السلام خيار استراتيجي لنا ... والسلاح خيار استراتيجي لهم     


بقلم : أحمد عز الدين





(1)

المجد للحديد الذي يفل الحديد ، والنار التي تصعق النار ، وللكبرياء النبيل ، الذي يحاصر الانحناء الذليل .

المجد للحدائق والحقول ، للبيوت التي أعادت الطائرات الإسرائيلية صياغتها ، لتصبح مقابر عائلية رحبة ..

المجد للزهور الطفلة التي تنفست ضوء النهار الأول ، قنابل ذكية ، وصواريخ موجهة ، وتهجت حروفها الأولى ، وهي تعلق رغوة الدم ، بدلا من رغوة الحليب .

المجد لتلال الرماد ، وجبال الخراب والأنقاض ، للحوائط الشهيدة ، للجسور المعلقة الممزقة ، لبطون لبنان المبعثرة ، للقبور التي بحثت لنفسها بعد أن ضاقت عن قبور ..

المجد للعظام المحترقة كأصابع الشمع ، ولنتف اللحم المتبلة بالبارود والفوسفور ، بينما ظل النبض يسري في عروقها ، وهي معلقة في محلات الجزارة الإسرائيلية ..

المجد للأطفال الذين روعهم الجنون الإسرائيلي ، وهو يتساقط كسفا من الليل مظلما ، ففروا إلى الشوارع المبتورة ، بغير أباء ولا أمهات ، كأنهم عصافير مذعورة ، قامت من النوم ، فوجدت نفسها مقصوصة الجناح .

المجد للذين تركوا أحلامهم تحت الرماد ، وحقائب أيامهم الممتلئة تحت الأنقاض ، ولم يجدوا وقتا ، ليودعوا ورودهم وهي تحترق في حدائق البيوت ، وكرومهم وهي تحتضر في بساتين الجدود، بحثا عن سقف رحمة ، يرحم ضعفهم ، وشيخوختهم ، وفلذات أكبادهم ، لكنهم لم يجدوا رحيما بهم ، في أوردة الطرق المقفرة ، غير أمطار القنابل ، ودانات المدافع .

(2)

المجد لأمة العرب ، في مخاضها الصعب ، وللشرق الأوسط الجديد ، في ميلاده الدموي الفريد ، وللبنان الذي تلقي في كرمة صدره ، وسنديانة أرزه ، وسماوات عينه ، افتتاحية حرب التحرير الإسرائيلية الثانية ، وصدمة الموجة الثالثة ، للحرب الأمريكية ضد الإرهاب .

تطاير الدم نزيفا من شاشات التليفزيون ، وتساقط فوق موائد السهر ، وأكواب الشراب ، وآنية الطعام ، ووسائد النوم ، ثم تكون فوق المقاعد ، وتجول في الأنحاء المفتوحة .

لذا ، إذا رأيتم دما يسير قي شوارع المدن العربية طليقا ، فلا تندهشوا ، فلا أحد يقدر على أن يحبس الدم في الصور الفوتوغرافية ، ولا أحد يستطيع أن يحنطه كالوردة ، بين دفتي كتاب ...

يصنع الدم ، دما ، لا دمعا ..
يصنع الدم ، حلما ، لا ألما ..
يقيم حفلا ، لا مأتما ..
لكل طلقة صدى ..
ولكل قطرة دم مدى ..

لهذا لا تنظروا خلفكم في غضب ، بل انظروا حولكم في كبرياء ، فالدم كالحقيقة ، لا تجففه شمس الصيف الحارقة ، ولا تكنسه عواصف الشتاء العابسة ، ولا تغطيه سيولة الفصول الغاضبة .

يصبح الدم شجرا ، ويصبح الدم شمسا ، ويصبح الدم وطنا ، ويعلن مملكته ، وسلطانه الذي لا سلطان لغيره عليه .
(3)

المجد لكرات الدم الساخنة ، التي قاتلت نصل السيف الأمريكي المسنون ، في يد صهيون ، المد لبرك الدم التي فاضت لتملأ فجاج أرض العرب ، والتي لن تلد سوى تماسيح مفترسة ..

أبشركم أن عصر التماسيح العربية المفترسة يؤذن بالبزوغ ، أبشر الجالسين فوق مسامير الخوف ، والمضطجعين على وسائد الترف ... أبشر السلاطين المتدثرين بعباءات الفزع الأكبر .... إذا لم يكن هذا يوم القيامة ، فماذا يكون ؟!

إذا كان السلاطين قمحا ، فقد طحنته الدبابات الإسرائيلية ، وإذا كانوا طحينا ، فقد عجنته القنابل الأمريكية ، وإذا كانوا عجينا ، فقد خبزته أرغفة حرائق السخط والغضب والذلة ، وبعدها لن تجد المدن المشحونة بالقنابل الموقوتة ، بديلا عن أن تأكلهم ، لتسد جوعها الذي توحش .

أذكركم بأن المبالغة في استرضاء روما ، إمبراطورية الشر القديمة ، كانت السبب والدافع ، وراء تدمير قرطاج.

أذكركم بأن المبالغة في الانحناء ، أمام أباطرة روما القديمة ، كان السبب والدافع وراء تدمير مقدونيا ،

إذا كانت هذه روما الجديدة ، فنحن أمام قرطاج جديدة ، لكن أكثر من قرطاج ومن مقدونيا جديدة في الطريق .

(4)

المللدم الذي قاتل نصل السيف الأمريكي في يد صهيون ، والسلام على عقلاء هذه الأمة ، الذين مسحوا عن أعلامهم الوطنية ، ألوانها القومية ، لتصبح بيضاء من غير سوء نعلقها لترفرف كأجنحة الدجاج الأليف ، على أسوار المدن ، ومنارات الموانئ ، وصواري السفن ، وأسطح البيوت ، وموجات البث التليفزيوني الصاخب ، ثم نرشقها على الجدران السوداء في محلات البقالة ، وفصول المدارس ، ومقار النقابات ، والنوادي ومحطات المترو ، ونرسمها بالألوان المائية الزاهية ، على أغلفة الكتب المدرسية .

السلام عليهم عقلاء هذه الأمة ، الذين كتبوا مراثي ساخنة ، في شيخوخة العروبة قبل أن تموت ، ليرحموها من سكرات الاحتضار الطويل ، وأعلنوا موت الرصاصة ، وهي تتنفس حية تحت جلدها ، وشطبوا لغة البنادق والسكاكين ، والحجارة من قواميس اللغة العربية ، ولقنوها دروسا مبدعة ، في فضاء الانحناء المذل ، والسجود الخاشع ، وقرأوا عليها قرآنا أعجمي القلب واللسان .

السلام على تلك القسمة العادلة ، التي ابتدعةها وغذوها وأعانوها ، وحولوها إلى تمثال معبود :

السلام خيار استراتيجي لنا ..
والسلاح خيار استراتيجي لهم ..
ثقافة السلام .. زاد أيامنا ، وقوت أجيالنا ..
وثقافة الحرب ، زاد أيامهم ، وقوت أجيالهم ..

تلك قسمتهم العادلة ، التي حملوها بشجاعة اليقين ، ودأب المجاهدين المخلصين ، وهم يدركون أن مجدهم جزء من مجد سادتهم ، الصاعدين فوق رماد أيامنا ، وأنقاض أحلامنا ، وجثث حقوقنا ، إلى سارية شمس العولمة التي لن تغيب .

السلام على مشروع اللا مشروع ، وهوية اللا هوية ، ووطن اللا وطن ، وقوة اللا قوة ، وضعف اللا ضعف ، وبطاقة العودة المفتوحة ، إلى تاريخ اللا تاريخ .

السلام على الذين قزموا مفهوم الأمن القومي ، في حدود مخفورة عسكريا ، وغير محصنة استراتيجيا ، الذين حاولوا أن يثقبوا رؤوسنا ، ويضعوا عقولنا في الجبس ، ويلفوا على عيوننا طبقات من الشاش الأبيض ، كي لا نرى مفصل التحولات ، ونيران التهديدات ، الذين استحسنوا التيعية ، واختلقوا مزارع مفتوحة ، تتكاثر فيها جراثيم القابلية للاستعمار .

السلام على الذين لوثوا فضاءنا الفكري ، بمخلفات أحدث المنتجات المصنوعة في ورش الـ CIA والموساد ، وحاصروا الذاكرة القومية ، وهي تتفتح كالوردة المسكونة بالأشواك ، ففكوا عرى الأوطان ، في لحظة توحدها ، وقسموا روح الأوطان ، في أوج توهجها ، وهم يقضمونها قطعة قطعة ، كأنها بعض من فطيرة التفاح الأمريكية .

أولئك الباجثون عن صفقة ، لا عن مجد ، وعن مغانم ، لا عن أوطان ، وعن ثروات ، لا عن نصر ، وعن صور تذكارية ، لا عن تاريخ .

السلام على دبلوماسية الملاينة ، التي تبحث عن فضلات مغنم ، ودقيق رضا ، ونظرة إحسان ، ولفتة استحسان ، حيث لم يعد للكرامة معني ، ولا للسيادة مبنى ، وحيث يتم الفصل بالمبضع ، بين التاريخ والجغرافيا ، فيذهب التاريخ ليغفو مطمئنا في المتحف الوطنية ، وتتحلل الجغرافيا الحية ، إلى نتف من الأرض ، ونتف من الناس ، ونتف من الغمام ، وتنحل الأوطان ، في المنشور الزجاجي الأمريكي ، إلى ألوان الطيف الأولية ، التي شكلت نطفتها الأولي ، فينتمي المواطن إلى جيبه ، والذكر إلى جسده ، والتاجر إلى بضاعته ، والجائع إلى بطنه ، والصياد إلى سمكته ، وعابر السبيل إلى سبيله ، لتصبح وظيفة العلم الوطني ، كوظيفة المذياع ، سواء بسواء ، مجرد الإيهام بأن الوطن ليس مكعبا من الثلج قابل للذوبان ، ما دام يمتلك الراية والنشيد .

سيقول لكم المتأمركون ، إن المقاومة رجس من عمل الشيطان المغامر ، فاجتنبوه ..
سيقولون لكم ، إن المقومة لا تلد إلا خرابا ، وأنقاضا ، ودما ، فاجتنبوها ..
سيقولون لكم ، إن خطيئة القوة ، أكثر ضررا من خطيئة الضعف ..
سيقولون لكم ، إن لبنان حالة إنسانية مجردة ، فساعدوها بالأسبرين والشاش والطحين .
سيقولون لكم ، كانت حادثة صدام عشوائية ، فوق طريق السلام المفتوح ، فغطوا جسدها الدامي ، بأوراق الجرائد ، وارفعوا جثتها من قلب الطريق ، إلى جانب الرصيف ، ثم اجمعوا نثار الزجاج ، وشظايا الحديد والصفيح ، وسلطوا خراطيم المياه القوية ، على بقع الدم والطين ، لكي نعاود الجلوس إلى مائدة المفاوضات ، هادئين ، ثم يبدأ كورس السلام الرتيب ، في عزف أنشودة جديدة ، عن مآثر أغصان الزيتون ، وفضائل القوة الناعمة للدولة ، ومناقب ديموقراطية الحوار ، ومنافع مراكب التجارة والاستثمار ، التي ستهبط من وراء الحدود والبحار .

لتبق القسمة العادلة :

السلام خيار استراتيجي لنا ..
والسلاح خيار استراتيجي لهم ..
ثقافة السلام .. زاد أيامنا ، وقوت أجيالنا ..
وثقافة الحرب ، زاد أيامهم ، وقوت أجيالهم ..

ثم يواصل الدود الأمريكي نخر عظامنا ، وتهشيم أعضائنا ، وتمزيق خلايانا ، وتكسير جماجمنا ، ريثما تتأهب البندقية الإسرائيلية ، للممارسة نشاطها الإبداعي ، فتعالجنا من سكرات الاحتضار الطويل ، برصاصة الرحمة الأخيرة ، قبل أن يبدأ العالم العربي ، في الاندفاع فوق الطريق ذاته ، الذي دفعته فوقه نتائج حرب عام 1948.


(6)

مفصل تحول في أوضاع الإقليم والدنيا ، وانقلاب استراتيجي شامل ، لا تخطؤه عين ، وزاد جديد ، ينضجه الدم واللهب ، يتأهب للصعود على المسرح ، والإعلان عن حضوره ، بالقوة الجبرية .

ومن له أذنان فليسمع ....
ومن له عينان فلير....

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :