القرن الأمريكي الجديد !     

بقلم : أحمد عز الدين

يبدو أن الذين قرأوا خطاب الرئيس الأمريكي " بيل كلينتون " – قبل عامين بالضبط – والذي اعترف فيه بعلاقته بالمتدربة السابقة في البيت الأبيض ، وتوقفوا طويلا أمام مفردات الخطاب ، قد سقطت منهم مفردة واحدة دون ان تسترعي انتباههم ، ربما لأنها جاءت في ذيله ، وربما لأنها بدت خارجة عن سياقه وروحه ، أما هذه المفردة فقد تحدثت بالحرف الواحد عن التوجه نحو " القرن الأمريكي الجديد " .
غير أن توقيت الخطاب المذكور ، كان سابقا على توقيت توجيه الضربتين الصاروخيتين إلى السودان وأفغانستان ، ولكنه كان تاليا على وصول الإدارة الأمريكية إلى قرار باستخدام هذا القصف الصاروخي ، وكان الفاصل بين استخدام تعبير " القرن الأمريكي الجديد " ، وبين قذف مائة صاروخ من طراز " بلوك – 3 " الذي لم يستخدم طرازه المطور في مسرح عمليات فعلي من قبل ، هو خمسة أيام بالضبط ، أي أن افتتاحية القرن الأمريكي الجديد ، قد أخذت نمط التدمير الابداعي – بالتعبير الأمريكي – لمصنع في السودان ، وبضعة مواقع في أفغانستان ، باستخدام القصف من الفضاء .
وينبغي أن نلاحظ في هذا السياق أمرين :

الأول : أنه على الجانب النظري الخالص ، فإن جميع الدراسات التي أجريت لتحديد دور العامل الشخصي في صياغة التوجه الاستراتيجي الأمريكي ، قد انتهت إلى أن هذا العامل قائم وموجود بالفعل ، ولكنه ضامر وضعيف ، وهو قد يتدخل في تحديد التفاصيل أو التوقيت أو الأسلوب ، ولكنه لا يستطيع منفردا أن يقدم على صياغة توجه استراتيجي جديد ، على نحو يخرج بع عن القاعدة الاستراتيجية ، التي تتم صياغة مفرداتها بشكل معقد ، وتساهم فيها كتائب من الأجهزة الأمريكية المختصة .
أي أن الصدى الشخصي للرئيس الأمريكي ، وأركان إدارته ، موجود وقائم ، ولكن حدود تأثيره لا تطول منهجية التوجه الاستراتيجي نفسه ، وهذا يعني أن الرئيس الأمريكي وأيا كانت الدوافع والاسباب الشخصية ، لا يستطيع منفردا ، أن يستخدم خيارا استراتيجيا ، لم يتم بناؤه وهضمه وتسكينه في شبكة أولويات الاستراتيجية الأمريكية ، المركبة بشكل مسبق .

الثاني : أنه قد يعزز من التفسير السابق ، أن الإدارة الأمريكية نفسها ، وكافة الأجهزة المختصة بالتوجه الاستراتيجي الأمريكي ، لا تستطيع أن تقدم على صياغة خيار ، ألا وقد سبق هضمه بشكل مجتمعي كامل ، والدليل على ذلك أن الكونجرس الأمريكي قد استقبل قرار الرئيس الأمريكي بالقصف الصاروخي بدرجة عالية من الاستحسان ، بل إن سيناتور مثل " جويز ماكلين " رأى ساعتها ، أن هذا النمط القوي ينبغي أن يعمم في كافة شئون السياسة الخارجية الأمريكية ، وضرب أكثر من مثل على شاكلة " تلكؤ العراق في التفتيش الدولي " ، أما الاستطلاعات التي قامت بها شبكات الإعلام الأمريكية المختلفة ، فقد أكدت أن ثمانين بالمائة من مجموع الأمريكيين قد أعطوا تأييدهم كاملا للهجوم الصاروخي ، بينما ترقب خمسة وسبعون بالمائة منهم هجمات صاروخية إضافية .

*****
لقد سبق وأن شدد " بول كيندي " في أطروحته عن صعود وسقوط القوى العظمى ، وهو يتحدث عن متوالية القوة الاقتصادية والقوة العسكرية ، والدور الامبراطوري ، والاضمحلال ، على أنه لا يحاول أن يبرهن على أن الاقتصاد يحدد نصيب كل حدث ، وأنه السبب وراء نجاح كل دولة أو فشلها ، فهناك دلائل كثيرة – حسب تعبيره – تشير إلى أشياء أخرى ، منها الجغرافيا ، والتنظيم العسكري ، والروح المعنوية القومية ، ولذلك عندما يتحدث عن النجاح الصيني أو الياباني ، يدمج هذا النجاح فيما يطلق عليه " الحس الوطني الرفيع " .
غير أن ما يقوله عن أن القوى العظمى تستجيب بالفطرة لزيادة نفقاتها على الأمن في مرحلة التدهور ، ينطبق حرفيا على الولايات المتحدة ، فالدولة الكبرى عنده تنفق على الدفاع ، وهي في حالة أكثر تأزما ، وأقل نهوضا ، أزيد مما تنفقه في مرحلة فتوتها ، وازدهارها ، وصعودها الاقتصادي ، وربما يفسر هذا ما فعله " غليوم الثاني " بمدافعه ، حيث أمر بأن تحفر عليها هذه الحكمة : " الحجة الأخيرة للملوك " .
و " بول كيندي " هو الذي لاحظ – مثلا – تلك العلاقة السببية التي يمكن رصدها ، بين التحولات بمرور الزمن على الموازين الإنتاجية والاقتصادية العامة ، وبين المكانة التي تحتلها قوة منفردة في النظام الدولي ، فالتحولات الاقتصادية كانت إرهاصا لقيام القوة الكبرى الجديدة ، التي قد يكون لها يوما أكثر أثر حاسم على النظام العسكري الجغرافي ، وهذا هو السبب – في تقديره – في أن تحرك الموازين الإنتاجية العالمية في اتجاه المحيط الهادي ، ينطوي على إرهاصات واضحة بولادة قوى كبرى جديدة ، وبالتالي فإنه ليس تعبيرا اقتصاديا فقط .
غير أن بقاء القوة الكبرى في موقعها الإمبراطوري المنفرد ، هو في النهاية حسابات تكلفة ، وإذا عجزت الفوائد عن الوفاء بالتكاليف ، فإن الانهيار سيأتي في الطريق ، وما يقوله "كيندي " عن صعود وسقوط الدول العظمى ينطبق حرفيا على الولايات المتحدة ، فكيف يمكن أمريكيا تقليل التكلفة ودفع الفوائد للوفاء بالتكاليف ، لبقاء الدور الامبراطوري الأمريكي ، على امتداد " القرن الأمريكي الجديد " ؟
لقد استلزم ذلك إعادة بناء كل المفاهيم ، من توصيف القوة إلى مبادئ الحرب ، إلى العلاقة بين السياسة والحرب .

*****

على مستوى هذه الاستراتيجية الأمريكية ، لاستمرار الدور الامبراطوري الأمريكي على امتداد " القرن الأمريكي الجديد " ، فإنني لا أجد تعبيرا أكثر إحاطة بها ، ودقة في وصفها ، من ذلك الذي صاغه مفكر عسكري صيني قبل عدة قرون " صان تشو " ، وكان نصه يصفها بأنها " استراتيجية قذف البيض بالأحجار " ، أو ما يعني بالمفردات الجديدة ، التحول من استراتيجية الردع بأركانها الثلاث المعروفة : وجود قوة رادعة – الاستعداد لاستخدامها – إقناع الخصم بالأمرين السابقين ، إلى استراتيجية جديدة هي " استراتيجية القسر ، أي الكسر المطلق لإرادة الخصم باستخدام القوة المطلقة .
وفي هذا السياق ، قد يكون مفيدا التوقف عند بعض مضامين هذا التحول :

أولا : إن توصيف القوة يعود مرة ثانية إلى معناها الاصطلاحي في أوج الظاهرة الاستعمارية ، أي القوة العسكرية المطلقة المباشرة ، كما أن المسافة بين تعبيري " القوة " و " الحقيقة " يتم إزالتها فالحقيقة هي القوة ، والحقيقة المطلقة هي القوة المطلقة ، التي تعتبر نفسها مطلقة الإرادة ، مطلقة الحق ، وأنها مرجعية نفسها ، باعتبارها – وليست الليبرالية كما قال فوكوياما – الكلمة الأخيرة في تاريخ البشرية .
ثانيا : إن هذه الحقيقة أو القوة المطلقة توصل نفسها ودورها ، إلى أن تتحول من أوج أزمة اقتصادية دولية خانقة ، إلى شكل جديد من الاستعمار الاقتصادي ، أي تحويل القوة العسكرية إلى منفعة اقتصادية ، وبالتالي يتم توظيفها لمعالجة الأزمات ، وفرض المصالح ، بما في ذلك فتح الاسواق بالقوة ، وفرض التخلف التكنولوجي بالقوة ، أي أننا أمام بلورة شكل جديد متقدم ، من الرأسمالية العدوانية على المستوى الدولي .
ثالثا : إن هذا التحول في مفهوم القوة والحقيقة ، قد أنشأ لنفسه بالتالي ، منظومة قيم مستقلة جديدة ، تفسر تلك النزعة الاستعلائية ، الفوقية ، التي لا تعبأ لا بضيق السلطات ، ولا بغضب الشعوب ، ولا بإضافة مزيد من الإجهاد إلى أنظمة يكاد الإجهاد أن يبلغ بها مداه ، كما أنها على المستوى العملي ، لا تتوقف أمام حجم الهدم ، أو مقدار نزيف الدم ، طالما أن بنيته المادية أو البشرية ، تنتسب إلى الجنوب ، علما أن الجنوب في مفهوم هذا التحول ، ما ليس شمالا لا بالمعنى الجغرافي ، وإنما بالمعنى الحضاري الغربي .
رابعا : يترتب على ذلك ، ليس فقط تكثيف القوة ، ومصادر نيرانها على المستوى العملي ، وإنما وهو الأكثر خطورة وتميزا وتأثيرا ، خلط الحدود بين ما هو عسكري وما هو مدني ، وبالتالي فإن مواثيق الحروب ، التي جاهدت البشرية قرون طويلة ، لأن تخلق من خلالها نوعة من " أنسنة الحرب " ، في طريقها إلى الأفول .
مما يعني العودة إلى حدود ما كانت عليه المواجهات العسكرية ، قبل ثلاثة قرون ونصف " أي قبل عام 1648 " عندما كانت المسافة غير قائمة بين الحكومات والشعوب ، والعسكري والمدني .
خامسا : إن تغيرا أكثر أهمية يلحق بالعلاقة بين السياسة والحرب ، فالحرب لن تظل " امتدادا للسياسة بوسائل أخرى " وإنما بدلا من أن تصبح القوة العسكرية أداة في يد الدولة – في مفهومها ذاته – تصبح الدولة أداة في يد القوة العسكرية ، ويختفي لغير رجعة ، تعريف " هيجل " الأثير للدولة بأنها ( جوهر أخلاقي يعي ذاته ) ، أو يتم تغييره على غرار مفهوم القوة والحقيقة ، فتصبح الدولة ( جوهر غير أخلاقي يعرف مصلحته ) .
ثم أنه بدلا من أن تصبح القوة العسكرية ، أدادة في يد المجتمع الدولي ، يصبح المجتمع الدولي أداة في يد القوة العسكرية المتطردة ، ويترتب على ذلك ، إما إعادة صياغة مواثيق المنظمات الدولية ، أو إعادة تفسيرها وفقا للحالة الجديدة ، أو تعطيلها بشكل جزئي أو كامل ، حسب الحاجة إلى ذلك .
سادسا : إن الصياغات المتتالية لقوانين الحرب كانت توسع دائما من حدود أمرين ، المواد المستخدمة كأسلحة ، والبشر الاستثنائيين الذين لا يحق إلحاق الضرر بهم ، ولكن الحالة الجديدة تلغي الأمرين معا ، كما ألغت الامبراطورية البريطانية في الهند ، محرمات استخدام الغازات السامة ، في إخضاع القوى الهامشية ، لكن الأمر قد اختلف ، ويصعب التعامل معه منهجيا ، باستخدام نفس أدوات القياس ، فتطور تكنولوجيا السلاح ، جعل الخروج على القوانين " التي كابدت الانسانية طويلا لصياغتها ، ودفعت ثمنها دما وخسائر " ذا تأثير واسع الأذى والتدمير ، وشديد العداوة لكل ما هو إنساني .
يكفي القول أنه قبل مائة عام فقط ، كانت أكثر قدرات المدفعية البحرية تطورا وقوة نيران ، وعمق مسافة ، لا تزيد عن إطلاق قذيفة " تزن طنا واحدا لمسافة لا تزيد عن 10 ميلا " .
سابعا : لقد ظل تطوير مسافات الرمي والقتل ، على امتداد التطور الانساني ، يمثل عبئا على قيم الإنسانية ، ولذلك من أرسطو إلى شكسبير مرورا بسرفانتس ، تم اعتبار الاسلحة النارية من اختراع الشيطان ، وجرى احتقارها حد التحريم .
ولنلاحظ أن " الألياذة " – التي يقول الغرب أنه ورثها في منظومته الفكرية والقيمية – ظلت تصف " باريس " الذي اختطف " هيلين " وقتل " أخيل " بأنه بغيض ، وضعيف وامرأة ، لأنه كان يستخدم القوس من بعيد ولا يستخدم السيف كالفرسان .
وباختصار فإننا مع الاستخدام المسرف في القوة ، وانهيار الحدود بين ما هو عسكري ومدني ، أمام ظاهرة لتحويل الحرب – عكس اتجاه التاريخ – إلى عنف مطلق أعمى ، وكأنها عودة غير حميدة إلى كلمات " كلاوزفيتز " : " إن قانون الحرب يتكون من القيود التي تفرضها المصلحة الذاتية " ، مع أنه نفسه هو القائل : " إن استخدام أقصى درجات القوة ، يلغي تماما استخدام العقل " .

*************
ذات يوم قال الجنرال ديجول : " أذا أردت أن تحيط بأبعاد موقف استراتيجي ، فلابد أن تبسط أمامك خرائط الجغرافيا " ، فكما ينطوي الموقف الاستراتيجي على بعد زمني ، ينطوي – أيضا – على بعد مكاني ، ولا يمكن بالتالي الإحاطة به دون هذين البعدين معا ، حيث يبدو في الأغلب الأعم محصلة تفاعل بينهما :
قد يساعد على تأكيد وتعميق هذا الفهم ذاته ، إعادة قراءة الخرائط ، وتفسير دلالات المكان طبيعيا واستراتيجيا :

أولا : لتأكيد البعد المكاني بشكل عامل " وإذا استثنينا حرب البلقان " فإن الأغلب الأعم للعمليات العسكرية التي نفذتها القوات الأمريكية ، منذ أن وضعت الحرب الباردة أوزارها ، تمت في الدائرة الاستراتيجية للشرق الأوسط بتخومه الآسيوية الأفريقية ، وأن جميع الوحدات السياسية ، التي طالها هذا التدخل العسكري ، كانت عربية وإسلامية ، ( هجمة طرابلس – عاصفة الصحراء وتداعيتها المستمرة – التدخل بالقوة في الصومال – قصف السودان – وحتى الهجوم على أفغانستان كان هدفه المعلن ضرب الأفغان العرب ) وذلك أمر قد يشكل مفارقة مكانية واضحة بحكم أن هناك مواقع أخرى كانت أولى بالتدخل العسكري ، باستخدام نفس مقاييس الذرائع والتبريرات .
ثانيا : أن هذه الدائرة الاستراتيجية الواسعة نفسها ، شهدت خلال العقد الأخير ، أكثر المعدلات ارتفاعا على مستوى العالم ، سواء على صعيد شراء وتكديس الأسلحة ، أو على صعيد سعي القوات الأمريكية ، لفتح جسور لها ، وتهيئة بنية أساسية لتواجد طويل وفاعل ، وهي عملية تشبه حفر الخنادق الذي يسبق معركة تصادمية .
ثالثا : إن الماكينة البحثية في الولايات المتحدة ، بدت من خلال اهتماماتها وإصداراتها ، وكأن هذه الدائرة بتخومها الآسيوية والإفريقية ، تشكل جل اهتمامها ، حتى وهي معنية ببناء هيكل استراتيجية أمريكية جديدة للقرن القادم ، تتيح لها كما ترغب وتريد ، أن تبقى حاكمة ومنفردة على قمة النظام الدولي ، وذلك بدءا من اطروحات " هتنجتون " عن الصدام القادم والحتمي بين الحضارة الغربية وبين خط التلاحم والتفاعل بين الحضارة الإسلامية العربية ، والحضارة الآسيوية ، أو الكونفوشسية ، وانتهاء بسلسلة تقارير بحثية ، قد تجدر الإشارة إلى واحد منها ، ويمكن من بينها اختيار دراسة " تشارلز وليم " تحت عنوان " الشرق الأوسط فس القرن الواحد والعشرين " والتي أصدرها مركز دراسات الشرق الأوسط في واشنطن ، وتتميز خطوطها أنها ناطقة بالأبعاد المكانية لهذا التوجه الاستراتيجي الأمريكي الجديد ، سعيا نحو القرن الأمريكي .
تقول هذه الخطوط :
1. إن التحولات الديموغرافية السكانية في الشرق الأوسط في أفقها المنظور ، ستبدل تاريخ المنطقة ، وستمثل أحد أهم تحولات التاريخ الضخمة ، ففي عام 1980 كلن المسلمون يشكلون 18% من سكان العالم ، وبحلول الربع الاول من القرن الواحد والعشرين ، سيشكلون أكثر من 30% ، فمصر ستقفز إلى حدود 120 مليونا قبل حلول منتصف هذا القرن ، وسوريا ستصبح قوة سكانية بوصولها إلى 50 مليون ، والسعودية ستتضاعف ثلاث مرات فتقفز من 21 مليون إلى 61 مليون ، أما إيران فإن نموها سيكون انفجاريا ، وسيتجاوز مائة وستين مليون ، يضاعف من تأثير ذلك ، تضخم البنية السكانية الشابة في الهيكل السكاني لهذه الدول ، التي ستصبح أعمدتها تحت ضغط هائل لأجيال جديدة شابة ، تتميز بوعي وطني متصاعد يرفض التدخل الأجنبي ، ويقوي روح المقاومة ضد سيطرة الشمال ، وذلك ما يمثل – بألفاظ الدراسة – أكبر تحد للوضع الأمريكي في الشرق الأوسط خلال القرن الواحد والعشرين .
2. إن اتساع الفجوة التكنولوجية بين الشرق الأوسط والشمال ، سيتزايد باطراء ، ولكن قدرة الشمال على استخدام ميزته وتفوقه التكنولوجي من أجل السيطرة ، ستنخفض من الناحية العملية ، ولذلك فإن الشمال يستطيع أن يوظف هذه الفجوة المتسعة ، من أجل أن يلحق العقاب بمن يريد ، لا من أجل أن يتمكن من تحقيق سيادته ، كما أنه سيكون قادرا على ممارسة العقاب ، لا أن يسود ، وسوف يكون مرد ذلك إلى أمرين : زيادة الوعي المتصاعد في الجنوب ، والمقاومة المتنامية لخسائر التدخل العسكري في الشمال ، والذي سيصبح في المحصلة النهائية ، ورغم توفر كل أسباب القوة ، مقيدا على نحو أشد.
3. أمام تزايد المقاومة في الشمال للخسائر البشرية ، التي يمكن أن تترتب على اخضاع الجنوب بالقوة ، فإن الخيار الوحيد عسكريا أمام الشمال هو استخدام القصف الجوي من الفضاء ، وإذا كان ذلك سيمثل قدرة جديدة على العقاب ، فإنه لن يشكل أداة فعالة من أجل التغيير والسيادة ، " فالشمال يمكنه أن يعاقب الجنوب بالقصف من الجو ، ولكن لن يمكنه أن يفرض إرادته ، إنه يستطيع أن ينتصر في حرب الخليج ، ولكنه لا يقدر على تغيير السلطة في العراق ، ويستطيع أن يمهد " جروزني " بالأرض ، لكنه لا يستطيع أن ينتزع روح الاستقلال من الشيشان ، ويستطيع ان يقصف المدن في جنوب لبنان ، لكنه يعجز عن إيقاف مقاومة الاحتلال " .
4. في وقت ما من القرن الواحد والعشرين ، سوف تحصل دولة شرق أوسطية ، بجانب إسرائيل ، على أسلحة تدمير شامل ، فتلك مسألة وقت فحسب ، وعندما يحدث ذلك ستتضاعف المخاطر على نحو فريد ، لأن الدول الشرق أوسطية تميل إلى أن تكون أكثر هياجا واضطرابا من الداخل ، بسبب طبيعتها الخاصة ، وبنائها السكاني ، وهذا ما يعني أن تكون أكثر عدوانية على المستوى الدولي .
ويمكننا أن نلاحظ أن هذا التفسير الديموجرافي المستحدث لنمو مخاطر الشرق الأوسط ، يغفل أساسا طبيعة المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة فيه ، ويلحق الشر بدول الجنوب كمعطي بنائي ، فالشر كامن وأصيل في هذه البنية الجغرافية السكانية ، وهو متصاعد النمو ، وبغض النظر عن اتجاه وطبيعة تطورها ومصالحها ، وتوجهاتها الايديولوجية ، أي أن صراع المصالح أو صدام المصالح على وجه أدق ، لا علاقة له بنمط النمو الاقتصادي ، أو التوجه الاجتماعي ، فالصدام الحتمي على هذا النحو بين الشمال والجنوب ، ليس صداما سياسيا أو اقتصاديا ، وإنما هو صدام حضاري ، تتسبب فيه البنية الشرق أوسطية نفسها ، التي تنحو إلى إظهار طبيعة أكثر عدوانية على المستوى الدولي .

*******

" القرن الأمريكي الجديد " – إذن – ليس مجرد تعبير عابر ، صاغه رئيس أمريكي عابر ، في ظروف عابرة ، ولكنه رؤية استراتيجية مكتملة ، صاغها العقل الاستراتيجي الأمريكي ، مستهدفا أن يبقى دوره الامبراطوري ، مسيطرا ومنفردا على قمة النظام الدولي ، وأن يقلل في الوقت نفسه ، حسابات التكلفة التي تتطلبها إدامة هذا الدور وبقائه .

لكن تعظيم المكاسب ، وتقليل الخسائر في حسابات التكلفة الامبراطورية ، يتطلب أن يدفع العالم ، وفي مقدمته الشرق الأوسط ، الثمن من دمه وخصوصيته وسيادته ، وفي سبيل ذلك ينبغي أن تتغير الأدوار ، والمفاهيم والقوانين ، وأن تتم صياغة جديدة لعدو جديد ، كأنه إعادة ناطقة عصرية لرواية " فرانكشتين " .

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :