ثقافة الحواس     

ثقافة الحواس

بقلم : أحمد عز الدين

تطرد العملة الرديئة العملة الجيدة ، يحدث ذلك في الإعلام ، كما يحدث في الاقتصاد ، ويحدث ذلك في الصحافة كما يحدث في السوق ، وكما تحدد قوانين السوق ، سمات النمط الاقتصادي السائد ، تتدخل – أيضا – في تحديد سمات النمط الإعلامي السائد ، ولهذا فإن المتغيرات التي تلحق بالصحافة كرسالة ومهنة ، تكاد نفسها أن تلحق بالعمل الاقتصادي كتجارة وحرفة .

وكما يمكنك في ظل السوق المفتوح أن تتحول إلى ملياردير ، خلال سنوات قليلة ، بقليل من الموهبة ، وكثير من فهم الضرورات ، يمكنك في ظل السوق نفسه ، أن تتحول إلى نجم إعلامي ، بقليل من الموهبة والجهد ، وكثير من فهم الضرورات أيضا ، وكما يكون مطلوبا منك في الحالة الأولى ، أن تعلَب الهواء ، وتسلُق الثلج ، وتضع أرصدتك النافعة للمواطنين ، في بنك الوهم العام يكون مطلوبا منك في الحالة الثانية ، أن تعمل مرضعة لدى الغرائز العامة الملتهبة في مجتمع السوق ، فعندما تجف روح المجتمع ، يستيقظ بدنه ، وعندما ينغلق قلبه ، ينفصد عن مسامه ، مزيج غريب ، من الشهوة العامة والعدوان العام ، تدفعه رغبة عارمة في التهام كل شئ ، من أسرار غرف النوم ، إلى أخبار فضائح البورصة ، ومن نساء هوليوود ، إلى معشوقات كلينتون ، ومن الحياة الخاصة للسيد الوزير ، إلى السيرة الذاتية لممثلة الإعلانات ، وكأن التصحر الروحي العام ، يلد أسرابا هائلة من الجراد الجائع ، تندفع لالتهام كل عود أخضر ، وتدفع بدورها اللون الأصفر ، ليطرد بقية ألوان الحياة ، حتى من أوراق الصحف.

بهذا المعنى وحده يمكنك أن تجد تفسيرا لتلك الحالة ، التي تبدو شاذة ، وهي أن تتمكن صحيفة رخيصة مبنى ومعنى تتغذى على بضع صور عارية ، وأخبار لقيطة ، وسحب دخان فاسد ، من أن تجد جمهورا واسعا يقبل على شرائها ، أضعافا مضاعفة ، لما قد تجده مجلة جادة ورصينة ، وبهذا المعنى يمكنك أن تجد تميمة النجاح السحرية ، لاتساع مدرسة " إثارة الحواس " في الصحافة فبمقدورك أن تصدر مطبوعة ناجحة بمنطق السوق ، بأن تضع بين صفحاتها عددا من النهود البارزة ، والشفاه الملتهبة ، وبقية مفردات ثقافة " الاستربتيز " مستعينا بالإنترنت ، إلى جانب كومة من أخبار الفضائح في علب الليل ، أو علب المال ، مدعمة بمشاهد وحكايات للجن والعفاريت ، ثم تضيف إلى المزيج النهائي ، قليلا من ملح القومية ، فتلعن نتنياهو وتتشاجر مع أولبرايت ، ثم تضيف بعض توابل الوطنية ، فتصرخ في وجه أحد الوزراء ، أو تبدو أكثر شجاعة فتحمر عينيك لرئيس الوزراء .

وهكذا بقليل من الموهبة والجهد ، وكثير من فهم الضرورات ، يمكنك أن تصبح نجم شباك في عالم الصحافة ، سواء كفرد أو كمطبوعة ، وعند ذلك ستجد هياكل الثروات المتضخمة في السوق ، أن عليها أن تمارس معك أحد دورين ، إما أن تشتري صمتك عليها ، أو أن تشتري دفوعك عنها ، ويكون بمقدورك أن تضيف إلى عضلاتك الاجتماعية ، طبقات جديدة من القوة والبأس ، ويكون بمقدور الظاهرة نفسها أن تتكامل وجوهها بحدوث تكامل وظيفي بين أوضاع السوق من أسفل ، وبين السقف الإعلامي لمدرسة ثقافة الحواس من أعلى ، وهكذا – أيضا – يحدث زواج بين العملة الإعلامية الرديئة ، والعملة الاقتصادية الرديئة ، ويستقويا على بقية العملات الجيدة ، سواء في الإعلام ، أو في السوق .

لعلي لا أتجاوز إذا قلت أن هناك مؤشرات تفيد أن بعض المسئولين ، قد استطيبوا في البداية مدرسة إثارة الحواس في الصحافة المصرية ، فقد كان بمقدورهم أن يبصروا من أعلى بعض الفوائد ، فهي – أولا – تعطي قناعة عامة بجرأة الصحافة المصرية وبالحرية المبذولة لها ، وهي – ثانيا – تعمد إلى تحويل الرؤية العامة إلى هوامش جزئية وعابرة ، فيتحول نقد السياسات إلى هجاء الأشخاص ، وتحليل الأزمات إلى تنفيس لها ، وهي – ثالثا – بألوانها الكثيفة المشبعة بالإثارة ، تقدر أكثر من غيرها على تغطية الحاجات والأزمات الحقيقية ، وهي – رابعا – برصيدها وتوزيعها تستطيع أن تشرق الجمهور من بقية الصحف الجادة ، حزبية كانت ، أو تخص جماعات فكرية ، ثم هي – خامسا – أداة مفتوحة لتصفية الحسابات ، والتنكيل بالخصوم ، وإشاعة مناخ عام من التربص ، طالما أمكن توظيفه للصالح الخاص .

لكن مناخ التسطيح الفكري ، الذي بثته مدرسة إثارة الحواس ، سرعان ما تحول إلى عدوى عامة ، انتقلت مظاهرها إلى غيرها من المطبوعات القديمة أو المستحدثة ، واتسعت رئة النميمة العامة في المجتمع ، تارة باسم الحوادث ، وتارة باسم النجوم ، بل وفي تارات أخرى ، باسم الحرية وحقوق الإنسان ، وكأن حقوق الإنسان يمكن اختزالها في مساحة صغيرة من جسده ، أقرب ما تكون من معدته ، وأبعد ما تكون عن رأسه ، وهكذا أصبحنا بصدد ظاهرة تلوث عام ، وجد المجتمع نفسه ومعه أجيال جديدة من الصحفيين ، مبعثر في فضائه الغريب ، إضافة إلى أن هذه الأجيال الجديدة نفسها ، وجدت نفسها مبعثرة في فضاءات أكبر ، من بينها فضاء اجتماعي تنعكس عليها كل أزماته ، وفضاء فكري بحكم ما أصاب العقلانية من ضمور ، وفضاء مهني ، بحكم أوضاع الصحف نفسها ، التي تمركزت حول سطوة فردية مغلقة ، تقتل الإبداع والنمو .

ولقد كان بمقدور صحف الأحزاب ، أن تساهم في خلق توازن أفضل يقلل الإحساس بالعور ، ولكن هذه الأحزاب التي أسندت حضورها في البداية إلى صحف ناجحة وقوية ، سرعان ما عكست أزماتها الذاتية على صحفها ، فبدت أقل تأثيرا وفاعلية ، وأكثر إجهادا وتراجعا ، بعد أن اعترى بعضها ما اعترى الأحزاب نفسها من أعراض وعلل .

وباختصار فإن أعراض التلوث قد ظهرت على الصحف ، ولكن التلوث نفسه قد تم ضخه من مصادره الحقيقية في قلب السوق إليها ، مصحوبا بظواهره العامة ، انطفاء الروح ، وانغلاق القلب ، وغيبوبة العقل ، ومدرسة ثقافة الحواس .!

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :