جراحة عسكرية أمريكية في شمال العراق ..!     


بقلم : أحمد عز الدين


.. هل هناك – حقا – كما تؤكد الأنباء ، خطة عسكرية أمريكية تقترب لحظة تنفيذها ، لإسقاط النظام العراقي ، باستخدام القوة المسلحة ؟
إن الأنباء المنقولة عبر مصادر مختلفة ، تؤكد صحة هذه الأنباء ، وترسم صورة محددة لها ، في أنها تعبر عن مطالب ملحة من بعض الدول العربية ، وقبول أمريكي بها ، وتنسيق غربي حولها ، يستند إلى دعامتين بريطانية وفرنسية بالأساس ، ويأخذ صك شرعيته من الأمم المتحدة.
أما السيناريو التنفيذي للخطة في صورتها الأولية ، فيبدو في إطار إسقاط جوي لوحدات عسكرية غربية مشتركة داخل العراق – مسبوقة طبعا بقصف جوي مكثف على مراكز عسكرية وإدارية منتخبة – ثم تقوم هذه الوحدات بتدمير ما تبقى من آلة الحرب العراقية ، التي يسند النظام وجوده إليها ، ومن ثم تفتح الباب أمام نهر الرفض الشعبي الجارف لتحطيم ما تبقى من سدود الحكم ، وتقديم بديل سياسي حاكم في العراق .
وإذا لم يكن الهدف من إشاعة مثل هذه الأخبار ، هو إحداث مزيد من الضغوط والارتباك ، في بنيان الحكم العراقي ، فإنه قد لا يخرج عن سياقين ، أولهما : جذب انتباه أجهزة الحكم في العراق إلى اتجاه بعينه ، لتعزيز عنصر المفاجأة ، عند الحركة في اتجاه آخر .
وثانيهما : تطعيم الجدل السياسي الدائر حول سبل مواجهة النظام العراقي ، بأفكار من هذا النوع ، لفرز المواقف من حولها .
والحقيقة أن وجود خطة عسكرية أمريكية لإسقاط النظام في العراق، معتمدة على دفع قوات محمولة جوا ، تقوم بعملية إسقاط جوي واسعة داخل العراق ، ليس أمرا مستبعدا ، ولكنه لا يخرج عما يسميه الإستراتيجيون الأمريكيون أنفسهم " السيناريو الأسوأ " ، والذي يبدو نسقا من الرياضة العسكرية الذهنية ، أكثر مما يبدو خيارا عسكريا مطروحا للتنفيذ على الصعيد العملي .
فمثل هذه الخطة بصيغتها أو صياغتها الراهنة ، تبدو هيكلا كبيرا ، ولكنه يخلو من أي مولد للطاقة ، وبالتالي يبدو عاطلا ، حتى لو التقطت له عشرات الصور التذكارية ، وجرى توزيعها على نطاق واسع .
وأسباب ذلك في متناول أي عين فاحصة ، حتى دون مناظير مكبرة :
• إن تنفيذ مثل هذه الخطة العسكرية ، يستوجب خلق مناخ دولي وإقليمي ملائم لها ، فضلا عن خلق مناخ داخلي في كل دولة من دول التحالف الغربي ، متوافق معها ، وكلا الأمرين لا يبدو ثمرة ناضجة يمكن قطفها على عجل ، فلا أمريكا المشغولة بحسابات انتخابات الرئاسة الأمريكية المؤهلة لذلك ، ولا روسيا التي تحاول جاهدة استعادة بعض مسالكها القديمة في المنطقة ، تقوى عليه .
أما على الصعيد الإقليمي ، فيستحيل خلق حالة إجماع إقليمي دون مصر ، التي تستند رؤيتها إلى موقف مبدأي ، يجرم التدخل عسكريا بواسطة القوة لإسقاط أي نظام عربي أو غير عربي .
• إن الخطة العسكرية – أية خطة – شأنها شأن كل مشروع في نطاق الصناعة أو التجارة ، لها حسابات تكلفة وحسابات التكلفة في حالتها ذات شقين ، شق اقتصادي تمويلي ، وآخر على صعيد الخسائر المحتملة .
وحسابات التكلفة – دون الدخول في التفاصيل – في هذه الحالة عالية للغاية ، وهي فوق الاحتمال والطاقة ، سواء على الصعيد الاقتصادي أو البشري .
إن تنفيذ مثل هذه الخطة ، يستوجب في حسابات التمويل ما يتجاوز عشرات المليارات من الدولارات ، ولكي لا ننسى فقد كان إجمالي تكلفة المواجهة العسكرية في الخليج ، حوالي 800 مليار دولار ، وما يزال الممولون السابقون ، يئنون من آثار أعبائها وتزيفها .
أما على مستوى حسابات الخسائر ، فإن أية عملية إسقاط جوي بهذا الحجم الذي تتحدث عنه الخطة ، لابد وأن يترتب عليها خسائر بشرية يمكن أن تعد بالآلاف ، ولكي لا ننسى فإن هناك في أمريكا بعض الذين ما يزالون يتوجعون من جراء سقوط أربعة قتلى وعشرين جريحا أمريكيا ، خلال الفاصل الأخير في المعركة البرية لتحرير الكويت .
أما الحديث عن اعتماد ما أطلق عليه " جيش العراق " المعارض ، والذي أعد قتاليا ، فإن قوامه لا يتجاوز ثلاثة ألف عنصر قتالي ، وهي قوة غير قادرة في ضوء الدولة العسكرية العراقية الراهنة ، على إسقاط محافظة واحدة كالبصرة مثلا .
• إن مثل هذه الخطة تنطوي على مصاعب كبيرة في حيز التنفيذ العملي .
لقد وصلت القوات البرية الأمريكية خلال المواجهة العسكرية في الخليج إلى مسافة 60كم غربي البصرة ، لكنها رغم الوضع العسكري العراقي الممزق ، لم تجازف بالتقدم لعمق أكبر ، وكانت حسابات " كولن باول " واضحة ، لأن جنوده سيدخلون في ساحة رمال متحركة ، لا يعرفون طبيعتها ، ولا ما تخبأه في أعماقها ، فكيف تكون الحسابات إذا توفر قيدان جديدان : إسقاط جوي لقوات تبدو حال هبوطها فوق قوس السماء ، في أقل درجات مقاومتها ، وحتى مع توفير حماية جوية لها ، فإنها ستظل معزولة ، عن جسورها البرية ، بما يعنيه ذلك من مصاعب وتعقيدات ومخاطر ، على مستوى العمل التكتيكي الميداني .
أما القيد الثاني ، فهو الأوضاع الجديدة للقوة العسكرية العراقية نفسها ، فهي قد لا تكون قوية إلى درجة قيامها بتهديد إقليمي لجيرانها ، لكنها ليست ضعيفة إلى الدرجة التي لا تمكنها – حسب التقديرات العسكرية الغربية – من القيام بإدارة معركة دفاعية متماسكة .
وإذا كانت هذه التقديرات الغربية ، قد أكدت في أعقاب حرب الخليج ، أن العراق قد خسر خلال الحرب ثلثي الوحدات العسكرية التي وضعها في مسرح العمليات ، أي نحو 30 فرقة ، و 3 آلاف دبابة ، وألفي عربة مدرعة ، وألفي قطعة مدفعية ميدان ، إضافة إلى 50 طائرة في معارك جوية ، و 100 طائرة فوق الأرض ، و115 طائرة لجأت إلى إيران ، فإن التقديرات الغربية ، عادت إلى تصحيح نفسها ، واستقرت على أن حجم الخسائر في القوات العراقية لم يتجاوز 20% من اجماليها ، أي أنه قد تبقى لديها حوالي 40 فرقة عسكرية ، وقد تم بعد ذلك تسريح بعضها لتغطية النقص في المرتبات التسليحية ، وانخفض حجمها إلى حوالي 30 فرقة ، وهو ما عزز فرص النظام في إحكام سيطرته على المؤسسات العسكرية على جانب ، وفي تحويلها إلى أداة مباشرة لحماية النظام على جانب آخر .
وإذا وضعنا في الاعتبار ، أن وضع الجيش العراقي ، في موضع دفاعي عن التراب الوطني ، لا عن النظام ، من شأنه أن يسبغ على المواجهة كلها ، طابعا وطنيا ، فإن ذلك من شأنه تقوية السدود ، التي ينتظر أن يزحف المد الشعبي لرفعها ، وإسقاط النظام .
إن مثل هذه الحسابات ، ليست ببعيدة عن أعين الاستراتيجيين الغربيين ، وهذا ما يجعل الحديث عن هذه الخطة العسكرية المنتظرة لإسقاط النظام العراقي ، له أسباب أخرى ، قد تختلف حولها ، ولكننا لن نختلف على أنه ليس من بينها الاستعداد لتنفيذها عمليا .
وإذا لم يكن تنفيذ مثل هذه الخطة متاحا ، فما هو البديل ، أمام أمريكا ، وهؤلاء الذين يستصرخونها بالتدخل عسكريا لسحق النظام ، خاصة بعد قبوله بالقرار رقم 986 المعروف بالنفط مقابل الغذاء ، وبعد أن قطعت مفاوضاته ثلاثة أرباع الطريق إلى تنفيذه ؟
إن البديل المتاح والذي يجري تخليقه بالفعل ، قد لا يخرج عن جراحة عسكرية في شمال العراق ، أي توسيع المحمية الكردية في الشمال ، أما لماذا الشمال وليس الجنوب ، فلأن توسيع المحمية الجنوبية المتاخمة لإيران ، من شأنه أن يخلق بؤرة ساخنة على الطريقة الإيرانية ، وهو ما ينبغي تجنبه ، لأن المطلوب ليس تقوية إيران ، وإضعاف تركيا ، وإنما العكس .
يبدو الشمال – إذن – خيارا وحيدا لتسخين جبهة جديدة ضد النظام ، واستخدامها أداة لإلحاق مزيد من الضرر والإجهاد به ، وسواء تمت هذه الجراحة ، بأيد تركية ودعم أمريكي ، أو تمت تحت مظلة أوسع ، فإنها ستخلق بنفسها فرصا جديدة ، لزيادة التعقيدات في المنطقة وحولها بشكل عام ، وأسباب ذلك – أيضا – يمكن رؤيتها بالعين المجردة ، ودون الحاجة إلى مناظير مكبرة :
• هناك – أولا – محاذير أمريكية من مخاطر يمكن أن تتعرض لها الولايات المتحدة الأمريكية ، إذ هي عمقت من تورطها في البركة الكردية .
لقد عكست تلك المحاذير دراسة أعدها الدكتور " ستيفين " القياديين العسكريين الأمريكيين أن يتحسبوا لخطواتهم جيدا " لأن المناخ الاستراتيجي في شمال العراق مشحون " .
• وهناك – ثانيا – محاذير أخرى عن آثار جانبية يمكن أن تأثر بشكل تلقائي على أوضاع المعارضة العراقية ، في حالة توسيع المحمية الكردية في الشمال .
لقد عمل مشروع " الكونفدرالية " في شمال العراق كآلة حادة ، لشق صفوف المعارضة العراقية في الخارج ، ولم يجد أولئك الليبراليون الغربيون ، الذين يساندون المشروع ، غير سند ايديولوجي من الأحزاب الدينية العراقية المعارضة ، والتي مثلت أكثر من ثلث المجتمعين في مؤتمر " أربيل " الذي أطلق إشارة تقسيم العراق ، فقد اعتبر الإسلاميون ، أن التقسيم هو عودة إلى نظام الولايات المستقلة ، وأن هذا النظام في أساسه هو نظام إسلامي !
ولم يكن نظام الولايات غير نظام عثماني ، قسم العراق إلى ثلاث ولايات " بغداد والموصل والبصرة " لمسح الطابع الرمزي لبغداد كعاصمة للخلافة الإسلامية ، ومع ذلك فلم ننشأ هذه الأمصار أو الولايات على أساس قومي أو طائفي – كما هو مكتوب حاليا – وإنما على أساس اقتصادي وعسكري .
لقد تكرر الحديث في الإعلام الغربي والعربي ، عن ضعف المعارضة العراقية ، والحقيقة أن المعارضة العراقية ليست ضعيفة ، ولكنها – بحكم ظروفها الذاتية – مستضعفة ، بسبب ضيق أفق التخطيط الاستراتيجي للتعامل مع العراق ، ومعها بالتالي ، فالمحمية الكردية التي أعيد ترتيبها لتأخذ مستلزمات الدولة ، من الناحية العملية داخليا ، ساهمت في إثارة مشاعر عداء قومي بين العرب والأكراد ، بدلا من أن تصبح وسيلة تضامن وعمل وطني ، كما أن أمريكا التي تملأ فمها بالحديث عن الإرهاب هى التي سمنت التنظيمات الدينية العراقية المعارضة ، لأن قيادتها أكثر سلاسة ، وأكثر استجابة للمطلوب .
فكيف يمكن أن تطالب معارضة وطنية في الخارج ، بأن توقع على وثيقة تحمل تفريطا وتجزئة في ترابها الوطني ، إلا إذا كان ذلك بمثابة توقيع على وثيقة إعدامها ذاتها .
والخلاصة أن التصور الأمريكي ، بدلا من أن يضعف النظام العراقي ، أضعف المعارضة ، وسوف تكون خطوته الجديدة ، لا في إسقاط النظام كما يتصور ، وإنما في اتجاه إسقاط المعارضة نفسها .
• وهناك – ثالثا – محاذير تركية وكردية مشتركة ، من توسيع الكيان الكردي في الشمال ، وإضفاء استقلالية قومية عليه .
إن الأكراد يدركون معاني ذلك الدرس القديم ، مع شاه إيران ، أثناء حكم الشاه ، فقد اعتبر هذا التحالف عمقا استراتيجيا للحركة الكردية المسلحة ، وفور توقيع اتفاقية الجزائر ، بين إيران والعراق ، أضطر " برزاني " إلى الرحيل عن المنطقة على عجل ، تاركا عشرات الآلاف من المقاتلين الأكراد ، يواجهون مصيرا مظلما ، في مواجهة النظام الإيراني .
بل أن النظام العراقي نفسه ، أعطى الجيش التركي – خلال مراحل المواجهة العسكرية مع إيران – حق الدخول بعمق ثلاثين كيلوا مترا داخل حدود العراق ، لتصفية أكراد العراق ، وتركيا في الوقت نفسه .
وإذا كانت تركيا تتحسب بشدة ، لقيام كيان كردي شمال العراق ، لانعكاساته على أوضاع 14 مليون كردي في تركيا نفسها ، فإن " مسعود برزاني " طمأن تركيا بأنه " يمكن إلحاق منطقة كردستان العراق بالدولة التركية " أي أن منطق التقسيم يمكن أن يمضي في اتجاه اقتطاع قطعة كبيرة من العراق ، تضم أغلب مصادر البترول ، وإلحاقها بتركيا ، لمكنه أمر لم تستطع حرارة النار والحديد في الحرب العالمية الثانية ، أن تكتب له الديمومة .
إضافة إلى أن هذا الاقتطاع ذاته ، لا يمكن أن يكون في مصلحة بلورة هوية كردية مستقلة ، فالدستور التركي ، يسلب الكردي ، مجرد الحق في الإعلان عن هويته القومية .

أغلب الظن مع ذلك أن أمريكا ، تحت تأثير ضغوط كثيرة ، سوف تلجأ إلى هذه الجراحة العسكرية في شمال العراق ، لكن أغلب الظن – أيضا – أنها ستعطي المعارضة العراقية بذلك حبلا أطول لشنق نفسها ، وستعطي النظام العراقي ، خشبة عائمة جديدة ، تطيل أمل قدرته على الطفو والسباحة ، فوق مياه الخليج المضطربة !


 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :