ردا على دهاء التاريخ     

ردا على دهاء التاريخ

بقلم : أحمد عز الدين


تستحق مقالة د. فؤاد زكريا توقفا أعمق أمام قاعدتها المنهجية ، بغض النظر عن الموقف الفكري من النتيجة التي انتهت إليها، وهي تأسيس مشروعية جديدة للاحتفال بالحملة الفرنسية على مصر .

ذلك أنني أتصور أن أهمية المقالة ومخاطرها معا ، تتبديان في طرح هذه المنهجية للاستخدام الفكري العام ، خاصة إذا كان صاحبها يحتل مكانة فكرية عالية :

أولا : لقد بدل د. فؤاد زكريا بعد ثلاثين عاما ، موقفه المناهض " لحملة مصر " على اليمن ، وقد أرجع ذلك إلى واقع زيارة متأخرة له لليمن ، حيث فوجئ بتمثال الجندي المصري المجهول ، أقامه اليمنيون ، احتفالا دائما ، بالدم المصري الذكي الذي اعتبروه رسول حضارة وحداثة .

ثانيا : إن الكاتب الذي لم يجد سبيلا لدحض هذه القناعة اليمنية العامة ، وقد وجد ضالته في مقولة لهيجل هي " دهاء التاريخ " فأوكل إليها تأسيس تلك المشروعية التي ساقها ، تزكية لهذا الاحتفال .

ثالثا : إن الكاتب ما كان له أن يخلع نتائج الحملة المصرية يمنيا ، على الحملة الفرنسية مصريا ، لولا أنه أوجد وحدة شكلية بينهما ، واعتبرها مشيمة متماثلة ، أنجبت نتائج تاريخية متماثلة ، وهكذا ارتكز على فرضية مسبقة ، هي تطابق الحملتين ، تكوينا وتأثيرا ثم حاول بكل حرفة الصنعة اللغوية ، أن يقنعنا كبديهية : ( الحملة الفرنسية – الحملة المصرية ) وتارة باستخدام سلاح تاريخي جديد هو " دهاء التاريخ " .

والحقيقة أن منح هذه المنهجية الصورية ، مشروعية الاستخدام فكريا ، أكثر ضررا من منح الحملة الفرنسية ، مشروعية الاحتفال مصريا ، لأنه إذا كان " دهاء التاريخ " ليس عرضا مثاليا في منظومة هيجل ، وإنما هو قانون علمي ، فإن الظاهرة الاستعمارية كلها تشكل في بعض جوانبها ونتائجها مظاهر له ، وهذا يعني إسباغ صفات جديدة على الظاهرة الاستعمارية تعتمد ما تراه جانبا إيجابيا لها .

فنرى من منظور مفكرين غربيين أن احتلال الجزائر ، كما رأى " أنجلز " حدث هام وسعيد لتقدم الحضارة ، وأن الاحتلال الإنجليزي للهند ، قد أحدث أعظم ثورة اجتماعية بإبادته للمجتمع الآسيوي القديم ، وبالتالي فإن من واجب شعوب الأرض ، التي عانت من الظاهرة الاستعمارية أن تحتفل اليوم ، بدهاء التاريخ فيما أصابها ، من بلاء واستغلال واستلاب ، لأنه ساهم في توسيع إدراكها الحضاري .

لقد استطاع الكاتب بمقياس هذه المنهجية ، أن يفصل في حالة الحملة الفرنسية ، بين الخطأ التاريخي الذي هو من صنع المصريين ، والنتائج الإيجابية التي هي من صنع التاريخ ، مما يعني أن اليمنيين لا يحتفلون بإشعاع الدم المصري وإنما بدهاء التاريخ ، وهو ما تنسحب عليه مشروعية بالتالي على الاحتفال مصريا بالحملة الفرنسية .

ما أدهشني أن د. فؤاد زكريا ظل قرابة نصف قرن ، يدعو إلى استخدام المنهج العلمي ، فهل لجأ إلى المنهج الصوري ، مضطرا للبرهنة على صحة موقف ذهني مسبق ، لا سبيل لتوكيده بمنهج بديل ، أحسب أن فطنته كانت لابد أن تدفعه إلى استبعاد وضع " الحملتين " في قفص واحد ، ليس فقط لوشائج خصوصية قومية وتاريخية وإستراتيجية بين مصر واليمن ، ولكن لأن الحملة المصرية لم تحمل معها مطبعة ولا كتيبة من العلماء ، ولا فصول من تعليم الليبرالية ، ورغم ذلك أقام لها اليمنيون ، تمثال احتفال دائم ، وهو ما يعني أن موقفهم ينطوي على أسباب جوهرية أخرى .

من أين إذن استمد منهج التمثال الصوري بين الحدثين أصوله ؟ أخشى أن أقول أنها تأثيرات نزعة " العولمة " فكريا ، وعمدها إلى نزع الخصوصية الوطنية والقومية ، ليس من الواقع فحسب ، بل من التاريخ أيضا ، وإذا صح ذلك فإن المخاطر الكامنة في مقالة د. فؤاد زكريا ، تصبح أكثر بكثير مما قدرت في البداية .

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :