استراتيجية الفقاعة !     


بقلم : أحمد عز الدين

تطوع بيان أمريكي ، بأن ينشر على نحو واسع ، معلومات وصفها بأنها مؤكدة ، ووضع عليها خاتم حكومة الولايات المتحدة الأمريكية ، تفيد توقع وجود انفجارات إرهابية في مصر ، وقد كتبتُ ساعتها ، أؤكد أن الأمر لا يعدو أن يكون فقاعة أمنية كاذبة ، تصطنع باستخدام أحط أدوات الحرب النفسية ، تهديدات لا وجود لها في الواقع ، وأنها تستهدف أمرين :

الأول : صرف الأنظار عن مكامن التهديدات الحقيقية للأمن الدولي ، وهي مكامن ليست ببعيدة عن سياسة الولايات المتحدة نفسها .
الثاني : دفع مصر للانكفاء على ذاتها بحجة أن مشاكلها الذاتية ، وألغامها الداخلية الجاهزة للانفجار ، تشكل مصدر التهديد الحقيقي ، الأولى باهتمامها ورعايتها .
ولعلنا نستطيع أن نضيف زادا جديدا ، إلى التفسير السابق ، فأمريكا المنشغلة بصنع فقاعات أمنية زائفة ، واصطناع تهديدات لا وجود لها ، لخدمة إستراتيجيتها الكونية المنفردة ، تبدو في الوقت نفسه ، في حالة غفلة واضحة ، عما يحيط بها مكانا ومكانة من تهديدات حقيقية ، وليس أدل على ذلك ، من أن المفردة التي ظلت أكثر تداولا واستخداما في الخطاب السياسي والإعلامي الأمريكي ، تعليقا على الانفجاريين الهائلين في كينيا وتنزانيا ، هي المفاجأة .
لكن هذا الإحساس الغامر بالمفاجأة ، لم يمنع كلينتون من أن يرى بوضوح أن العمل على جبهتي نيروبي ودار السلام مكتمل التنسيق ، ولم يمنع " أولبرايت " من أن تعبر عن فهم صحيح للتفجيرين ، فقد رأت أنهما " يمثلان تحديا للأمن القومي الأمريكي " وإن كان ذلك لا ينفي عن الإدارة الأمريكية ، اعتماد " استراتيجية الفقاعة " أي اصطناع ظواهر وأزمات غير حقيقية ، إما للتغطية على جوهر الأزمة الذاتية الأمريكية ، وإما للتغطية على بواطن التهديدات الحقيقية ، التي لا تبدو خيوطها منفصلة عن أصابع الولايات المتحدة الأمريكية ، غير أن تعبير " الفقاعة " ليس من عندي في الحقيقة ، فقد ظل خلال الشهور الأخيرة ، يشكل وصف ومضمون نبوءة أطلقتها صحيفة " الايكونمست " على الاقتصاد الأمريكي نفسه ، فقد رأت أنه يمر بمرحلة " اقتصاد الفقاعة " على غرار الاقتصاد الياباني في الثمانينات ، عندما ارتفعت أثمان الأصول العقارية والأراضي والأسهم والسندات إلى أعلى مستوياتها وأعطت انطباعا عميقا ، بقوة وسلامة القاعدة الاقتصادية التي يستند إليها النمو ، قبل أن تحدث الأزمة مضاعفاتها الكبيرة ، وتبدو أوجه القصور الوظيفي ، الذي يؤذن بالانهيار ، وقبل يومين فقط من انهيار " استراتيجية الفقاعة " الأمريكية في شرق أفريقيا ، انهار جانب من اقتصاد الفقاعة الأمريكي ، في بورصة وولستريت ، بانهيار مفاجئ – أيضا – في مؤشر داوجونز ( بمقدار 3.5% ) وهو ما أكد صحة تشخيص الايكونمست ، من أن أمريكا تخفي التضخم الحقيقي بأساليب شكلية زائفة ، مثلما تخفي استراتيجية الفقاعة التهديدات الحقيقية للأمن والاستقرار الدولي ، بأساليب شكلية زائفة أيضا .
ولذلك سوف يكون أمرا يدعو للرثاء أن نعطي عقولنا خالصة لذلك التفسير الأمريكي ، الذي أخذ يتسرب إلى صحفنا ، من أن الولايات المتحدة الأمريكية نالت عقابا إرهابيا في شرق أفريقيا ، جزاء اهتمامها بسلامة أمننا ، بعد أن قامت بتسليمنا قبل أيام من الانفجاريين ، عددا من المتطرفين المتسكعين على الحدود الألبانية ، قريبا من النار الصربية ، التي تركت ألسنتها تأكل " كوسوفو " فاستسلامنا عقليا بتحويل هذا الاحتمال الحسابي العابر ، إلى يقين ، لن يعني فقط أن نضع على أكتافنا عبء دين لم يسدد لنا صراحة ، ولا أن نحيل أنفسنا إلى تفسير جامع مانع لكل عمل إرهابي في العالم ، ولكننا سنسهم بفاعلية في التغطية على الدور الأمريكي الجديد ، في إعادة صياغة الأوضاع إفريقيا ، وهي أوضاع لا يستطيع باحث مدقق ، إلا أن يرى أن الحادثتين - وبغض النظر عن مصدر أعواد الثقاب – قد انبثقتا من جوف تناقضها المصنوعة الملتهبة .
أولا : لقد بدا الأمر خلال الشهور الأخيرة ، وكأننا بصدد حمى جديدة في التوجه السياسي الأمريكي ، اسمها " الحمى الأفريقية " وكأن أمريكا قد استيقظت من نومها على نحو مفاجئ ، فاكتشفت أن هناك قارة كبيرة على الناحية الأخرى من التل ، اسمها قارة أفريقيا ، عليها أن تشد الرحال إليها قبل أن ينحدر قرص الشمس .
ثانيا : لقد تزامن مع هذا الاندفاع الغربي عموما ، والأمريكي خصوصا تجاه أفريقيا ، تحول كبير في الأوضاع الداخلية للقارة نفسها من الوحدة إلى الانقسام ، ومن التآلف إلى التناقض ، ومن الحوار إلى الاحتداب ، حتى لتبدو الحدود الدولية لكثير من الدول ، وقد أصبحت متناقضة مع الحدود القبلية أو الإنسانية ، أي أن التناقضات قد تم إيقاظها بين الحدود الوطنية وبين الحدود العرقية ، ثم تحولت هذه التناقضات إلى قوة قبلية مسلحة ، تتداخل في أحشاء عدد من الدول ، لا على حدودها الداخلية فقط ، وهكذا فقد تم إيقاظ البنية الصراعية في إفريقيا ، وإشعال حدودها وخطوطها بشكل واضح .
ثالثا : لقد بدت المرحلة الجديدة ، وكأنها امتداد للمرحلة الاستعمارية الكولونيالية التي وضعت العامل الأثني أو القبلي في خدمة مخططاتها لإشعال الصراعات الطائفية ، وضرب القوى الإقليمية يبعضها ، وإضعاف الدولة القومية في آن واحد ، مما يسهل من عملية الاستحواذ والسيطرة الأجنبية ، ولنلاحظ أن التحولات في إثيوبيا والصومال واريتريا ثم زائير أو الكونجو ، قد تمت كلها بقوة دفع قبلية خالصة ، بحيث تبدو وكأنها صراعات ما قبل التاريخ السياسي والاجتماعي ، أو ما قبل الدولة القومية ، حيث تحولت الأخيرة إلى مطمع قبلي للسيطرة ، وليس أداة وطنية للتحرر والنمو واستيعاب التناقضات الداخلية .
رابعا : ردا للظواهر الجديدة إلى أصولها ، فقد ارتبطت الصدامات القبلية والعرقية ، بكل نتائجها وآثارها ، على شبكة التعاون الإقليمي ، وأوضاع الدولة القومية ، بالدور الغربي في إعادة البناء الهيكلي لاقتصاديات الدول الإفريقية ، إضافة إلى توجه خاص بحقوق الإنسان في إفريقيا ، فتعميم نمط الخصخصة الاقتصادية إفريقيا ، قد أدى مباشرة إلى أشكال في تعميم الخصخصة عرقيا وثقافيا ، فبرزت الأقليات وتعددت الألوان في إطار العلم الواحد ، ثم انشقت الأعلام الوطنية نتفا .

وباختصار قد يكون مخلا ، فقد لعبوا باستخدام استراتيجية الفقاعة ، في النظام الهرموني لقارة كاملة ، فانبثق قوس كامل من الأزمات ، تتمدد على دربه ، أشكال مستحدثة من الإكراه ومن الصدام والعنف .
إن أحدا لم يسدد عنا دينا ، لكي نحمل ضمائرنا أوزارا لم نصنعها !


 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :