناعمة للدولة ، أصبح محض اختلاق مضلل ، لذلك خرج في روسيا "سيرجي إيفانوف " وزير الدفاع ، يعيد علي الملأ تلاوة مقولة قديمة للإمبراطور ألكسندر الثاني يقول نصها: ( ليس لروسيا سوي حليفين أمينين هما الجيش والأسطول ) ولذلك خرج في ألمانيا شرودر ، يتحدث علنا عن مضاعفة الميزانية العسكرية ثلاث مرات ، ولذلك خرج في فرنسا شيراك يقول شيئا مشابها ، لكن رد الاعتبار إلي مفهوم القوة العسكرية ، يعني رد الاعتبار إلي مفهوم القوة الشاملة للدولة ، ويعني- أيضا- رد الاعتبار إلي منظومة القوة في الدولة ، لأن مبدأ (كلاوزوفيتز) قد تغير ، فلم تعد الحرب امتداد للسياسة بوسائل أخري ، وإنما أصبحت السياسة امتدادا للحرب بوسائل أخرى !
000000
لتتوقف جلبة النميمة السياسية المفتعلة، للتفتيش عن اللغز المعلق علي أبواب بغداد ، الذي سمح بدخول القوات الأمريكية إليها دون مقاومة ، لأن الحقائق الثابتة التي ينبغي مراجعتها أكثر أهمية وجدوى :
1. لقد قاوم شعب العراق وبعض وحداته العسكرية ، مقاومة بطولية ثلاثة أسابيع متصلة ، لكن الواضح ، أن صلابة المقاومة كانت أشد وأقوى ، كلما كانت أبعد عن مركز النظام ، وهذا يعني أن طاقة المقاومة كامنة في الشعب ، وأنه منجم المقاومة لا الفوضى ، وهذا يعني- أيضا- أن المقاومة ممكنة ، لأننا إذا أقنعنا الناس ، أنهم أمام قوة لا تقهر ، وأمام هزيمة لا تدفع ، فإننا نفتح لهم الطريق ، لكي يتلمسوا الحل عند جيوش العفاريت ، وقوى ما وراء الطبيعة .
2. إن الأمريكيين يلجأون إلي أحط الوسائل لقطف ثمار أهدافهم فإذا كان طريق نصرهم قد عبد بجماجم المدنيين ، فقد اكتمل بالرشوة ، وشراء الذمم.
3. إن الدرس الأهم في مسألة فتح أبواب بغداد ، أمام القوات الغازية (وقد كان بداخلها فرقة مدرعة كاملة ، إضافة إلي لواءين يشكلان ثلثي فرقة ) ، هو مسألة الولاء ، وهى مسألة ذات بعدين ، الأول أن الولاء الشخصي ، الذي تشتريه الأنظمة بالمال والنفوذ، قابل لأن يباع لأعدائها ، بمال أكثر أو نفوذ أكثر ، وإذا لم توضع قضية الولاء علي قاعدة وطنية خالصة ، فسيظل ولاءا مصطنعا ، ومزدوجا ، والثاني ، يتعلق بقضية الاختراق الأجنبي ، لأن كثيرا من الوجوه التي توضع في مواقع التأثير ، تحت تصور تخفيض درجة الصدام مع الخارج ، أو طمأنته ، إنما تمثل احتياطي استراتيجي للخارج، في مراحل المواجهة والحسم ، وفي كل الأنظمة السياسية التي طمأنت خصومها الخارجيين ، بزرع وجوه في مفاصل السلطة ، مقبولة من الخارج ، مثلت هذه الوجوه أكثر المعادل استعدادا ، لهدم السلطات الوطنية ، والإطاحة بالأنظمة التي استخدمتها ، لصالح خصومها في الخارج ، فالوكلاء الفكريين للولايات المتحدة في الداخل ، هم رصيد للولايات المتحدة ، وليسوا رصيدا للوطن .
4. في العواصف الشديدة ينبغي التمسك أكثر بالجذور ، وفي الزلازل الكبيرة ، ينبغي التشبث ، بصخرة الوحدة الوطنية ، لكن ذلك ليس كافيا بغير رؤية استراتيجية ، وتخطيط استراتيجي ، إن الإسرائيليين يرفعون المخاطر التكتيكية ، إلي مستوي الخطر الاستراتيجي ، أما نحن فإننا نهبط بالمخاطر الاستراتيجية إلي مستوي الأزمات التكتيكية ، ونتصور بالتالي أن الملاينة ومنهج إدارة الأزمة كافيان ، والمطلوب ليس فقط ، أن نتخلي عن منهج إدارة الأزمة ، وإنما عن دعاته ، ووجوهه ، من وكلاء أمريكا الفكريين ، الذين يرون في منهج الأزمة فرصة تاريخية ، ليقفزوا إلي مقاعد السلطة .
21/4/2003

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :