عواصف التهديدات الاستراتيجية تهب من كل اتجاه     

بقلم : أحمد عز الدين

حلقت بي مخيلتي بعيدا، وحطت علي سؤال كأنه شرفة في الفضاء ، كان السؤال يقول : إذا كانت النظرة الاستراتيجية لا تلغي التساؤل الأخلاقي ، فماذا سيحدث بعد أن تنقضي سنوات العاصفة ، وينتهي الأمريكيون من إعادة صهر خرائط النظام الإقليمي العربي و الشرق الأوسط الكبير ، بالحديد والنار ، ومن ثم إعادة بنائها وفق مصالحهم و رؤاهم ، أي كيف سيغسل الأمريكيون عن وجوههم وأياديهم وقمصانهم الزاهية ،نتائج استخدام زلازل القوة، وجبال النار ، خاصة إذا كانت هذه النتائج لن تكون غير بحار دم ، وسهول خراب ، كيف سيوزعون علي العالم صورهم الليبرالية ، وهي تقطر دما ، وتنفث ردى ؟!
لكن السؤال بدا لي مزعجا ، ذلك أنه ينطوي علي فرضيتين ، لا يمكن الجزم بصحة واحدة منهما ..
أما الفرضية الأولي فهي أن أمريكا ستواصل تدميرها الإبداعي لخرائط الشرق الأوسط ( الجغرافية والاستراتيجية والسياسية والثقافية ) بنجاح متصل ، بينما ستظل دفاعات المنطقة مخنوقة ومحاصرة ومنتهية بالتالي إلي حائط استسلام غير مشروط
وأما الفرضية الثانية فهي أن الولايات المتحدة الأمريكية التي تقحم نفسها طرفا أصيلا وأساسيا في تفاعل تاريخي مركب بمساحة الإقليم ، وبعمقه التاريخي والحضاري والثقافي ، وبطاقته الهائلة الكامنة ، يمكن أن تخرج من هذه العملية التي تشبه جهنم ، كما دخلتها ، تؤثر دون أن تتأثر ، وتغير دون أن تتغير ، وتشعل جبال النار ، دون أن تمسها النار إن الاستراتيجيين الأمريكيين يعترفون اعترافا جارحا بأن أمريكا ، لم تصل إلي حالة شفاء من العقدة الفيتنامية بعمق هذه السنين ، إلا خلال المشهد الأخير لحرب الخليج ، عندما أحصت قتلاها وجرحاها في المعركة البرية ، فوجدت أنهم أربعة قتلي ، وعشرين جريحا ، وعندما انتهي الميزان الاقتصادي للحرب إلي جانبها ، فحصدت أرباحا بعشرات المليارات ، رغم نزيف تكلفتها التي وصلت إلي 800 مليار دولار ، وهذا يعني أن الفرضيتين السابقتين متصلتان ، فبغير دفاعات قوية ومقاومة واسعة ومنظمة ، أي بغير زيادة أعباء التكلفة الأمريكية ماديا ومعنويا ، ستواصل أمريكا عملياتها وخططها ، غير عابئة بصورتها ، فضلا عن أن موقفها لن يكون قابلا للتغيير
لذلك يمكن التأكيد علي أن الصيغة الوحيدة القابلة للتأثير في حسابات الولايات المتحدة الأمريكية الآن ، ليست سوي زيادة أعباء تنفيذ الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة ، لأن الدور الإمبراطوري نفسه ، وليست الحرب فقط ، حسابات تكلفة ، أي حسابات أرباح وخسائر ، فإذا كنا لا نستطيع أن نمنع الولايات المتحدة بالقوة الجبرية ، من تنفيذ استراتيجيتها في الشرق الأوسط ، فإن علينا ألا نسهل لها المهمة ، وألا نقلل من أعباء التكلفة ، أي أن علينا بالضبط أن نصعب المهمة ، وأن نزيد من أعباء تكلفتها ، لكن ما تفعله أغلب الأنظمة العربية ، شئ غير ذلك ، وما يفعله النظام الإقليمي العربي شئ غير ذلك ، لأن المداهنة في الدبلوماسية هي تقليل تكلفة ، والملاينة في الإعلام تقليل تكلفة ، وفتح الآفاق والحدود والمياه أمام القوة العسكرية الأمريكية تقليل تكلفة ، وادعاء بعض المسئولين العرب علي عتبات البيت الأبيض ، الثقة في الرئيس الأمريكي تقليل تكلفة ، وغيبة كافة أشكال التنسيق السياسي والاستراتيجي عربيا ، تقليل تكلفة ، وتغييب الجماهير العربية الغاضبة عن معادلات القوة الشاملة ، تقليل تكلفة ، ..الخ..الخ ، وفي المحصلة النهائية فإننا نسهل المهمة ، بل ونحفز الأمريكيين ، دون أن نريد ، علي أن يواصلوها بالحديد والنار .

▲▲▲
قد تبدو المفردات السابقة عن إعادة صهر خرائط الشرق الأوسط ، وكذلك عن سهول الخراب ، وبحار الدم ، مجرد مفردات مجازية ، في صورة بلاغية خالصة ، لكن الرؤية الأعمق تؤكد أنه لا أثر للمجاز فيها ، وأنه إذا كانت ثمة بلاغة ، فهي بلاغة الواقع في التعبير عن ذاته ، نحن مشغلون للأسف الشديد ، بهوامش الأزمة ، لا بجوهرها ، منشغلون بالمناطق الرمادية فيها ، لا بقلبها المحتقن المفتوح ، منشغلون بأقوال الآخر ، أكثر من أفعاله ، بحيله الإعلامية ، أكثر من استراتيجياته ، بتقدير الموقف الدبلوماسي ، ، أكثر من تقدير الموقف الاستراتيجي ، ولست أعرف في الحقيقة ما إذا كان ذلك يعكس إدراكا ناقصا للخطر ، أم أن المشكلة تكمن في نقص الإدراك ، وإنما في ضعف الاستجابة ، خاصة إذا كان بعضنا يتصور أن أبعاد الخطر ، يمكن أن يتم بتجاهله ، لا بمواجهته
خذ-مثلا- هذا الانشغال الكبير ، بسيناريوهات الهجوم الأمريكي علي العراق، فكلما نشرت صحيفة أمريكية أو بريطانية ، سيناريو محتملا ، احتل مركز الثقل في اهتماماتنا ، فكررناه وأعناه علي الانتشار ، فإذا قالت صحيفة أمريكية أن الهجوم سيتركز علي قلب بغداد بالنيران ، وهدمها وعزلها ، لإحداث انهيار سريع في الأطراف ، أصبح هذا السيناريو هو شاغلنا ، حتى تظهر صحيفة أمريكية أخرى بسيناريو جديد يتضمن خطة هجوم بري أمريكي عبر ثلاث محاور ، هي الشمال والجنوب والغرب ، فيحتل مكان الأول ، حتى تظهر صحيفة بريطانية بسيناريو جديد ، علي غرار سيناريو " الصنداي تايمز " الذي أطلقت عليه أسم " السيناريو الكابوس " ، فيأخذ مكان سابقه ، ومع المزيد من لعبة السيناريوهات ، ندخل في لعبة عقلية باردة للمفاضلة بينها ، كأنها خيارتنا ، ثم تتم تغذية اللعبة ببعض التوقعات ، وبعض الافتراضات ، وبعض التخمينات ، ولا أقول التنبؤات ، لأنه لا نبوءة في كل ما يكتب ويقال ، باعتبار أن التنبؤ عمل ذهني من أعمال التفكير الاستراتيجي
وفي كل الأحوال فنحن نجر إلي أن نمارس نوعا مفروضا من التطبيع العقلي والنفسي ، بيننا وبين عملية استخدام آلة الحرب الأمريكية في ضرب دولة عربية ، وفي إعادة صياغة أوضاع الإقليم .
ورغم أن " رامسفيلد" حرص ذات مرة علي أن يبدو غاضبا ، من تسرب السيناريو التي نشرته " نيويورك تايمز" فإنني لا أعتقد أن وثائق البنتاجون قابلة للاختراق علي هذا النحو ، في هذه الظروف ، إن أمريكا فرضت نطاقا من السرية علي أسماء أفراد عرب معتقلين في سجونها منذ أحداث 11 سبتمبر ، فكيف لا تفرض مثل هذا النطاق ، علي خطط عملياتها الحربية المستقبلية ، ولذلك فإن ما يحدث تحت دعوي التسريب ، هو ما يطلق عليه في أعمال المخابرات تقديم " إجابة مدروسة ، علي الأسئلة المطروحة ، أما أهداف هذه الإجابات المدروسة ، فهي تتوزع بين التطبيع الذهني والنفسي مع التوجه الأمريكي نفسه، وإرباك حسابات الخصم الدفاعية ، والضغط المعنوي علي الإقليم ، وفي أحيان كثيرة ، دفع الخصم إلي قفزة قوية غير محسوبة في المكان ، تضعه في موقف أكثر صعوبة ، أو تستخدم مبررا مباشرا ، لاستخدام القوة ضده .
إن هذا بالضبط ما ينبغي إدراكه ، فيما نشرته " الصنداي تايمز " وأطلقت عليه " السيناريو الكابوس" وعززته برأي خبير استراتيجي أمريكي في وزن " أنتوني كورديسمان " لقد لخص " كورديسمان" الوثيق الصلة بالبنتاجون الموقف الأمريكي ، بأن ثمة خشية أمريكية كبيرة من أن يفسد العراق الضربة العسكرية القادمة ، وأن طريقه الوحيد لإفساد هذه الضربة وتقييدها ، هو إقدام العراق علي احتلال الكويت ، واستخدامها رهينة للضغط علي واشنطن ، لأن مثل هذه الخطوة ، قد تحبط الاستعدادات الأمريكية لشن حرب برية ضد العراق .
ولا شك أن التلويح بهذا الخيار أمام العراق ، لا يعني عندي إلا تحريضه علي القيام بقفزة قوية غير محسوبة ، تمنح عملية ضربة مشروعية دولية وإقليمية لم تعد قائمة ، كما أن التلويح بهذا الخيار أمام الكويت ، علي أنه رد فعل عراقي متوقع ، هو نوع من اعتصار الكويت ، لأن وضعه علي رأس جدول حسابات الاحتمالات ، يعزز قبول الكويت بنشر المزيد من القوات العسكرية الأمريكية فوق أراضيها ( فضلا عن فرقتين مدرعتين أمريكيتين ، إحداهما استقرت هناك منذ سنوات ، والثانية وصلت لتعزيزها منذ شهور ) ويعزز طلب الولايات المتحدة أن تتحمل الكويت تكلفة الحملة الأمريكية ، بعد أن أصبح هدفها ، منع العدوان العراقي ، لا تدمير العراق ، والأهم أنه سيعطي لاستخدام محور الكويت –البصرة في هجوم بري أمريكي مبررا ، وهو نقل المعركة إلي الأراضي العراقية ، بدلا من ينقل العراق المعركة إلي الأراضي الكويتية .
وبمقدور المرء أن يستخلص من هذا السيناريو إذا تم إبطاله عراقيا ، كما أتوقع وأرجو ، توقع أن تفعيله كويتيا من جانب الولايات المتحدة ، سيتطلب قبيل بدء الهجوم الأمريكي ، إحداث تفجيرات كبيرة داخل الكويت ، يتم نسبها بقرائن مصنوعة إلي بغداد ، ليعين ذلك علي انسياب الاستراتيجية الأمريكية ، نحو أهدافها المحددة ، لكن المشكلة تظل قائمة في أننا لا نركز أبصارنا علي مثل هذه السيناريوهات فحسب ، وإنما نقرأ سطوحها ، لنسمح للآخرين أن يضعوا في عقولنا المدخلات التي يريدون ، طالما أن المدخلات في كل عملية ذهنية ، أو حسابية ، بما في ذلك ألعاب الكمبيوتر ، هي التي تحدد طبيعة المخرجات ، أي إنها هي التي تحدد طبيعة الاستجابة ، واتجاه التفكير وردود الأفعال .
▲▲▲
سوف اضرب مثلا علي اننا منشغلون بهوامش الأزمة ، لا بجوهرها ، بالمناطق الرمادية فيها ، لا بقلبها المحتقن المفتوح .
إن أوضح مثال علي ذلك تلك المناورة العسكرية التي تجريها القوات المسلحة الأمريكية ، في ولاية فرجينيا هذه الأيام ، وهي مناورة وصفت أمريكيا –أولا- بأنها أوسع مناورة من نوعها في تاريخ الولايات المتحدة ، بعد أن استغرق إعداد خططها عامين متصلين ، وأنها –ثانيا- تضم وحدات من الجيش والبحرية والقوات الجوية ومشاة البحرية ، وأن هدفها حسب التحديد الأمريكي –ثالثا- هو التعرف علي التقدم الذي تم احرازه حتى الآن في مجال تحويل القوات المسلحة الأمريكية إلي قوة قادرة ، علي مواجهة التهديدات والتحديات التي يفرضها القرن الواحد والعشرون ، أما تحديد طبيعة هذه التهديدات والتحديات فيعكسه –رابعا- السيناريو الذي تتم علي قاعدته هذه المناورة الواسعة ، وهو علي وجه التحديد ، افتراض قيام قائد القوات المسلحة لإحدي الدول في الشرق الأوسط ، بتدبير انقلاب عسكري للاستيلاء علي السلطة ، مستغلا ظروف زلزال مدمر تعرضت له هذه الدولة ، حيث تقوم القوات الأمريكية ، بمواجهة عسكرية مع القوات المسلحة لهذه الدولة لتدميرها ، وإحباط انقلابها ، وإبقاء السلطة في أيدي القوة السياسية الحاكمة .
لعله ليس ثمة رموز مستغلقة في هذا السيناريو الذي تحول إلي أوسع مناورة عسكرية في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية يقوم بإجرائها عمليا الآن ، ثلاثة عشر ألف رجل وخمسمائة في ولاية فرجينيا .
فالسيناريو يتحدث بنفسه عن مواجهة عسكرية صدامية بين القوات الأمريكية ، وقوات وطنية في إطار دولة تقع في الشرق الأوسط ، وأن هذه المواجهة تدور حول الاستحواذ علي السلطة السياسية في هذا البلد ، والسيناريو يربط بين ذلك وبين التهديدات والتحديات ، التي يفرضها القرن الواحد والعشرون ، وبين تحويل القوات المسلحة الأمريكية إلي قوة قادرة ومؤهلة ، لأداء هذه الوظيفة العسكرية الأمنية الجديدة ،أي الدخول كعنصر ضابط للتفاعلات ، ليس علي مستوي وحدات الإقليم ، وإنما داخل كل وحدة من وحداته ، بمعني تأهيل القوات الأمريكية ، للدخول كعنصر ضابط للتفاعلات الوطنية الداخلية ، وأداة لحسم الصراع الداخلي ، وفرض هوية السلطة القائمة أو القادمة ، بمعني آخر ، إضفاء مشروعية جديدة علي استخدام الولايات المتحدة لقواتها العسكرية للتدخل في الشئون الداخلية ، لدول الشرق الأوسط ، وفرض أنظمة سياسية بعينها ، أو إسباغ حماية علي هذه الأنظمة من شعوبها .
إن تغييرا طفيفا في الرموز التي تشكل هذا السيناريو يمكن أن تفصح أكثر عن دلالته العميقة ، وتنبه أكثر إلي الطبيعة الحقيقية للتهديدات والمخاطر ، التي تحدق بدوائر واسعة ومستجدة ، في الأمن القومي والإقليمي .
ذلك أن الزلزال المدمر الذي يتحدث عنه السيناريو ، يمكن ألا يكون زلزالا طبيعيا ، أي من صنع الطبيعة ، وإنما يمكن أن يكون زلزالا اجتماعيا أو اقتصاديا أو سياسيا ، من صنع الظروف والضغوط ، كما أن تحديد سبل التدخل بالقوة المسلحة الأمريكية ، في منع انقلاب علي النظام القائم ، لا ينفي إمكانية التدخل بالقوة أيضا ، لفرض نظام بديل ، تحت تأثير هذا الزلزال الذي قد يكون طبيعيا ، أو مصطنعا إضافة إلي خلع صفة الانقلاب العسكري الذي يقوده قائد الجيش علي حالة التهديد ، التي تستوجب التدخل العسكري الأمريكي ، يعني أن التهديد يأتي من المؤسسات العسكرية الوطنية ، وأن التدخل العسكري الأمريكي ينطوي علي إبطال هذا التهديد ومنعه ، لصالح ما يسمي بالمجتمع المدني .
وفي كل الأحوال فإن السلطة السياسية ، والنظام السياسي نفسه ، لم يعد شأنا وطنيا داخليا في الشرق الأوسط ، وإنما أصبح شأنا أمريكيا ، قد يتطلب تدخلا عسكريا مباشرا لتغييره بالقوة وهذه –إذن- حالة لا تنطبق علي العراق وحده ، ولكن النظام في العراق يمثل لدي الولايات المتحدة ، منسوبها الأعلي .
ثمة ملاحظات أخري حول المسألة نفسها ، ينبغي عدم إغفالها ، مثل أن حالة الزلزال المدمر ، أو حالة الأزمة الكبيرة ، هي حالة يمكن أن تفتعل ، وأن تمهد بالتالي مع خلق احتقان داخلي ، إلي تدخل عسكري أمريكي ، لمناصرة القوى التي تراها الولايات المتحدة متوافقة مع أهدافها الاستراتيجية ، ومثل أن الولايات المتحدة تؤكد أن إعداد خطط هذه المناورة العسكرية ، قد استغرق عامين كاملين ،أي أن هذا التوجه موجود في قلب الاستراتيجية الأمريكية ، منذ البداية ، وليس وليد أحداث 11 سبتمبر فهذه الأحداث لم تخلق استراتيجية أمريكية جديدة ، هي التي تطل علينا بوجهها الدموي القبيح ، وإنما هيأت لها فرصة موائمة ، لوضعها موضع التنفيذ .
لذلك فإن مثل هذا السيناريو والمناورة العسكرية ، التي تعد تطبيقا عمليا له ينبغي أن يوضعا في مستوي رفيع من الاهتمام والتحليل والفعل ، وإلا ينظر إليهما علي أنهما يمثلان " السيناريو الأسوأ " القابل عندنا دوما للاستبعاد والشطب ، لأننا بذلك نقع في الخطأ ذاته ، الذي وقعت فيه منظومة القوة الأمريكية ، وأوقعت معها أمريكا في حفرة الحادي عشر من سبتمبر ، ففي التحليل النهائي لم تكن مشكلة الولايات المتحدة ، تتعلق بغياب المعلومات ، وهي ليست مشكلتنا أيضا ، وإنما بسوء قراءة الأدلة ، وهي مشكلتنا أيضا .
▲▲▲
أذكر أنني كتبت في أوج الهجوم الأمريكي علي أفغانستان ، أؤكد أن الولايات المتحدة تصوغ في لهيب جبل النار الأفغاني ، أكثر من مشروعية دولية جديدة ، وأن هذه المشروعيات ستمر بقدر من الرضا المعلن ، أو الغضب المكتوم ، ولكنها تتخلق ككل مشروعية جديدة ، من حالة استثنائية ، قبل أن تخرج من صفتها الاستثنائية ، وتصبح قاعدة عامة قابلة للتكرار ، وقد كان التركيز واضحا علي صفتين جديدين من المشروعية .
1. مشروعية أن يصبح لأصابع قوة أجنبية ، أن تخلق وأن تؤسس سلطة وطنية ، وأن تضعها بالقوة المسلحة فوق مقاعد الحكم ، فاختيار ظاهر شاه ، الذي فقد عرشه بسوء الإدارة والفساد ، قبل عشرات السنين ، كان سابقا علي حشد القوات الأمريكية في المنطقة ، وكان سابقا بالطبع علي البدء في إطلاق النار ، والحقيقة أن الولايات المتحدة لم تقم بذلك وحدها ، وإنما قام به معها الحلف الأطلنطي ، فقد وضعت خطة متكاملة لتنفيذه ، ، اشتركت فيها مجموعة من خبراء الأمن في الحلف ، تحت أسم كودي هو " عملية روما " ، وقد تنقلت محطات التخطيط والتنفيذ بين أكثر من عاصمة غربية وآسيوية ، والمشكلة أن " عملية روما " يمكن أن تصبح " عملية لندن " أو " عملية برلين" أو " عملية واشنطن " وأن ظاهر شاه الأفغاني ، قد يصبح ظاهر شاه العراقي ، أو ظاهر شاه اليمني ، أو ظاهر شاه المصري ، وهكذا فإن الواضح أننا بصدد عملية مفتوحة ، تعتمد علي مشروعية جديدة ، لإسقاط أنظمة وإحلال أنظمة مكانها بالقوة ، وبالتحالف مع المعارضين لها ، وأنها تشكل منهج عمل ثابتا في التوجه الاستراتيجي الأمريكي تجاه الإقليم .
2. هناك مشروعية أخري تم تخليقها من الحالة الاستثنائية نفسها ، لكنها بدورها قابلة لأن تخرج من استثنائها لتصبح قاعدة عامة ، أقصد مشروعية أن يتحالف فصيل وطني ، لا يمتلك فوق الأرض من رقعة وطنه ، سوي نسبة لا تتجاوز 5% ، مع قوة دولية تمده بالسلاح ، وبأسباب القوة ، وتستخدم قوتها بشكل مؤثر ومباشر لتهرئة دفاعات الحكم القائم وإسقاطه ، وتفتح لبديله الباب ، إلي الاستحواذ علي السلطة ، وفي حالة أفغانستان لم يثر الأمر كثيرا من الانتباه إما بحكم أن العلاقة بين الفصيل الحاكم والمعارض ، تحركت في دائرة واسعة من المواجهة سمحت بتمدد كل فصيل علي الأرض ، وانكماشه ، مرة بعد أخرى ، وإما بحكم أن الفصيلين ينتميان إلي دين واحد هو الإسلام ، وإما لأن التدخل الأجنبي ، كان مشفوعا في إعلانه بأهداف أخري ، لكن غياب هذه العوامل أو بعضها في مرة تالية ، سواء من حيث الانتماء الديني ، أو وجود أسباب أخري معلنة للتدخل ، قد لا يمنع هذه المشروعية الجديدة من تكرر نفسها بصيغ مختلفة ، وليس بالضرورة في هذه الحالات المستجدة ، أن يمتلك الفصيل المعارض الذي يحمل بالقوة إلي سدة الحكم ، نسبة 5% من مساحة الأرض ، فقد يمتلك نسبة مماثلة ، من مساحة الدين أو مساحة العرق.
▲▲▲
عندما يتحدث الأمريكيون عن مناورة عسكرية واسعة لمواجهة التهديدات والتحديات التي يفرضها القرن الجديد ، فإنهم يتحدثون بوضوح ، عن سند مادي لهاتين المشروعيتين اللتين تخلقتا تحت جبل النار في أفغانستان .
ولكي يكون الأمر أكثر وضوحا ، فإن المنطق الأمريكي الذي يقود إلي هاتين المشروعيتين المختلفتين ، يستند إلي قناعة كاملة ، استخلصتها مراكز الأبحاث والدراسات في منظومة القوة الأمريكية ، قبل أكثر من عامين أيضا ، من أن جوهر المشكلة إنما يكمن في أن الأنظمة السياسية في المنطقة ، أبدت عجزا كاملا عن انجاز مشروع " التحديث" وفق التصور الأمريكي طبعا ، أي أنها لم تستطع أن تهدم البنية التحتية الثقافية والحضارية والمجتمعية التاريخية ، لتسمح لبنية غربية خالصة أن تقوم مقامها ، وإذا لم يكن هذا هو مقام الدخول في بنود مشروع الحداثة الأمريكي ، فإن التقدير الأمريكي الذي انتهي إلي قناعة ، كان يقول إن الشرق الأوسط ، أكبر من الصراع العربي الإسرائيلي ، وأن هناك عملية اقتصادية وسياسية واجتماعية بالغة الخطورة تحدث في الشرق الأوسط ، تؤدي إلي الفشل في تحقيق التحديث ، بل إنها تدعو إلي التخلف وظهور تيارات راديكالية ظلامية ، وهذه هي القضية التي ينبغي أن تحظي بالأولوية .
لابد –إذن – من تغيير المفاهيم الأساسية ، ومن الجذور ، ولابد –إذن- من جراحات واسعة في المنطقة ، ولابد –أيضا- من تغيير شامل في أنظمتها السياسية ، ولابد فوق ذلك كله ، وقبل ذلك كله ، أن يكون التغيير ، وإزاحة القديم ، محكومين بمنطق الحداثة الأمريكية ذاتها ، لأن معوقاتها هي تلك القيادات الوطنية التاريخية ، التي ينبغي العمل علي اختفائها ، أو إطفاء جاذبيتها ، وإنهاء صلاحيتها والأنظمة الرئاسية ، التي يجب أن تتحول إلي أنظمة برلمانية ، ومنظومات القوة ، التي ينبغي أن تطرد خارج المعادلات السياسية ، ومؤسسات الضبط الثقافي والفكري ، التي ينبغي أن تقوم علي بدائل جديدة في الإعلام ، والثقافة والتعليم ، وعند ذلك يمكن للبنية التحتية ، الثقافية والحضارية التاريخية ، أن تنهار ، ويمكن للتحديث أن يقوم ، وللحداثة أن تنجح .
ولهذا فإن هؤلاء الذين يتصورون ويدعون إلي أن نقوم بالتغيير بأيدينا ، قبل أن يفرض علينا ، لا يطلون إلا على جانب واحد من المشهد ، فأبعاد المشهد لا تنطوي فحسب علي قدر مضاف من التوجهات والتغيرات الثقافية والتعليمية ، كما أنها ليست تكيفا اقتصاديا مفتوحا فقط ، فهذا الجانب من المشهد ، مرتبط ببقية أركانه ، أي طبيعة النظام السياسي ، ومضمونه ونخبه المؤثرة ، ورأسه وهياكله مجتمعة ، لأن المطلوب قطيعة مع الذات ، تأخذ شكل قطيعة معرفية مع التراث ، وقطيعة عقلية ووجدانية مع الخصوصية الوطنية ، وقطيعة مادية مع الدور الإقليمي الحضاري ، ذلك أن المطلوب ليس تحديثا بالمعني الصحيح ، ,وإنما انقلاب شامل ، بالمعني الاستراتيجي ، والتاريخي .
▲▲▲
نحن نواجه انقلابا استراتيجيا شاملا في أوضاع الإقليم ، تتولد عنه أشكال وأنماط جديدة من التهديدات الاستراتيجية ، تضغط بقوة هائلة علي هياكل الأمن القومي ، لكن المشكلة أن بعضنا لا يريد أن يربط بين عناصر هذا الانقلاب الاستراتيجي ، ولا يريدج أن يربط بالتالي بين مصادر هذه التهديدات ، وبين المخاطر المستجدة التي تواجه الأمن القومي .
إن ميثاق " ماشاكوس" علي سبيل المثال ، قد ولد في نفس التربة ، التي ولدت فيها استراتيجية ضرب العراق ، وفي نفس التربة التي نما فيها التحالف الاستراتيجي ، بين الولايات المتحدة الأمريكية ، وبين إسرائيل ، وتحول إلي اندماج استراتيجي كامل ، وهي نفس التربة التي تخلقت فيها التوجهات الاستراتيجية الأمريكية لكسر العمود الفقري للمنطقة ، وتحطيم هيكلها الاستراتيجي ككتلة واحدة وفصل وحداتها ، وعزل منطقة الخليج العربي ، وربط مسرحها الاستراتيجي ، بالمسرح الاستراتيجي لآسيا الوسطي ، وميثاق " ماشاكوس " لا يستهدف فصل جنوب السودان عن شماله فحسب ، وإنما يستهدف وضع حدود دامية للإسلام في شمال حوض النيل ومنابعه ، كما يستهدف تفتيت السودان ، لتعميق هذه الحدود إن الحديث عن حق تقرير المصير ، لا يطول الولايات السودانية الجنوبية فقط ، ولكنه ينسحب علي النيل الأزرق ، وعلي جبال النوبة ، وعلي منطقة إيبي وقد يطول أيضا حركة (البجا) في شرق السودان ، التي تتحين الفرصة لتخلق لنفسها كيانا ذاتيا .
ليست المشكلة إذن في دساتير متعددة لبلد واحد ، أو في تقسيم جائر للثروة ، أو في أن الدولة المركزية لن يخرج تأثيرها عن الخرطوم ، وليس السيناريو الأسوأ في هذه الحالة هو الوصول إلي التقسيم ، لأن السيناريو الأسود بالفعل ، هو تهيئة الظروف لكي يكون الجنوب أقلية وثقافة ، هو الذي سيجلس حتي قبل أن تنتهي السنوات الانتقالية فوق مقاعدة السلطة والحكم في السودان ، فوق أن السودان لن يعدم ظروفا كتلك التي تجري علي أساسها أوسع مناورة عسكرية أمريكية في ولاية فرجينيا ، تتيح للأقلية مسنودة بقوة عسكرية أجنبية ، في مناخ تأزم واحتقان أن تستولي علي السلطة السياسية وأن تحتكرها لنفسها ، ولسندها الأجنبي .
إن الضغوط التي يولدها مثل هذا التحرك الذي يبدأ ككل تحول ، بوضع قانوني ، هي ضغوط مضاعفة، بحكم أن نقطة الضعف الرئيسية في الكيان الاستراتيجي المصري ، هي أن شريان الحياة ، وهو النيل ، يمتد خارج الجسد الوطني ، ولذلك فإن أي قدر من التسامح أو المرونة مع هذا التوجه ، لن ينجب إلا مزيدا من الضغوط ، ومزيدا من التهديدات ذات الطبيعة الاستراتيجية ، ولذلك لابد من سد الثقوب قبل أن تتحول إلي فجوات ، وسد الفجوات قبل أن تتحول إلي مساحات وثوب.
إن درسا قديما ما زال ماثلا للعيان ، بعد سقوط آخر معاقل المسلمين في غرناطة ، حيث شهدت أفريقيا ، أطول وأعنف موجة استعمارية ، تركزت في المقام الأول علي المسلمين في شمال القارة ، تعقبا للمسلمين القادمين من الأندلس والقضاء علي آخر معاقلهم علي الساحل الأفريقي ، وقد أعطي التوسع البرتغالي والأسباني في هذه الموجة نفسه صبغة صليبية واضحة ، وهي تتوجه إلي تقويض جزء من حضارة الإسلام في أفريقيا ، من خلال صراع دموي مع الإمارات والممالك الإسلامية ، سواء في شمال القارة أو شاطئها الغربي ، وكان الهدف واضحا أيضا هو وضع حدود دامية نهائية للإسلام ، فوق تخوم هذه المنطقة الاستراتيجية من العالم ، وعزل مصر قبل غيرها عن تأثيرها ودورها التاريخي الحضاري ، فوق هذه التخوم ، وإبقاء شريانها الحيوي ، تحت سطوة قوة أجنبية .
▲▲▲
لماذا يبدو الأمريكيون متعجلين إلي هذا الحد في توسيع دوائر استخدام قوتهم العسكرية ، وفي وضعها موضع التنفيذ ، بغض النظر عن عوامل اكتمال تهيئة إقليمية مادية ومعنوية لذلك؟
إن البحث عن تفسير لذلك ، ينبغي أن يكون موصولا بالأوضاع الداخلية في الولايات المتحدة ، وبجانب من الأوضاع الدولية ، خاصة في ظل أزمة اقتصادية تعصف بقلب الرأسمالية العالمية ، فقد كان تصور الإدارة الأمريكية السابقة هو الدخول في مرحلة جديدة لإعادة بناء الإقليم ، يمكن تسميتها " مقلوب حرب الخليج " ، تحت تصور كان يري أن هذه الأزمة الاقتصادية العالمية تتطلب إيصال المنطقة إلي أشكال من التسويات الناقصة ، وقد كان مطلوبا من عناصر هذه التهدئة السماح بضخ دم جديد في دورة رأس المال العالمي ، سواء برفع اسعار البترول ، التي ستضاعف فاتورة الواردات العربية من السلع والأغذية والسلاح ، أو بنتائج التهدئة والتسويات الناقصة في فلسطين ، ومع إيران والعراق وليبيا ، لتتكفل أعمال الإعمار ، وإعادة بناء البني الأساسية ، إضافة إلي قوائم المشتروات الجاهزة من السلاح الجديد والسلع ، بفتح أسواق المنطقة علي اتساعها ، وبالتالي تنقية شرايين رأس المال الدولي ، وطرد الركود منها .
وفي ظل إدارة " منظومة القوة " في الولايات المتحدة ، كان التصعيد أفقيا ورأسيا ، هو بديل التهدئة لحل الأزمة الاقتصادية ذاتها ، ولكن الحاصل أن الركود تضاعف ، وأن الاقتصاد الأمريكي ، قبل الاقتصاد الدولي ، يكاد يقف علي قدميه الأماميتين ، فالهبوط في الاقتصاد الأمريكي وصل إلى 21% ، والحكومة الفيدرالية تتجه ميزانيتها إلي عجز مالي يتجاوز 106 مليارات دولار ، وانكشاف تدليس الشركات الأمريكية ، قد وضع كبرياتها فوق منحدر افلاس وخراب وفضائح (الخسائر المقدرة لخمس شركات كبري فقط = 460 مليار دولار ) ، أما الإدارة الأمريكية فهي تبدو في قلب الصورة ، وهي تحمل سلة تفاح أمريكي فاسد ، ثم يبقي انعكاس الأزمة ومضاعفتها علي الاقتصاد العالمي ، وعلي الاستثمارات في الولايات المتحدة بعد أن تمزقت روابط الثقة ، وعلي الطلب الداخلي الأمريكي الذي يمثل قاطرة الاقتصاد العالمي ، وبالتالي فإن الأزمة الاقتصادية الدولية ، قد حشرت الاقتصاد العالمي ، كما حشرت الاقتصاد الأمريكي في زاوية توتر وانكسار ، فأمريكا والرأسمالية العالمية معها تدخل طور أزمة هيكلية حادة ، تنتقل أعراضها ومضاعفاتها باطراد ، من الأطراف إلي القلب ، وبالتالي يبدو أنه لا مخرج أمام هذه الإدارة غير منهج توسيع استخدام القوة ، كاستثمار اقتصادي ، ففي الحيز الداخلي الأمريكي ، هناك إدارة تريد أن تدافع عن نفسها ، وعن رؤيتها واستراتيجيتها ، وأن تغطي ما انكشف منها ، ومن اقتصادها ، ومن اهتزاز الثقة داخليا وخارجيا في صحة توجهها ، وليس الأمر في هذا الإطار ، أمر انتخابات في الكونجرس ، أو سعي لتعزيز فرص البقاء أمام الإدارة لدورة أخري ، ولكنه استنقاذ نظام والدفاع عن وجود وعن أسلوب حياة ، إن الكتاب الأمريكيون هم الذين يقولون الآن ، إن موجة الفضائح في الشركات الأمريكية قد أثارت قدرا كبيرا من الشكوك حول القيم الرأسمالية ، حتى أن أحدهم كتب يقول : ( إن شعار الرأسمالية القائل: دعه يعمل ، دعه يمر ، هو محض تزوير ) وكتب بعضهم يتوقع أن تشهد انتخابات الكونجرس القادمة ، دعوات لتأميم البنوك ، وكتب غيره يؤكد أن التيار الشعبي المعادي للسوق يزداد قوة ، بل كتبت " واشنطن بوست" تصف فريق بوش الأبن ، بأنه غير مقنع ، وأنه يفتقر إلي الأشخاص الذين يمكنهم الدفاع عن فلسفة السوق ، فهم " يتحدثون عن خفض الضرائب ، رغم التدهور المالي في الولايات المتحدة ، الأمر الذي يثير شكوكا حول دوافعهم لهذا الخفض ، وهل تأتي عن اقتناع فكري بجدواه ، أم كمحاولة للحفاظ علي مصالح أصدقائهم من الشركات "!
▲▲▲
إن النصر الحقيقي ، هو النصر النهائي ، هو الذي يبقي عليه الزمن ، ولم يحدث في تاريخ هذه المنطقة ، أن تمكن عدوان عسكري من أن يحتفظ بقدرته علي أن يبقي صديقا لزمنها ، لأن زمنها ليس غلافا خارجيا للوقائع ، ولكنه إيقاع داخلي ، لا ينفصل عن خصوصيتها ، تاريخا وثقافة وحضارة ، رغم ذلك ، فإننا لن نعدم بعد فترة لن تطول ، من ينظر من أعلي إلي تخوم المنطقة ، وهو يعيد قراءة بيت من الشعر ، في إحدي مسرحيات شكسبير قائلا : " من هذا المجنون الذي صنع هذا التاريخ ، المكون من الضوضاء والجلبة والدم "؟!
نعم ، من هذا المجنون ؟!
5/8/2002

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :