القائمة الأمريكية بالمنظمات الإرهابية تشير إلى أن الحرب ضد العرب والمسلمين     

العقل الوطني بين جماعة " بن لادن " وجماعة " بن فريدمان " ...!

بقلم : أحمد عز الدين

لا شئ في كل جلجلة تلك الديوك الأمريكية ، المنتفخة بقوتها ، وهي تشير فوق شاشات التليفزيون ، إلى خرائط الخراب في أفغانستان ، يمكن أن يزن رنة الحياة في الصوت الأفغاني اليتيم ، الذي تسلل إلى صحيفة الجارديان البريطانية ، معبرة بحنجرة تقطر دما ، عن أمنية وحيدة ، كان فحواها أن تتوقف الولايات المتحدة عن قصفها الجوي لأفغانستان ، مقابل أن تضربها على سبيل الرحمة ، بقنبلة نووية كبيرة ، ليجد الأفغان راحة أبدية يطلبونها ، في موت جماعي ، يجيئهم دفعة واحة .
ولا شئ في كل افتتاحيات الصحف الأمريكية ، التي تتوهج بمشاعر الثأر ، يمكن ان يزن رنة الموت ، في تلك الافتتاحية التي كتبتها إحدى الصحف ، والتي كلما قلبت النظر في بنيتها ، كلما تذكرت بيتا من الشعر الإنجليزي لــ " وليم بليك " يقول : " كنت أتنقل بين نيران الجحيم مسرورا " ، فالافتتاحية التي ترسم صورة للمشهد الأول في أولى حروب القرن بضرباتها الجوية والصاروخية ، تفيض لذة ومتعة ، وكأنها تصف موجات الضربة الجوية الأولي ، في اكتوبر العظيم .
والحقيقة أن ما استوقفني ، في تأمل هذه الافتتاحية ، ومثيلاتها ، ليس محاولة رد ما تضمنته من آراء ، إلى أصولها الفكرية فقد أصبحت معروفة المصدر ، مكررة القصد ، وإنما محاولة تفسير هذا الإحساس الجياش ، باللذة والمتعة أمام مشهد الهجوم الأمريكي ، وهو احساس يسري كالكهرباء في مفرداتها .

• ولقد قلت لنفسي – أولا – بحثا عن تفسير ، ربما يكون الإفراط في الإحساس باللذة والمتعة ، أمام مشهد القوة الأمريكية فوق أفغانستان ، هو مجرد معادل نفسي تلقائي ، للإفراط الأمريكي في استخدام هذه القوة ، لكنني وجدت أن المعادل النفسي ، بالمنطق الإنساني السوي في هذه الحالة ، يلزم أن يجئ إفراطا في الإحساس ، بما هو عكس اللذة وعكس المتعة .
• وقلت لنفسي – ثانيا – بحثا عن تفسير ، ربما يكون هذا الإحساس باللذة والمتعة ، يجئ من وهم مسيطر ، بالاندماج الذاتي في هذه القوة ، فعندما يصبح وهم الاندماج في الآخر ، خيالا يفرد جناحيه ، بين طائرات B52 – B1 ، على ارتفاعاتها الشاهقة ، فلابد أن يرى النتائج من كاميرات الطائرات ، أو من فتحات إسقاط القنابل ، مجرد ثقوب سوداء صغيرة ، تحت قبة الأفق ، ولو كانت في الحقيقة أكثر من قرية كاملة ، دفنتها لمسة أصابع قاتلة بنسائها وأطفالها الأبرياء ، لكنني وجدت أن مثل هذا الوهم ، قد يهاجم الناس في الكوابيس ، ولكنه لا يزورهم لا في أحلام النوم ، ولا في أحلام اليقظة .
• وقلت لنفسي – ثالثا – بحثا عن تفسير ، ربما يكون هذا الإحساس الفائض باللذة والمتعة ، مبني على وهم آخر ، هو الاندماج فيما تمثله هذه القوة ، أي وهم الاندماج في الآخر ، بمعنى حضارته وحداثته وليبراليته ، خاصة إذا كانت هذه الحضارة و الحداثة و الليبرالية ، توجه ضرباتها كما يقول الخطاب الغربي ، إلى التخلف والبربرية ، لكنني وجدت أن وهم الاندماج في الآخر ، حضارة وحداثة وليبرالية ، قد يفسده الإحساس بالاندماج المجرد من قوته العسكرية ، خاصة إذا كانت القوة عاملة ، ومتكبرة وغاشمة ، وتمارس ماديا ومعنويا ، محاولة مفضوحة ، لا زلال ما تمثله هذه المنطقة في قلب العالم ، حضارة وعقيدة بشعوبها وحكامها .
• وقلت لنفسي – رابعا – ربما يكون هذا الإحساس باللذة والمتعة ، مبني على وهم أخير ، هو وهم الاندماج في نتائج الأعمال الحربية لهذه القوة ، أي الحصول على نصيب من منتوجها ، ثم قلت لنفسي ، إن ذلك سيكون إذا صح سقف الوهم الأكبر ، لأنه لا منتوج ولا عائد ، لأعمال هذه القوة ، لا في دائرة الشرق الأوسط وتخومه الآسيوية الواسعة ، ولا في الدائرة الوطنية التي تحتل قلب الدائرة الأولي ، يمكن أن يكون بمثابة حبات البرتقال ، التي يمكن أن تقطفها أيدينا ، من فوق أشجارها المروية بالدم ، فهي لن تنتج ثمارا ولا أشجارا ، وإنما حرائق ، ستأكل كل ما تبقي من ثمار وأشجار .

******
سوف تكون كارثة لو أن العقل الوطني ، سمح لمثل هذه الذبذبات الشاردة ، أن تسري كهرباؤها بين خلاياه ، وسوف تكون كارثة أكبر لو أن هذا العقل الوطني ، صدق أن هذه الذبذبات الشاردة ، إنما تعكس نبضا حقيقيا في الشارع المصري ، لأنه لا أحد في الشارع المصري قابل أن يصدق أن الصواريخ الموجهة والقنابل الثقيلة زنة 500 رطل ، والقنابل العنقودية المستحدثة ، التي تنهمر كالأمطار فوق رؤوس الشعب الأفغاني ، بغير سقف يحميها ، إنما تنهمر انتقاما لدم الطفلة " شيماء " التي اغتالتها يد الإرهاب الغاشم في مصر ، كما أوحت بذلك صحيفة مصرية ، وإلا فإن على المصريين وفق ذلك أن يتحلقوا حول شاشات التليفزيون ، وأن يصفقوا لكل صاروخ أمريكي شارد فوق قبة مسجد ، أو حوائط مدرسة ، وأن يتبادلوا التهاني ، كلما ازدادت موجات اللاجئين الأفغان ، هروبا في شعاب الأرض ، التي ترتج تحت أرجلهم ، وهم يتركون بقايا موتاهم في العراء ، فزعا ورعبا ، من تكنولوجيا الموت الأمريكي .
لقد وضعت حرب الإرهاب في مصر أوزارها ، بعد أن أطفأت مصر نارها بدم طاهر لصفوف طويلة من شهدائنا ، ضباطا وجنودا ، وليس ثمة أمر أكثر غباءا من أن نعيد بث صور متحركة لأعمال غدت من قبيل ذكريات الماضي المؤلمة ، لأعمال هذا الإرهاب ، تحت دعوى أكثر غباءا وهي تنشيط ذاكرة الناس بأعمال الإرهاب ، إلا إذا كان المقصود ، تنشيط ذاكرة الإرهاب بأعماله ، وبالأضرار والخسائر والفزع ، الذي أحدثته ويمكن أن تحدثه فينا ، بأن نحدث الإرهاب عن قدراته وحجم تأثيره وفاعليته ، أي أن نحرضه على الفعل .
ولماذا نسعى إلى تنشيط ذاكرة الناس بأعمال الإرهاب ، الآن على وجه التحديد ، يبدو الهدف الظاهر لذلك ، من حيث تزامنه مع الضربات العسكرية الأمريكية ، هو السعي إلى شحن المصريين ، نفسيا ووجدانيا ، لصالح هذه الضربات ، وكأن على المصريين أن يتمثلوا في القوة العسكرية الأمريكية ، وضرباتها ، وإستراتيجيتها ، ما يمثل لهم امتدادا وثأرا ، ونفعا وغاية ، وهو أمر لا ينطوي بالتأكيد على أي احترام للذات ، لا إنسانيا ولا وطنيا ، لكن هذا الهدف الظاهر قد يخفي تحته أهداف أخرى ، تتوجه نحو أحد أمرين : إما توسيع التحالف العسكري الأمريكي ، بإقناع الموقف المصري المتعقل الرشيد ، بالدخول فيه ، بسبب مصابه وألمه ، قبل عوائده المتوهمة ، وإما توسيع مسرح عمليات هذا التحالف العسكري ، بإدخال مصر في إطاره ، بسبب أنها المزرعة الحقيقية للإرهاب ، وأظن أن كلا الأمرين ، يتناقض جوهريا مع المصلحة الوطنية العليا ، والحقيقة أننا لسنا أمام اجتهادات في الفكر والإعلام ينقصها الرشاد ، وإنما أمام خطوط شبكة فكرية ، تبدو متصلة ومفتوحة ، خاصة إذا راجعنا ما كتبته ، إحدى زوايا الأهرام ، تأكيدا على ذلك بالقول، إن رفض الدخول في التحالف العسكري الأمريكي هو موقف سلبي للغاية ، وغير سياسي ، ولصالح الإرهاب ، إذ كيف نطلب من الغرب مساعدتنا ، ونقول لهم أذهبوا وحاربوا ، إنا هنا قاعدون ، وكأن الغرب بهذا الاستحضار الجهول لسياق الوصف القرآني الكريم ، هو نبي الله ، ونحن الشعب المتمرد على هذا النبي المرسل .
وتبدو خطوط الشبكة أكثر اتصالا وانفتاحا ، عندما تراجع في زاوية أخرى من الصحيفة نفسها ، أن " الأمر يقتضي بقاء القوات الأمريكية لفترة قد تطول ، ومثل هذا الحضور ، سيدعم مكانة الولايات المتحدة ، كقوة عظمي وحيدة في العالم ، وسيشكل قوة قادرة على ضبط الصراعات والتوازنات " ، إنما ينبغي أن يتم باستخدام القوة المسلحة ، وباحتلال عسكري مباشر ودائم لدولة ذات سيادة ، وأي قصيدة غنائية يمكن أن تكون أكثر غزلا في وجه الاستعمار ، وتمجيدا لفوائده ومآثره ، بينما تنحط الإمبريالية إلى طوره المتدني ، وتنحط معها بعض الأقلام والأفكار ، إلى طور يصعب وصفه بالوطنية .

****
أي رياء ذلك الذي نطق به وزير الدفاع البريطاني ، وهو يبشر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، بأن الهجمات العسكرية الأمريكية البريطانية على أفغانستان ، قد تقرر أن تخف حدتها ، بمناسبة ذكرى الإسراء والمعراج ، وأي تهكم أضافه حين قال أن أسباب هذا التخفيف ، لن تنطبق على شهر رمضان ، لعل المفارقة أن هذه العقلية الاستعلائية الاستعمارية ، تريد أن تقنعنا في افتتاحية حربها الممتدة ، أنها قابلة لأن تحترم بعض الأزمنة الإسلامية ، لكنها غير قادرة على احترامها كلها ، وأن احترامها لبعض الأزمنة ، لا يعني أنها تحترم الأمكنة ، ولا يعني أنها تحترم البشر ، فالمكان غير الزمان ، والزمان غير الناس ، ولأن الزمان نسبي وانتقائي وتجريدي ، فالاحترام في منظور هذه العقلية ، ينبغي أن يخضع بدوره للنسبية والتجريد والانتقاء ، ولكنها نسبيتها وتجريدها وانتقاؤها .
أظن أن " جان شاليان " وهو أكبر فقهاء فرنسا في علوم الإستراتيجية ، وواضع موسوعتها الإستراتيجية الكبرى ، هو الذي أبصر في النار الأمريكية المتقدة فوق أفغانستان ، سلالم صاعدة إلى مستقبل بشري هابط ، ففوق درجة أولى من هذه السلالم ، رأي أن هناك دفعا أو تدافعا ، نحو " إثارة العالم الإسلامي ضد الغرب ، وتحقيق لحلم صموئيل هنتنجتون صاحب نظرية صراع الحضارات " ، وفوق درجة ثانية ، وقف " شاليان " يتساءل بدهشة متعاظمة : " كيف يمكن أن تقوم الولايات المتحدة ، باستخراج نظام جديد من أنقاض أفغانستان " ، لكنه عندما وصل إلى الدرجة الثالثة ، رأى من شرفة كونية أوسع ، أن " العالم يقف على حافة حرب عالمية ثالثة ، قد تكون نتائجها ، أخطر من نتائج الحربين العالميتين الماضيتين " .
والحقيقة أنه ليست المكانة العلمية الرفيعة التي يحتلها " شاليان " هي التي تجعل كلماته أقرب إلى عيون زرقاء اليمامة ، ولكن قرب هذه الرؤية من منتوج هذا الارتطام الأمريكي العمدي بهذا الجزء من خريطة العالم ، فالمنتوج الجانبي لهذه الحرب ، سيكون أكثر خطورة ، وأبعد أثرا ، من نتائج أعمالها الحربية المباشرة ، ولهذا فإن شبكة " بن فريدمان " الواسعة التأثير في الإعلام ومراكز النفوذ ، تمارس معنا هنا الدور الذي مثله بيت قديم من الشعر العربي يقول منطوقه :
" أعمى يقود بصيرا
قد ضل من كانت العميان تهديه "
إن هذه الشبكة تركز عيوننا – أولا – على هذا المعبود التكنولوجي الأمريكي ، الذي ينفث نارا وردى ، باقتدار وفطنة ، لنشعر من فجوة المسافة بيننا وبينه ، بمدى دونية الأرض التي نقف عليها ، وهي تمسح – ثانيا – بانتظام عن أسلحة المعبود التكنولوجي ، آثار الدماء البريئة التي يسفكها ، باعتبارها آثارا جانبية ، يحاول جهده التقليل منها ، وهي تحاول – ثالثا – أن تقنعنا [انه يستكمل رسالتنا ودورنا في ضرب الإرهاب واقتلاع جذوره ، وأنه يثأر بأثر رجعي لشهدائنا ، وهي تحاول – رابعا – أن تقنعنا أن لنا في منتوج الدمار مصلحة ، وفي نتائج الخراب منفعة ، وفي الاحتلال الأجنبي ، غاية استقرار وسلامة ، ولا شئ من هذا كله يدخل في دائرة الحقيقة ، ولا في دائرة المنطق ، ولكن المطلوب أن نذهب بأبصارنا بعيدا عن المنتوج الحقيقي لهذه الحرب :
أولا : أيا كان حجم زلزال الدمار والموت ، فوق مسرح العمليات الأمريكية المباشر في أفغانستان ، وسوف يكون بإجماع الخبراء كبيرا وهائلا ، فإن هذا الزلزال لن يكون معزول التأثير ، عن دائرة واسعة يتجاوز مداها قلب النظام الإقليمي العربي ، لأن العزلة في مثل هذه الأحوال ، تناقض قوانين الطبيعة ومنطقها ، ومن المؤكد أنه يصعب حساب تفاعلات بالغة الشدة ، وبالغة التعقيد في آن واحد ، ولكنه يصعب أيضا ، نفي تأثيرات عميقة ومتوحشة ، قابلة لأن تتحرك كأنها الشروخ في طبقات الأرض ، لتنجب تصدعات كبيرة متتالية ، لن تتوالي بالضرورة في خط مستقيم ، لأنها قادرة على أن تقفز ، من دوائر أضيق إلى دوائر أوسع ، ومن دوائر أقل سخونة ، إلى دوائر أكثر قابلية للالتهاب .
إن أسرع هذه التصدعات ، قد يجري على أرض باكستان ، فالمشاهد الداخلية ساخنة ، والتناقضات عدائية ، والمسافات بين القوى وبعضها تزداد اتساعا ، ثم أن للولايات المتحدة مصلحة بعد ذلك ، في إنهاء الحكم الراهن في باكستان ، لأسباب عدة ، من بينها ، أن يأخذ الحكم القائم جريرة فعله ، ولا يبقى في عيون الباكستانيين ، شاهدا يجدد المواجع ويستفز الخصوم ، ومن بينها أن الحالة الجديدة في أفغانستان ، تحتاج إلى نظام حكم آخر في باكستان ، لا يجد نفسه بقوة دفع الناس ، في وضع غير متوافق مع هذه الحالة ، ومن بينها وهو الأهم ، أن الجغرافيا الثقافية التي تحل محل الجغرافيا الإستراتيجية والسياسية فوق خرائط الصراع الممتد ، باتت تتطلب أن تفقد باكستان قنبلتها النووية بوصفها دولة إسلامية ، وباستحالة أن تكون غير ذلك ، فوق أنها إذا كانت قد قبلت التهديد الأمريكي بضرب قنبلتها ، وانحنت هذه المرة ، فمن يدري في المرحلة التالية ، أن يتحول رد الفعل ، من خوف إلى جسارة .
ومع أن التأثير الأول بالتصدع ، مرشحة له باكستان قبل غيرها ، إلا أنه ينبغي أن يكون ملاحظا ، أن شدا متعاظما لأحد أطراف الإقليم أو تخومه على هذا النحو ، سرعان ما يقفز سريان تأثيره دفعة واحدة ، إلى قلب الإقليم ، ويكاد أن يكون ذلك بدوره ، جزءا من قوانين الطبيعة ومنطقها .
ثانيا : وفي المشهد الدامي في أفغانستان ، تتخلق شرعية دولية جديدة ، لا تثير انتباه أحد ، ولا حفيظة أحد ، وتمر بقدر من الرضا المعلن ، أو الغضب المكتوم ، ولكنها تتخلق ككل شرعية جديدة ، من حالة استثنائية ، قبل أن تخرج من صفتها الاستثنائية ، وتصبح قاعدة قابلة للتكرار .
إنني أقصد على وجه التحديد ، أن يصبح حقا مشروعا لأصابع قوة دولية أو أجنبية ، أن تخلق وأن تؤسس سلطة وطنية ، وتضعها بالقوة المسلحة على مقاعد الحكم ، إن اختيار ظاهر شاه ، وجه الملكية القديم الذي انهار عرشه ، بسوء الإدارة والفساد ، قبل عشرات السنين ، كان سابقا على حشد القوات العسكرية الأمريكية في المنطقة ، وكان سابقا بالطبع على البدء في إطلاق النار ، والحقيقة أن الولايات المتحدة لم تقم بذلك وحدها ، وإنما قام به حلف الأطلنطي ، فقد وضعت خطة متكاملة لتنفيذه ، اشتركت فيها مجموعة من خبراء الأمن في الحلف ، تحت اسم كودي هو " عملية روما " ، وقد تنقلت محطات التخطيط والتنفيذ بين أكثر من عاصمة غربية وآسيوية ، والمشكلة أن عملية روما ، يمكن أن تصبح بعد وقت من الزمن ، " عملية لندن " أو " عملية برلين " ، أو " عملية نيويورك " ، وأن ظاهر شاه الأفغاني ، قد يصبح ظاهر شاه العراقي ، أو ظاهر شاه المصري ، أو ظاهر شاه اليمني ..الخ .. خاصة أن الأمر لا يبدو في التوجه الأمريكي ، استثناءا مؤقتا ، أو حالة خاصة ، فدونالد رامسفيلد – وزير الدفاع الأمريكي – هو الذي قال لنيويورك تايمز أن " الرد الأمريكي ربما يتضمن إطلاق صواريخ كروز ، على أهداف عسكرية ، في أي مكان في العالم " ، لكنه أضاف بتحديد قاطع " أن الرد الأمريكي يتضمن الهجوم على حكومات أجنبية ترعى الإرهاب ، ونحن نبحث تشكيل تحالفات مع شعوب تلك الحكومات " ، وهكذا فإن الواضح أن المشروعية الجديدة ، لإسقاط أنظمة ، وإحلال أنظمة مكانها بالقوة ، وبالتحالف مع المعارضين لها ، سوف تصبح منهج عمل ثابت ، للتحالف العسكري الأمريكي الجديد .
ثالثا : وفي المشهد الدامي في أفغانستان ، تخلقت بالفعل مشروعية جديدة أخرى ، لم تثر بدورها انتباه أحد ، ولا حفيظة أحد ، ومرت بقدر من الرضا المعلن ، أو من الغضب المكتوم ، وقد تخلقت بدورها من حالة استثنائية لكنها قابلة ، لأن تخرج من استثنائها ، لتصبح قاعدة عامة ، أقصد مشروعية أن يتحالف فصيل وطني ، لا يمتلك فوق الأرض من حدود وطنه سوى نسبة لا تتجاوز 5% ، مع قوة دولية تمده بالسلاح ، وبأسباب القوة ، ثم تستخدم قواتها المسلحة بشكل مؤثر ومباشر ، لتهرئة دفاعات الحكم القائم وإسقاطه ، وتفتح لبديله الباب إلى الاستحواذ على السلطة ، وفي حالة أفغانستان ، ربما لم يشر الأمر كثيرا من الانتباه ، أما بحكم العلاقة بين الفصيل الحاكم والمعارض ، تحركت في دائرة واسعة من المواجهة ، سمحت بتمدد كل فصيل على الأرض ، وانكماشه مرة بعد أخرى ، وأما بحكم أن الفصيلين ينتميان إلى دين واحد هو الإسلام ، وإما أن التدخل الأجنبي ، كان مدفوعا في إعلانه بأهداف أخرى ، لكن غياب كل هذه العوامل أو بعضها في مرة تالية ، سواء من حيث الانتماء الديني ، أو وجود أسباب أخرى معلنة للتدخل ، قد لا يمنع هذه المشروعية الجديدة ، من أن تكرر نفسها ، بصيغ مختلفة ، وليس بالضرورة في هذه الحالات المستجدة أن يمتلك الفصيل المعارض 5% من مساحة الأرض ، فقد يمتلك نسبة مماثلة من مساحة الدين ، أو مساحة العرق !
رابعا : إن اتساع وتعميق نطاق استخدام القوة الأمريكية ، على حواف النظام الإقليمي العربي ، وفي دائرة الإسلام الحضاري ، من شأنه أن يكسب مفهوم الحرب الحضارية أو الصراع الحضاري ، مزيدا من المصداقية .
خاصة إذا كانت المفردات التي تتوثب في وسائل الإعلام وتصريحات المسئولين في الغرب ، تستخدم مفردات تبدو وكأنها بعض عناصر تخليق حضارة جديدة ، تابعة لحضارة غالبة ، بديلا عن تلك الحضارة المغلوبة .
أظن أن أشياء كثيرة ، تشي بهذا المعنى ، حد أن هذا النفي المتصل ، لأن تكون الحرب الغربية موجهة ضد الإسلام ، يبدو من كثرة الإلحاح على تكراره وكأنه نوع من التأكيد النفسي ، الذي يعززه النفي اللفظي ، ثم أن مسرح المواجهة ينطق بحقائق يصعب تغليفها كحبوب الدواء ، بطبقات من السكر ، كي يسهل ابتلاعها ، فمسرح العمليات الواسع ، وخرائط استخدام القوة ، ومظاهر الإكراه السياسي والعسكري ، تطول بالأساس دولا عربية وإسلامية ، والحديث عن التهديدات وطبيعتها وأدواتها ، لا يطول سوى العرب والمسلمين ، والمفاهيم لا تتصادم حتى من حيث توصيف الإرهاب ماديا ، إلا فوق تخوم ساحة عربية ، ومنظمات عربية ، وفكريا إلا بين الحدين العربي والغربي ، والرموز كذلك ، حتى لا يبدو أن الجغرافيا الثقافية ، تحل فوق خرائط الحرب والمواجهة ، محل الجغرافيا السياسية والإستراتيجية .
إن سياسيا بريطانيا مرموقا هو السير " سيرتاونند " وليس الإعلام المصري والعربي ، هو الذي تساءل في دهشة موحية قائلا : " هل سيكون الجيش الأيرلندي الجمهوري ، الذي يقاتل حكومة بريطانيا منذ 40 عاما ، وفجر الفندق الذي تقيم فيه تاتشر أثناء مؤتمر لحزبها ، هدفا لأمريكا ، وهل ستستهدف الانفصاليين الباساك ، والمنظمات الإرهابية في أمريكا اللاتينية ، وماذا عن غارات إسرائيل وما يرافقها من قتل وتدمير " قبل أن يعمق دهشته بالسؤال المفتاح : " أم هل ستقتصر الحرب الأمريكية على إرهابيين ينتمون إلى ديانة واحدة ، من ديانات الشرق الأوسط ؟!" !!

****
عندما وقف الرئيس بوش ، بين أركان المباحث الفيدرالية ، يقدم للدنيا ، أكبر الإرهابيين في العالم ، وأكثرهم – بألفاظه – خطورة على الحضارة الإنسانية ، أختار أن يقف تحت صور مكبرة ، لأثنين وعشرين إرهابيا ، جميعهم من العرب والمسلمين ، فهل يمكن أن يكون منطقيا ، أن يكون هؤلاء الإرهابيون العرب ، هم الذين ينفردون بقيادة الإرهاب في الدنيا كلها ، وهم خلاصة الإرهاب وزعماؤه وقادته فوق خريطة البشرية ، ألم يكن ثمة أسماء أخرى وصورا أخرى ، يمكن أن تضاف إلى القائمة والصور المعلقة ، بأشكالها ورموزها ، ودلالاتها ولو من قبيل زر الرماد في العيون ، وإذا كان في أمريكا وحدها 100 منظمة إرهابية ، تتوزع بين 47 ولاية ، أليس بين زعمائها من يستحق هذه المكانة ، التي انفردت باحتلالها وجوه عربية ومسلمة ، أمام عيون الدنيا المفتوحة كلها ، ثم ما هو عائد ذلك على جمهور عريض ، باتساع مساحة الكرة الأرضية ، مع تلخيص الإرهاب الدولي ، وزعماؤه ومخاطره ، في هذه المجموعة من الإرهابيين العرب والمسلمين ، وما هو مردود ذلك في عقل ووجدان الجمهور العريض ، وعلى رؤيته للعرب والمسلمين .
ليس ثمة عقل يمكن أن يتصور أن هذا المشهد العابث ، لا ينطوي على حقيقة رمزية ، أكثر جدية ، وأوضح قصدا ، لكن أحدا من العرب والمسلمين ، لم يناقش ، ولم يعترض ، وربما لم يفكر ، وكل ما فعله الإعلام العربي ، أنه كرر كالببغاء ، المشهد والصور ، وكأنه يؤكد تفرد أمته الذي لا ينازع ، بالإرهاب وزعامته الدولية .
الغريب أن القائمة التي قدمتها السلطة الأمريكية لأربع دول عربية ، متضمنة المنظمات التي تراها إرهابية ، وينبغي تصفيتها ، واقتلاعها من جذورها ، تضمنت 14 منظمة عربية ، كان من بينها " تنظيم فتح " الذي يقوده عرفات ، و" والقوة 17 " التي تتولى حمايته ، والحقيقة أن هذه القائمة الأمريكية بالمنظمات الإرهابية ، التي سيخوض التحالف العسكري الأمريكي معاركه بعد أفغانستان لتصفيتها ، وضرب الدول التي تأويها ، إذا لم تسمح بذلك ، تحتاج إلى قراءة متعمقة ، لأنها تؤشر لطبيعة ومدى استخدام القوة العسكرية في المراحل التالية ، من الحرب الأمريكية في الشرق الأوسط ، كما تؤشر بوضوح الهدف من هذه الحرب ، التي لن تطول غير رؤوس العرب والمسلمين ، فوق خرائط جديدة بديلة ، تحتل فيها الجغرافيا الثقافية ، مكان ما عداها .
وإذا لم تكن هذه القراءة ممكنة ، في هذا الحيز ، فإن نشر القائمة نفسها ، ممكن ومفيد ، وتلك بالتالي هي القائمة ، بترتيبها الأمريكي :

• تنظيم القاعدة ( أفغانستان )
• جماعة أبو سياف ( الفلبين )
• جماعة أرماتا كورسا ( كورسيكا – فرنسا )
• الجماعات الإسلامية المسلحة 7 جماعات ( الجزائر )
• أوم شند ركيو ( اليابان )
• منظمة إيتا ( أسبانيا )
• شوكو كوها ( اليابان )
• الجبهة الشعبيىة لتحرير فلسطين ( فلسطين )
• حركة فتح – المجلس الثوري – أبو نضال ( مجهولة المقر )
• تنظيم فتح ( فلسطين )
• القوة 17 ( فلسطين )
• حركة حماس ( فلسطين )
• حركة المجاهدين ( باكستان – كشمير )
• حزب الله ( لبنان )
• الجيش الجمهوري الأيرلندي ( أيرلندا الشمالية )
• جماعة الفقراء ( باكستان )
• الجيش الأحمر الياباني ( اليابان )
• حركة الجهاد الإسلامي ( مصر )
• حركة كاخ ( إسرائيل )
• حزب العمل الكردستاني ( تركيا )
• حركة العشرة الطيبة ( باكستان )
• حركة لاو تارو الشبابية ( شيلي )
• حركة تحرير نمور تامير – إيلام ( سيرلانكا )
• قوة المتطوعين الموالين ( أيرلندا الشمالية )
• جبهة مانويلا رود ريجز الوطنية ( شيلي )
• جبهة مورانز إنسنت الوطنية ( هندراوس )
• مجاهدي خلق ( إيران )
• جيش التحرير الوطني الكولومبي ( كلومبيا )
• جبهة التحرير الوطنية الكورسيكية ( فرنسا )
• جبهة نستو برباز زامورا ( بوليفيا )
• الجيش الشعبي الجديد ( الفلبين )
• جبهة تحرير فلسطين ( العراق )
• حركة الجهاد الإسلامي ( فلسطين )
• الخمير الحمر ( كمبوديا )
• القيادة العامة للجبهة الشعبية الديموقراطية لتحرير فلسطين ( فلسطين )
• جبهة النضال الشعبي ( سوريا )
• الجيش الأيرلندي الجمهوري الحقيقي ( أيرلندا الشمالية )
• فصيل الجيش الأحمر ( ألمانيا )
• الألوية الحمراء ( إيطاليا )
• القوات المسلحة الثورية الكولومبية ( كولومبيا )
• منظمة 17 نوفمبر الثورية ( تركيا )
• حزب جبهة التحرير الشعبية الثورية ( تركيا )
• النضال الشعبي الثوري ( اليونان )
• حركة توباك أمارو الثورية –الدرب المضئ – ( بيرو )
• الجماعة الإسلامية ( مصر )
• حركة أوزباكستان الإسلامية ( أوزباكستان )
• حركة المجاهدين الكشميريين ( كشمير )

******
في مفصل تحول حاسم في أوضاع الإقليم والعالم ، ليس من مصلحة العقل الوطني ، أن يترك لجماعة " بن فريدمان " ، ولشبكتها المنظمة ،حرية الانفراد بصياغة الرؤية الوطنية ، والاستقواء بتشكيل الرأي العام المصري ، بكل مواقع تأثيرها ، في الإعلام وغيره من مواطن النفوذ .
ليس فقط لأن هناك من يسعى إلى أن يتحول الأمر من ائتلاف فكري ونفعي ، بين هذه الجماعة وشبكتها في الهياكل السياسية والتنفيذية ، إلي صيغة تعاقدية ، على غرار تلك الصيغة التي دفع الرئيس السادات ، إلى أن يعقدها مع الجماعات السلفية ، قبل أن تصعد فوق سلالم المجتمع مستقوية بها ، ثم تتصور بضيق أفق نادر ، أنها البديل الصحيح للجلوس على سدة الحكم ، وإنما لأن هناك فوق ذلك وقبله ، مخاطر حقيقية ، لا تحوط بالنظام السياسي وحده ، وإنما تحوط بالمصير الوطني كله .!


 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :