الخيال الأمريكي انتقل من دور السينما إلى الأرض     



استراتيجية قديمة هي دافع الحرب الأمريكية الوشيكة ... وليس ضرب الإرهاب

بقلم : أحمد عز الدين

أهو قدر أمريكي ، أن تتحول أكثر الأفلام الأمريكية ، إثارة وجموحا من الخيال ، إلي وقائع حية تتنفس علي الأرض جموحا أكبر ، وإثارة أشد ، أم أن ما يظهر أنه مجرد مصادفة قدرية في دراما السينما الأمريكية ، لا يخلو من قصد عامد إلي التأثير في دراما الحياة الأمريكية ، لتتم تهيئة المسرح لأحداث متفجرة مصنوعة بعينها ، قبيل ارتطامها بحائط الانفجار؟
قبل أن تصل قضية المتدربة السابقة في البيت الأبيض (مونيكا) ، إلي ذروتها الميللودرامية المعروفة ، كانت دور العرض السينمائي ، في الولايات المتحدة الأمريكية ، مشحونة بجمهور ضخم استولي عليه فيلم مثير اسمه (ذيل الكلب) ، يتحدث عن فضيحة رئيس أمريكي في قضية نسائية مشابهة ، تحكم حلقاتها حوله ليكون سبيله العملي لإزاحتها والتخلص منها ، هو إشعال حرب واسعة عبر المحيطات .
وعندما وقف وزير الدفاع الأمريكي آنذاك ( وليام كوهين ) ليحدد خريطة الهجمات الأمريكية بالصواريخ ، علي ما اسماه معاقل الإرهاب ، في أفغانستان والسودان ، بعد ساعات من خطاب للرئيس كلينتون ، اعترف فيها اعترافا جارحا بالضعف الإنساني في علاقته النسائية ، طالبا الغفران من الأسرة والكنيسة ، كان أحد الصحفيين الأمريكيين هو الذي وقف طالبا من وزير الدفاع الأمريكي ، علي رؤوس الأشهاد ، أن يكلف نفسه عناء الذهاب إلي أقرب سينما ، لمشاهدة فيلم (ذيل الكلب) لكي يكتشف بنفسه ، أن ما حدث في الواقع ، هو تكرار حرفي لسيناريو الفيلم ، متسائلا عن جسور تلك الصلة الغريبة ، بين الخيال السينمائي والواقع الأمريكي .
غير أنه هذه المرة لم يجد مسئول أمريكي واحد في أي مؤتمر صحفي ، صحفيا أمريكيا آخر ، يطلب منه أن يذهب ليشاهد فيلما أمريكيا آخر ، استقطب جمهورا أمريكيا أوسع ، وهو فيلم " الحصار " ، ربما لأن عرضه قد انتهي في دور السينما قبل عامين ، إذ أن الفيلم لم يكن أكثر من سيناريو مرعب ومثير يتضمن قيام مجموعة ، من إرهابيي الشرق الأوسط ، ببث قنابل شديدة الانفجار ، في أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية ، تتسبب في إحداث دمار هائل ، وخسائر فاجعة ، مما يدفع الحكومة الأمريكية إلي إعلان الحرب ، واعتقال جميع من تمتد جذورهم إلي الشرق الأوسط ، والزج بهم في سجن كبير ، كأنه ولاية أمريكية إضافية .
ولهذا فإن هذا المجتمع الأمريكي ، الذي تمارس فيه الصورة المتحركة ، دورا هائلا في بناء المفاهيم الأساسية ، وخلق اتجاهات الرأي العام ، لم يكن مدهشا أن تؤكد استطلاعات الرأي العام التي قامت بها شبكات الإعلام الأمريكي المختلفة ، في أعقاب القصف الصاروخي للسودان وأفغانستان ، أن 80% من الأمريكيين قد أعطوا تأييدهم كاملا لهذا الهجوم الأمريكي بالصواريخ ، فوق خريطة الشرق الأوسط ، كذلك ليس مدهشا هذه المرة ، أن ترتفع نسبة المؤيدين للهجوم العسكري الأمريك في استطلاعات الرأي العام إلي 90% ، وقبل أن تظهر نتائج التحقيق ، أو يبدأ الهجوم العسكري .

▲▲▲

إن المفارقة الكبيرة بين مشاهد السيناريو السابق ، لوقائع الهجوم الأمريكي الأول ، تؤكد وحدها قابليته للتكرار ، إذ أن جميع التقارير والدراسات برهنت بعد ذلك علي أن قرار توجيه ضربتين صاروخيتين إلي السودان وأفغانستان ، قد أتخذ بعد خمسة أيام فقط من وقوع عملية تفجير السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام ، ( وبالتحديد يوم 12 أغسطس 1998 ، بينما وقع الانفجاران في اليوم السابع من الشهر نفسه ) ، ورغم أنه أصبح من الثابت –أيضا- وفق هذه التقارير ، أن جورج تينيت رئيس المخابرات المركزية الأمريكية ، قد وقف أمام الرئيس الأمريكي ، بعد يومين من اتخاذ قرار الهجوم ، ( يوم 14 أغسطس تحديدا ) ، وقال في تقريره له : إن مسئولية التفجيرين تنتهي بين يدي بن لادن ، بينما كان رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي ما زال يؤكد للرئيس أن الوصول إلي نتائج واضحة ، تتمخض عنها التحقيقات ، سيحتاج إلي بضعة شهور ، مع العلم بأن تقرير المخابرات الأمريكية الذي ربط بين التفجيرين وبين بن لادن ، كان مستندا بشكل كامل ، إلي معلومات سابقة ، علي تفجير السفارتين بستة أسابيع كاملة ، فقد تسربت كما أكدت (دير شبيجل) الألمانية بعد ذلك ، إلي المخابرات المركزية الأمريكية ، أخبار عن اجتماع عقده أسامة بن لادن ، مع قيادات تنظيم القاعدة ، في قندهار جنوب أفغانستان ، وتضمن الاجتماع مناقشة توجيه ضربة ما إلي المصالح الأمريكية ، ولما كانت الضربة قد وقعت ، والسفارتان قد دمرتا ، فقد تحولت الإشارة الغامضة عن الاجتماع ومادته إلي دليل قاطع علي أن بن لادن هو الذي قام بعمليتي التفجير ، غير أن الأهم من ذلك أن القرار الاستراتيجي بتوجيه ضربة صاروخية إلي السودان وأفغانستان ، كان سابقا علي توفر أدلة ثابتة ، من خلال التحقيقات ، تفيد وجود تلك الرابطة بينهما ، وبين عملية التفجير ، فقد أتخذ القرار ، ثم بدأت رحلة البحث عن القرائن والأدلة ، لتأكيد صحة الاتهام ، ولما لم ينجب التحقيق أدلة دامغة ، لم يكن بمقدور قرار التنفيذ أن ينتظر ، فاندفع صوب أهدافه المعلنة ، حيث جري قصف السودان وأفغانستان بحوالي 100 صاروخ بلوك 3 ، الذي كان بمثابة تطوير جديد للصاروخ توما هوك ، تتم تجربته للمرة الأولي في مسرح عمليات حقيقي ، وكانت النتيجة تدمير مصنع أدوية في السودان ، تدميرا إبداعيا حسب التعبير الأمريكي ، وإن كان هذا التدمير الإبداعي ، لم يمنع من تدمير مصنع للحلاوة الطحينية مجاور له ، وإلحاق أضرار بعدد 7 مواقع في أفغانستان ، وإن كانت هذه الأضرار لم تلحق بشخص بن لادن الذي استهدفه القصف ، حيث قيل مرة تبريرا لذلك ، أنه أغلق هاتفه المحمول ، وقيل مرة أخري ، إن الجواسيس الأمريكيين في أفغانستان ، هم الذين أغلقوا أجهزة إرسالهم بعد أن تم كشف اللعبة فلم تتوجه الصواريخ إلي أهدافها بدقة .

▲▲▲
ماذا أريد أن أقول من كل ما سبق ؟
أريد أن أقول – أولا – إننا أمام مجتمع أمريكي ، تم تجهيزه وشحنه مسبقا حتى علي مستوي الدراما ، بأن العرب والمسلمين ، هم أصل الشر ومنبت الإرهاب ، وأريد أن أقول –ثانيا – إن القرار الاستراتيجي بتوجيه ضربة عسكرية إلي عدو مبهم ، أسمه الإرهاب ، قد تم اتخاذه بالفعل ، وقبل أن تظهر نتائج التحقيقات أدلة قاطعة تسمح بتوجيه الاتهام ، وأن ما يحدث هو تكرار لما حدث في مرة سابقة ، حيث تم توجيه الاتهام ، وتحديد الجاني ، ثم تم توجيه التحقيقات في اتجاه جمع الأدلة علي صحته ، وأريد أن أقول –ثالثا- إن وضع القرار الاستراتيجي العسكري موضع التنفيذ ، لن ينتظر بلورة نتائج نهائية للتحقيقات ، فإطلاق النار سوف يسبق النتائج والأدلة ، وأريد أن أقول –رابعا- إن الضربة العسكرية الأمريكية ،لن تتوقف هذه المرة ، كسابقتها عند حدود أفغانستان ، وأنها ستتسع لتشمل حدودا أخري ، ودولا أخري ، مثلما أدخلت الضربة السابقة ، السودان بشبهات كاذبة لا علاقة لها بالتفجيرات ، عن وجود مصنع لإنتاج مواد كيماوية ، ثم ثبت بالتحقيق بعد ذلك ، أنه لم يكن ينتج سوي مضادات حيوية ، لمكافحة أوبئة أفريقية ، وأريد أن أقول –خامسا- إن حجم الضربة التي تعرضت لها الولايات المتحدة ، ودرجة الضغوط الداخلية التي تترتب عليها ، إضافة إلي إحساس عميق بالخيبة والمهانة ، والكرامة المبعثرة ، تدخل جميعها عوامل في تحديد طبيعة هذه الضربة ، من حيث السرعة والقوة والاتساع ، والحصول علي نتائج تبدو كبيرة ومباشرة ، إضافة إلي القابلية للتكرار .
لكن هذا كله في الحقيقة لا يمثل إلا نتائج أولية لتحول كيفي كبير ، تسعي الولايات المتحدة الأمريكية إلي فرض شروطه في الواقع الدولي عامة ، والإقليمي خاصة ، ليس للبرهنة فقط علي أنها ما تزال تحتل موقع القيادة المنفردة للعالم ، ولا علي أنها المؤهلة وحدها ، لكي تنتزع النصر النهائي له ، ولكن لاستغلال المناخ الدولي الراهن ، سواء لإلحاق أضرار شديدة بخصومها ، أو تحقيق جانب كبير من أهداف استراتيجيتها الكونية .
والحقيقة أن تحديد ملامح هذا التحول الكيفي الكبير ، الذي تسعي الولايات المتحدة لخلق شروطه في الواقع ، تتبدي أهميته مضاعفة الآن خاصة لاستبيان آثاره ونتائجه في أوضاع الإقليم ، لأنه يمكن الجزم بأن هذه الآثار لن تكون عابرة ، ولن تكون مؤقتة ، لكن تحقيق ذلك تكتنفه صعوبات شديدة ، بحكم أننا أمام حالة أمريكية ، ما تزال سائلة وملتهبة ، وأمام محاولة مرتبكة ، لتصفية عدو ما يزال غريبا ومبهما ، وأمام محيط دولي تتبدي في وحدته الطارئة تحت تأثير الصدمة ، تناقضات أكثر عمقا ، فضلا عن الطبيعة المزدوجة لهذه الحرب الأمريكية الجديدة المعلنة ، والتي تستهدف ( كما حدد باول ) تمزيق الشبكة المسئولة عن الهجوم الذي تعرضت له أمريكا ، ثم اقتلاع جذور الإرهاب في العالم أجمع ، علما بأن التمزيق والاقتلاع سوف يتمان بوسائل عسكرية مباشرة .
▲▲▲

أتصور أنه لا سبيل إلي الوصول إلي استطلاع أولي ، لبعض النتائج والآثار التي ستلحق بالأوضاع الدولية والإقليمية ، من جراء الحرب الأمريكية الجديدة ، التي سيقع فاصلها الافتتاحي ، علي مرمي أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، سوي البدء من مركز الانفجار الكبير الذي حدث داخل الولايات المتحدة ، وأتصور أيضا أن أهم ما يستحق التوقف عند حافة مركز هذا الانفجار ، هو ظاهرة ذات وجهين متقابلين واضحين:
• الأول : تلك الطفرة الهائلة المباغتة في بنية الإرهاب ، التي عكسها أداء ونتائج الهجوم الانتحاري .
• الثاني : تلك الصدمة المروعة ، التي عكسها انهيار مراكز القيادة والسيطرة ، سياسيا ، وعسكريا ، وأمنيا ، لعدة ساعات في الولايات المتحدة الأمريكية .
ولقد بدا كلا الأمرين وكأنه ينطوي علي مفاجأة كبيرة ، غير محسوبة ، وغير متوقعة ، ولهذا فإن السؤال الذي أخذ يتكرر وبصيغ مختلفة هو : أي الوجهين السابقين كان نتيجة للآخر ، وأيهما كان سببا له ؟ ، مع أن السؤال قد وضع في غير مكانه الصحيح ، لأننا إما أن ننتهي إلي تفسير ضعف الثاني بقوة الأول ، أو ننتهي إلي تفسير قوة الأول بضعف الثاني ، مع أن العلاقة بينهما تشتبك في مساحة أوسع وأعمق من لحظة المواجهة .
لماذا ؟ لأن الولايات المتحدة الأمريكية هي المسئولة عن توحش ظاهرة الإرهاب ، وإفراز صورة بالغة التطور منها ، ليس بالمعني الذي يتم تداوله الآن ، أي بسبب سلوكها علي المستوي الدولي ، الذي تميز بالغطرسة ، والأنانية ، وفقدان العدالة ، والإكراه السياسي والاقتصادي والاجتماعي ، مع أن ذلك كله يتسم بالصحة ، وإنما لسبب آخر تماما يتعلق بطبيعة أدوات تلك الاستراتيجية العسكرية الأمريكية ، التي كانت حرب الخليج ، ثم حرب البلقان ، أكثر صورها وفصولها ، وضوحا وتداولا ، بمعني أن ملامح هذه الاستراتيجية الأمريكية ، وأدواتها ، هي التي أفرزت هذه الصورة المتطورة من الإرهاب ، وأكسبت بنيتها الذاتية ، تلك الطفرة الهائلة ، التي مكنتها من أن تلعب في سماء أمريكا المفتوحة ، مباراة دموية من طرف واحد .
لقد سبق قبل ثلاث سنوات أن أطلقت علي أبعاد هذا التحول في الاستراتيجية الأمريكية ، تعبيرا لمفكر صيني قديم هو : " استراتيجية ضرب البيض بالأحجار " ، وضمنته كتابا صدر لي مؤخر ( قبل أن يستعيره في الأسبوع قبل الماضي أحد رؤساء التحرير عنوانا لاستراتيجية أخري ) لكن الأهم أن أوضح محددات هذه الاستراتيجية الأمريكية ، التي فرضت علي الإرهاب تطويره وطفرته الجديدة ، يمكن رصدها بالتوقف عند المحطات التالية :
أولا : علي امتداد التطور الإنساني ظل توسيع مسافة الرمي والقتل ، يمثل عبئا علي قيم الإنسانية ، وإذا كان شكسبير –مثلا- اعتبر الأسلحة النارية من اختراع الشيطان فإن (الإلياذة) التي يقول الغرب إنه ورثها مع الحضارة الإغريقية التي تشكل واحدا من ثلاثة مصادر لمنظومته الفكرية والحضارية ، تصف (باريس) الذي اختطف (هيلين) وقتل (أخيل) بأنه ضعيف وامرأة ، لأنه كان يستخدم القوس من بعيد ، و لا يستخدم السيف كالفرسان ، لكن الثابت مع ذلك أن التطوير لم يلحق بقوة النيران ، وإنما لحق أيضا بمسافة الرمي ، مثلما انتهي قبل سنوات قليلة تقرير لمعهد دراسات الشرق الأوسط في واشنطن ، من أنه " أمام تزايد المقاومة في الشمال أو الغرب ، للخسائر البشرية التي يمكن أن تترتب علي اخضاع الجنوب بالقوة ، فإن الخيار الوحيد عسكريا أما الشمال ، هو استخدام القصف من الفضاء لأنه يمثل قدرة جديدة علي العقاب ، دون إلحاق خسائر بشرية بالغرب" ، ولهذا فإن الولايات المتحدة الأمريكية ، لإيصال نسبة خسائرها البشرية في المواجهات العسكرية ، إلي ما يقرب من درجة الصفر ، عمدت إلي تطوير أهم أدواتها العسكرية ، نحو القصف من الفضاء ، أي توسيع مدي الرمي ، ولم تجرب الولايات المتحدة الصاروخ (توماهوك) في مسرح عمليات فعلي ، قبل عملية عاصفة الصحراء ، 282 صاروخا رغم هذا الصاروخ قد صمم أصلا ليؤدي دورا في منظومة الردع الاستراتيجي ضد الاتحاد السوفيتي السابق ، لكن وزارة الدفاع الأمريكية وجدت فيه بعد حرب الخليج ، ضالتها المنشودة ، فحولته إلي سلاح أساسي للردع الفورى والممتد ، وترتب علي ذلك أن قامت الولايات المتحدة بتطوير الصاروخ ، وتزويده بنظام اكتشاف حراري ، وبإمكانية أضافية لإعادة برمجته علي إحداثيات الهدف أثناء الطيران ، ثم قامت في غضون ذلك بوضع خطة لإنتاج 2830صاروخا تمثل جيلا جديدا منه تحت أسماء بلوك 2 وبلوك 3 ، وأضافته إلي تسليح 90 سفينة حربية ومائة غواصة نووية .
وفي المحصلة النهائية فقد أصبح اتجاه القصف من الفضاء لمنع الخسائر البشرية التي لا يتحملها المجتمع الأمريكي هو الأكثر بروزا في أدوات الاستراتيجية الأمريكية ، ومع تطوير تكنولوجيا الحرب فقد ساعد ذلك علي زيادة الخسائر البشرية التي يتكبدها الطرف الآخر .
ثانيا: لقد ترتب علي ذلك في العمليات العسكرية ، التي اعتمدت أساسا علي مبدأ القصف من الفضاء ، ليس فقط تكثيف القوة ومصادر النيران وتعزيز المباغتة ، وزيادة الخسائر البشرية للخصم ، وإنما ترتب عليه في المستوي العملي تداخل شديد بين ما هو مدني ، وما هو عسكري ، فالقصف المكثف من الفضاء ، واتساع مصادر القوة ، قد أدي عمليا إلي تحميل الجانب المدني في الدولة المتعرضة للهجوم لخسائر بشرية ومادية كبيرة ، خارج القطاع العسكري ، وبالتالي بدا أن مواثيق الحروب التي جاهدت الإنسانية قرونا طويلة لكي تخلق من خلالها ، نوعا من أنسنة الحرب في طريقها إلي الأفول ، مما يعني العودة إلي الحدود ، التي كانت عليها الحروب قبل ثلاثة قرون ونصف قرن ، عندما كانت المسافات غير قائمة بين الحكومات والشعوب ، والمدني والعسكري .
ساعد علي زيادة تاثير ذلك تطور تكنولوجيا السلاح الذي جعل الخروج علي القوانين ، التي كابدت الإنسانية طويلا لصياغتها واعتمادها ، أشد أذي وأوسع تدميرا ، فقبل مائة عام فقط ، كانت أكثر قدرات المدفعية البحرية تطورا في قوة النيران ومسافة الرمي ، لا تزيد علي إطلاق قذيفة تزن طنا واحدا لمسافة لا تزيد علي 15 ميلا.
ثالثا: في إطار ذلك أعاد الأمريكيون توصيف القوة ، وأعادوها إلي معناها الاصطلاحي في أوج الظاهرة الاستعمارية أي القوة العسكرية المطلقة ، كما كادت المسافة بين تعبيري القوة والحقيقة أن تتلاشي ، فقد أصبحت الحقيقة هي القوة ، والقوة المطلقة هي الحقيقة المطلقة ، التي تعتبر نفسها مطلقة الإرادة ، مطلقة الحق ، وأنها مرجعية نفسها ، باعتبارها- وليس الليبرالية كما قال فوكوياما- الكلمة الأخيرة في تاريخ البشرية ، ولقد نما هذا التحول ، علي قاعدة من إعادة بناء مفهوم الأمن من الأمن النسبي أو توازن الأمن ، إلي مفهوم جديد ، هو الأمن المطلق ، وأمام هذا الأمن المطلق ، لم يعد الآخر بنزعته الاستعلائية المحصنة بالقوة يعبأ ، لا بضيق السلطات المحلية ، ولا بغضب الشعوب ، ولا بإضافة مزيد من الاجهاد إلي أنظمة يعصف بها الإجهاد ، كما أنه علي المستوي العملي ، لم يعد يتوقف أمام حجم التدمير ، أو نزيف الدم ، طالما بقيت بنيته المادية والبشرية يالأساس معزولة عن ميدان المعارك المفتوحة في الجنوب ، وطالما بقي جنوده في منجي من الخسائر المؤثرة ، ولذلك فإن مفهوم الجنوب في فقه هذا التحول ذاته ، لم يعد معطى جغرافيا ، وإنما معطى حضاريا ، فالجنوب علي وجه التحديد ما ليس شمالا ، والشرق ما ليس غربا ،( ولهذا تتم معاملة إسرائيل علي أنها الشمال في الجنوب ، أو الغرب في الشرق )
رابعا : علي الجانب العملي أو العملياتي ، فقد تم إسناد الاعمدة الثلاثة السابقة ، إلي جغرافيا الجنوب ، وإلي جغرافيا الشرق الأوسط تحديدا ، فالأغلب الأعم ، من العمليات العسكرية ، التي نفذتها القوات الأمريكية ، خلال الحقبة الأخيرة والسابقة ، تمت في دائرة استراتيجية واحدة ، هي الشرق الأوسط بتخومه الآسيوية والإفريقية ، وباستثناء حرب البلقان ، فإن جميع الوحدات التي طالها التدخل بالقوة العسكرية ، كانت عربية وإسلامية ( هجمة طرابلس – عاصفة الصحراء – ثعلب الصحراء – تداعيات ما بعد العاصفة والثعلب – التدخل بقوة في الصومال – قصف السودان – وحتى الهجوم علي أفغانستان في سبتمبر 1997 كان هدفه المعلن ضرب الأفغان العرب ) ، في الوقت الذي لم تكف فيه الماكينة الفكرية والبحثية الاستراتيجية في الولايات المتحدة ، عن وضع الشرق الأوسط وتخومه الآسيوية والإفريقية في قلب اهتمامتها ، ومسارح عملياتها المستقبلية ، بدءا من أطروحات "هنتيجتون" عن الحدود الدامية للإسلام ، والصدام الحضاري القادم بين الحضارة الغربية ، وبين خط التفاعل أو التلاحم ، بين الحضارة العربية الإسلامية ، والحضارة الآسيوية ، وانتهاءا بأكوام من الدراسات تعكس ما يمثله الشرق الأوسط من تحديات مستجدة في القرن الجديد ، علي شاكلة دراسة (شارلز وليام ) : الشرق الأوسط في القرن الواحد والعشرين ، والتي رأت أن التحولات السكانية في الشرق الأوسط ، في أفقها المنظور ستغير تاريخ المنطقة ، وستمثل أحد أهم تحولات التاريخ الضخمة ، وأكبر تحد للوضع الأمريكي فيه ، خلال القرن الجديد.
▲▲▲
لماذا –إذن- أقول أن هذه التطورات في ملامح وأدوات الاستراتيجية العسكرية الأمريكية ، هي التي حددت ملامح طبيعة التطور في بنية الإرهاب ، وهي التي أكسبته تلك الطفرة الهائلة التي سمحت له أن يلعب في سماء أمريكا مباراة دموية من طرف واحد ، لأن هناك علي وجه العموم ، لكل ظاهرة واسعة في الحياة ظلا آخر ، قد يكون نقيضها أو وجهها الآخر الذي تتحرك آلياته الذاتية للتكيف مع منطقها وآليات عملها ، لأنه يتغذى عليها، ويعمل تحت شروطها ، وفي هذا السياق يمكن التوقف أمام النتائج التالية :
أولا لقد ترتب علي طبيعة ميادين المعارك التي فرضتها أمريكا ، واستخدمت فيها تكنولوجيا متطورة الرمي من بعيد ، قيود جبرية للفجوة التكنولوجية الواسعة ، بتلقي الضربات في صمت ، وتحمل الخسائر البشرية والمادية في سكون ، اللهم إلا مع إبداء بعض مظاهر المقاومة ، التي لا تدفع دمارا يتساقط من السماء ، موجها كأنه المقادير ، فضلا عن أن تتوافر أية فرصة ، لإبداء رد فعل عسكري مضاد ومؤثر .
ولهذا كان منطقيا أن تستند مادة التفكير الأولي ، لإلحاق خسائر مؤثرة ، إلي مبدأ نقل المواجهة إلي أرض الآخر ، لكي يمكن الخروج من قيود ميدان المعركة المفروضة ، وتتاح فرصة فرض قواعد جديدة ، يتيحها هذا الميدان .
ثانيا: لقد ترتب علي استخدام تكنولوجيا الرمي من بعيد ، والقصف من الفضاء ، مع تكثيف القوة ، وتعظيم مصادر النيران ، أي علي توسيع مسافة الرمي بالدرجة الأولي ، أن يتحول التفكير علي الجانب الآخر ، إلي قناعة بأنه لا سبيل إلي تكثيف القوة ، وزيادة درجة التدمير ، سوي بتقليل مسافة الرمي ، أو علي وجه أصح بإزالتها كليا ، أي لكي تتوافر أقصي درجات التدمير وتكثيف القوة ، فإنه لا بديل عن الالتصاق بالخصم ، وتحميل قوة التدمير علي أدوات بشرية ، تقوم بنفس المهمة ، التوصيل والتفجير ، وإذا كانت أهداف التدمير المنتخبة ، بحكم حجمها وقوتها ، تحتاج إلي قوة صدمة كبيرة بالنيران ، فقد تم تحويل الطائرة المدنية إلي ما يشبه صارخ أرض/ أرض ، بتوجيه بشري مباشر ، اعتمادا علي قوة اندفاع الطائرة ، وشحنة وقودها ، ولهذا لم يكن من قبيل المصادفة اختيار طائرات من طراز بوينج 767 و 747 ، فإحداهما تزن 180 طنا وتحمل 30طنا من الوقود ، والأخري تزن 250 طنا وتحمل 45 طنا من الوقود ، بينما تصل قوة الصدمة في الحالتين إلي حوالي 400 كم/ساعة .
ثالثا: ترتب علي هذا المبدأ نفسه ، استخدام تكنولوجيا الرمي من بعيد ، لمنع الخسائر البشرية كليا ، بروز نقطة الضعف الشديدة في المكون الأمريكي ، من عدم القدرة علي تحمل أية خسائر بشرية ، ولهذا اتجه التفكير المضاد ، إلي دائرة محددة هي السعي إلي استغلال هذه النقطة الأكثر ضعفا وأشد إيلاما ، وأوضح تأثيرا ، بإحداث أكبر قدر من الخسائر البشرية .
ولهذا لا أعتقد أن التوجه نحو تفجير مبنيي مركز التجارة العالمي ، كان ينطوي علي هدف رمزي ، باعتبارهما يمثلان عظمة أمريكا ، أو قلب قوتها الاقتصادية ، وإنما كان ينطوي علي هدف عملي بإحداث أكبر قدر من الخسائر البشرية ، بحكم أعداد العاملين والمترددين عليهما .
وحتى اختيار مبني البنتاجون لم يكن ينطوي علي مثل هذا الهدف الرمزي وحده ، لأن الصدمة الطائرة ، اختارت أن تدمر علي وجه التخصيص والتحديد ، جزءا منه يتركز فيه مركز القيادة والسيطرة ، وعمليات الحاسب الآلي ، والمخابرات للقوات المسلحة العاملة في أمريكا وفيما وراء البحار ، أي أنها اختارت أن تدمر مركز الجهاز العصبي للجيش الأمريكي ، وهو ما ادي فعليا إلي حالة تشبه الشلل الميداني العام ، ريثما تم افتتاح مركز قيادة تبادلي بديل.
وتحت تأثير هذه الصدمة يمكن تفسير حالة الفزع والارتباك ، التي سادت الولايات المتحدة الأمريكية ، والتي وصلت في لحظة العودة إلي الوعي إلي إخلاء 800 مبني حكومي ، ونشر 372 كتيبة شرطة ، ولواء حرس وطني يتكون من 3000 جندي ، في مدينة نيويورك وحدها .
رابعا : لقد ترتب علي الاعتماد الكامل للولايات المتحدة علي تكنولوجيا التجسس الإلكتروني ، بالأقمار الصناعية وقرون الاستشعار عن بعد ، ضمور شديد في التجسس وأعمال المخابرات ، اعتمادا علي الوسائل التقليدية .
والحقيقة أن الولايات المتحدة ظلت مبهورة ، بأن أقمارها الصناعية ، تستطيع أن تلتقط من الفضاء أرقام سيارة ، تعبر فوق أحد الجسور في الشرق الأوسط ، ولم تتعلم من الدرس ، بعد حادث النسف المتزامن لسفارتيها في إفرقيا .
لقد كان واحد من أهم خبراء المخابرات الفرنسية هو الذي استخلص الدروس من حادث تفجير السفارتين الأمريكيتين ، وكان أهم هذه الدروس هو فشل تكنولوجيا التجسس ، وأدوات الاستشعار عن بعد ، في رصد مصادر التهديد ونمو المخاطر ، وهو درس يفرض علي حد تعبيره ، العودة إلي الاعتماد علي الحواس البشرية المباشرة ، ، أو وسائط التجسس التقليدية ، لماذا؟ لأنه كلما تقدمت وتعقدت تكنولوجيا التجسس ، أصبح تضليلها والتمويه عليها أكثر سهولة ، علي شاكلة درس الهند ، في إخفاء تفجيرها النووي الأخير ، حيث لجأت إلى وسائل إخفاء وتمويه بالغة البساطة ، لتعمية أقمار التجسس الأمريكية ، وأثبتت نجاحها في ذلك علي نحو عملي .
وهكذا فإن بروز الاعتماد علي أجهزة التجسس الإلكترونية ، وقرون الاستشعار عن بعد ، قد أدي بدوره إلي تطوير تكنولوجيا بسيطة وفعالة للتمويه والتضليل والإخفاء ، وبالاعتماد المباشر علي العنصر البشري ، وقد أثبتت نجاحها بدورها .
▲▲▲
إن الهدف الأمريكي المعلن في دائرة هذه الحرب ، التي دق طبولها ، سواء من حيث توجيه الاتهام إلي بن لادن ، أو من حيث طبيعة التسهيلات التي طلبتها أمريكا من باكستان ( وقد تضمنت حق مرور مطلق واستخدام القواعد الجوية ، وتخزين معدات وذخائر ) يصلح نموذجا تشريحيا علي أن الحرب الأمريكية القادمة ، ليست مدفوعة بالأهداف التي تعلنها عن ضرب الإرهاب ، أو استئصال جذوره من أفغانستان ، وإنما مندفعة تحت هذا الغطاء لتحقيق أهداف استراتيجية مباشرة .
إن الأسباب الاستراتيجية لوقوف أمريكا بكل قوتها خلف طالبان ، رغم كل خطابها المنغلق والمتزمت ، هي نفسها الأسباب الأكثر عمقا بضرب أفغانستان والوثوب عليها ، ودون دخول في التفاصيل ، فإن التأييد الأمريكي لطالبان لم يكن يرجع كما هو شائع ، إلي تفريغ التأثير الإيراني في أفغانستان ، أو التلويح لإيران بقوة إقليمية مندفعة ، وإنما كان سببه مشروعا استراتيجيا أمريكيا متكاملا ، يتعلق بآسيا الوسطى ، أو بخليج القرن الجديد حول بحر قزوين ، لقد أبرمت أمريكا صفقة بعشرة مليارات دولار ، مع أذربيجان كما أقدمت علي تدعيم خط الأنابيب الشمالي الممتد من باكو إلي ميناء جيهان التركى ، ولقد كان المطلوب من طالبان تحديدا هو استضافة وحماية خط الأنابيب الشمالي ، ردا علي التجمع الآسيوي الذي يقوم ببناء ائتلاف استراتيجي لاستغلال بحيرة البترول الهائلة عبر المحور الشرقي ، وكما يضم المحور الأمريكي جورجيا وأذربيجان وتركيا ، التي يمكن تفسير جانب من تحالفها الاستراتيجي مع إسرائيل ، بمحاولة جذب أذرع إسرائيل كقوة إقليمية كبري ، إلي الخليج الآسيوي الجديد ، يضم الائتلاف الاستراتيجي علي الجانب الآخر ، روسيا والصين وقازخستان وتركمانستان وقرغيستان ، ولكن الأمر يبدو مختلفا ، بعد أن تمكن هذا الائتلاف من حل التناقضات بين وحداته السياسية سواء بالنسبة للصين وروسيا ، أو بالنسبة لروسيا وكازاخستان ، بعد أن تم توقيع اتفاق بينهما ، لاقتسام البترول الشمالي ، أو سواء بين الصين وقازخستان ، بعد أن توصلتا إلي حل وسط ، لاقتسام المناطق الحدودية المتنازع عليها لعقود طويلة ، مقابل استثمارات ضخمة في الصناعة والكهرباء ، علاوة علي مرور خط أنابيب بترول من تركمانستان إلي الصين ، عبر الأراضي الكازاخستانية .
وباختصار فقد تم تهيئة الجبهة الشرقية من قزوين لاستقبال استثمارات نفطية ضخمة ، علي حساب جبهة أمريكا – أذربيجان .
ثم أن هذا الائتلاف الاستراتيجي بوحداته السياسية ، يصهر قدرات هذه المنطقة ، حول بحيرة بترولية هائلة ، ليخلق حالة آسيوية جديدة ، تمثل تهديدا للمصالح الأمريكية ، في دائرة بالغة الاتساع والأهمية ، وإذا كان الخليج العربي يمثل أهمية استراتيجية ، في حد ذاته ، فإنه يمثل من جهة أخري قاعدة اقتراب القوات الأمريكية ، من هذه المنطقة ، ولهذا فإن بعض الرؤى الاستراتيجية ، لم تستبعد أن يكون مشروع تقسيم العراق ، يصب في اتجاه خلخلة المنطقة المحيطة بآسيا الوسطي ، وتحويلها عمليا إلي جسر وثوب عسكري إليها ، إضافة إلي تفسير تركيز القوة العسكرية الأمريكية في الخليج العربي ، بأنه يعبر عن استراتيجية مزدوجة ، ليست الاحتواء المزدوج ، وإنما الإمساك بمصادر البترول في الشرق الأوسط باليدين ، وفتح جسور استراتيجية علي الجانب الآخر للاقتراب المباشر من منطقة آسيا الوسطي ، وقبل ذلك كسر الامتداد العربي في هذا الاتجاه تحديدا ، والشاهد الآن فيما يبدو أن أمريكا رأت أن اتساع التهديدات ، والحوافز أيضا لم يعد متناسبا مع دور طالبان ، وأن الفرصة قد أصبحت سانحة لأن تدير مصالحها بنفسها في هذه المنطقة من خلال حضور مباشر في أفغانستان ، وفي هذا الإطار يمكن فهم التراجع الروسي ، عن الوعد المبكر الذي قدمه بوتين ، ربما مأخوذا بأن تغير الولايات المتحدة ، موقفها من مسألة الشيشان ، وأن يجيء التراجع علي لسان رئيس الأركان الروسي ، الذي قال : " إن الولايات المتحدة ليست محتاجة إلي مساعدة عسكرية من الآخرين ، إذا أرادت أن تشن حربا ضد الإرهاب" ، ومن المؤكد أن التراجع الروسي كان محاصرا بضغوط النتائج المحتملة ، لاقتراب القوات الأمريكية من طاجاكستان ، ومن المسرح الاستراتيجي الواسع حول بحر قزوين ، ولهذا كان زعيم طالبان مصيبا حين قال : " إن أمريكا لن تترك افغانستان ، وأن قواتها العسكرية قادمة إليها لا محالة ، حتى لو قامت طالبان بتسليمها بن لادن " .
الأمر لا يختلف كثيرا بالنسبة للصين ، التي رأت أن أي تصرف عسكري أمريكي ، ينبغي أن مناقشته أولا ، والموافقة عليه في مجلس الأمن ، أي أنها ليست مستعدة للدخول في تحالف خارج القانون الدولي ، والمشروعية الدولية ، رغم أن أمريكا كانت تتصور أن لدي الصين إغواءا قويا للقبول بالانضمام إلي حلفها لحربها تحت راية مقاومة الإرهاب ، بسبب الضغوط التي يمكن أن تتعرض لها بعد اكتشاف احتياطي بترولي هائل ، في منطقة غرب الصين ، التي تتبلور فيها ، قوة إسلامية تريد أن تعبر عن هوية مستقلة .
والحقيقة أن محاولة جذب روسيا بالدرجة الأولي ، والصين بالدرجة الثانية إلي التحالف الدولي ضد الإرهاب ، كان من بين أهدافها تمزيق تحالف شنغهاي ، لكن الواضح الآن أن الصين وروسيا رأتا الأهداف الأمريكية الحقيقية ، التي تم تغطيتها ، براية الحرب الدولية ضد الإرهاب ، وسرعان ما بدا التحول واضحا في موقف كل منهما .
▲▲▲
تبدو الأسئلة أكثر من الإجابات ، فماذا بالنسبة لحلف الأطلنطي إذا كان من بين الأهداف المعلنة للاستراتيجية الأمريكية ، كما حددتها (وثيقة البنتاجون ) ليس فقط السيطرة علي امتداده إلي شرق أوروبا ، وإنما أيضا السعي إلي أن تمتد مسارح عمليات الحلف إلي الشرق الأوسط ، كما تمتد إلي آسيا الوسطي وبحر قزوين ؟
ثم ماذا بالنسبة لنا ، وبالنسبة لإسرائيل ، وبالنسبة للشرق الأوسط ، والنظام الإقليمي العربي ، إذا كان تنفيذ إعلان الحرب الأمريكية ضد أفغانستان وحده ، كفيلا بإحداث شروخ في فقرات العمود الفقري لهذا النظام الإقليمي ، بحكم شد منطقة الخليج إلي منطقة وسط آسيا ، وربط مسرح عملياتها ، بمسرح العمليات حول بحر قزوين ، إضافة إلي الخلخلة الإقليمية التي ستترتب تلقائيا ، علي حجم الانفجار الكبير ، الذي تعد له الولايات المتحدة .

17/9/2001

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :