الحملة على أفغانستان تعيد صياغة خريطة المنطقة والعالم بالحديد والنار     


أمريكا لن تحقق النصر المطلق ... لكنها قادرة على صنع جبال من الخراب

بقلم : أحمد عز الدين

بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولي أوزارها ، كتب وزير خارجية بريطانيا أثناء الحرب ( اللورد كريزون ) يقول : " إن الأجيال القادمة سوف تقول بحق ، إننا حققنا النصر ، في هذه الحرب ، فوق موجة من البترول " ، ولست أعرف ماذا يمكن أن يسجل وزير خارجية أمريكا أو بريطانيا في هذه المرة ، إذا انتهت هذه الحرب بنصر ، وإذا بقي أحدهما علي قيد الحياة ، حتى إحراز هذا النصر ، وإن كان بقدوري أن أتصور أنه ، لن يغير غير مفردة واحدة في شهادة "كريزون" القديمة ، هي كلمة البترول ، ليكون منطق شهادته الجديدة هو : " أن الأجيال القادمة سوف تقول بحق ، إننا حققنا النصر ، فوق موجة من الدم " .
وإذا لم تكن موجة البترول في الحرب العالمية الأولي أمريكية ولا غربية ، فإن موجة الدم في الحرب الجديدة ، ليست أمريكية ولا غربية أيضا ، وإن كان سفكها يتواصل بأرقي تكنولوجيا الموت الأمريكية، وإذا كانت الحرب العالمية الأولي التي تحقق النصر فيها ، فوق موجة من البترول قد أعقبتها اتفاقية " سايكس – بيكو " ، التي تم بموجبها تقسيم مواقع النفوذ ، ومصادر الطاقة ، بين بريطانيا وفرنسا ، في الشرق الأوسط ، فإن اتفاقية " سايكس بيكو " الجديدة ، لن تقبل الانتظار حتى ينتهي المخاض الصعب لهذه الحرب ، التي ستشكل عملية ممتدة ، تستخدم الحديد والنار ، لإعادة صياغة خريطة المنطقة والعالم .
إن من الواضح في مواجهة هذا المشهد الراهن ، الذي يبدو جزءا عضويا ، من دراما التحولات التاريخية الفريدة ، إننا بصدد انقلاب استراتيجي كامل ، في أوضاع العالم ، وفي أوضاع الإقليم وإننا إزاء عملية تحول مفصلي في التاريخ ، أكدت أكثر من مرة ، أن أبرز معالمها هو انحطاط الإمبريالية ، إلي طور متخلف من الاستعمار التقليدي ، وأن من الواضح أيضا ، أن تمزيق الإطار الإقليمي القائم بامتداداته الآسيوية ، ليس عملا مستحيلا ، بالرغم من أنه يحتاج إلي جراحات عسكرية عميقة وكبيرة ، إضافة إلي تكلفته باهظة ، وتفاعلاته الجانبية بالغة التعقيد والخطر، لكن المستحيل حقا هو إعادة تركيب وحداته ومكوناته ، من جديد ، وعلي النحو الذي يتوافق مع اتفاقية " سايكس – بيكو " الجديدة ، بأطرافها المتعددة .
وإذا كان من الصحيح أن التحولات الكبري في التاريخ ، لا تحدث بين عشية وضحاها ، لأن عواملها المعقدة ، تنضج علي مهل ، وتفاعلاتها المركبة ، تتم في أنبوب مفتوح ، فإن من الصحيح- أيضا- أن هذه التحولات ، لا تحفر مساراتها ، بإيقاع النبض المندفع في أدمغة عدد من الأشخاص أو المسئولين ، وإنما بوقع التناقضات المتدافعة والمتصادمة ، في محيط بشري واسع وعميق ، ولهذا فإن أغلب الظن أن " شكسبير" لم يكن يستعلم عن شخص ، وإنما عن وضع ، عندما رفع عقيرته بالسؤال في إحدى مسرحياته قائلا :
" من هذا المجنون الذي صنع هذا التاريخ ، المكون من الضوضاء والجلبة ، والدم ؟ "
ما الذي يمكن أن تلتقطه بصائرنا ، من عمق هذا المشهد الفريد ، الذي يبدو جزءا من دراما التحولات التاريخية الكبري ، كي نشد من بعض خيوطه المتداخلة ، ما يعين علي نسج رؤية أكثر وضوحا له ، وأكثر تحديدا ، لسايكس – بيكو الجديدة ، التي تولد في آتونه :
أولا : إن أصابع الصهيونية ، لم تكن بعيدة عن صياغة خرائط التقسيم ، في سايكس – بيكو القديمة ، وعن تحديد تضاريسها وحدودها ، وبالتالي يصعب فصلها عن الحدود والخطوط ، في أية خرائط جديدة قادمة ، وإذا كانت هذه الأصابع ، تبدو للعين المجردة ، بعيدة عن الخرائط الجديدة ، فقد بدت كذلك عند رسم الخرائط القديمة ، وقد تطلب تتبع آثارها ، والإمساك بها ، وقتا وزمنا ، كما تطلب اعترافا جارفا ، وليس جارحا ، من الذين انغمست أصابعهم في لعبة التقسيم فبعد أكثر من ثلث قرن أكد سايكس الابن (كريستوفر ) ، أن سايكس الأب ( مارك ) ، في كتاب له بعنوان : دراسة فضيلتين قد اعتنق الصهيونية ، قبل عام واحد ، من صياغة الاتفاقية وما ضمته من خرائط 1916 ، وأن جهود والده قد لعبت دورا كبيرا في صدور وعد بلفور ، بل حدد الابن ، من أخذ بيد أبيه ، وهداه إلي طريق الصهيونية القويم ، وهو " موسى جاستر" بعد تعيينه وزيرا مساعدا ، لوزارة الحرب البريطانية ، أما بيكو ممثل فرنسا ، فإن بعض الدراسات ، تشير بوضوح إلي أن " ناحوم سوكولوف " القائد الصهيوني البارز ، هو الذي هداه بدوره إلي طريق الصهيونية مثلما هدى معه " لويد جورج" رئيس وزراء بريطانيا إلي الطريق ذاته .
وأغلب الظن بعد فاصل من الزمن ، لن يصل هذه المرة إلي ثلث قرن، فإن هناك من سيخرج إلي أجيالنا القادمة ، باعتراف جارف جديد ، بأنه في مرحلة " سايكس – بيكو " الجديدة ، كان هناك هداه صهاينة ، إلي طريق الصهيونية ، وكان هناك مهتدون أمريكيون وأوروبيون ، بارون ، اعتنقوا الطريق ، وساروا فوقه ، وهدموا وأعادوا البناء ، لمصلحة اندفاعة المشروع الصهيوني في الشرق الأوسط ، قبل مصلحة أوطانهم ، وأغلب الظن- أيضا – أن أبناءنا سوف لا يتوقفون عند ذلك ، عن النظر وراءهم في غضب .
ثانيا: إن القيادة التي تنعقد للولايات المتحدة الآن ، هي قيادة ضاغطة ، لا تقبل ولن تقبل من حلفائها تدخلا مؤثرا في إعادة رسم الخرائط ، وتبويب المصالح ، وتوزيع مناطق النفوذ ، مثلما كان الحال في الحرب العالمية الثانية ، بل هي بحكم تكوينها ، وبحكم موقعها ودورها ، غير جاهزة للقبول بتدخل الحلفاء في تحديد مسارح العمليات ، أو طبيعة وأدوات استخدام القوة ، ويستطيع القارئ لمذكرات الرئيس الأمريكي روزفلت ، الذي كان مريضا وعليلا ، وفقيرا في الرؤية الاستراتيجية ، أن يلتقط حسا استعلائيا واضحا في حديثه عن الأوروبيين ، بل يستطيع أن يري صورة لمشاعره تجاههم ، والتي لم تكن تتسم بالود ، بقدر ما كانت تتسم بالازدراء .
عندما تدخل الأمريكيون بقوة للمشاركة في الحرب ، وقدموا 90% من حاجات الدعم للحلفاء ( كانت المصانع الأمريكية تنتج 200 طائرة مقاتلة يوميا ، وسفينة نقل ضخمة كل يوم) وتجاوزت قدراتهم العملية ، المستويات الأوروبية ، أحني الحلفاء جبهتهم ، وغضوا الطرف عن التدخل الخشن للولايات المتحدة ، وعن إصرارها علي الإمساك ، بزمام الموقف كله ، بما في ذلك انفرادها بالقيادة العسكرية ، وبرسم خطط العمليات ، وربما كان هذا الموقف الاستعلائي الأمريكي ، هو الذي صاغ من مادته ، رجل في قامة الجنرال " ديجول" مقولته ، أو نبوءته ، التي أوردها " أندريه مارلو " ، وزير ثقافته المبدع ، في كتابه ( السنديان ) قائلا : " عندما يصبح الأمريكيون ، سادة العالم ، فسوف ترون إلي أي حد ، تبلغ درجة استعماريتهم " .
والحقيقة أن هذا الاستعلاء الأمريكي ، ترجم نفسه ، إلي أشكال من التميز ، ومن التمييز بين جنوده ، وبقية جنود الحلفاء ، في الحرب العالمية الثانية ، حتى علي مستوي مرتبات التسليح والغذاء ، رغم أن الجميع كان يقف علي خط واحد في مواجهة الموت ، وهو ما تكرر في حرب الخليج الثانية ، عندما كانت مرتبات الجندي الأمريكي من التموين ، تتضمن حصوله يوميا علي 12 زجاجة من المياه المعدنية ، سعة كل واحدة 1.5 لتر ، وتتضمن حصوله علي كمية من اللحوم وزنها 450 جرام ، بينما كانت مرتبات الجندي المصري من التموين ، تتضمن حصوله يوميا علي 4 زجاجات فقط من المياه المعدنية ( عليه أن يتوضأ منها أيضا ) ، وكمية من اللحوم لا يتجاوز وزنها 150 جم فقط .
لكن خلال الحقبة الأخيرة ، بعد تفكك الاتحاد السوفيتي ، أخذت تتبلور لدي الأوروبيين ، نزعة استقلالية واضحة، أدت إلي ظهور تشققات في هيكل حلف " الناتو" ، خاصة بعد غياب العنصر الرئيسي الذي كان يطوق هذه الخلافات ، وقد تمثلت هذه النزعة في اتجاه أوروبا وضغطها علي بناء قوة عسكرية ذاتية ، كما بدت مظاهرها في عصيان أوروبي لمشروع بناء النظام الدفاعي الصاروخي الأمريكي ، غير أن الملاحظ أن هذه التشققات وغيرها ، قد التأمت تماما، مع انفلات الطلقة الأولي ، في الحرب الجديدة ، لأنه من الثابت بالتجربة الطويلة في العلاقات الأمريكية الأوروبية ، أن أوروبا تكون أكثر انصياعا إلي نزعتها الاستقلالية عن الولايات المتحدة ، خاصة ألمانيا وفرنسا ، في ظل أوضاع دولية، تتسم بالتهدئة والتعاون ، والسعي إلي الاستقرار ، لكنها تصبح أكثر انقيادا وتبعية للولايات المتحدة ، عندما يصبح الخيار العملي المحدد ، هو الحرب ، واستخدام القوة المسلحة .
ثالثا: عندما يتم ربط التواجد العسكري الأمريكي ، في الخليج العربي بالبترول ، وعندما يتم ربط العمليات العسكرية الأمريكية في أفغانستان ببترول بحر قزوين ، وعندما يقال أن جانبا من الأهداف الاستراتيجية الأمريكية ، يتوجه نحو ربط المسرحين الاستراتيجيين ، للخليج العربي ، وبحر قزوين وتخومه في وسط آسيا ، ببعضهما ، من أجل البترول أيضا ، فإن ذلك لا يجافي الحقيقة ، لكنه ينبغي أن يضاف إليه ، حقائق أخري ، تتضمن حاجات أمريكية جديدة ، في مقدمتها علي وجه التحديد ، عدد من المعادن الحربية الاستراتيجية ، إن الولايات المتحدة نفسها غنية بالمعادن الأساسية ، وإن كان بعضها في طريقه إلي أن يتحول استخراجه وتعدينه إلي عمليات غير اقتصادية ، مع شحنه وزيادة تكلفة استخلاصه ، وقد استطاعت الولايات المتحدة ، استنادا إلي هذا الغني ، أن تؤمن لنفسها سيطرة صناعية عالمية ، علي امتداد أكثر من قرن كامل ، وضعتها في الدرجة الأولي علي سلم الدول لصناعية الكبري ، لكن التكنولوجيا المتقدمة في مجال الصناعات العسكرية ، مثل محركات الصواريخ ، والغواصات النووية ، والأقمار الصناعية ، والأجيال الجيدة من الأسلحة الذكية ، تحتاج إلي عدد من العناصر المعدنية النادرة ، التي تواجه الولايات المتحدة ، معضلة شديدة في سد حاجاتها المتزايدة منها ، ومن المؤكد أن التوسع الراهن في إنتاج أسلحة متطورة ذات تكنولوجيا عالية ، أدي إلي تفاقم هذه المعضلة ، ويكفي للتدليل ، أنه لكي تنتج الولايات المتحدة ، طائرتها المقاتلة القاذفة من طراز ( أف-15 أو أف 16 ) فإنها مضطرة إلي استيراد ، النسبة الغالبة من هذه المعادن ، التي تدخل في صناعة محركات هذه الطائرات ، فهي تستورد 93% من نسبة معدن الكوبالت ، و91 % من نسبة معدن الكروم و 90% من نسبة معدن التنتاليوم ..الخ.
وإذا أضفنا إلي هذه القائمة بقية المعادن النادرة ، التي تدخل في صناعة الصواريخ ، وأجهزة الاتصال البالغة التطور ، والتي لا يتوفر وجودها أصلا في الولايات المتحدة ، مثل الكولومبيوم والبلاتين والنيكل ، وإذا أضفنا إلي ذلك أيضا ، أن الولايات المتحدة تستورد ما يقترب من نصف حاجتها من هذه المعادن ، من دول جنوب شرقي آسيا ، لتبين لنا أن ثمة حاجات جديدة ، تتطلب أن تمد الولايات المتحدة يدها بالقوة لتأمينها ، والاستحواذ عليها ، وبدرجة لا تقل أهمية عن البترول ذاته ، وعن منابعه و ممراته ، وشرايين نقله الحيوية .
رابعا : إذا كانت الولايات المتحدة ، تفرض سطوتها علي التحالف الذي تقوده الآن ، وكأنها نواة سديم ضخم ، لا تملك الكتل الكونية الأخرى ، سوي الدوران من حوله ، محكومة بقوانينه ، فإن الولايات المتحدة نفسها تتحرك محكومة بقوانينها ، أو قيودها الذاتية ، وأوضحها وأكثر تأثيرا ، علي مسار عملياتها الحربية الراهنة ، هو ثقافتها العسكرية ، التي عرفها استراتيجي غربي بارز ذات يوم ، بأنها التعبير في زمن معين عن الذاكرة العسكرية .
لكن الثقافة العسكرية الأمريكية قد حددت نفسها بقوالب ذاكرتها العسكرية ، وهي ذاكرة قليلة العمق ، صغيرة العمر ، تتشكل شرائحها الرقيقة ، من تاريخها العسكري ، حتى القرنين الثامن عشر ، والتاسع عشر ، حيث لم يصادف الأمريكيون خصما لقدراتهم ، لا الهنود الحمر الذين عمدوا إلي إبادة 40 مليون منهم ، ولا الكنديين ولا المكسيكيين ، الذين اقتطعوا منهما بالقوة غالبا ، وبالتحاليل أحيانا ، أكثر من ثلث المساحة التي تمددت فوقها الإمبراطورية الأمريكية ، ولهذا أمن الأمريكيون دوما ، بأن يكسبوا معاركهم بنصر مطلق منذ حربهم ضد أسبانيا 1898 ، إلي الحرب العالمية الأولي1917، إلي الحرب العالمية الثانية 1942 ، ولهذا خانتهم ثقافتهم العسكرية ، في حربي كوريا وفيتنام ، فقد واجهوا أوضاعا مختلفة ، عن تلك التي شكلت فكرهم الاستراتيجي ، مثلما شكلت عقيدتهم القتالية ، وعندما ظفر الأمريكيون بالنصر في الحرب الباردة ، دون قتال ، أو دون حرب حقيقية ، كان مذاق الانتصار في كتابات أهم استراتيجييهم ، لا يخلو من مرارة لاذعة .
والحقيقة أن القشرة المضافة إلي الثقافة العسكرية الأمريكية ، خلال الحقبة الأخيرة من الزمن ، أي منذ حرب الخليج الثانية ، مرورا بحرب البلقان ، ثم المشهد الراهن الدامي الذي نطل عليه الآن ، وهي استراتيجية الضرب من الفضاء ، تكاد أن تشبه في أسلوبها وتوجهها ، مع الفارق التكنولوجي الهائل ، ثقافة البدو الرحل ،كالمغول الذين أخذ قلب آسيا الذابل ، يقذف بهم تحت سطوة الجفاف والجوع ، في العصور الوسطي، إلي محيط واسع ، وصل مداه إلي بوابات أفريقيا ، حيث تحددت استراتيجيتهم من استخدامهم بشكل أساسي للسهام من بعد ، وامتنعوا عن المواجهة المباشرة ، وارتكزوا علي صدمة الرمي وكثافته ، وبالتأكيد فلم يكن السلاح وحده- أي السهام والرماح- هي التي حددت طبيعة الثقافة العسكرية للمغول ، ( كما لم تكن الصواريخ ، والطائرات القاذفة أيضا ، هي المحددات الرئيسية للثقافة الأمريكية ) ، بقدر ما كانت طبيعة غزوات السلب والنهب ، والاقتناص السريع للمغانم ، وتجنب الخسائر ، ولهذا كانت هذه الثقافة العسكرية ، تختلف تماما ، عن الثقافة الاستراتيجية لأوروبا في القرون الوسطي ، التي كان قوامها الحصول علي الأرض ، أو الدفاع عنها ، كما كانت أسلحتها هي السيف ، والقتال المتلاحم ، والقلاع الحصينة .
لكنه يبدو واضحا الآن ، نشوء تناقض بين مكونات الثقافة العسكرية الأمريكية ، وأدواتها ووسائطها ، وبين أهدافها الاستراتيجية علي الجانب الآخر ، لأن النصر المطلق- كما في حالة المغول – لم يكن مطلوبا- لكنه مطلوب الآن ، وغير قابل في الوقت نفسه للتحقق ، ذلك أن النصر المطلق ، ليس كسر إرادة الخصم ، ولكنه ما يمكن أن يبقي عليه الزمن من نتائج ، تماما كما في حالة (هانيبال) الذي حقق نصرا ساطعا في (كان) ، ولكنه سرعان ما دفن تحت أنقاض قرطاجة . عندما لحقت بها الهزيمة ، أو كما في حالة نابليون ، الذي لم يجمع في كل غزواته وانتصاراته المدوية ، ما أمكنه أن يبقي فرنسا نفسها علي عهدها من بعده .
وفي المساحة المشدودة بين الثقافة الاستراتيجية الأمريكية وأدواتها علي جانب ، وبين أهدافها الاستراتيجية علي الجانب الآخر ، ليس هناك عامل واحد يمكن أن ينجب مثل هذا النصر المطلق ، لكن الوسائط العنيفة للبحث عنه ، من الطبيعي أن تنجب ، جبلا من الخراب ، وبحارا من الدم ، وتلالا من الضحايا ، ومن الطبيعي- أيضا- كلما تحول هذا النصر المطلق إلي شبح هارب ، كأنه وجه هاملت الذي يهرب من نفسه في المرآة ، كلما اتسعت محاولات البحث عنه ، في دوائر أوسع وأبعد ، تتسع بدورها لمزيد من جبال الخراب ، وبحار الدم ، وتلال الضحايا.
خامسا لقد أصبح " ماكبث" ملكا بالسيف ، ومات بالسيف أيضا ، لكن مصائر الأمم ، ليست علي شاكلة مصائر الأفراد حكاما أو محكومين ، وما قد يبدو قدريا محضا ، علي مسار التاريخ ، شأنه شأن ما يبدو استثنائيا أو شاذا ، في حياة الأفراد كلاهما يولد من رحم حقيقي ، أو من رحم الحقيقة ، وإن بقي مجهولا.
إن " توينبي " المؤرخ الكبير ، هو الذي تحث عن الخطيئة في التاريخ ، وعلي وجه التحديد ، عن خطيئة القوة ليس بالمعني الأخلاقي ، وإنما معني الحضاري الواسع ، فقد ربط صلة متلازمة بين تراجع الحضارة ، وتقدمها التكنولوجي العسكري ، وبين انهيار أبنيتها المادية والمعنوية ، وبين ارتفاع مكونها العسكري ، ليس فقط لأن تضخم البنية العسكرية ، وتراكم أسلحة الدمار ، يغوي علي استخدامها ، ولكن لأنه- أيضا – يفرض علي الحضارة ، القوانين الذاتية للقوة ، وهي كقوانين رأس المال ، تميل إلي التكثيف ، وإلي التراكم ، وإلي التوسع ، وإلي إضاءة الحواس ، وإطفاء الروح ، ولهذا فإن " توينبي" لا يرى خطيئة " نينوي" في أنه احتل فلسطين بالأساس ، ولكن لأنه لم يبصر ، أن احتلاله لفلسطين ، قد وضعه في مواجهة حتمية مع مصر ، وقد تحولت هذه المواجهة إلي عنصر حاسم في تنشيط عوامل الهدم في بنية إمبراطوريته ، ثم انهيارها.
ولست اعتقد أن خطيئة القوة الأمريكية ، تتلخص في أنها وضعت نفسها ، في مواجهة مع طالبان ، أو مع بن لادن ، أو حتى مع جانب من أفغانستان ، ولكن في أنها وضعت نفسها في مواجهة مع مفهوم جديد- هو الجغرافيا الثقافية – وهو ليس بديلا لمفهوم آخر، هو الجغرافيا الاستراتيجية ، ولكن الأول يكاد أن يحتوي الثاني ، ويكاد الثاني أن يصبح بعض مكونات الأول .
غير أن المدهش حقا أن الاستراتيجيين الأمريكيين هم الذين صاغوا تعبير " ظاهرة الصدى " ، التي تعني بشكل تبسيطي ، أن كل طلقة بندقية تصنع مدى وصدى ، وكذلك كل دانة مدفع ، وقنبلة وعملية عسكرية ، ولكن تعبير الصدى ، قد يبدو رجعا في الفضاء ، ولكنه زلزلة في باطن الأرض ، تخرج جانبا من أثقالها ، بقدر قوته ، وتفتح الباب أمام تغيرات غير محسوبة ، حتى تكاد أن تكون النتائج الجانبية ، لاستخدام القوة أكثرا تأثيرا وحسما ، من نتائج أعمال القتال ذاتها ، ومع اتساع " الجغرافيا الثقافية " ، حدودا وتخوما ، ومع حضورها الآسر في أوضاع الإقليم ، فإن صدى الطلقة الأمريكية ، أبعد مدى ، وتأثيرا من الطلقة نفسها ، لتبقي خطيئة القوة علي حالها ، إنها توقظ بنفسها في البيئة الإقليمية ، كل التناقضات الغافية ، ومعها كل عوامل حصارها ، وانحسارها ، وربما هزيمتها .
سادسا : في كل ما يحدث ، ثمة كسب حقيقي لوحدتين من وحدات الإقليم ، الأولي إسرائيل ، والثانية تركيا ، ذلك أن خلخلة الأوضاع في الإقليم ، والضغوط المتزايدة علي النظام الإقليمي العربي ، حد شرخه وتصدعه ، من شأنه أن يخلق مناخا ، أكثر ملاءمة ، أمام تمدد إسرائيل ، وكذلك تركيا ، سواء أخذ هذا التمدد صيغة مادية أو وظيفية ، كما أن من شأنه أن يخلق بيئة أكثر ملاءمة ، أمام تأثيريهما في أوضاع الإقليم وتوازناته ، فمشكلة إسرائيل ، ومشكلة تركيا معها، تدور حول أزمة ذاتية ، أطلقت عليها ذات مرة ، أزمة المعني ، لأنه لا الدور التركي ولا الدور الإسرائيلي، يستطيع أن يؤثر في الإقليم بالحضارة أو بالثقافة ، أو بالاتساق التاريخي ، كما أنه لا يمكن لأحدهما أن يرث ، حتى من منظور الجغرافيا السياسية ، لا الجغرافيا الاستراتيجية والثقافية ، الدور المركزي المصري في قلب الإقليم ،لأن تأثير أي منهما في أوضاع الإقليم بعمل حاسم ، يستحيل حدوثه ، بغير أدوات القوة المسلحة .
ومن الطبيعي مع اتساع مشروعية استخدام القوة في المنطقة ، أن تتغير حسابات أوزان الأدوار ومعاييرها ، علي قاعدة القوة لا الاتساق التاريخي ، مع بنية المنطقة ونسيجها الحضاري والثقافي والمجتمعي ، بل أن التوسع الإسرائيلي نفسه فوق الأراضي الفلسطينية ، قد يكون أكثر ملاءمة ، لحاجات القوة الأمريكية ، مع الحالة الجديدة لمشروعية الاستعمار ، ولا مشروعية المقاومة ، لأنه يضمن لها قاعدة أكبر وأعمق ، ، ونافذة أوسع علي الجزء الشرقي من البحر المتوسط ، كما أن الدور والوظيفة الإسرائيلية ، يمكن أن يتيحا لها أن تلعب دورا أوسع ، في ضبط التفاعلات الجانبية في حدود الإقليم .
وإذا كان جانب من تأثير التحرك السياسي والدبلوماسي المصري ، خلال العام الأخير ، قد صرف جهده في محاولة إعادة إسرائيل إلي حجمها الطبيعي ، بعد أن أصبح رصيد القوة عندها ، يشكل قاعدة تضخمها ، فإن المناخ الذي يشيعه استخدام القوة العسكرية الأمريكية ، يتيح أمام التضخم الإسرائيلي ، فرصة أكبر للنمو والتأثير والحضور .
وفضلا عن ذلك فإن مشروع السلام في الشرق الأوسط ، قد سقط استراتيجيا ، ودهمت بقاياه ، عاصفة التحولات الاستراتيجية الجديدة ، وفي يقيني فإن كل محاولات دفع النبض في عروق هذا المشروع ، بغض النظر عن قدرتها ، وعن جديتها ، لا تخرج عن محاولة إبقاء جثمانه في حالة سريرية حية ، باستخدام تكنولوجيا الأجهزة الاصطناعية ، في غرف الإنعاش، رغم موته موضوعيا وإكلينيكيا .
سابعا : في ظل أزمة اقتصادية دولية ، أخذت مقدماتها في التكشف والتعمق ، قبل أن تصعد الإدارة الأمريكية الجديدة ، إلي سدة الحكم ، صاغ الأمريكيون تصورا لمواجهة الأزمة ، بدت ملامحه وكأنه بمثابة (مقلوب حرب الخليج) ، وذلك بالاندفاع نحو أشكال من التسويات الناقصة ، كان هما حفظ الأمن وفق مفهوم هذه التسويات وحدودها ، وفي إطار تهدئة إقليمية عامة ، وكان الإلحاح الأمريكي في الأسابيع الأخيرة من إدارة كلينتون ، مجرد تعبير عن المطلوب تحقيقه وهو تسوية بغير سلام ، وتهدئة بغير استقرار ، لكي يتسنى طرد الركود من أسواق المنطقة ، وفتحها أمام دورة رأس مال دولي ، كادت تصاب بالاختناق .
والحقيقة أن إسرائيل نفسها ، هي التي رفضت أن تدفع جانبا ملموسا من تكاليف هذه التهدئة ، وحولتها إلي مأزق حقيقي ، في أيام كلينتون الأخيرة ، قبل أن تعاود الدخول إلي الجيتو الإسرائيلي ، وتشرع في غمر الفلسطينيين بالنيران ، ومع الإدارة الأمريكية الجديدة التي تمثل نخبة القوة في الولايات المتحدة الأمريكية ، تحول مشروع التهدئة أو مقلوب حرب الخليج ، إلي مشروع للتصعيد الأفقي ، وإلي " توسيع حرب الخليج " . ثم جاءت الرياح مع عاصفة الحادي عشر من سبتمبر ، في الولايات المتحدة ، بما تشتهي السفن .
وعندما كان مطلوبا صياغة تحالف دولي جديد، ضد عدو مبهم جديد ، لم تكن الاستجابة هذه المرة ، علي غرار مرة سابقة ، فقد تكلفت الطائرات والدبابات الأمريكية ، التي يقودها الإسرائيليون ، بتحطيم الدفاعات المعنوية للعرب ، قبل تدمير مرتكزات السلطة الفلسطينية والمقاومة الفلسطينية ، ولكن النتائج لم تكن علي غرار ما تصوره ، عبدة أصنام الأمن ، في تل أبيب وفي واشنطن ، عند ذلك ظهرت التصريحات الأمريكية والبريطانية الملطفة عن الدولة الفلسطينية ، علي قاعدة الحاجة إلي بناء تحالف دولي ، في حرب طويلة ممتدة ، وللأسف فقد رأى بعض العرب في هذه التصريحات ، شرار برق يؤذن بالأمطار ، ثم ظلت الصحاري جافة ، دون زخة مطر واحدة .
وعندما تقدم الأوروبيون بمبادرتهم – التي لم تعلن- لحل القضية الفلسطينية ، بدا أن كلمات عمرو موسي ، عن تعرض العرب لعملية نصب سياسي هي الأكثر تعبيرا عن المقام ، أما المبادرة الأوروبية ، التي لا تزال محاولات إقناعنا بها تجري علي قدم وساق ، فبدت أكثر قبحا من كوابيس الأسري في السجون الإسرائيلية .
ولكيلا يكون الكلام مرسلا ، فإن المبادرة الأوروبية الجديدة ، تضم في صلبها البنود التالية :
1. إقامة دويلة فلسطينية ، منزوعة السلاح في قطاع غزة ، بعد إخلائه من المستوطنات الإسرائيلية ، مضافا إليه المنطقة " أ" في الضفة الغربية ، التي سلمت من قبل للسلطة الفلسطينية ( أي دون التزام إسرائيلي ، بإخلاء أي من المستوطنات في المناطق " أ" أو " ب" أو " ج" ، ومع بقاء قواتها وسلطتها علي المنطقتين الأخيرتين ، وباقي مساحة الضفة الغربية ) .
2. التزام السلطة الفلسطينية ،بوقف أعمال القوة المسلحة ضد إسرائيل ، في كافة مناطق الدويلة الجديدة ، وبعدم التحريض علي العنف في المناطق الواقعة تحت سيطرة إسرائيل ، في الضفة الغربية ، وكذلك داخل الخط الأخضر .
3. دفع تعاون اقتصادي " واسع النطاق" بين الدويلة الفلسطينية وإسرائيل والأردن ، بما يخدم مصالحهم التبادلية .
4. تأجيل مفاوضات القدس ، واللاجئين ، وحق العودة ، والحدود النهائية للدولة الفلسطينية ، لفترة تمتد من عامين إلي ثلاثة أعوام يتم خلالها بناء الثقة ، ودعم علاقات التعاون المتبادل .
وباختصار ، فإن ثمن التهدئة في هذه المرة ، رغم عدم وجود توقيع أمريكي عليها ، أقل من أي ثمن تم عرضه ، في أي مرحلة سابقة لكنه عندما قدمت اعتراضات عربية ، علي بنود هذه المبادرة ، وقصورها عن تحقيق الحدود الدنيا من الحقوق الفلسطينية ، حسم المسئولون الأمريكيون الأمر ، بسلسلة من التصريحات المدوية ، عن عدم وجود أي رابط بين حل القضية الفلسطينية ، والتقدم في الحرب الدموية ضد هذا العدو المبهم ، الذي يطلق عليه مجازا ، اسم الإرهاب ، أما شارون الذي قال أنه سيتفاوض بنفسه ، فقد اعتبر المبادرة الأوروبية ، الناقصة والمختلة ، مجرد بنود استرشادية يمكن وضعها علي مائدة المفاوضات .
ثامنا : لقد بذلت جهدا ووقتا لأحاول فهم تصريح متأخر لوزير مصري قال فيه : " أن مصر والولايات المتحدة تتفقان غالبا وتختلفان أحيانا " ، ولقد بحثت بجد ومثابرة فوق خطوط العلاقة الممتدة من هنا إلي هناك ، ومن هناك إلي هنا ، لأجد مساحة الاتفاق الغالب ، لكنني فشلت في العثور علي أثر واضح لها .
إذا كان الأمر ، أمر مساعدات اقتصادية ، فإن 250مليون دولار أقرتها إدارة كلينتون ، وأضافت إليها إدارة بوش 50 مليونا إضافية ، لم يصل منها إلي مصر دولار واحد ، بل أن إجمالي استحقاقات مصر المتأخرة من هذه المعونة ، قد وصل مع بقاياها من العام المنصرم ، إلي مبلغ إجمالي تجاوز المليار دولار .
وإذا كان الأمر ، أمر مساعدات عسكرية ، فيكفي التدليل علي ما يحيط بها ، أن الولايات المتحدة رفضت طلبا مصريا ، لحصولها علي صواريخ باتريوت ، بينما استجابت لطلب قطري ، لإمدادها بهذه الصواريخ .
وإذا كان الأمر ، أمر مساعدات تكنولوجية ، فإنه يمكن الجزم بأن مصر لم تتلق ، قوة دفع أمريكية ، مهما كانت محدودة ، في مجالات التصنيع و التكنولوجيا الرئيسية ، سواء كان الأمر متعلقا بإنتاج آلات المصانع ، أو بإنتاج المحركات ، أو بصناعة البرمجيات ، أو الصناعات الكهربائية والإلكترونية الدقيقة ، وهي أربعة محاور أساسية ، تشكل قاعدة أي تقدم صناعي حقيقي ، بل أن وعدا تلقاه الرئيس السادات من الرئيس كارتر ، قبل أكثر من ربع قرن ، بأن تدفع الولايات المتحدة إمكاناتها الكبيرة في مجالات الاستشعار والمسح ، لتضاعف إمكانية إنتاج البترول المصري ، إلي مليوني برميل ، لا يزال معلقا حتي هذه اللحظة ، وما زال الإنتاج المصري ، عند سقفه الذي لا يتجاوز 800 ألف برميل .
وإذا كان الأمر ، أمر دور مصر الإقليمي ، الموصول بالنظام الإقليمي العربي ، فإن الولايات المتحدة لم تخف ضيقها المتزايد ، كلما نضجت خطوة اقتصادية مؤثرة ، في التعاون الإقليمي ، داخل الدائرة العربية ، إضافة إلي التحركات السياسية للولايات المتحدة ، فوق تخوم المنطقة ، سواء في الجنوب أو الشرق ، تساهم عمليا ، في إعاقة الدور الإقليمي المصري ، وفي تكبيله وإضعافه .
وباختصار ، فإن العلاقة المصرية الأمريكية ، تحتاج إلي كشف حساب جديد ، حتى لا تبدو مصر ، وكأنها تتقدم بطاقة أمريكية ، وتأكل من علي الموائد الأمريكية ، وتقوى بأسلحة أمريكية ، بينما لا يشكل ذلك كله في الحقيقة ، إلا إيهاما ووهما ، بحسابات التكلفة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ، التي تفرضها موازين هذه العلاقة ، لأن علي الولايات المتحدة ، أن تفهم أن حاجاتها إلي مصر ، أكبر من حاجة مصر إليها .
في غمار هذه التحولات الاستراتيجية الفريدة ، فإن أهم أسلحة مصر ، هي تشبثها بصخرة وحدتها الوطنية ، لقد كتب ذلك أكثر من مرة ، ولكنني لم أقصد أناشيد الوحدة الوطنية في المذياع ، أو في بعض مؤتمرات الصحف والأحزاب ، وإنما قصدت روحها البناءة ، القادرة علي صياغة مشروع وطني ، تتطلبه مرحلة جديدة في العمل الوطني ، وفي الأوضاع الإقليمية والدولية ، وهو مشروع يتطلب جهدا مصريا جماعيا ، لبناء مفرداته ، وكأنه الخندق الأخير ، للدفاع عن الدولة المصرية ، والوظيفة الإقليمية ، والمصير الوطني .
ذات يوم كتب (آينشتاين) يقول : " إن المعضلات التي تواجهنا ، لا يمكن حلها من نفس مستوي الأفكار التي صنعتها" ، ويقيني أن هذه الحكومة لا تزال تتغذي علي نفس الأفكار ، التي دفعت الأزمة ، إلي حدود الخطر !

12/11/2001

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :