ماذا تريد أمريكا من مصر؟     


تقرير سي . أي . إيه . مكتوب بحبر إسرائيلي

بقلم : أحمد عز الدين

تخطئ الولايات المتحدة الأمريكية ، القصد والفهم والتصرف ، إذا هي تصورت أن مصر " دولة الموز " وأن إرادتها الوطنية يمكن أن تستجيب عند اعتصارها ، لكي تعطي غصبا ما ترفض أن تعطيه رضا وقناعة ، لأن مصر بكرامتها الوافرة عبر الزمن ظلت حدية في تاريخها الخارجي ، رغم أنها أقرب إلى الوسطية في تاريخها الداخلي .

وتخطئ الولايات المتحدة الأمريكية ، القصد والفهم والتصرف ، إذا هي تصورت أن مصر تشق لنفسها طريقا وعرا ، وسط ظروف إقليمية ودولية بالغة الصعوبة والتعقيد ، قد أغلقت على نفسها أبواب خيارتها كلها ، ولم يبق أمامها غير هذا الخيار ، الذي يريد غيرها أن يفرضه عليها ، لأن أفاق مصر لم تنغلق وخيارتها لم تمت .

وتخطئ الولايات المتحدة الأمريكية ، القصد والفهم والتصرف ، إذا تصورت أنها يمكن أن تضيف مزيدا من التوتر والاحتقان في الوضع الداخلي المصري ، بما تلقيه من أعباء وضغوط على كاهل النظام السياسي المصري ، لأن الوضع الداخلي المصري مجبول تاريخيا على أن يظهر أعلى درجات صلابته ، ووحدته الوطنية عندما يواجه بضغوط خارجية ، مهما يكن ثقلها وطبيعتها ، ومصدرها ، فما بالك إذا كانت القاعدة العريضة من المصريين تعبر بقناعة عن استحسانها سلوك نظامها السياسي ، على مستوى الإقليم والعالم ، وإذا كانت طبيعة الاتهام نفسه ، تضيف إلى وطنية النظام ، طبقات غنى وأكاليل غار .

لقد كتبت قبل أشهر قليلة في سلسلة مقالات تحت عنوان " الاختراق " مؤكدا على أمرين :

الأول : أن قرارا إستراتيجيا أجنبيا ، قد أتخذ بإسقاط هذا النظام السياسي المصري ، كمدخل ضروري لإعادة صياغة أوضاع الإقليم .
الثاني : إن معامل تنفيذ هذا القرار ، سيأخذ منحنى صاعدا عبر الشهور الممتدة على مشارف أكتوبر من هذا العام ، كان ذلك بمناسبة محاولة زرع احتقان طائفي في مصر ، يقود إلى حالة اضطراب كبير ، قبل أن يتمكن المصريون ، مسلمين وأقباطا ، من إطفاء أغلب ناره .

ولذلك من حق المرء أن يتساءل ، هل نحن مع هذا التقرير الذي كتبته المخابرات المركزية الأمريكية بحبر إسرائيلي خالص ، وقدمته إلى الكونجرس قبل ستة أشهر ، أمام محاولة جديدة لتحقيق ما فشل الاحتقان الطائفي في تصديره ووضعه .

****

يبدو الحديث على هذا النحو ، وكأن هناك مفاجأة بتقرير المخابرات المركزية الأمريكية ، وبمادته ، ومضمونه ، لأن التقرير لم يكتف باستدعاء الكونجرس بأغلبيته الجمهورية على مصر ، لأنها ترمم فحسب صواريخها القديمة من طراز سكود /بي 280 كم ، و سكود سي 550 كم ، بهدف حفظها من عوامل التعرية وعاديات الزمن ، ولكن لأنها تبني وتطور صواريخ متوسطة المدى MRPM وتتحرك في دائرة شبهة تخص أسلحة التدمير الشامل .

نعم إن هناك عوامل تعزز المفاجأة والدهشة بهذا الإعلان وأظنها واضحة الاسباب :

أولا أن الكشف عن التقرير ومادته ، قد تم بشكل رسمي ، وكان يمكن إذا كان الضغط عابرا ، أو تهديدا مجردا ، أن يتم تسريب بعض مقاطعه إلى الصحافة ، وهو أمر سبق وأن تكرر مع تقارير مشابهة ، وفي حالات قريبة وعديدة .

ثانيا : إن مصر تلقت التقرير كغيرها ، بعد أن وضعته أصابع المخابرات المركزية الأمريكية ، في الزاوية المعلنة الخاصة بها على شبكة الأغنترنت ، رغم أن جميع القنوات مفتوحة بين الولايات المتحدة الأمريكية ومصر ، وعلى اتساعها .

ثالثا : إن مصر تلقت التقرير على النحو السابق ، في الوقت التي تخوض فيه حوارا إستراتيجيا مع الولايات المتحدة الأمريكية ، لإنضاج ما وصفته المصادر الأمريكية نفسها بأنه " شراكة إستراتيجية " وليس فيما حدث ما ينبئ بأن ما أنضج حتى الآن ، يمكن أن يدخل في باب الصداقة فضلا عن باب الشراكة .

رابعا إن الكشف عن التقرير ومادته ، قد استبق الجولة الثالثة من فصول هذا الحوار الإستراتيجي ، بساعات قليلة ، فقد كان ممثل مصر في طريقه إلى مكانه ، وكان " مارتن إندك " وكيل الخارجية الأمريكية ، يتأهب للقائه في واشنطن مع جدول أعماله .

خامسا : إن التقرير في النهاية يضم توصيفا رسميا جديدا للتوجه المصري ، فهو لا يتحدث عن خلل في التوازن الرسمي الإقليمي بسبب هذا التوجه ، ولا يضعه في موضع التناقض مع البعد الإقليمي للإستراتيجية الأمريكية ، ولكن في موضع تناقض كامل مع الأمن القومي الأمريكي ، وكأن الصواريخ المصرية القريبة المدى أو حتى المتوسطة ، تمتلك طاقة دفع تهدد الولايات المتحدة عبر الأطلنطي !

سادسا : إن المخابرات المركزية الأمريكية ، تقدم إلى الكونجرس تقريرا مماثلا كل ستة أشهر ، وباليقين فإن ثمة تقريرا آخر أضيف إلى هذا التقرير في الأسبوع الأخير من ديسمبر ، أو الأول من يناير ، والأقرب إلى الظن في الحالتين أن التقرير الأول ما كان يمكن أن يوضع على هذا النحو تحت أبصار الدنيا ، إذا كانت مادة التقرير الأخير ، الذي لم يعلن عنه ، تتناقض معه ، أي أن الكشف عن القديم رسميا يعني أن الجديد قد جاء ليضيف إليه ويعزز منه .

سابعا : إن وصول التقرير إلى الكونجرس على النحو السابق ، يعني أنه أصبح خارج سيطرة صانعيه ، فمهمة المخابرات المركزية أن تجمع المادة ، وأن تصوغ وتطرح ، ثم تبدأ التفاعلات لتأخذ مسارا ذاتيا داخل الكونجرس ، بمناخه وتوازناته وطبيعته ، إن ذلك لا يعني أن السلطة التنفيذية لم يعد لها علاقة بسلسلة التفاعلات الذاتية داخل الكونجرس ، ولكن يعني أن القرار لم يعد ملكا خالصا لها ، لأن التقرير قد تحول من مصدر لإطلاق الشكوك إلى آلية مؤسسية ، يمكنها أن تطلق ما تشاء من أدوات الإكراه والضغط .

*****

لكن الأمر مع ذلك لا يخلو من عوامل تجعل من الدهشة ، رد فعل في غير محله ، لأن النبت يبدو طبيعيا ، ومتجانسا مع التربة التي خرج منها ، وأسباب ذلك أيضا واضحة :

أولا : أن " الواشنطن بوست " ، تكفلت في مثل هذا التوقيت من العام الماضي ، بتسريب تقرير يتضمن أمرين على درجة كبيرة من الخطورة .

• قائمة نسبت المخابرات المركزية الأمريكية ، تتضمن أسماء 15 دولة تقوم – في تقديرها – بإنتاج أسلحة كيماوية وبيولوجية ، كان في مقدمتها عربيا وإسلاميا مصر ، إضافة إلى سوريا وليبيا والعراق ثم غيران .
• تصور إستراتيجي للمخابرات المركزية الأمريكية في ضوء هذا التقرير ، يؤكد أن أمريكا تخطط لاستثمار أزمة الخليج ، لكي تبدأ حملة دولية واسعة لمواجهة هذه الدول ، ونزع أسلحة الدمار الشامل منها .

غير أن هذا التقرير لم يخل من اسم إسرائيل ، رغم أن " برجر " مستشار الأمن القومي ، زاد عنها مدافعا بقوله أنها : " دولة ديموقراطية متحضرة " بمعنى أنها خارج مخطط حملة التفتيش الأمريكية .

ثانيا : في التوقيت نفسه ، كان قد تم تسريب مقاطع من دراسة للكلية العسكرية الأمريكية ، ولمركز أبحاث تابع للكونجرس ، حملت عنوان : " البحث عن سلام راسخ في الخليج العربي " ، ودارت ديباجتها الرئيسية حول فتح حوار إقليمي لتخفيف حدة التوتر بين الولايات المتحدة والعراق وإيران ، وتقليص الخلافات بين أمريكا وحلفائها حول العقوبات ، وذلك في سبيل التعاون في قضايا أمنية ,إقليمية ، لكن هذا الحوار الإقليمي استهدف من واقع الدراسة المذكورة ما يلي : " تشكيل مجموعة عمل للحد من التسلح في المنطقة ، تتولى مهمة تشكيل جهاز أمريكي ، على غرار لجنة الأمم المتحدة ، المكلفة بنزع أسلحة الدمار الشامل من العراق " أي أن الهدف هو تعميم مهمة " باتلر " في المنطقة ، وفي إطار آلية أمريكية خالصة ، بمعنى آخر ، هو إخضاع المنطقة كلها وتخومها بالتالي كجزء من فقرات هيكلها الإستراتيجي لمبدأ جديد هو " حرية التفتيش عن الأسلحة " وهو أمر أحسب أنه بات يمثل معطى جوهريا في تصور الولايات المتحدة الإستراتيجي لإعادة صياغة أوضاع المنطقة .

لأن اختفاء التهديد يمكن أن ينهي مبرر الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة ، لكن بقاء صيغ التفتيش يحتاج إلى بقاء قوة عسكرية دائمة إلى جواره .

ثالثا : بمجرد أن أنهي عمرو موسى ، مهمته الناجحة في تدشين المحطة الأولى للحوار الإستراتيجي بين مصر وأمريكا ، تساءل " بنجامين جيلمان " رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالكونجرس ، عقب عودته ، عن طبيعة برنامج الصواريخ المصري وعن أسباب احتياج مصر لها .

وقد تكفل " مارتن إندك " ساعتها بالإجابة باسم الإدارة الأمريكية بقوله : " إن الصواريخ المصرية هي مثار قلق " ولهذا علق الرئيس مبارك ساعتها – أيضا – على مائدة حوار مع اتحاد الصحفيين العرب قائلا " أنه مندهش من إثارة قيام مصر بأعمال صيانة لما لديها من صواريخ .. بينما أحد لا يعلق أو يقلق مما يملكه الآخرون من أسلحة نووية وصواريخ بعيدة المدى تهدد أمن واستقرار المنطقة " .

وكان من حقه أن يندهش ، فقد كانت غرفة الحوار الإستراتيجي مضاءة ومفتوحة في واشنطن ، وكان الموقف المصري - أيضا – مضاءا ومفتوحا.

رابعا : إن وضع مصر – حسب التقرير – على قائمة الدول المعادية للأمن القومي الأمريكي ، يتناسب مع درجة الاندماج الإستراتيجي الوظيفي بين الولايات المتحدة وإسرائيل ، ويعكس طبيعة ما تم مؤخرا من تجديد للاتفاق الإستراتيجي بين الجانبين ، بما أضيف غليه من مفردات وصفت بأنها تشكل للمرة الأولى ، ليس ضمانا لأمن إسرائيل في إطار حدود دولية معترف بها ، ولكن ضمانا لدور إسرائيلي في إطار وظيفة الدولة الإقليمية الكبرى ، المسئولة عن ضبط التفاعلات في المنطقة ، بل ودفاعا إستراتيجيا عن منطق " إسرائيل الكبرى " .

****

إذا كانت مصر وأمريكا تجريا حوارا إستراتيجيا ، على امتداد العام الأخير ، فهل يكون الكشف عن تقرير المخابرات المركزية الأخير ، تعبيرا عن النتيجة التي توصل لها هذا الحوار .

أم أنه يشكل امتدادا للحوار ، ولكن بوسائل أخرى ؟ قد يستحسن أن تمر الإجابة عبر النقاط التالية :

أولا : إن الذين كتبوا عن الحوار الإستراتيجي بين مصر وأمريكا من منظور التباين ، سلكوا طريقا منهجيا واحدا ، فقد رسموا ممرا فاصلا بين فضائين ، ثم وضعوا على جانبيه عناوين الملفات المفتوحة ، كالملف العراقي ، والملف الليبي ، والملف السوداني .. الخ ..

ليتوصلوا إلى نتيجة مفادها أن ثمة مساحة واسعة بين التصورين والرؤيتين المصرية والأمريكية ، وبالتالي فإن ثمة صعوبات جمة تعترض مجرى الحوار ، الذي سيمر مرغما في حقل ألغام مرصوف بتباين المواقف حول هذه الملفات الساخنة .

أما الذين كتبوا عن هذا الحوار الإستراتيجي من منظور التوافق قد سلكوا بدورهم طريقا منهجيا واحدا ، فقد أزالوا الممر الفاصل بين الجانبين ، وركزوا على القواعد الأساسية التي تحكم نظريا مواقف البلدين ، ووجدوا ضالتهم في التعميمات السياسية الإنشائية والتي تم تركيزها في ثلاث قضايا : الشراكة الإستراتيجية كحالة ، والاستقرار الإقليمي كهدف ، والمصداقية كأسلوب .

ولقد فصل الجانب الأمريكي نفسه هذه القضايا في محاور جانبية أساسية ، مثل السعي في إيجاد سلام شامل ودائم في الشرق الأوسط ، وتشجيع التنمية الإقليمية ، ومكافحة الإرهاب ، وأخرى فرعية مثل التعاون الاقتصادي أو التعاون في مجال البيئة ، ووفق هذا المنظور فقد جاءت نتائج التحليل مشجعة للغاية ، فالأهداف النهائية المصرية والأمريكية بدت متجانسة إلى حد التماثل .

ومن الواضح أن تناول قضية الحوار في كلا المنظورين السابقين ، قد أعطى في النهاية نتيجة متماسكة رغم اختلافها على كل جانب ، ورغم بعد المسافة بين النتيجتين إلى درجة الصدام ، فهل نحن بصدد حوارين إستراتيجيين مختلفين ، أم أن اختلاف منظور الرؤية قد عطل حاسة التناسب .

ثانيا : ليس سرا أن فكرة الحوار الإستراتيجي بدأت بقوة دفع مصرية ، فقد وضعت كورقة عمل أولية بين يدي " كريستوفر " وزير الخارجية الأمريكية السابق ، ثم ظلت ساكنة ، ثم التقطتها " أولبرايت " وتحمست لوضعها موضع التطبيق ، ومن المؤكد أن مصر ما كان لها أن تتقدم بفكرة الحوار ، لو أنها تنطوي على منافع سياسية ، ومن المؤكد – أيضا – أن أمريكا ما كان لها أن تبدي تحمسا عمليا لتأسيس الحوار ، لو لم يقع في منطقة مصالحها المباشرة .

وإذا كان الموقف المصري قد انطلق من محاولة احتواء الإجهاد في العلاقة المصرية الأمريكية ، سواء بسبب إحباطات عملية السلام عليها ، أو بسبب السطوع المفاجئ لتباين المواقف حول قضايا المنطقة وأزماتها المتتالية والمتكررة ، وذلك بإيجاد آلية منظمة للتشاور منهجيا بين البلدين ، فإن الهدف من الحوار بالتالي ، لم يكن توحيد المواقف ، ولكن الوصول إلى درجة أعلى من تفهم كل طرف لمواقف الآخر ، خاصة أن الأزمات ذات الأبعاد الجيوبولوتيكية .

أما الاستجابة الأمريكية ، فتبدأ برغبة أمريكا في عزل علاقتها بمصر ، عن التأثيرات السلبية لتعثر عملية السلام ، ولكنها تنطوي على ما هو أبعد من ذلك .

• لا يمكن فصل هذه الاستجابة الأمريكية للحوار عن إنضاج فهم أمريكي ، تضمنه أكثر من تقرير إستراتيجي يفسر فشل الولايات المتحدة في إيجاد إجماع إقليمي لاستخدام القوة ضد العراق ، بما أصاب عملية السلام من جمود ، وبألفاظ التقرير الإستراتيجي لمعهد الدراسات الإستراتيجية الوطنية ، لتقييم الموقف الأمريكي في العام السابق ، فإن " تجميد عملية السلام هو الذي اعترض قوة أمريكا على إيجاد موقف قوي مؤيد لسياستها إزاء العراق " ، وبغض النظر عن دقة هذا الفهم الذي تحول أمريكا إلى مفهوم ، لكن هذا الفهم والمفهوم يكتنفه العور ، لا بخلق وحدة شكلية بين موضوعين مختلفين ، ولكن باعتماد هذه الصلة معيارا وحيدا لتفسير كل منهما للآخر .
• ثم أن الاستجابة الأمريكية لفكرة الحوار ، لا يمكن فصل تزامنها مع تيار كاسح انتظم أغلب المهام البحثية والدراسية لمراكز الأبحاث والدراسات ، ومراكز صنع القرار في الولايات المتحدة ، اندفع في محاولة صياغة مبادئ إستراتيجية قومية كبرى للمستقبل ، تستهدف بالأساس الإجابة على سؤال واحد هو : كيف يمكن أن تبقى الولايات المتحدة قوة عظمى وحيدة ومتفردة فوق المسرح الدولي لأكثر من حقبة زمنية قادمة ، أو على حد تعبير كلينتون نفسه : أن يصبح القرن القادم قرنا أمريكيا .
ولذلك فإن هناك من رأى في أمريكا أن الحوار الإستراتيجي مع مصر ، حتى وإن تحول إلى بعض مقاطعه إلى مبارزة إستراتيجية ، فإنه يقدم أنبوبة اختبار جاهزة لدراسة التفاعلات بين التصور والخيارات ، وهو أمر لا ينطوي على أهمية لصياغة البعد الشرق أوسطي من هذه الإستراتيجية الكبرى للمستقبل ، ولكنه ينطوي أيضا على مؤشرات قد تكون مفيدة في صياغة بقية أبعاد هذه الإستراتيجية ولذلك – أيضا – فإن الحوار عرضا وقبولا ، لم ينبت كما كتب كثيرون على جذع العلاقة الاقتصادية ، أو المصالح الاقتصادية المشتركة .
لأن مصر – أولا – قد أجرت فصلا كاملا بين مسألة المساعدات الاقتصادية الأمريكية ، وجدول الحوار ومفرداته ، لأن المساعدات لا ينبغي أن توضع قاعدة للحوار ، وإلا أضعفته وأخلت بتوازنه ، ولأنها – أي المساعدات – لا ينبغي أن تكون مرجعية لعلاقة سياسية يحلو لها أن تصف نفسها بالشراكة الإستراتيجية ، أما بالنسبة لأمريكا فقد كانت بدورها معنية بشطب المفردة الاقتصادية من الحوار ، لأسباب تختلف عن الأسباب المصرية ، قد يكون في مقدمتها – ثانيا - أن البنية الاقتصادية المصرية التي كادت تنجز برنامج الإصلاح الاقتصادي بشكل كامل ، لم تعد قابلة لأن تشكل مصدر ضغط محتملا على مصر ، أو قاعدة تهديد من منظمات التمويل الدولية لها .
• يقود مباشرة التقرير الأخير ، وجود قضيتين أساسيتين حاكمتين في فضاء هذا الحوار الإستراتيجي .
الأولى : تتعلق بدور مصر الإقليمي ، وإذا كان عمرو موسى قد قدم في جلسة الحوار الأولى اعترافا مصريا بأن الولايات المتحدة هي الدولة العظمى المنفردة ، فقد رهنه باعتراف آخر ، بالدور الإقليمي لمصر ، باعتبار أن حدود هذا الدور تتضمن أبعاد إستراتيجية متماسكة من القرن الأفريقي إلى تخوم حوض البحر الأبيض .
الثانية : تتعلق بأولوية واضحة بإعادة بناء التصور الإستراتيجي الأمريكي في الشرق الأوسط وهي " ضبط التسليح " ، وإذا لم يكن بمقدور مراقب أن يعيد إذاعة ما تم تسجيله في قاعة الحوار ، فقد بدت نتائجه واضحة في ضغط عمرو موسى المكثف خلال ندوته التالية في مركز الإستراتيجية الدولية بواشنطن ، على هذا الموضوع وما اسماه بألفاظه : " افتقاد التوجه بموضوعية عند التعامل مع أسلحة الدمار الشامل و وسائل إطلاقها .. والخطورة البالغة على الشرق الأوسط بأحواله الراهنة من هذه التفرقة .. والبديل ، إقامة نظام أمني إقليمي يضمن أمانا متساويا مع إيجاد إجراءات تتيح الشفافية " ، أي رفض مصر القاطع للتعامل على أساس الاختيار والتفرقة والتفضيل ، بين الدول وبعضها ، وأن يعامل الجميع سواسية من حيث المعايير الدولية الموضوعية .

• المشكلة الجوهرية الممتدة الأثر والنتائج – إذن – هي تصور النظام الأمني في المنطقة بين الجانبين والإستراتجيتين خصوصا إذا كانت الولايات المتحدة في مرحلة إعادة تعريف لمصالح أمنها القومي ، وتعريف لتهديدات هذه المصالح ، وتحديد للعناصر والموارد العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية ، التي تؤمن هذه المصالح .
وخصوصا ، إذا كانت الاتفاقية الإستراتيجية الجديدة بين أمريكا وإسرائيل ، تضع التصور الأمني الإسرائيلي ، وفق مفهوم الليكود ، في قلب منظومة الأمن القومي الأمريكي الجديد .

****


ثم يبقى السؤال .. ما العمل ؟

• إن مصر ليس لديها في نطاق منظومة الدفاع عن أمنها القومي ، ما يستوجب الرد نفيا أو إيجابا فذلك شأن مصر الوطني الخالص .
• إن مصر ليس من دورها أن تبصر الولايات المتحدة الأمريكية بحقيقة مصالحها الإستراتيجية في المنطقة ، وكأن هذه المصالح مغيبة في ضباب إسرائيلي خالص ، لكن دور مصر ، أن تبصر نفسها ، بأن حاجة غيرها إليها ، لا تقل أهمية عن حاجتها لغيرها.
• قد يكون مطلوبا أن تبادر مصر لملاحقة الموقف داخل الكونجرس ، بغية تجنيبه داخل حدوده الراهنة ، دون أن تتاح لتلك الآلية المؤسسية التي وضع بين يديها التقرير ، أن تبني عليه مواقف ذات طبيعة عملية ، لكن هذا المسعى المصري ، لن تكون نتائجه رهنا برغبة مصر وحدها ، أو بقوة حجمها ، وسلامة دفوعها ، لأن الحوار ليس " مونولوجا " في كل الأحوال ، وفشله لا يحتاج إلى رغبة أحد طرفيه ، أما نجاحه فإنه يستلزم رغبة الطرفين معا .

قبل أشهر قليلة تنبأ " ريتشارد ميرفي " بمناخ من الفوضى والاضطراب في الشرق الأوسط ، فهل كانت نبوءته تستند إلى أعماق صورة أمريكية جديدة ، لا نرى منها سوى سطحها الملون ؟!

15/2/1999

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :  
 
 

احمد محمد ابراهيم

1 - مادا تريد امركا هن هصر

تريد امريكا هن هصر ان تكون مصر العروبة حارسا لمصالحها وتاهين اسراءيل ودلب بالضغوط عليها بكل الوساءل ونسيان قضية فلسطين وهدا لا يهكن مع دولة بحجم وتاريخ مصر وحاليا امركا سارت مثل الاسدبدون انياب اللى القط اغضل منة