خطاب بوش .. وجبة فاسدة لن يأكلها غير الأغبياء !     

حتى لا تقع في فخ القراءة الساقطة


المكاسب الفلسطينية سراب لن يتحقق .. والطريق إليها ضرب من المستحيل

بقلم : أحمد عز الدين

لا يعنينا من أي بركة آسنة اصطاد الرئيس بوش سمكة بيانه الفاسدة ، ولا كم أسبوعا أنفق في صيدها وتجهيزها وتعديلها (28 مرة) قبل أن يطرحها وجبة أمريكية جاهزة في أسواق الشرق الأوسط ، علي طريقة "تيك أواي " .
الذي يعنينا حقا ، أننا لسنا ملزمين بأكلها ، ولا بتحسين صورتها الشائهة ، ولا بتعطير رائحتها الكريهة ، كما أننا لسنا ملزمين بحفظها ولا بتسويقها ، لأننا إذا فعلنا ذلك سوف تنطبق علينا الأحكام الخاصة بترويج بضاعة فاسدة سواء دخلت في حيز الغش الغذائي ، أو في حيز الغش السياسي ، فالذي لا شك فيه أن هذا ليس بيانا فاسدا فحسب ، ولكنه يشكل قطعة رفيعة من الدجل السياسي ، قد لا يضارعه في الأدبيات السياسية المماثلة عبر التاريخ الاستعماري ، إلا ذلك البيان الذي أصدره (بونابرت) باسم الله والإسلام ، وهو يندفع ليشق بخيوله شرايين مصر ، ويحول صدرها مربضا لمدفعياته ، علما بأن المقاربة والمقارنة بين الحالتين ، ليست مجرد استحضار لصلة شكلية أو بلاغية محضة ، رغم أن الله والإسلام أختفيا من البيان الثاني ، وحل محلهما السلام والأمن ، لكي تكون المفارقة أكبر ، لأننا لسنا بصدد بيان لإعلاء منطق القوة ، ولسنا بصدد بيان لإعلاء منطق الأمن ، وإنما بصدد بيان لإعلاء منطق الفوضي ، والأهم أننا لسنا بصدد بيان لتقرير مصير فلسطين علي نحو نهائي ، وإنما بصدد بيان لتقرير مصير الشرق الأوسط كله ، والأهم- أيضا- أننا أمام فهم استعلائي ، ينطق ويتحرك ويتصرف علي أنه المطلق ، وعندما يستند الفهم إلي المطلق لا ينغلق الحوار ، ولكن تنغلق المفاهيم ، لأن المطلق يعتبر نفسه دوما ، الكلمة والفعل الوحيدين والأخيرين في تاريخ البشرية .

▲▲▲

كيف نجري تشريحا لسمكة الرئيس بوش ، أو كيف نحلل بيانه علي قاعدة علمية صحيحة ؟ إن هناك أكثر من أسلوب ، وهناك أكثر من أداة ، ولكن أغلب هذه الأدوات الشائعة في تحليل الخطاب السياسي ، أصبحت مثلومة ، وأغلب هذه الأساليب أصبحت قاصرة ، فلم يعد أسلوب التحليل اللغوي ، لوحدات ومفردات الخطاب السياسي كافيا ، لإنطاقه بمضامينه ومراميه ، ولم يعد الأسلوب التقليدي القديم لتقسيم الخطاب إلي محاسن ومثالب وسلبيات وإيجابيات ، قادرا علي إطلاق حكم صائب علي توجه الخطاب من داخل الخطاب نفسه ، أما أسلوب تفكيك الخطاب إلي مواقف جزئية ، أو صفقات متفردة صغيرة ، فقد أصبح أوضح وسائل المخادعة في قراءة مضامينه .
والحقيقة أن كثيرا من التعليقات الإعلامية حول الخطاب سقطت في مثل هذه الفخاخ ، فانتهت إلي نتائج تشبه السراب ، يحسبه الظمآن ماء ، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا :
1. لقد كان من أهم هذه النتائج-مثلا- ما انتهت إليه افتتاحية أكبر الصحف القومية ، من أن الخطاب عكس في حد ذاته " درجة عالية من الاهتمام الأمريكي بالتحرك ، وبأداء دور فاعل في الموقف " ، وكأن مقياس صحة التوجه هو درجة الاهتمام بغض النظر عن مضمونه ، أو كأن الدور الفاعل مقياس نجاح في حد ذاته ، بغض النظر أيضا عن المصالح التي تنصب عليها فاعلية هذا الدور ، ولذلك إذا كان الاهتمام بإسرائيل ، والفاعلية لصالحها ، فإن علينا أن نعتبر ذلك ميزة لا عيبا ، ما دمنا نريد اهتماما أمريكيا وفاعلية أمريكية في المطلق.
2. وكان من أهم هذه النتائج -مثلا- ما انتهت إليه الافتتاحية ذاتها من أن أبرز النتائج الني جاء بها الخطاب ، إعادة التأكيد علي تأييد فكرة الدولة الفلسطينية ، والانسحاب إلي حدود 28 سبتمبر ، وتجميد الأنشطة الاستيطانية ، وهو ما يعكس بوضوح طبيعة السقوط في شرك أسلوب تفكيك الخطاب ، إلي مفردات والنظر إلي كل منها ، علي أنها تمثل صفقة كاملة مستقلة ، واستحسان الخطاب علي هذا الأساس والنظر إليه علي أنه خطوة أمريكية متقدمة ، رغم أنه يمثل تراجعا عن أهم ما أنضجته الدبلوماسية الأمريكية من مواقف مسبقة بخصوص القضية الفلسطينية ، ولهذا لا يستنكف الكاتب من القول ، عن سوء فهم أو عن مخادعة للرأي العام : " الخلاصة أن هناك العديد من الجوانب الإيجابية في خطاب الرئيس بوش ، والتي تمثل تقدما ملموسا بالمقارنة بمواقف أمريكية سابقة " .
3. وكان من أهم هذه النتائج -مثلا- الانتهاء إلي أن الخطاب ما دام يتحدث عن إصلاح فلسطيني ، وانسحاب إسرائيلي ، فهو يقوم علي " فكرة التبادلية " فقد أصبحت لدينا صيغة جديدة صالحة لتحقيق السلام ، هي الإصلاح مقابل الانسحاب ، وكأنها صيغة مناسبة بديلة ، لصيغة قديمة لم تعد ملائمة ، وهي الأرض مقابل السلام .
ولست أعرف في الحقيقة ماذا نبادل بماذا ؟ أو من نبادل بماذا ؟ لأنه ليست هناك أية فكرة تبادلية في الخطاب ، وإنما هناك فكرة استبدادية ، تريد أن تطمس الحق بالقوة ، وأن تعطي القوة والاحتلال سند مشروعية جديدة ، وأن تحول حق المقاومة إلي جريمة في المطلق ، لكي تتحول جميع سيوف العرب إلي محاريث.

▲▲▲

مرة أخري ، كيف نحلل خطاب بوش ، فوق قاعدة علمية صحيحة؟أتصور أن أسلوبا صحيحا لتحليل الخطاب السياسي عامة ، ولابد وأن يستند إلي توصيف منهج الخطاب ذاته ، لأنه يمثل بؤرة الخطاب التي تنعكس منها وإليها جميع خطوطه ، وصوره ومفرداته ومضامينه ، ولأنه المادة اللاحمة الحقيقية لهذه الخطوط والصور والمفردات والمضامين، وفي طريق توصيف هذا المنهج ، تتبدي ملاحظات جوهرية :
1. ينزع الخطاب من مبدأ الدفاع عن النفس ، وحق المقاومة ، المشروعية الوطنية والإنسانية والقانونية ، فهو يعمد إلي تجريم المقاومة ، وهو لا يعمد إلي تجريم المقاومة الفلسطينية فقط ، ولكنه يعمد إلي تجريم كافة صور المقاومة ، في جميع أنحاء الإقليم ، أكثر ذلك فهو يضع الموقف من تجريم المقاومة ونفي مشروعيتها مرجعا حاكما للحكم علي طبيعة اصطفاف الدول والقوي السياسية في عموم الإقليم ، فالمؤمنون بالسلام حقا ليس عليهم أن يجردوا دولهم وأوطانهم من المخزون المادي للمقاومة ، بل عليهم أيضا أن ينزعوا عن المقاومة كل أسانيدها الفكرية والإعلامية ، وبذلك يصبح مفهوما لماذا ينبغي علي الفلسطينيين أن يكفوا عن مقاومة الاحتلال ، وعلي اللبنانيين أن ينزعوا أسلحة حزب الله، وعلي السوريين أن يطردوا ما تبقي لديهم من فصائل المقاومة الفلسطينية ، وينبغي جنبا إلي جنب مع ذلك علي " كل زعيم ملتزم بالسلام إنهاء التحريض علي العنف في الإعلام الرسمي ، وإدانة التفجيرات علنا" ، أي أن جوهر التعبير العملي عن الالتزام بالسلام، هو تصفية المقاومة في أشكالها المادية ، أو صيغها الفكرية والإعلامية ، فالانضمام إلي سلام بوش يتطلب تكميم الإعلام ، وخلق صورة وهمية لدي الرأي العام عن السلام ، كما يتطلب مصادرة المقاومين بالسلاح أو بالفكر ومطاردة فكرة المقاومة نفسها ونبذها ، لتتسني إدانة الشهداء ، والتبرؤ منهم ، وتسليم أرواحهم الضالة إلي الشياطين.
2. يضع الخطاب استخدام القوة العسكرية ، لإسكات المقاومة ، في إطار من المشروعية ، وإذا كان الخطاب يؤكد بالنص علي " حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ، ضد قوى الإرهاب" ، فإن الولايات المتحدة ليست في حاجة إلي من يمنحها حق استخدام القوة ، والحقيقة أن الرئيس بوش قدم في تصريحاته التالية علي بيانه ما يفيد جاهزية الولايات المتحدة نفسها ، للتدخل بالقوة العسكرية لضرب الفلسطينيين أنفسهم قائلا: ( إنه لا يستبعد الخيار العسكري ، وأن الشعب الفلسطيني يعرف ما ينبغي عليه القيام به) ، لكن المدهش في ذلك أنه إذا كانت القوات الإسرائيلية لا تحتاج إلي مساعدات عسكرية أمريكية ، لإبادة الفلسطينيين تصل إلي حد التدخل المباشر بالقوة، فلماذا يعرض بوش تدخلا مباشرا للقوات الأمريكية ضد الشعب الفلسطيني ، إذا لم يوقف مقاومته للاحتلال الإسرائيلي؟
إن الإجابة علي هذا السؤال يمكن أن تمر عبر عدة نقاط :
أولا: أن الرئيس بوش عبر قبل أيام عن استراتيجية أمريكية جديدة هي استخدام " الضربة العسكرية الإجهاضية" وقد فسر السيد باول المعني المقصود ، بأنه علي غرار ما قامت به إسرائيل عندما أقدمت علي قصف المفاعل النووي العراقي وتدميره، مؤكدا أن الولايات المتحدة قد استوعبت الآن صحة هذا التصرف الإسرائيلي ، لأنه بمثابة تدمير للتهديد قبل أن ينشأ ، وهو ما حدا بكتاب عرب إلي أن يعلقوا علي ذلك ساخرين ، بأن الولايات المتحدة الأمريكية هبطت إلي درجة اقتباس مفهوم عسكري إسرائيلي ، لكن الحقيقة أن مفهوم الضربة العسكرية الإجهاضية ليس مفهوما إسرائيليا ، أو مفهوما ابتكرته إسرائيل ، لأنه مجرد استعارة إسرائيلية مباشرة من المذهب العسكري لألمانيا النازية ، الذي ينتسب إليه مبدأ الضربة الإجهاضية وهي لم تستعر الأساس النظري لهذا المبدأ فقط ، وإنما استعارت من النازية تطبيقاته العملية أيضا ، ولهذا لم يكن مشهد ضرب الطيران في افتتاحية عدوان 1967، إلا تكرارا حرفيا مصغرا لمشهد ضرب جميع قواعد الطائرات السوفيتية ، حيث تم ذبح ثلاثة أرباعها وهي نائمة في مخادعها قبل ضوء النهار الأول لتتمكن القوات النازية في أكثر فصول الحرب العالمية الثانية دموية من التوغل بعمق يتراوح بين 400 إلي 600 كم علي جميع محاور الهجوم الرئيسية في عمق الأراضي السوفيتية .
ثانيا: إن ( إفرايم هالا )رئيس المخابرات الإسرائيلية الذي سمح له حلف شمال الأطلنطي ، أن يشارك قبل أيام في اجتماع قيادته في بروكسل ، هو الذي قدم وعدا علنيا ، بأن تتكفل إسرائيل بمنع مساعي دول في الشرق الأوسط ، ضرب لها مثلا بإيران وليبيا والعراق وسوريا ، بامتلاك أسلحة الدمار الشامل ، مطعما وعده بتحذير من الإرهاب الإسلامي ، وهجماته الانتحارية ، التي تمثل خطرا جسيما علي دول الحلف ، أي أنه سيقوم هو الآخر بضربات عسكرية إجهاضية فوق تخوم الإقليم ، ولكنها ستكون لصالح الحلف ، أكثر من كونها لصالح إسرائيل.
ثالثا: ينبغي رؤية خطوط هذا التداخل العسكري الوظيفي ، سواء بين إسرائيل والولايات المتحدة ، أو بين الولايات المتحدة والناتو ، أو بينهم جميعا سواء في إطار ما أكدته قبل ذلك ، عن انتقال العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من مستوي " التحالف الاستراتيجي " إلي مستوي آخر تماما هو " الاندماج الاستراتيجي" أو في تحول كل منهما من نظرية الردع إلي استراتيجية القسر ، التي تقوم علي أضلاع من الأمن المطلق ، والقوة المطلقة ، والانتصار المطلق ، والهزيمة المطلقة ، أي افناء الخصم بالمعني المادي أو المعنوي ، أو سواء في وحدة المسرح الاستراتيجي في الإقليم ، بعد أن تم توسيع مفهوم الشرق الأوسط ، ليضم دول جنوب وسط آسيا الوسطي ، ومع الاندماج الاستراتيجي وتوحد المفاهيم الاستراتيجية والتوصيف المشترك للتهديدات فوق المسرح الاستراتيجي الواحد ، فمن الطبيعي أن تداخل الأدوار والوظائف ، فتلوح أمريكا بقصف رام الله ، وتلوح إسرائيل بضرب ليبيا وسوريا والعراق.
3. يفرض الخطاب شروطا علي الفلسطينيين ، وشروطا علي العرب ، ولكنه لا يفرض التزاما علي إسرائيل ، ولا يطالبها به فإنه لا يقدم التزاما أمريكيا محددا ، بشئ محدد في النهاية ، حتى لو قدر للعرب والفلسطينيين أن يستجيبوا أو يستسلموا استسلاما غير مشروط لكافة الشروط المفروضة عليهم.
وإذا كانت الشروط المفروضة علي الفلسطينيين فضفاضة ، ويصعب وضع معايير محددة لها مثل " اعتناق الديموقراطية" و " ورفض الإرهاب بحزم " و " ومواجهة الفساد" و " وظهور مؤسسات وقيادة فلسطينية جديدة" و " وتحقيق أداء حقيقي في مجالي الأمن والإصلاح" ، فإن افتراض تحقيق هذه الشروط الفضفاضة ، يترتب عليه من جانب الولايات المتحدة موقف أكثر من فضفاض ، وهو " مساندة إقامة دولة فلسطينية مؤقتة" .
أما ما يمكن أن يترتب علي ذلك من جانب إسرائيل ، فلا يدخل إلا في مجال النوايا الطيبة ، لأنه مجرد توقع الرئيس بوش بأن " تستجيب إسرائيل وأن تعمل من أجل اتفاق وضع نهائي " ، فالرئيس بوش يعلن من جانبه ، بعد تحقيق كل الشروط التي يريد فرضها أن أمريكا ستساند – ولن تفرض – قيام دولة فلسطينية مؤقتة ، أما اتفاقيات الوضع النهائي ، والتي ستتضمن كل شئ كما يقول " العاصمة والحدود والجوانب الأخري لسيادة الدولة " ، فإن كل ما يتوقعه بناء علي حسن ظنه في حسن نوايا إسرائيل ، أن إسرائيل ستتفضل مشكورة بالاستجابة للتفاوض حولها ، أي أنه حتى في حدود الاستجابة الإسرائيلية المستندة إلي النوايا الإسرائيلية الحسنة ، حسب ظن الرئيس بوش الحسن ، فإن هذه الاستجابة ستنصرف إلي الدخول في العملية التفاوضية دون شروط ودون إلزام ودون اعتراف بمشروعية أو قانون لتحدد إسرائيل في نهاية عملية التفاوض ، التي ستجري دون إطار دولي أو إقليمي ، حدود الدولة الفلسطينية وجوانب سيادتها وعاصمتها .
ولماذا نقفز إلي التفاوض علي القضايا النهائية بعد إعلان الدولة المؤقتة ، إذا كان الوصول إلي مرحلة الدولة المؤقتة نفسها وكسب " مساندة " أمريكا لقيامها ، دونه بحار رمال متحركة كأنها صحراء الربع الخالي ، يتربص بكل شبر فيها جميع أنواع الحيوانات الإسرائيلية المفترسة؟
ودون إطالة تستفز العقل ، فالأكثر وضوحا أن الرئيس الأمريكي يضع الدولة الفلسطينية المؤقتة في نهاية نفق معتم طويل ، تصل إمكانية اجتيازه فلسطينيا إلي حدود الاستحالة ، لتكون الدولة المؤقتة نفسها ضربا جديدا من المستحيلات ، وليتوفر للاحتلال الإسرائيلي الذي أكمل بسط آلة حربه علي جميع مدن الضفة ، صفة الاستقرار والاستمرار والديمومة ، وليصبح تفعيل قيام الدولة الفلسطينية المؤقتة ، واجتياز الحواجز المستحيلة عليها ، مربوطا بسلوك الفلسطينيين أنفسهم ، الذين عليهم أن يتقنوا الانحناء المذل ، والطاعة العمياء ، لكيلا تذيب حرارة أيديهم قطعة الثلج التي سيحصلون عليها تحت اسم الدولة المؤقتة .
4. لا يتوقف دور الدول العربية في هذا الإطار حسب خطاب بوش علي " وقف التحريض علي العنف في الإعلام" و " والإدانة العلنية للتفجيرات " و لكن عليها " مع تحركنا صوب حل سلمي "- وقد بدأ بمجرد إلقاء الخطاب طبعا- " أن تقيم روابط أوثق من الدبلوماسية والتجارة مع إسرائيل كخطوة أولي نحو التطبيع الكامل للعلاقات بين إسرائيل والعالم العربي" ، فلبدأ الطريق الطويل نحو الوصول إلي حلم الدولة الفلسطينية المؤقتة ، علي الدول العربية أن تبدأ في بناء شبكة علاقاتها الدبلوماسية والتجارية مع إسرائيل للوصول إلي التطبيع الكامل .
لماذا؟ لأنه كما هو مطلوب من الفلسطينيين أن يغيروا أنفسهم ، وفي علاقتهم مع إسرائيل ، مطلوب من الدول العربية أن تغير من نفسها ، وفي علاقتها مع إسرائيل ، لكي يتأتي لأمريكا بعد التحقق من ذلك أن تساند الدولة الفلسطينية المؤقتة ، وأن توافق إسرائيل بعد ذلك ، علي الدخول في مفاوضات الحل النهائي ، حسب شروطها ورؤيتها ، ومتطلبات أمنها المطلق .
وهكذا وفق خطاب بوش ، يمكن توسيع مفهوم " الدولة المارقة" فالدولة المارقة ، لن تصبح فقط الدولة التي تمتلك أمريكا ترف دمغها بالإرهاب ، أو بالسعي إلي امتلاك أسلحة نوعية للدفاع عن نفسها ، وسط موازين قوى مختلة ، وإنما سيتسع المفهوم ليطول الدول التي ستتمسك بالصيغ المعروفة في القانون الدولي لمعني آن الأوان أن يصبح غائبا، أو غائما وهو السيادة الوطنية ، أي أنها الدولة التي ستصر علي أن تشد علي عظمها جلد سيادتها الوطنية ، والتي ستضع نفسها بنفسها ، علي لوحة التنشين الأمريكية ، وفق استراتيجية الضربة الإجهاضية .
لقد اختار الأمريكيون لنذر عدوانهم الذي تلوح خطاه في الأفق القريب ضد العراق ، اسما كوديا ، هو ( بولوستب ) أي خطوة أو ضربة لعبة البولو ، وهي لعبة يعرف القارئ أنها تتم بقذف كرة كبيرة إلي مجموعة متجاورة من القوائم الخشبية ، بحيث يتم توجيه الضربة إلي مركز ارتكاز هذه القوائم ،لتسقط جميعها بالتداعي دفعة واحدة ، دون أن تلمس قذيفة الكرة سوي واحدة منها . ولعل اختيار الاسم نفسه(ضربة البولو) يعني أكثر من دلالة ، فهو قد يعني أن الضربات ستكون متكررة إذا لم تسقط القوائم كلها دفعة واحدة ، أو أنها ستتواصل إلي أن يتحقق سقوطها ، وهو قد يعني أن الضربة يمكن أن تكون مركزة وقوية إلي مركز الثقل في العراق ، لتنهار قوائم الدولة دفعة واحدة ، وبمجرد التداعي ، ولكنه قد يعني أن هذه الضربة المركزة القوية ستوجه إلي ما يعتبره الأمريكيون مركز الثقل المناوئ في الخليج العربي، وعندئذ ستسقط بقية أركان وقوائم الخليج كله بالتداعي ، وأظنني أكثر ميلا إلي أن اختيار هذا الاسم الكودي ، يحمل الدلالة الأخيرة.
5. في منهج الخطاب- أيضا- ثمة مؤشرات تحتاج إلي توقف أطول ، فهناك إضافة إلي فرض دمج إسرائيل في المنطقة ، وإلي تمكينها من قطف كافة الثمار السياسية لعدوانها المتواصل علي الفلسطينيين ، وإلي تغيير المفاهيم الأساسية للصراع العربي –الإسرائيلي ، وإلي زلزلة المرجعيات التي قامت عليها عملية السلام ، وإلي رفض إدخال مقتضيات الخصوصية الإقليمية ، في القرار الاستراتيجي الأمريكي ، وإلي نفي مشروعية المقاومة وإضفاء المشروعية علي الاحتلال ، واعتماد فكرة الهدنة الممتدة ، هناك إضافة إلي ذلك كله إشارات واضحة إلي خرائط جديدة للشرق الأوسط ، وإلي اعتماد مبدأ فرض التغيير من الخارج.
وأمام كل هذه السلسلة المركبة المتداخلة من المؤشرات التي تحتاج إلي وقفة أطول ، وإطلالة أبعد ، فإنه ليس في الخطاب منهج أو رؤية ، ما يمكن أن يفصل فيه ماؤه عن ناره ، أو ليله عن نهاره ، فالنار في الثلج ، والليل في النهار ، وحدة مخادعة تطوي تحت أفق السلام الزاهي ، وباسمه الفاتن ، كل أسلحة الإكراه السياسي والمعنوي ، فعلي الفلسطينيين أن يغيروا عرفات من أجل السلام ، وعلي العرب أن يغيروا عقيدتهم وأعلامهم من أجل السلام ، وعلي كل منا أن ينكسر داخل قفصه الصدري ، وأن يغسل يده من دم أخيه، من أجل السلام ، وإذا لم يكن هذا هو سلام روما القديمة ، وسلام إمبراطورية الشر المستحدثة ، فأي سلام يكون ؟.
▲▲▲

لماذا لم يلتفت خطاب الرئيس بوش ، إلي أن يضم ولو علي سبيل ذر الرماد في العيون ، كلمة واحدة أو إشارة عابرة إلي مبادرة القمة العربية ؟، لماذا لم يسأل أحد نفسه : ماذا يعني مثل هذا التجاهل الغليظ ؟ هل لأن المبادرة تضمنت حق العودة ، ووضعت حلا نهائيا في إطار مشروعية دولية ؟ هل لأن الولايات المتحدة لا تري وزنا لمنصة القمة العربية العالية ، أم أنها أصلا لا تريد عملا عربيا مشتركا ، ولا تطيق له منتوجا ؟ ألا يستحق مثل هذا السؤال بحثا عربيا مدققا ، وردا عربيا واضحا ، وإذا كانت القمة العربية موصولة بقواعدها في العالم العربي، ألا يكون التجاهل حد الازدراء ، من نصيب الشعب العربي نفسه ، فكيف يسكت الحكام العرب علي توجيه الإهانة علي هذا النحو إلي شعوبهم ؟
لقد قال عمرو موسي في وصف بليغ : إن المرحلة الراهنة هي المرحلة الأسوأ في تاريخ الأمة العربية بعد حرب 1948 ، وبعد هزيمة 1967 ، وليس ثمة خلاف علي وجود رابط قوي بين هذه الحلقات الثلاث ، ولكنني أعتقد أن المرحلة الراهنة هي الأكثر سوءا لماذا ؟ لأن الزاد العربي الجديد لم يمنع من تعريف نفسه بالقوة الجبرية في الحلقتين أو المرحلتين السابقتين .
بعد نتائج أعمال القتال في حرب عام 1948 ، اندفعت موجة صادمة عارمة ، هزت كالصاعقة خلايا الجسد العربي كله ، فاندفع تحت تأثيرها يطوي كل أبنيته القديمة السياسية والاجتماعية والفكرية ، بل وصلت أصداء ثنائية الهدم ، وإعادة البناء إلي الإبداع العربي ذاته شعرا ورواية ومسرحا ، حتى أن تفعيلة الشعر القديم لم تصمد أمام عواصف التغيير ، فحطمت نفسها ، وفتحت الباب أمام إيقاع موسيقي شعري جديد، يستطيع استيعاب اعتصار الروح وزلزلة البدن .
وفي أعقاب نتائج أعمال القتال في عدوان 1967 ، تكررت الظاهرة نفسها بصيغ مختلفة ، كان أكثرها تأثيرا وحسما هو منطق الرفض الجمعي الشامل للهزيمة ، ولما أنجبته وانجبها سياسيا وعسكريا وفكريا ، وهو رفض لم يسمح لميادين القتال أن تهدأ من جوف الهزيمة ، حتى الجسر العالي ظهيرة السادس من أكتوبر 1973 ، عندما تسلقت النار خنادق الغضب ، واندفعت إلي الضفة الأخري تدمر فيما تدمر نظرية الأمن القومي الإسرائيلية ذاتها ، وفي الموقفين والحالتين فقد كانت إرادة القتال هي عصفور النار الذي قال عنه "هيجل" : إنه يصعد ليشعل مدارج السماء فوق جدار الليل الأخير ، لكن الحال غير الحال والمرحلة غير المرحلة ، فقد أصبح المطلوب منا أن نذبح عصفور النار ، وأن نهدم خنادق المقاومة ، وأن نقتلع من أفئدتنا وعقولنا إرادة القتال ، وأن نعلم أبناءنا فضيلة الخنوع ، وأن نقنع أمتنا أنها أمة مهزومة وعاجزة ، وأن الهزيمة والعجز هما مصيرها المكتوب وقدرها المحتوم .
▲▲▲
سوف تمضي إسرائيل في تنفيذ خطتها العسكرية الممتدة (حتى عام 2006 ) والتي وضعتها مجموعة عمل برئاسة مدير التخطيط في رئاسة أركان الجيش الإسرائيلي ( جيورا أيلاند ) ، وهي تتضمن ثلاث أولويات ، أولاها إخماد الانتفاضة ، وفرض هدنة ممتدة ، وثانيتها تصعيد متدرج للتوتر العسكري ثم إدارة حرب إقليمية علي الجبهة الشمالية ، وثالثتها تنفيذ عمليات خاصة أو محدودة ذات طابع تعرضي علي الجبهة الجنوبية .
وسوف تمضي أمريكا في تنفيذ عملياتها العسكرية الواسعة في الخليج العربي تحت اسم ( ضربة البولو ) لتهدم الأركان التي تستند إليها التوازنات الراهنة في المنطقة ، وتحطم فقرات الكتلة الاستراتيجية العربية ، وتفصل المسرح الاستراتيجي للخليج العربي ، وتدمجه في المسرح الاستراتيجي الجديد ، حول بحر قزوين ، وتخوم آسيا الوسطي ، وتحت غطاء من الدخان واللهب ، سوف ينفتح الباب أمام جراحات عسكرية أكثر عمقا ، تعيد بناء حدود المبادئ والقيم والدول ، فهل ستظل دبلوماسية التليفونات المستنفدة الطاقة ترجو من (باول) أن يأتي ، وتبشرنا بحتمية مجيئه ، ليصلح لنا ما أعوج ، ويطلعنا علي ما غاب ، ويعيننا علي تحمل ما لا نطيق ؟.
إن الصراحة تقتضي القول في مفصل تحول حقيقي في أوضاع الإقليم ، أن جانبا كبيرا من الفشل ، تتحمله هذه الطبعة من الدبلوماسية المستأنسة ، وجانبا أكبر من الفشل تتحمله هذه الحكومة التي تنقل سياستها إلي مصر كل يوم إلي درجة أدني من مركبات ضعف إقليمي ، وتقزم وطني وانكسار اقتصادي واجتماعي .
يتحدث الرئيس بوش عن الشفافية ، ولا اعتقد أنه جاد في ذلك ، لأن هذه الشفافية التي يتحدث عنها لم تتحقق في فضيحة شركة " ارنون" التي يتهم صقور إدارته بأنهم امتصوا ملياراتها بألعاب من الخداع والتمويه ، لكن الأهم أن ضحايا سمكة بوش الفاسدة في الشرق الأوسط ، لن يقبلوا أن يؤدوا دور الضحايا في سمكة " ارنون" الفاسدة أيضا .
هل تعرفون ماذا فعل اللوبي اليهودي ، الذي يسيطر من بين ما يسيطر علي صناعة الإعلام والجنس ، في الولايات المتحدة ، للتغطية علي الفضيحة ؟ لقد قدم عرضا إلي جميع النساء اللواتي فقدن أموالهن أو وظائفهن بسبب الفضيحة ، أن ينلن تعويضا مجزيا عما لحق بهن مقابل أن يخلعن ثيابهن ويعرضن أجسادهن علي صفحات المجلة الجنسية الأولي في الولايات المتحدة والعالم ، وبغض النظر عن البدانة والسن والشكل ، وقد تلقي قبولا من نساء " ارنون" للعرض ، وسوف يصدر عدد الشهر القادم من المجلة الجنسية الشهيرة ، تزين صفحاته 350 صورة ، لضحايا صقور الإدارة الأمريكية في شركة " ارنون " وهن يعرضن أجسادهن عارية علي القراء ، فتحويل الضحية إلي بضاعة قابلة للتسويق والربح هي جزء من حرفة الإعلام اليهودي ، لكن السؤال يبقي قائما : إذا لم تصلح هذه الطريقة لتسويق ضحايا سمكة بوش الفاسدة ، في الشرق الأوسط ، فأي طريقة أخري ستكون صالحة وممكنة ؟!

1/7/2002

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :