عندما تصيب الحكمة السياسية فإن القوة العسكرية لا تكون فاعلة     

بقلم : أحمد عز الدين

كان الملك فردريك الثاني ، هو الذي أمر بأن تنقش علي مدافع جيوشه العبارة التالية :{ الحجة الأخيرة للملوك }.
ولم يكن فردريك الثاني حكيما ألمانيا فقط ، ولكنه كان قائدا عسكريا ، من طراز فريد ، بل لعله كان تجسيدا حيا لمقولة (أفلاطون) : { إن الحكمة السياسية هي أم الحكمة العسكرية } ، وهي مقولة قد تدخل في متون الفلسفة المثالية القديمة، ولكنها تشكل معادلة من الدرجة الأولي ، في صلب علوم الإستراتيجية الحديثة .
حين تعرضت ألمانيا إلي حملة عسكرية ، قوامها جيوش ضاربة لثلاث دول ، هي فرنسا والنمسا وروسيا ، كان الخلل في موازين القوي علي جانبي المعركة ، يشكل فجوة هائلة ، تتسع لخمسين ضعفا ، (50:1)، ولكن فردريك الثاني رفض مبدأ الاستسلام غير المشروط ، وأدار رغم أشباح اليأس المتربصة ، معركة دفاعية صلبة ، كان وقودها المتجدد ، ترميم موقفه الدفاعي باستمرار ، والتشبث الدائم بإدارة القتال . لقد طال سقف الحرب ، ولكن انهيار الدفاعات الألمانية ، في ضوء موازين القوي البالغة الاختلال ، كان حتميا ، و قبيل الوصول إلي ذروة الانهيار ، حدثت المعجزة ، التي أطلق عليها تاريخيا " معجزة آل براند نبورج " ، فقد ماتت (اليزابيث) إمبراطورة روسيا ، وحل مكانها وريثها (بيتر) ، الذي سعي بنفسه إلي فردريك الثاني ، ووقع معه معاهدة سلام ، وقد تأرجح تفسير موقف إمبراطور روسيا الجديد بين تأثير زوجته الألمانية ، وبين إصابته بمس من الجنون ، لكن المقاومة الصلبة لفردريك الثاني ، في قلب معركة مختلة الموازين والقوي ، علي النحو السابق ، لم تمنع (نابليون بونابارت) ، من أن يطلق بعد ذلك مقولته ، التي بدت جسدا صوفيا في رداء عسكري : " إن الله يساعد الجيوش الكبيرة ".
من المؤكد أن التاريخ لا يستنسخ ، ولا يستعاد ، وأن معجزة (آل براندنبورج) ، غير قابلة للتكرار ، ولكن دروسها الأكثر عمقا ، قد تكون قابلة للاستنكار:
1. لا تزال المدافع هي الحجة الأخيرة للملوك ، علي النحو الذي أمر به فردريك الثاني بأن تنقش الكلمات علي مدافعه ، مثلما ما تزال الحكمة السياسية هي أم الحكمة العسكرية ، كما قال أفلاطون، فعندما تغيب الحكمة السياسية ، فإن القوة العسكرية لا تكون فاعلة بالدرجة التي تتناسب معها ، ولا مع موازين القوى المختلة ، كما أن هذه القوة لا تنتج تأثيرا استراتيجيا ، معادلا لوزنها العسكري .
2. لم تكن معركة فردريك الثاني ، معركة لمنع احتلال ألمانيا ، أو كانت معركة خصومه معركة لاحتلالها ، وإنما كانت معركة لإعادة صياغة أنماط الصراع وموازين القوى في أوروبا ، وفي العالم بأثره، وكانت نتائجها بالتالي موصولة بنفس السياق ، تغيير أنماط الصراع وموازين القوي في أوروبا والعالم ، لأن الحرب ونتائجها في النهاية لا تشكل ظاهرة مغلقة ، وإنما ظاهرة مفتوحة الأطراف ، وكما أنها تعمل في بيئة استراتيجية ، تتأثر بها علي نحو عميق ، فإنها تحدث تأثيرا في مفردات هذه البيئة الاستراتيجية علي نحو أكثر عمقا .
3. عندما تبدأ الحرب الهجومية ، فإن التأثير في مجراها يبقي معلقا بالدرجة الأولي ، بإدارة المعركة الدفاعية، وبالقدرة علي ترميم أوضاع الدفاع عبر المراحل المختلفة ، وبدرجة التمسك بإدارة القتال ، لأن العامل الأكثر حسما في إتاحة الفرصة للبيئة الإقليمية أو الدولية أو الاستراتيجية العامة ، للتأثير الفعال ، في نتائج أعمال القتال، هو إطالة سقف الحرب ، فاستراتيجية المقاومة ، وإطالة سقف الحرب ، تفتح الباب أمام تأثير مباشر للعوامل الخارجية ، في ميدان القتال ، بفاعلية قد تكون أكبر من المؤثرات المادية المباشرة فوق رقعة الحرب ، لكن العوامل الخارجية لا تفعل تأثيرها ، في بيئة غير مقاومة ، ولذلك فإن معجزة (آل براندنبورج) ، أو غيرها في التاريخ ، ليست سوي ثمرة طبيعية لبيئة مجتمعية وعسكرية مقاومة ، تبدو غير طبيعية في ظل خلل هائل في موازين القوي .
4. حسابات القوي في المعركة الدفاعية ، لا تقاس بالمعادلات الرياضية الشكلية ، علي غرار أن القوة علي كل جانب هي حاصل ضرب الكمية (أي القوات) في النوعية ، لأن حسابات القوة علي كل جانب ، تتوقف علي عوامل معقدة ، أهمها سياق استخدام القوة ، سواء بمعني الشرعية السياسية أو القانونية أو الأخلاقية ، أو سواء بمعني تجانس الفعل العسكري مع العقيدة الوطنية ، أو قدرة الذاكرة الاستراتيجية ، علي الاستجابة للشروط العسكرية الميدانية ، أو توفر إمكانيات تحويل الانتصارات التكتيكية، إلي انتصار استراتيجي .
لقد نجح الأمريكيون تكتيكيا في أغلب معاركهم في فيتنام ، بحكم موازين القوي الشديدة الاختلال ، ولكنهم حصدوا هزيمة استراتيجية ، بحكم سياق استخدام القوة. ليس فقط لأنهم عجزوا عن أن يترجموا انتصاراتهم التكتيكية إلي انتصار استراتيجي ، ولكن لأن ذاكرتهم الاستراتيجية- أولا – التي حددت أسلوب إدارتهم للمعركة ، قد خانتهم ، فقد اعتادوا أن يكسبوا معاركهم بنصر مطلق ، من حربهم ضد الأسبان إلي الحرب العالمية الثانية ، مرورا بالحرب العالمية الأولي ، ولأنهم أداروا- ثانيا – معركة جيدة بالمقاييس العسكرية المباشرة ، ولكنهم لم يديروا حربا صحيحة بالمعني الاستراتيجي ، فإدارة الحرب أوسع كثيرا من إدارة القتال ، ولأنهم- ثالثا – عمدوا إلي استخدام القوة في سياق مناهض لها ، سواء علي مستوي المشروعية السياسية أو القانونية أو الأخلاقية ، أو علي مستوي البيئة الاستراتيجية ، أو علي مستوي البيئة الداخلية ، ولقد نجح الفيتناميون بعامل آخر ، يضاف إلي صلابة مقاومتهم ، وقوة إرادة قتالهم ، وهو سياق استخدام قوتهم المحدودة ، سواء تواؤم درجة الاستخدام مع المشروعية ، أو تجانس أدوات الدفاع مع شروط البيئة ، أو توافق العقيدة القتالية مع العقيدة الوطنية ، مما مكنهم في النهاية من تحويل الانتصارات التكتيكية الأمريكية ، إلي عوائد عقيمة ، لم تشكل رصيدا متراكما لتحقيق انتصار استراتيجي ، ولهذا فقد تحققت معجزة أخري ، قد لا تكون علي غرار معجزة آل براندنبورج ، ولكنها بدورها ثمرة طبيعية ، لأوضاع قد تبدو غير طبيعية .

ماذا أريد أن أقول ؟
هل أريد أن أقول أن المعركة ضد العراق ، ليست معركة لإسقاط النظام في العراق ، أو لبسط احتلال عسكري مباشر عليه ، يمتد لربع قرن كما بشرنا (روبرت بيرسون) السفير الأمريكي في أنقرة مؤخرا ، وإنما هي معركة لإعادة صياغة أوضاع الإقليم علي نحو استراتيجي كامل .
إنني أريد أن أقول ما هو أبعد من ذلك ، لأن المعركة ضد العراق ، هي باليقين معركة ، لإعادة صياغة أوضاع الإقليم ، ولكنها فوق ذلك ، وربما قبل ذلك ، تشكل مقدمة انقلاب استراتيجي في أوضاع العالم ، قبل الإقليم ، وهو انقلاب يستهدف تغيير أنماط الصراع الدولي ، وموازين القوى الدولية علي نحو عاصف وشامل ، تغيير في الخرائط السياسية والاستراتيجية للشرق الأوسط الكبير ، بوسائل عسكرية مباشرة ، وتغيير في الخرائط السياسية والاستراتيجية علي المستوي الدولي ، بنتائج هذا التغيير في المرحلة ذاتها ، وبوسائل عسكرية مباشرة ، إذا استدعي الأمر في مرحلة تالية .
للأسف الشديد ، فإننا نتعرض داخليا لحملة إعلامية وسياسية منظمة من خنادق الدفاع الأمريكية ، التي تحولت من خطابها المزمن في استحسان التبعية ، إلي خطاب جديد في تسويق الاستعمار، مستهدفة إشاعة نوع من العمي الاستراتيجي العام علي المستويين الوطني والقومي ، كجزء من تمهيد المسرح الاستراتيجي في المنطقة ، لعمل آلة الحرب الأمريكية ، في مناخ يلزم أن يكون راكدا ، ومنطفئا ، ومشوشا ، ومنكسرا ومهزوما .
لقد كانت عملية تمهيد المسرح الاستراتيجي في المنطقة أبعد مدي بكثير ، من التحركات العسكرية الأمريكية ، فوق تخوم المنطقة ، لتأمين القواعد والتسهيلات، وتهيئة الأوضاع لإتمام الفتح الاستراتيجي ، وبالقدر الذي تم فيه الارتكاز علي الدول الصغرى في الإقليم ، إضافة إلي إسرائيل ، لتحقيق هذا البعد في تمهيد المسرح الاستراتيجي فقد تم تطوير الهجوم بصياغات أخري ، علي الأوضاع الداخلية للدول الكبرى في الإقليم ، بهدف شل قدرتها علي التعبير الاستراتيجي، عن مصالحها في لحظات المصير .
• ولست أحسب- أولا- أن باب التغيير الذي تم في تركيا لصالح حزب يحظي بشعبية روحية غالبة ، مقطوع السلطة ، بالسعي إلي تأهيل تركيا لأن تلعب دورا أساسيا في مقدمة الحملة العسكرية الأمريكية ، علي نحو غير مسبوق ، دون عواقب غضب جماهيري تركي ، كانت عواصفه تنذر بمخاطر جسيمة في ظل واجهة حكومية تركية مختلفة ، أو تقليدية ، بل أن هذه الحكومة في ظل ممارساتها العملية ، وقدرتها علي تحقيق ، أهداف الولايات المتحدة ، مع ضبط التفاعلات السياسية والاجتماعية البالغة العنف في تركيا ، سوف تصبح نموذجا مختارا ، لعتبات التحول المرحلي في أهم دول الإقليم ، قبل أن تنهي أدوارها ، بالاختناق الداخلي ، أو الإزاحة الخارجية .
• ولست أحسب- ثانيا- أن قرار تعويم العملة الوطنية في مصر ، في هذا التوقيت ، سواء تم بضغوط منظمات التمويل الدولية ، كما تنفي الحكومة ، أو بإغواء (دراسات أعدتها أقوي بيوت الخبرة في العالم) ، حسب تحديد رئيس الوزراء ، يمكن أن يكون في توقيته العاصف ، ومقدماته غير المرتبة ، ونتائجه الوخيمة ، وفي ظل ضغوط متزايدة ، تكاد أن تجفف مصادر العملات الأجنبية ، منفصلا عن العملية الواسعة نفسها ، تمهيد المسرح الاستراتيجي ، أمام آلة الحرب الأمريكية ، في تخوم الإقليم ، ذلك أن القرار ونتائجه العملية في النهاية ، كان يستهدف حشر ملايين المصريين داخل حدودهم ، أو داخل حدود أزمتهم الاقتصادية ، وفي تلافيف تداعياتها ، ومصاعبها وضغوطها ، وبالتالي تخفيض درجة إحساسهم بالمخاطر الإقليمية والوطنية ، علي حساب زيادة درجة إحساسهم بالمخاطر الداخلية ، ثم نقل اهتماماتهم ، واهتمامات حكومتهم قبلهم ، إلي أزمات من نوع ، زيادة الأسعار ، واختفاء السكر ، والمضاربة علي الدولار ، ومشاكل المصدرين والمستوردين ، والمستهلكين ، وهو ما يؤدي في النهاية إلي تقليل درجة الاندفاع الوطني ، في مواجهة العواصف الإقليمية ، سواء تحت ضغط الأزمة الداخلية ، أو تحت ضغط الشعور بالحاجة المتزايدة إلي المعونة الخارجية، ولهذا كان طبيعيا أن يكون كل ما أعلنته الحكومة في مواجهة التهديدات الاستراتيجية المتزايدة ، التي تطول مصر قبل غيرها هو : إعداد خطة طوارئ اقتصادية.
• ولست أحسب- ثالثا- أن عملية تمهيد المسرح الإستراتيجي في المنطقة وداخل وحداتها الكبرى ، قد أكملت مهمتها ، وأنهت أعمالها ، ولكنها ستظل تواصل متابعة أهدافها ، بشكل متزامن ومتفاعل مع نتائج أعمال القتال علي جانب ، ومع ارتفاع منسوب التملل والرفض ، وطنيا وإقليميا .
ولا شك عندي في أن مسلسلا كاملا من القنابل الموقوتة ، سوف يتم شحنها وتهيئتها للانفجار ، سواء أكانت قنابل اقتصادية أو اجتماعية ، أو سياسية أو طائفية ، وأن حقل الألغام الواسع الذي تمت زراعته يمتد داخل حدود دول الإقليم ووحداته الكبرى ، خاصة مصر والسعودية وسوريا، وأن عمليات التفجير سوف تتم جنبا إلي جنب، مع عمليات متتالية ومتصاعدة للإكراه السياسي والاقتصادي ، والاجتماعي ، سوف تجري علي قدم وساق ، كما أن أشكالا أخري ، للتناقضات العربية العربية، سوف يتم إيقاظها ، ودفعها إلي مقدمة المسرح .

عندما عاد إلي إسرائيل باحث في معهد هرتزليا هو (أهود شفيرنتسيك) بعد سلسلة لقاءات مع عدد من قادة البنتاجون ، نقل خلالها إليهم بناء علي طلبهم، خبرته في مكافحة الإرهاب العربي ، كان يبدو أكثر اندهاشا مما سمعه في واشنطن ، فقد أبلغ كل من ألتقاه في إسرائيل بالحرف الواحد : " أنهم في البنتاجون يعتقدون أن العالم العربي هو عالم من المتخلفين الذين لا يفهمون غير لغة القوة" .
والحقيقة أن العقل الاستعلائي الأمريكي ليس مسئولا وحده عن تكريس هذا الإدراك غير الصحيح عن العالم العربي ، إذ أن رسم لوحة بيانية في مدي زمني قصير ، تتضمن نوعية الضغوط الأمريكية ، وطبيعة ردود الأفعال العربية تجاهها ، يمكن أن تساهم في تخليق هذا الانطباع ، قبل تأكيده ، فالمنهج العربي السائد تجاه المواقف الأمريكية ، بغض النظر عن طبيعتها ، ودرجة عدائها ، وحجم المخاطر الاستراتيجية التي تنطوي عليها ، يمكن أن يندرج تحت مفهوم واحد هو : الملاينة ، وهو رد فعل لا يعني عند العقل الاستراتيجي الأمريكي ، إلا الاستجابة المذلة، وفاعلية منهج الضغط والإكراه .
إنني أريد أن أكون أكثر وضوحا وإنصافا ، وأقول أن العلة في ذلك ليست ضعفا أو عورا في العقل الاستراتيجي الوطني، بل إنني أستطيع أن أجزم دون مبالغة، أن العقل الاستراتيجي الجمعي في مصر ، إذا صح التعبير ، هو واحد من أكبر العقول الاستراتيجية علي المستوي الدولي كله ، وليس الإقليمي وحده ، ومن أكثرها عمقا ونفاذا في الرؤية ، وقدرة علي الإمساك بجذور المتغيرات ، وصياغة معادلات استراتيجية مكتملة وصحيحة ، وبناء تخطيط استراتيجي شامل.
ولذلك قد ينقصنا بناء تخطيط استراتيجي شامل، وصياغة معادلات استراتيجية مكتملة وصحيحة ، ولكن الرؤية لا تنقصنا ، والقدرة لا تنقصنا ، والإمكانية لا تنقصنا ، والإمكانية لا تنقصنا ، ولكننا نفتقر إلي مناخ صحيح وصحي ، يضع الرؤية والقدرة والإمكانية ، في موضع الفعل والتأثير ، وإذا لم يكن هذا هو أوانه ، فمتي يكون؟!.
إن الإعلام كله في أمريكا ، قد وضع تحت إشراف وحدة جديدة، تم تأسيسها في البنتاجون أطلق عليها أسم ( وحدة التأثير الاستراتيجي) ، يقوم بالإشراف عليها المساعدون المباشرون لرامسفيلد ، وإذا كانت وحدة (دبليو رندون) قد تم إحياؤها لتمد الصحف الأمريكية بالمادة الخام التي تصوغ منها موضوعاتها ، وإذا كان معهد (انتربرس) ، وهو الشرفة الأمريكية لمراكز أبحاث وزارة الدفاع الإسرائيلية والموساد ،قد تولي مع مؤسسة (راندا) ، رسم الخرائط الجيوبوليتيكية الجديدة للشرق الأوسط ، فإن تنظيم التعاون بينهم جميعا، يتم علي أرفع المستويات ، في مجلس الأمن القومي الأمريكي .
عندنا يبدو الأمر مختلفا ، فبعض الجهات تعمل بمنطق أن الدولة المصرية ، هي مجرد مصنع للملابس الجاهزة ، يمكنه أن يكون بمنجي من أدوات الحصار الأمريكي . إذا حصل إنتاجه علي شهادة أيزو من الولايات المتحدة الأمريكية ، وبعضها الآخر ، يتعجل تجهيز وصياغة المراثي في العروبة والقومية والنظام الإقليمي العربي ، وبعضها الآخر ، يبذل جهدا استثنائيا ، لتعميم ثقافة الرضوخ والانحناء ، أما الأكثر تقدما وسطوة ، فقد بدأ بالفعل ، في تسويق الاستعمار الأمريكي ، كاحتلال عسكري أكثر نفعا، وإفادة للأمة وللوطن، من تلك الأنظمة الخامدة المتسلطة، التي تنكبت طريق الحداثة والديموقراطية وحقوق الإنسان .
إن الخطوط الفكرية التي جري دفعها في هذا الحيز الواسع تبدو متداخلة إلي حد كبير :
1. هناك خط فكري أولي جري تعميقه ، ظل يلح علي أن الهدف الأمريكي المباشر ، معزول عن بنية العراق ، فضلا عن بنية الإقليم ، وهو إسقاط النظام العراقي وحده ، وعندما كشفت الولايات المتحدة الأمريكية عن تصورها الاستراتيجي ، للبقاء المزمن في العراق ، بعد تقسيمه إلي ولايات ثلاث، استمر منهج عزل الهدف الأمريكي عن الإقليم ، وعندما تحدث الأمريكيون علانية عن إعادة صياغة أوضاع الإقليم وأنظمته ، وأبنيته السياسية والاجتماعية والفكرية ، تحول الخط إلي قصائد مديح في فضائل الاستعمار الأمريكي ، وضرب المثل علنا ، بالتواجد العسكري في شرق آسيا ، " الذي أوجد تغييرات إيجابية كثيرة في اليابان وكوريا"(!) .
2. وهناك خط فكري ثان ، أخذ يسوق التدخل العسكري الأمريكي في الإقليم علي إنه أحد ظواهر الطبيعة ، وبفعل قوانينها التي لا راد لقضائها ، بحكم أن الولايات المتحدة ، هي القوة العظمي الوحيدة ، التي ستتبعها أوروبا طائعة، في وقت انطفأت فيه حركات التمرد في العالم الثالث ، وخمد تأثير حركات الاحتجاج في أوروبا ، وعندما بدأت أوروبا ، خاصة فرنسا وألمانيا ، ثم روسيا ، تبدي اعتراضا خشنا ، لم تتوقف محاولات التقليل من قيمة مواقفها ، بل تم تغذية الناس ، بمفهوم ضيق، يقوم علي أن الاعتراضات كلها ، إنما هي ذات منهج نفعي خالص ، تريد أن تحصل علي عائد اقتصادي من كعكة العراق والإقليم ، وسوف تحصل علي أقل عائد ، وتهدأ ، بل جري تحذير مصر من المراهنة علي الموقف الأوروبي ، لأنه عابر ومؤقت ، ونفعي ، أما عودة اليقظة والحضور إلي الاتحادات العمالية ، والنقابات وتجمعات المنتفعين المثقفين ، والهبات الجماهيرية في أوروبا ، فقد جري وصفها بأنها عقيمة ، وعديمة التأثير .
3. وهناك خط فكري ثالث ، ظل يتخذ من شعار صحيح ، هو مصر أولا ، منطلقا إلي فرض منطق انعزالي علي مصر، ولقد كانت مفردات الحوار في إطار الشعار السابق واضحة إلي حد الوقاحة :
إذا لم يكن بمقدور مصر أن تمنع استخدام القوة ضد العراق ، فلماذا لا تستفيد منه ، وتطلب ثمنا لمشاركتها ، وإذا لم يكن بمقدورها أن تشارك ، فلتطلب ثمنا لسكوتها ، ولما كان توزيع الأنصبة من حق الولايات المتحدة الأمريكية وحدها ، فقد اختصت الأردن التي نزلت حمام السباحة الأمريكي برأسها لا بقدميها ، بالنسبة الأكبر من المساعدة الاقتصادية المقررة لها 250 مليون دولار ، إضافة إلي نصف سرب من طائرات أف –16 ، حطت بالفعل في قاعدة موفق السلطي في شمال الأردن ،ويتأهب باقيها للحط في القاعدة نفسها علي الحدود العراقية ، وثلاث بطاريات من صواريخ هوك ، ورفعت مساعداتها في إطار المساعدات الأمريكية للعام القادم 2004 إلي 549 مليون دولار ، أما إسرائيل نفسها التي لم تتحقق لها موافقة نهائية علي ضمانات قرض جديد بمبلغ 8 مليارات دولار ، فقد تحققت لها إمكانية الحصول علي دفعة من طلبات تسليح إضافية في شكل هبة ، بمبلغ 4 مليارات دولار ، كانت طلائعها أعداد من طائرات أف –15 ، مع الوعود بالحصول علي مقاتلات أف-22 و كومانشي 66 ، وسعي منها لتضمين الصفقة مدفع الليزر المضاد للصواريخ من طراز كاتيوشا ، لكن مصر ظلت وحدها في موقعها، أكرم من أن تسأل ، وأفضل من أن تعطي .
4. وهناك خط فكري رابع ، يبدو موصولا بالخط السابق ، ظل يري أن علي مصر أن تستبق خطي الولايات المتحدة، في صياغة النموذج، الذي تراه ملائما لمصالحها في الإقليم ، فتبدي قدرا محسوبا من التكيف مع الصورة التي تراها الولايات المتحدة الأمريكية لها ، فتعمد إلي تعميق حرية السوق ، وتأكيد حقوق الإنسان ، وتمهد الطريق أمام توسيع دوائر المشاركة السياسية ، وتوسيع رئة الديموقراطية .
والحقيقة التي أفهمها في عمق هذا الخط الفكري ، أنه ليس موصولا بمصالح مصر الاستراتيجية ، ولا بدورها الإقليمي ، بقدر ما هو موصول ، بتأسيس قاعدة انقلاب مدني في مصر ، تجرد منظومة القوة المصرية من تأثيرها ، وتفتح الباب إلي انقلاب مدني ، في شكل إحلال سلمي ، للعناصر الفاعلة في خندق الدفاع الأمريكي ، وهي ذاتها العناصر التي تحشد جهودها تنفيذيا وإعلاميا ، فوق الخطوط الفكرية المتداخلة السابقة .

يقيني أن الولايات المتحدة ، لن تغامر بالذهاب مرة ثانية إلي مجلس الأمن إذا تأكد لها أنها ستواجه بفيتو فرنسي أو روسي ، لأن من مصلحتها أن تقوم بعدوانها دون أن يكون ممهورا، برفض رسمي في مجلس الأمن ، لينحصر عدوانها بعد ذلك، في كونه مجرد سوء تفسير قانوني لقرار سابق للمجلس ، بل أنها يمكن أن تستخدم الإيحاء بوجود فترة زمنية ممتدة لمداولة تالية في المجلس ، كنوع من التعمية الاستراتيجية ، تمنح استخدام القوة قدرا من المفاجأة .
ويقيني- أيضا- أن مصر إذا ظلت واقفة في مكانها دون حركة ، فإنها ستضاعف من تأثير الزلزال المتفجر القادم ، دون شك ، علي أوضاعها ومكانتها ، ودورها الإقليمي ، بل وسلامتها الوطنية ، فضلا عن أن الهدف الثابت أكثر سهولة ، في التنشين عليه ، من الهدف المتحرك .
ولذلك فإنني أعتقد أن الهدف المصري ، الذي لا يحتمل تأجيلا ، هو بناء منظومة فكرية استراتيجية جديدة ، علي قاعدة تخطيط استراتيجي شامل تدمج في عناصرها ، الحقائق الأساسية البازغة التالية :
أولا : إن الاستراتيجية الأمريكية ، تجاه العراق هي المدخل الطبيعي- كما يقول الأمريكيون أنفسهم – لإعادة صياغة أوضاع الإقليم كله ، وإذا لم تكن مصر مستهدفة في حد ذاتها في هذه المرحلة ، فإن أكبر التحديات الاستراتيجية التي تواجهها، من جراء ذلك هي : نزع الطابع القومي عن مصر ، ونزع الطابع المصري عن الإقليم .
ثانيا : إن توجه هذه الاستراتيجية الأمريكية ، نحو الارتكاز علي الدول الصغرى في الإقليم ، لا تعني تجاهل الدول الكبرى ، بقدر ما تعني تفجيرها من داخلها ، وفي هذا الإطار ينبغي فهم الخطوط الأساسية في الاستراتيجية الأمريكية ، التي استند مجلس الأمن القومي الأمريكي ، والبنتاجون في صياغتها ، إلي تقرير مؤسسة (راندا) ، والذي يقول بالحرف الواحد : " أن الهجوم العسكري ضد العراق، هو هدف تكتيكي، لكن السعودية هي الهدف الاستراتيجي ، أما مصر فهي الجائزة الكبرى " .
ثالثا : إن التوجه العام للاستراتيجية الأمريكية، أبعد مدي من العراق، ومن حدود الإقليم ، لأنه يشكل انقلابا كاملا في أوضاع العالم ، وفي أنماط الصراع الدولي، وموازين القوى المؤثرة فيه، وفي هذا الإطار ينبغي فهم ورؤية القاعدة الحقيقية التي يتشكل عليها الرفض الألماني والفرنسي والروسي والصيني، لأن تلخيص هذا الرفض في منطق نفعي اقتصادي ضيق ، للحصول علي الرشاوى ، هو فهم أكثر ضيقا ، يعمد إلي تسويغ منطق المنفعة الاقتصادية العاجلة ، علي حساب المصالح الاستراتيجية ، الآجلة والممتدة ، ويكفي فقط استعادة كلمات قصيرة قالها المستشار الألماني شرودر في اجتماع مغلق لحزبه ، قال فيها بالحرف الواحد :" إن الطريقة التي ستسوي بها الأزمة العراقية ، ستقرر مصير العالم كله لفترة تمتد من 15 إلي 20 عاما ، وإذا تم تغذية الموقف الأمريكي بموافقة جماعية فسوف يعني ذلك ، الإقرار بعالم خاضع لقطب واضح " أما لمن أراد أن يتوسع في فهم قاعدة الموقف الألماني والأوروبي عموما ، فيمكنه أن يقرأ الدراسة الاستراتيجية ، التي أعدتها مؤسسة (فريدرش) وصدرت تحت عنوان (العراق هو البؤرة)، ليتأكد من أن مشاهد الرفض في مجلس الأمن كانت تعبيرا عن مبارزة استراتيجية حقيقية ، تجري في هيكل النظام الدولي .
رابعا : إن تحول الولايات المتحدة من صيغة الإمبريالية ، أي إدارة مصالحها من الخارج ، إلي صيغة الاستعمار المباشر ، واستخدام القوة العسكرية ، كاستثمار اقتصادي ، يعني التحول من استراتيجية الردع ،إلي استراتيجية القسر ، بتطبيقاتها العملية ، مثل مبدأ الضربة الإجهاضية ، والتحول إلي استراتيجية القسر ، في حدود الإقليم ، يعني سقوط استراتيجيات الردع القديمة في أنحائه ، كما يعني سقوط الخطوط الحمراء ، المبنية علي توازن المصالح ، ليعاد صياغة الأوزان الإقليمية علي غرار ما قبل الثورة الصناعية ، أي بمقاييس القوة العسكرية البحتة ، ويعاد تثبيت الخطوط الحمراء في الفضاء الإقليمي والدولي ، وفقا لهذه المقاييس ، وفي منطقة تمثل التقاطع الحرج والتداخل الأقصى بين المحلي والعالمي ، فإن الضغوط ستكون شديدة الحدة والسخونة ، وسوف تكون التحديات علي مقاسها ، فضلا عن أن التفاعلات الجانبية المركبة لهذه الحالة ، سوف تقوي الأطماع الداخلية ، وتوقظ حواس التوسع الإقليمي .
خامسا : لا سبيل إلي دحض حقيقة أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية قد انتقلت من حيز المشاركة الاستراتيجية ، أو التحالف الاستراتيجي ، إلي حيز الاندماج الاستراتيجي الكامل ، وأن التطبيقات العملية لهذا الاندماج الاستراتيجي ، قد أخذت من التكشف في أنحاء الإقليم ، فضلا عن أنها ستعبر عن نفسها في صيغ جديدة ، فوق مسارات الحرب الأمريكية ضد العراق .
إن الاعتماد الأمريكي علي الخطة الإسرائيلية H3، في التمركز وفتح قاعدة هجوم واسعة غربي العراق ، قد بدأ في تنفيذها ، والاتفاق علي فتح المجال الجوي الأردني ، أما الطائرات الحربية القادمة من إسرائيل صوب العراق ، قد تم الإعلان عنه دون خشية أو وجل ، وتنظيم التعاون يجري علي أرفع المستويات بين قيادة الأركان الأمريكية ، وقيادة الأركان الإسرائيلية ، وترشيح القوات الخاصة الإسرائيلية ، للعب دور قوة الصدمة المحمولة في عمق بغداد ، ينظر إليه الأمريكيون علي أنه جائزة سبق واستحقاق ، بحكم خبرات حرب المدن التي لا تتوفر للأمريكيين ، ولا للبريطانيين .
سادسا : إن التفاعلات الرئيسية في حالة مركبة ، يتم صياغتها بالحديد والنار ، لابد أن تنتج تفاعلات جانبية ، وتحت تأثير المعارك ، غالبا ما تتحول التفاعلات الجانبية إلي تفاعلات رئيسية ، وتحت شلالات النار ، وأكوام الخراب ، لا تظهر جثث الضحايا ، ولا تعيش الفئران وحدها ، وإنما تولد الفوضى ، وتتكون الزلازل ، وتنفلت القوى بأقنعتها السياسية والاجتماعية والفكرية المختلفة ، ويحدث الصدام ، الذي قد يكون قتلا في الظلام ، أو حروبا أهلية في وضح النهار ، وفي وقت شدة اقتصادية ، واحتقان اجتماعي ، فإن المغامرين والأفاقين ، هم الأكثر قدرة علي انتزاع المغانم ، وخطف كنوز الشعوب .
سابعا : ليس هناك في لحظة انقلاب استراتيجي تاريخي شامل ، تيار يمكن أن يسمي الاعتدال ، فلا اعتدال بين المقاومة والاستعمار ، ولا اعتدال بين العقيدة الوطنية ، وعقيدة الغزو والاستحواذ ، ولا اعتدال بين المصلحة الوطنية ، والمصلحة الأجنبية ، حين تصبح الأخيرة ، سيفا ومدفعا ، لأنه لا اعتدال بين المشروعية واللامشروعية .


في الحرب العالمية الثانية ، أختار متطرف أيرلندي معجب بالظاهرة النازية ، أن يعمل مذيعا في راديو برلين ، كان أسم الرجل هو (وليام جويس) ولكن البريطانيون أطلقوا عليه لقبا ألغي أسمه القديم ، وهو اللورد (هاو هاو) . وقد آن الأوان لإسكات صوت اللورد (هاو هاو) المعجب بالنازية الأمريكية الجديدة في الفضاء المصري ، ويمكنه إذا شاء أن يواصل رسالته المقدسة ، في محطة صوت أمريكا !




 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :