خديعة القرن الواحد والعشرين     

بقلم : أحمد عز الدين

يبدو أنني سأستعيد من الصديق العزيز ، اللواء مجدي عمر ، ذلك العنوان البالغ الدلالة ، الشديد التركيز ، الذي وضعه علي رأس كتاب، ضم زاد خبرة عملية، ونظرية عميقة ، في تأصيل مراحل الاحتلال الاستيطاني الإسرائيلي الفلسطيني ، وهو: ( خديعة القرن العشرين ).
فالواضح الجليّ ، أننا بصدد خديعة أخري كبري ، قد يلخصها علي نحو بالغ الدلالة ، وشديد التركيز أيضا ، عنوان مماثل ، يمكن أن يوضع علي رأس كتاب آخر ، هو : ( خديعة القرن الواحد والعشرين) ، سيختلف في مادته عن الأول ، في أنه ينحو نحو تأصيل مراحل الاحتلال الاستيطاني الأمريكي للعراق .
نعم ، فنحن بصدد احتلال استيطاني أمريكي للعراق ، يريد أن يحول هذا البلد إلي قاعدة وثوب استراتيجية ، لفرض سطوته علي عموم إقليم الشرق الأوسط الكبير ، وفق التعريف الأمريكي ، ودون إدراك هذه الحقيقة ، والمخاطر الكامنة في قلبها ، فلن يكون ممكنا لنا ، أن نتعامل مع هذا الطور الأمريكي الجديد، علي نحو صحيح ، ولا أن نتجنب ابتلاع خديعة القرن الواحد والعشرين ، مثلما لم نستطع أن نتجنب ابتلاع خديعة القرن العشرين ، بكل ما جرته علينا من مآسي وويلات ، واستنزاف في الطاقة والقدرات .
ويبدو أن الأمرين ينطويان معا علي مفارقة مدهشة ، إذ أن ولادة الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي في فلسطين ، قد جاء استثناءا فريدا ، في قرن اشتعال حروب التحرير ، وتصفية الاستعمار علي مستوي الدنيا ، بينما أمتد جسر الاستعمار الاستيطاني الأمريكي إلي العراق ، في قرن توهج شعارات الليبرالية ، والحرية ، وحقوق الإنسان ، فوق تخوم الكرة الأرضية ، وهي مفارقة قد تعني من بين ما تعنيه ، أننا-نحن العرب- ندفع بثبات من قرن إلي قرن ، إلي الخروج من التاريخ ، طالما أن المستقبل لا يمكنه أن ينمو ، من عوامل ليست قائمة في الواقع.
والحقيقة أنني وجدت نفسي ، أمام هذا الانخفاض المذهل في الإحساس العربي بالخطر ، مثلما تفصح عنه مجمل المواقف العربية ، أطرح علي نفسي سؤالا أكثر تجهما : هل كان أجدادنا أكثر قدرة علي أن يبصروا أنهار المياه الجوفية العميقة في أرواحهم ، هل كان وهج دمائهم أكثر حرارة ؟ هل كانت شفرات عقولهم أشد حدة ؟! إن كل قطع الدجل السياسي الرفيع ، التي أنتجتها آلة الدعاية في أوج الظاهرة الاستعمارية ، مرت كالريح علي صخورهم ، فلم تأخذ منها غير طبقات زائلة من التراب ، ولم تستطع كل المدفعيات الثقيلة ، أن تنال من كبريائهم الوطني النبيل ، والقلة القليلة ، التي ارتضت أن تلعب دور ( فقهاء الوقت )- علي حد تعبير الجبرتي عن أولئك الذين لاينوا مدافع الفرنسيين- ظلت مرتعشة ومعزولة ، وموصومة بالجبن في الحدود الدنيا ، فلماذا يتسع دور "فقهاء الوقت" في محيطنا ، وأي أكتاف تلك التي تحملهم إلي المنابر العالية ، والشاشات المضيئة ، ليتلوا علينا بصوت جهور ، وحروف قوية ، قصائد يأس وتيئيس ، وانكسار ، وخذلان ، واستسلام ؟!
▲ ▲ ▲
قبيل بدء آلة الحرب الأمريكية ، في عملية غمر العراق بالنيران ، تحت أسم تحرير العراق ، استدعي البنتاجون إلي واشنطن ، باحثا من معهد هرتزليا في إسرائيل ، هو (أهود شفير نتسك) ، لينقل عنه خبرته في مجال محاربة الإرهاب ، وعندما عاد الباحث الإسرائيلي ، بعد سلسلة لقاءات مع قادة البنتاجون ، كان يبدو أكثر اندهاشا مما سمعه في واشنطن ، فقد أبلغ كل من التقاهم في إسرائيل بالحرف الواحد : { إنهم في البنتاجون يعتقدون أن العالم العربي ، هو عالم من المتخلفين ، الذين لا يفهمون غير لغة القوة } ، ومع أن ذلك يناقض الحقيقة دون ريب ، لكن الإنصاف يقتضي القول ، أن العقل الاستعلائي الأمريكي ، ليس مسئولا وحده عن تكريس هذا الإدراك ، غير الصحيح عن العالم العربي ، إذ أن رسم لوحة بيانية في مدي قصير ، تتضمن نوعية الضغوط الأمريكية ، وطبيعة ردود الأفعال العربية تجاهها ، يمكن أن تساهم في خلق مثل هذا الانطباع قبل تأكيده ، فالمنهج السائد تجاه المواقف الأمريكية ، بغض النظر عن طبيعتها ، ودرجة عدائها ، وحجم المخاطر الاستراتيجية التي تنطوي عليها ، يمكن أن يندرج تحت مفهوم واحد هو : ( الملاينة ) ، وهو رد فعل عربي نمطي ، لا يعني عند العقل الاستراتيجي الأمريكي، إلا الاستجابة المذلة ، والفاعلية التي ينطوي عليها منهج الضغط والإكراه ، غير أن العلة في ذلك دون شك ، ليست عورا في العقل الاستراتيجي الوطني ، فهو دون مبالغة ، واحد من أكبر العقول الاستراتيجية علي مستوي الدنيا كلها ، ومن المؤكد أن هناك نقصا في بناء تخطيط استراتيجي شامل ، وأن هناك ضمورا في صياغة معادلات استراتيجية مكتملة ، في ضوء متغيرات حادة في البيئة الاستراتيجية ، لكن الرؤية لا تنقصنا ، والإمكانية لا تنقصنا ، وإنما المناخ الملائم، الذي عليه أن يضع الرؤية والإمكانية في موضع الفعل والتأثير .
لقد غادر القاهرة قبل ساعات ، وفد أمريكي رفيع المستوي ، ضم أحد عشر خبيرا في الشئون السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والإعلامية وغيرها ، كان علي رأسه واحد من أكبر الدبلوماسيين الأمريكيين هو السفير ( إدوارد جرجيان ) ، وفي صحبته أسماء لامعة في واشنطن مثل ( كريستوفر روس – شبلي تلحمي – فراد كازيمي – جورج سالم – جيمس جلاس مان ..وغيرهم ) .
بعد أن أمضي الوفد في القاهرة أثنتين وسبعين ساعة ، كمحطة أولي لجولة في عدد من الدول العربية والإسلامية ، تنتهي بتقديم تقريرين في الثاني من أكتوبر القادم ، عن نتائج جولته ، لتقويم نتائج عمل الدبلوماسية الأمريكية في الإقليم ، أحدهما إلي الرئيس بوش ، والآخر إلي الكونجرس ، واستمع الوفد في القاهرة إلي من يريدان أن يسمع منه ، أو يستمع إليه ، وتحاور مع من شاءت له رغبته، أو رغبة السفارة الأمريكية ، في أن يتحاور معه .
ولقد كان الملفت لي في زيارة الوفد ومهمته ، وما أحاط بها ، عدة أمور ، قد يستحق بعضها التوقف :
أولا : أنه رغم ثقل الوفد ، ومكانة أعضائه ، فإن مهمته لا تطول محاور الاستراتيجية الأمريكية في الإقليم ، فليس دوره تغيير السياسات ، أو اقتراح سياسات بديلة ، وإنما اقتراح تطبيق أفضل للسياسات الأمريكية القائمة ذاتها ، أو خلق مساحة أفضل لتفهمها ، أو من الفهم المشترك حولها ، وهو ما يعني أنه إذا كانت إحدى محاور هذه الاستراتيجية ، إبقاء الاحتلال العسكري الأمريكي للعراق ، فإن علينا أن نساعد الوفد في اقتراح وسائل تضفي علي هذا الاحتلال مشروعية أوسع، أو قبولا أفضل ، أو سلوكا يبدو أقل عدوانية وفظاظة . وإذا كانت إحدى محاور هذه الاستراتيجية ، هو عزل مصر عن محيطها العربي ، وتقزيم دورها الإقليمي، فإن مهمتنا أن نبذل النصح للوفد ، ومن ثم للرئيس الأمريكي ، بالوسائل التي يمكن من خلالها ، تيسير عزل مصر ، دون عواقب أو عقبات .
ولا أعتقد أن هذه مهمة ينبغي أن نفرح بها ، أو أن نقبل عليها ، أو أن نهرع لتقديم النصح لها .
إنني لست ضد مبدأ الحوار ، ولكن حوارا يجري في إطار تحسين شكلي في شروط الهيمنة ، قد يستفيد منه الساعي إليها ، ولكنه يضر يقينا بالمستهدف بها .
ثانيا : في أغلب المرات التي تطرق فيها الحوار إلي القضية الفلسطينية ، لم يبد أحد من أعضاء الوفد ، تحمسا متفائلا أو واعدا ، بأن دورا أمريكيا أكثر تماسكا ، سيحاول أن يدفع خارطة الطريق نحو مسارها الصحيح ، وفق وعود أمريكية مبذولة سابقة، بل بدت تعليقات بعض الأعضاء ، بنبرات بعضها متشائم ، وبعضها غارق في التشاؤم ، ليس فقط من إمكانية توليد طاقة دفع أمريكية ، علي هذا الصعيد ، في الاتجاه المطلوب ، بل من أن الحملة الانتخابية الرئاسية الأمريكية التي ستبدأ ، في شهر نوفمبر القادم ، سوف تكبل حركة الرئيس الأمريكي ، لأنه لا يستطيع تحمل مغبة المخاطرة بالخسارة ، مما يعني أن موقفه سيكون متناغما مع ما تتطلبه ضرورات طلب دعم اللوبي الإسرائيلي .
ولا أدري ما إذا كان ذلك تبشيرا بتراجع جديد في الموقف الأمريكي ، المتراجع أصلا من القضية الفلسطينية أو اعتذاريه مضمرة ، علي إطلاق يد شارون وآلة حربه ، في توسيع حدود بركة الدم الفلسطينية ، خلال الأيام والأسابيع القادمة ، أو أنه تهيئة للموقف العربي ، ليتفهم ويقبل أن يكون الدم الفلسطيني الذي سيسفك ، والحقوق الفلسطينية التي ستهدر ، هي ما يمكن أن يضاف إلي كفة ميزان بوش ، كي تثقل به ، في لعبة الانتخابات الأمريكية القادمة .
ثالثا: لقد تزامنت ثلاثة أمور مع حوارات الوفد الأمريكي في القاهرة ، يصعب علي من يدرك طبيعة آلية السياسة الأمريكية ، التي تتحرك دوما من اتجاهات مختلفة ، فوق رقعة واحدة ، بما يشبه تنظيم التعاون بين عناصرها ، لإحداث التأثير المطلوب ، أن يفصلها كليا عن المستهدف من الحوار ذاته :
1. كان أولها خروج سعد الدين إبراهيم في اليوم الأول لزيارة الوفد ، بتصريحات تعبر عن مستوي جديد واضح ، من الإكراه السياسي، والابتزاز المعنوي ، للنظام المصري ، ولا أظن أنه من قبيل المصادفة ، أن توجه سهام سامة ،إلي رأس مصر علي هذه الشاكلة ، من الاستفزاز والوقاحة والتحريض ، تستنزل الغضب الأمريكي عقابا لمصر ، إذا لم تمتثل للإرادة العليا ، للإدارة الأمريكية ، بأسم الديموقراطية ،ولا أعتقد أن قضية الديموقراطية ، التي تم ربطها بالمعونة الأمريكية ، هي الهدف بالطبع ، ولكن كلمة الديموقراطية ، هي تعبير رمزي ، عن قبول مصر بانكفائها علي نفسها ، وسحب أطرافها من الإقليم ، وانغماسها اهتماما وانشغالا، بالمطلق والمجرد في أوضاعها الداخلية.
إن فضح هذا الربط الشكلي ، يتوفر في دراسة ( تشومسكي وهيرمان ) التي تؤكد أن الولايات المتحدة ، أيدت بثبات الديكتاتوريات غير الديموقراطية في العالم الثالث، وأن الصلة غالبا كانت مباشرة بين انتهاك حقوق الإنسان ، وبين تأييد الولايات المتحدة ، بضخ استثمارات اقتصادية أجنبية في الحقل الوطني ، وأن الاستثمارات الأجنبية ، ارتبطت عكسيا بالمحافظة علي الديموقراطية وحقوق الإنسان .
2. وكان ثانيها ، خروج الرئيس الأمريكي ، في إشارة علنية من الإعلام الأمريكي ، لمنح شارون مشروعية تطلق يد القوة العسكرية الإسرائيلية ، في الإقدام علي جراحات عسكرية جديدة عميقة ، في الضفة الغربية وقطاع غزة ، علي الرغم من قرار الهدنة ، وعلي الرغم من كل الوعود الأمريكية ، المبذولة والمبتذلة في آن واحد ، حول مسار هذه الهدنة ، وأهدافها ،وتوقيت الوصول إلي هذه الأهداف ، ودور الولايات المتحدة في ذلك .
3. وكان ثالثها خروج كونداليزا رايس ، في يومين متتاليين قبل زيارة الوفد بأيام ، تكتب في الأول في الواشنطن بوست، مؤكدة التزام أمريكا بإحداث التحول الديموقراطي في دول الشرق الأوسط ، وتلقي في الثاني محاضرة أمام اتحاد الصحفيين من أصل إفريقي ، تؤكد فيها ، أن بناء الديموقراطية في الشرق الأوسط هو " التحدي الأمني والمهمة الأخلاقية لعصرنا" ، وأن الأهداف الأمريكية هنا ، إنما تتمثل في " إيجاد منطقة ذات مجتمعات مفتوحة ، بطريقة متزايدة ، وحكومات تمثيلية ".
رابعا : رغم كل ما سمعه الوفد الأمريكي في القاهرة ، فلا أعتقد أنه لمس بيده ، درجة سخونة الرأي العام المصري ، ضد الموقف الأمريكي ، والذي وصل حد الالتهاب، ولا أعتقد أنه أحس بدرجة احتقان الشارع المصري ، بسبب الممارسات الأمريكية ، والإسرائيلية ، ذلك أنه إذا قدر للوفد أن يسمع ويري بعضا من تلك الوجوه السياسية والفكرية المكررة، التي تطل من شاشة التليفزيون المصري ، فسوف يعتقد بشكل جازم ، أن الشعب المصري أكثر تفهما وتقديرا للدور الأمريكي في الشرق الأوسط ، من الشعب الأمريكي ذاته ، الذي يبدي قلقا متزايدا علي ضحاياه في العراق ، وسوف يعتقد أن الشعب المصري ، أصبح يعاني من تدهور حميد في حسه الوطني والقومي ، بشكل غير مسبوق ، وسوف يكون من حق أمريكا وفق ذلك ، أن تسخر من طلب منظمة العفو الدولية ، فتح تحقيق مستقل، حول ما ترتكبه قواتها في العراق من مجازر.
وربما أعتقد هذا الوفد أو غيره ، أن حفنة من المفكرين والمثقفين المصريين ، هي التي تعبر عن موقف معزول شعبيا ووطنيا ، من الاحتلال الأمريكي ، وأنها هي التي خسرت وليست مصر ، مليارات الدولارات من دخلها ، وأنها تتحرك بأسباب شخصية بحتة ، كأن يكون ثلاثين معتقلا مصريا ، مقبوض عليهم بواسطة القوات الأمريكية ، ومحتجزين الآن في سجون الاحتلال الأمريكي في العراق ، ينتسبون إليها ، أو أن يكون دم مائة مصري ، لقوا حتفهم هناك منذ يوم 9 إبريل الماضي ، هم من أقاربها ، أو أن يكون قرار الحاكم المدني الأمريكي للعراق ، بمنع المصريين من دخول أرض الرافدين ، لا يضر إلا بهذه الحفنة من المثقفين المصريين دون غيرهم .
▲ ▲ ▲
كيف يتحول الإقليم في اتجاه النموذج الأمريكي ، إذا كانت الواجهات الملوثة لهذا النموذج ، تتحطم وتتحول إلي شظايا متناثرة ، وكيف يمكن لهؤلاء المتأمركين ، أن يقنعوا جمهورا غاضبا ، ومجروحا ، ومنفلتا ، ومهانا ، بأن رغيف الليبرالية الأمريكية ، هو الذي سيؤمنهم من خوف ، ويشبعهم من جوع .
أظن أن باحثا استراتيجيا مثل ( فيليب جولوب ) ، هو الذي تحدث عن توجه أمريكي ، يتجاوز كل الإرث القانوني والأخلاقي ، الذي حققته الديموقراطيات الغربية ، وأنه هو الذي حدد ركائز السياسة الأمريكية في الانفرادية والعسكرة ، والاعتداء علي الحريات المدنية ، وأظن-أيضا- أن تفجير هذه السلسلة المترابطة من بؤر الأزمات الإقليمية ، وتصعيد التهديدات ، في العراق وفلسطين والسودان ، ليس هدفه فقط ، إرباك الحسابات الإقليمية ، ولكن التغطية علي أوسع عملية نصب سياسي ، فيما أطلقت عليه ، خديعة القرن الواحد والعشرين ، ومقدمات هذه الخديعة ، في سلوك الولايات المتحدة الأمريكية ، بالغة الوضوح:
1. في شهر فبراير من هذا العام ، قدمت أمريكا تلميحات لوفود عربية ، بأنه لم يعد ثمة بديل أمامها ، سوي الاندفاع إلي عمل عسكري في العراق ، وفي إطار هذه التلميحات ، كانت المطالب الأمريكية العامة محددة : تخفيض مستوي المعارضة العربية المعلنة ، لغزو أمريكي قادم للعراق ، عدم اتخاذ إجراءات فردية أو ثنائية أو جماعية ، تعطل عملية الغزو، أو تعقد الأوضاع التي سيتغذى عليها ، احتواء الرأي العام العربي ، وعدم السماح بتهييجه في مواجهة الغزو، وقد قدمت هذه الطلبات وغيرها ، مشفوعة بوعد أمريكي واضح وقاطع ، بأن أمريكا ستتوجه فور انتهاء عملية الغزو، إلي القيام بجهد رئيسي علي صعيد القضية الفلسطينية ، يستهدف فرض العودة إلي أوضاع ما قبل 28 سبتمبر ، بل لقد حدد الأمريكيون ، سقفا زمنيا محددا ، لتحقيق ما وعدوا به ، وأكدوا أن انتهاء المرحلة الأولي من خارطة الطريق ، سوف يكون موعده آخر شهر مايو عام 2003 ، وأنه إذا حدث استثناء طارئ ، يستوجب زيادة هذا السقف الزمني ، فإن أمده لن يطول إلا لشهر واحد ، أو شهرين في الحدود القصوى .
وأستطيع أن أجزم ، بأن مضمون ذلك ، قاطعا ومحددا ، قد قامت الولايات المتحدة بإبلاغه عبر القنوات الرسمية ، وشبه الرسمية ، للدول الرئيسية في النظام الإقليمي العربي .
2. عندما أخذت مصر بعد حين ، في تذكير الولايات المتحدة بوعودها ، وفي طرح تصورات عملية ، لتحقيق هذه الوعود ، أبدت الولايات المتحدة تفهما لوجهة نظر مصر ، في إنهاء الاحتلال مع التفاوض ، ولكنها قالت أن كل ما يتطلبه الدور الأمريكي ، هدنة مؤقتة تتيح الوصول عمليا ، إلي أوضاع ما قبل 28 سبتمبر ، وربطت مصر دورها في تحقيق هذه الهدنة ، وصولا إلي إنهاء الاحتلال ، بتقييد يد إسرائيل في عملية بناء الجدار الفاصل ، وأظنها تلقت وعدا أمريكيا إضافيا ، بإيقاف عملية بناء الجدار ، وهكذا استقرت الهدنة يوم 24/6 ، ولكن الذي تلي ذلك كان متناقضا مع جوهر طلب الهدنة المؤقتة ، ومع استقرارها ، الذي كان عليه أن يفتح الباب ،أمام انسحاب إسرائيلي إلي أوضاع 28 سبتمبر، وإيقاف عملية بناء الجدار الفاصل ، فلم يلتزم الإسرائيليون ، بما تفرضه مبادئ الهدنة ، ولم يمارس الأمريكيون أي جهد لفرض الالتزام عليهم ، ولم يتوقف يناء الجدار الفاصل ، بل ازدادت معدلات نموه وتمدده ، ولم يصدر عن الولايات المتحدة ، ما بدا ضروريا للحفاظ علي مصداقية الدور المصري ، أمام المنظمات الفلسطينية ، بعد أن تحملت مصر أمامها مسئولية الراعي العربي ، بل تزامنت مع ذلك ، أكبر حملة تطاول حكومية إسرائيلية ، علي مصر، وعلي قيادتها ، ودمغ دورها بأنه منحة إسرائيلية ، قابلة للاسترداد ، مع دفع الأوضاع الفلسطينية إلي حالة احتراب فلسطيني فلسطيني ، وجر الفلسطينيين إلي حرب أهلية ، وتكريس تحويل القضية الفلسطينية إلي قضية إسرائيلية داخلية .
وفي أعقاب اللقاء الأخير بين بوش و شارون ، سأل مراسل معاريف باول، سؤالا محددا عن الموقف الأمريكي من الجدار ، وقال باول بالحرف الواحد : ( لم يقل الرئيس الأمريكي لشارون أن يوقف البناء .. ، لقد أوضح له المشاكل التي ترافق الجدار ) ، وكان ملاحظا مع انتهاء المرحلة الأولي من الجدار الفاصل ، الذي يساوي خمسة أضعاف سور برلين ، وضعف ارتفاعه ، أن محيطه الذي خضع لأولوية في التنفيذ ،بين رفح الفلسطينية ، ورفح المصرية ، لا يمثل في هذه المنطقة بالذات، جدارا بالمعني الدقيق ، وإنما يمثل نطاقا أمنيا كاملا ، لأن حاجزه يتراوح عمقا ،بين 70 إلي 85 مترا .
3. علي صعيد الوضع في العراق ، فقد قدم الأمريكيون-أيضا- وعودا بقيام حكومة وطنية عراقية ، من خلال مؤتمر وطني عام ، وقد كان المتصور في إطار ذلك ، أنهم سيمارسون علي الأقل نمطا علي غرار ما حدث في أفغانستان ، وما تمخض عنه قيام حكومة أفغانية ، مهما يكن الرأي فيها ، فقد تمخضت هذه الحكومة عن مؤتمر وطني أفغاني عام ، مثلت قاعدته ، ما يقترب من 70% من القوي الأفغانية ،علي اختلاف فصائلها وانتمائها ، وشارك فيها المعارضون في الخارج ، ولكن الوعود الأمريكية ذهبت أدراج الرياح ، فقد سعت أمريكا إلي تعيين مجلس حكم انتقالي ، وتحركت بشكل محموم ، لتسويقه ،وفرضه علي دول الإقليم ، ووظفت ضغوطا متنوعة ، لإسباغ شرعية دولية وإقليمية عليه ، حيث بدأت دول مثل البحرين والكويت والأردن ، الاستجابة لها ، بينما حددت له إطار عمل حتى نهاية الصيف القادم ، لتسبغ من خلاله الشرعية علي الاحتلال ، ريثما يفرغ يهودي أمريكي في فلادلفيا ، من صياغة مسودة دستور دائم للعراق ، يساهم بدوره في إسباغ هذه الشرعية الباطلة ، وريثما تقرّه لجنة عراقية يختارها الأمريكيون ، قوامها 25 شخصا ، ثم يجري استفتاء هيكلي عليه في الصيف القادم ، ليتم تفريغ دمية مجلس الحكم الانتقالي من الهواء ، ويتم ملأ إطار بديل آخر ، بعد أن يتم صبغه بألوان الشرعية .
وإذا كان جهد الولايات المتحدة ، وسعيها وضغوطها ، موصول بإسباغ الشرعية الدولية والعربية ، علي هذا المجلس ، في عملية مركبة ، متتالية الخطوات ، لإسباغ الشرعية علي الاحتلال الاستيطاني الأمريكي للعراق ، فإن الجهد والسعي والضغوط الأمريكية ، ما تزال موصولة ، بأمر ثان، يشبه بناء جدار فاصل آخر ، ولكن بين القوات الأمريكية والمقاومة العراقية ، من خلال مشروع أمريكي ، لتشكيل قوة عسكرية عربية ، قوامها 20 ألف عسكري ، تقوم في العراق مقام حائط واق ، بين ضربات المقاومة العراقية ، وبين القوات الأمريكية ، وتحول دون انفجار شريان الدم الأمريكي ، الذي يواصل نزيفه بغزارة .
4. علي صعيد العلاقات الأمريكية المصرية ، فقد تحولت الوعود أيضا إلي أوهام ، وإلي سراب يحسبه الظمآن ماءا ، حتى إذا جاءه لم يجد شيئا ، لقد قطعت الوعود بمنح مصر 2200 مليون دولار ، كمعونات وضمانات قروض ، تعويضا عن جانب من الأضرار الاقتصادية الهائلة ، التي تفاقمت مضاعفاتها ، بسبب الغزو الأمريكي للعراق ، لكن المؤكد أنه لم يصل منها إلي يد مصر ، حتى كتابة هذه السطور ، سوي 100 مليون دولار فقط لا غير ، بينما منحت إسرائيل 2500 مليون دولار في صورة معونة إضافية ، و9000 مليون دولار في صورة ضمانات قروض ، صدر بها قرار أمريكي قبل أيام ، إضافة إلي تسهيلات تجارية إضافية ، وتصديقات بالبيع الخارجي ، لجانب من تكنولوجيا السلاح الأمريكي ، لتنشيط المركب الصناعي العسكري الإسرائيلي ، لعل أوضح أشكاله ، التصديق بالموافقة علي بيع إسرائيل للهند، طائرات فالكون ، بقيمة مليار دولار ، ( وهي منظومة تجسس تم تطويرها في إسرائيل ، وتشمل جهاز رادار تم تركيبه علي طائرة شحن روسية ، إضافة إلي نظام راداري أمريكي حديث من طراز أواكس ) ، وفي انتظار تصديق أمريكي بالموافقة علي أن تبيع إسرائيل للهند-أيضا- صفقة صواريخ من طراز حيتس.
والحقيقة أن الولايات المتحدة ، لا تألوا جهدا في ضخ عشرات المليارات في شرايين إسرائيل ، في مفصل تحول في أوضاع الإقليم ، وأوضاع إسرائيل نفسها ، تدخل بموجبه، إلي طور إسرائيلي جديد ، يندفع في مرحلة جديدة ، في وضعه وتأثيره الإقليمي ، وهي مرحلة تتغير فيها حدود وظيفته الاستراتيجية ، وتتغير معها نظرية أمنه ، وهي مرحلة يري أنها تصعد به إلي مستوي إقليمي كيفي جديد ، يلي مرحلة تأسيس الدولة العبرية علي يد ( بن جوريون) ، بعد أن استكملت إسرائيل مهام " حرب التحرير " الأولي ، التي بدأت عام 1948 .
أما محاولات خنق مصر استراتيجيا واقتصاديا ، فهي تتم علي قدم وساق، فحتى وعود فك بعض القيود علي الصادرات المصرية ،إلي الولايات المتحدة، تبددت وتبدي بدلا عنها مزيد من القيود ، وأما اتفاقية التجارة الحرة ، فقد تقرر تجميدها ، وتجميد الحوار حولها ، بقرار أمريكي متسلط ، صدر كأنه عقاب الرب ضد عباده غير الصالحين ، شأن ذلك ،شأن الوعود الأمريكية المتصلة ، بتقديم مساعدات تكنولوجية علي قاعدة التحديث ، فلم تتلق مصر أية مساعدات ولو محدودة ، في مجالات التصنيع والتكنولوجيا الرئيسية ، سواء أكان الأمر متعلقا بإنتاج آلات المصانع ، أو بإنتاج المحركات ، أو بصناعة البرمجيات ، أو الصناعات الكهربائية والإلكترونية الدقيقة ، وهي أربعة محاور أساسية ، تشكل قاعدة أي تقدم صناعي حقيقي .
▲ ▲ ▲
إن أمريكا تسعي إلي أن تحكم العالم العربي ، بأسم الديموقراطية ،حكما أبويا متسلطا ، علي غرار تلك الطريقة، التي كان شيوخ القبائل، في مراحل ما قبل التاريخ الحديث ، يفرضون بها علي الناس ، سلطتهم المطلقة ، وسلطانهم الأوحد ، وهو نظام حكم تتنزل فيه أدوات القتل والإبادة والنفي ، جنبا إلي جنب ، مع إحلال قيم غير إنسانية ، وغير أخلاقية وغير عادلة ، ترسخ قيام سلطة رب مخلوق مكان الله ، وتحول هيمنته إلي دين قومي معترف به ، أي ترسخ في هذه الحالة ، سلطة الرب الأمريكي ، مكان سلطة الله ، وتحول الأمركة إلي دين قومي معترف به .
إن مبادئ التخطيط الاستراتيجي ، في حقل السياسة الخارجية ، تقتضي كما هو الحال في الدنيا كلها ، وضع خطوط حمراء لعلاقات كل دولة بغيرها، في المحيط الإقليمي والدولي ، وهذه الخطوط الحمراء تمثل الموقف الرأسي ، الذي لا تتحمل عنده المصالح الاستراتيجية الوطنية ، الأضرار المدمرة التي تلحق بها ، من جراء نتائج تطبيق الاستراتيجية السياسية ، لدولة أخري، أيا كانت ، حجما أو وزنا أو تأثيرا .
والحقيقة أن وضع هذه الخطوط الحمراء ،ليس عملا تقتضيه بديهيات التخطيط الاستراتيجي ، ولكن إيضاحها والكشف عنها ، جزء أساسي من هذا العمل ومن هذه البديهيات ، لأنه يساعد الأطراف كافة ، علي تقدير حسابات صحيحة ، للتكلفة المدفوعة أو المتوقعة ، من جراء بناء خطة استراتيجية، ووضعها موضع التطبيق العملي ، وليس من المصلحة الوطنية المصرية في شئ ، أن تبذل قناعة مجانية للولايات المتحدة ، بأن ممرات العلاقات المصرية الأمريكية ، ستظل مضاءة ومصانة وآمنة ، مهما بلغت درجة التأثيرات المضادة ، للاستراتيجية الأمريكية في الإقليم ، علي مصالح مصر ،وأمنها، استقرارها، واستراتيجيتها، ودورها الإقليمي.
غير أن بعض الجهات في مصر تعمل للأسف ، بمنطق أن الدولة المصرية ، هي مجرد مصنع للملابس الجاهزة ، يمكنه أن يكون بمنجي عن هذه التأثيرات المضادة ، إذا حصل إنتاجه علي شهادة (أيزو) أمريكية ، وبعضها الآخر يتعجل صياغة المراثي في العروبة والقومية والنظام الإقليمي العربي، تقربا و زلفى، وبعضها الآخر يبذل جهدا استثنائيا لتوزيع أسلحة الاستسلام ، والرضوخ علي الناس ، أما الجهات الأكثر تقدما وسطوة ، في الثقافة والإعلام ، فقد بدأت في تسويق الاستعمار الأمريكي ، كاحتلال عسكري، أكثر نفعا وإفادة ، للوطن و للأمة ، من تلك الأنظمة المتسلطة الخامدة ، التي تنكبت طريق الديموقراطية والحداثة.
لا أحد يريد أن يسأل نفسه ، أي برك دم ستفيض ، وأي انفجارات ستتوالى ، وأي فوضي عظيمة قابلة للحدوث ، إذا واصلنا السير غير مدركين أو مصدقين ، أننا نحشر في تلافيف خديعة كبري جديدة ، هي بحق، خديعة القرن الواحد والعشرين .

25/8/2003

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :