مدافع الفاتيكان في حروب الإمبريالية     


بقلم : أحمد عز الدين

( 1 )

ثلاثة أعوام ثقيلات علي النفس والبدن ، تبينت خلالها أن وجع الصمت ، أكثر إيلاما من وجع الكتابة ، غير أن الانعزال ليس العزلة ، فقد ظللت منغمسا في ذلك البحر اللجيّ التي تتقاذفنا أمواجه السياسية والفكرية ، كأننا مخلفات سفينة فككتها عاديات الزمن ، دون شاطئ ترسو عنده ، أو مرفأ تنقذف إليه .

ولم تكن قنابل اللهب التي ألقي بها بابا الفاتيكان في حقول القش الممتدة في قلب الإقليم وتخومه الآسيوية والإفريقية المتباعدة فوق خارطة الإسلام الحضاري ، بعيدة عن دائرة الهم ، قبل دوائر الاهتمام ، ولكنني ظننت – وبعض الظن إثم – أن هناك وترا بالغ الحساسية قد مسته شفرة سيف صدئ ، وانه كفيل بإيقاظ كل ما في منظومات الدفاع الوطني والقومي من أجسام مضادة ، سوف تتولي مهمة الصعود فوق المنصات السياسية والفكرية المتعددة ، لتسكت مصادر النيران ، خاصة وأن الأمر يتعلق بالهوية ، جوهرا ومضمونا ودورا ، فوق أنه يتعلق بالعقيدة ، نصا ، وروحا ، ورسالة .....

لكنني حين تابعت أغلب ما صدر هنا وهناك ، لم ألبث أن خرجت بحقيقة غائبة ، موصولة بأن أجهزة المناعة السياسية والفكرية والثقافية ، قد أصابها ما أصاب منظومات الدفاع الذاتي نفسها ، من وهن واستكانة ، فقد ظل المنهج الغالب في الردود ، ينحو إلي عزل موقف البابا الشخصي ، عن موقف الفاتيكان الذي يمثل البابا رأسه المقدس ، عن التوجه الفكري الغربي ، الذي تنطق به مجموعة من الظواهر المعادية ، للهوية العربية الإسلامية ، وهي ظواهر ليست معزولة ، عن التخطيط الاستراتيجي الغربي ، في إطار حلف الأطلنطي ، وامتداداته ووظائفه المستحدثة ، كما أنها ليست منفصلة عن الاستراتيجية الأمريكية ، مثلما تنطق بها آخر وثيقة للأمن القومي الأمريكي ، حددت بوضوح ، أن عدوها الأول ، وغاية توجهها السياسي والعسكري في الإقليم ، هو ما أطلقت عليه " الراديكالية الإسلامية " ، ولقد أوحي منهج العزل ، علي هذا النحو ، بأننا إنما بصدد قضية فكرية خلافية ، تتطلب منا أن نظهر برهاننا من مصادر الشريعة الإسلامية ذاتها ، علي اتهام معلق ، فنواجه اتهامنا بالعنف والسيف واللا عقلانية ، بآيات من القرآن الكريم ، الذي هو مرجعية مقدسة عندنا ، ولكنه لا يشكل مرجعية ولا قدسية عند سوانا ، وهو ما يؤكد أننا نريد أن نسمع صوتنا لأنفسنا ، وأن نروي محاسننا لذواتنا.

ثم تهافت منهج الرد في أحوال كثيرة ، إلي طلب اعتذار من رأس الكنيسة الكاثوليكية ، وكأننا نواجه فهما مغلوطا لصاحبه ، قابلا للنصح ومن ثم الاعتذار ، ولا نقابل مفهوما ، مستقرا ، وراسخا ، هو جزء من بنية فكرية تشكل واحدا من أبعاد استراتيجية متكاملة ، مثلما تتوزع بيادقها في الفضاء السياسي و الفكري ، تواصل انتشارها وحضورها بالقوة المسلحة ، في لحم أراضينا ، ومصالحنا ، ومستقبلنا .

إن أحدا يستطيع أن يطلب من غيره ، اعتذرا علنيا عن فهمه ، سواء أكان صحيحا أو مغلوطا ، طالما سبب ألما له ، ولكن أحدا لا يستطيع ، ولا ينبغي أن يطلب من غيره اعتذارا علنيا ، عن مفهوم ، يشكل وحدة في بنية متكاملة من المفاهيم ، تشكل بدورها حصنه الفكري ، وحصانته العقائدية ، فالاعتذار يمكن أن ينحدر من فهم خاطئ أو صحيح ، لكنه لا يتنزل من مفهوم ، سواء أكان خاطئا أو صحيحا .


( 2 )

لكنني مع أكثر الردود والتعليقات المقصوصة الجناحين ، والتي تدفعك دفعا إلي الارتطام بالأرض ، لم أقرأ ما بلغ بروحي الحلقوم ، بعد أن منحني مزيجا فريدا من الإحساس بالمهانة والجهالة و الذلة ، كذلك الذي أحتل صفحة الأهرام الأولي ، يوم الجمعة الماضي ، بتوقيع الأستاذ أسامه سرايا رئيس التحرير .




وأسباب ذلك لا تخفي علي فطنة أحد :

أولا : إن افتتاحية الأهرام ، لم تر في الحريق الذي عمد إلي إشعال حقول القش في الإقليم ، إلا بقايا رماد منطفئة ، فقد وضعت المعركة أوزارها بعد أن
ـ " خدمت كلمات البابا الإسلام ولم تضره ، وفتحت باب الحوار " ـ

وإذا كان الأمر كذلك ، فإن علينا أن نوجه الشكر إلي البابا ، علي الخدمة غير المقصودة التي أداها ، وأدت بالتالي إلي فتح باب الحوار ، وأن نغض النظر عن تلك الحقيقة ، التي تقول أن مليار و مائة مليون كاثوليكي ، يؤمنون بأن البابا ، قولا ، وفعلا ، ورؤية ، معصوم من الخطأ ، وأن كلماته تبقي في حيز القداسة .

ثانيا : إن افتتاحية الأهرام ، قد أسست علي انتهاء المعركة ، والخدمة الجليلة التي أدتها كلمات البابا للإسلام ، نتيجة حالة ومحتومة ، وهي أن ـ " الإسلام خرج من هذه القضية منتصرا " ـ ولست أعرف ما هو معيار النصر أو الهزيمة ، إذا كانت محاضرة البابا ، بكل ما تضمنته ، قد غدت نصا بابويا رسميا ووثيقة دائمة تحظي بالقداسة علي مر الزمن ، داخل الكنيسة الكاثوليكية ، وفي محيط رعاياها الواسع .

ثالثا : إن كلمات البابا حول الإسلام – كما تقول الافتتاحية – هدفها " دعم مشروع البابا المثير للجدل ، حول استعادة أوروبا إلي أحضان المسيحية الكاثوليكية " .

وإذا كان ذلك صحيحا ، فليس واضحا ما إذا كان تقريع نبي الإسلام ، وتفريغ الإسلام ذاته من مضمونه ، ودوره ورسالته وحضارته ، التي أخصبت الفكر اللاهوتي الغربي ذاته ، في أوج انحطاطه ، يمكن أن يشكل سلاحا فعالا ، في يد الكنيسة الكاثوليكية ، ضد التمرد التاريخي المتصل عليها من الكنائس الأخرى ، التي تأسست علي قواعد قومية ذاتية ، إلا إذا كان ذلك يمكن أن يشكل قاعدة ، لوحدة الصف المسيحي الغربي ، في مواجهة العدو المشترك الذي هو الإسلام ، خاصة وأن أوروبا التي عاشت أغلب تاريخها منقسمة علي ذاتها ، والتي أغرقت ثلث الكرة الأرضية في حروبها بالدم ، مدينة بوحدتها التاريخية ، لحروبها ضد العرب والمسلمين ، في ظل الشعارات الدينية ، للقرصنة الاستعمارية ، التي تخفت وراء صليب المسيح ، وهو منها براء .

رابعا : إن البابا – كما تقول الافتتاحية – " قد وقع في مغالطات و تناقضات كثيرة " ولكن " الرجل أفتقد الحكمة فيما قاله في الظروف الراهنة علي الأقل ، ولم تسعفه حكمته ، في أن يري حديثه وقد أسيئ فهمه " .

وآية ذلك الواضحة بحروف الأهرام ، أن البابا يتمتع بالحكمة والحمد لله ، ولكنه أفتقد الحكمة مرتين ، الأولي حين أختار لعرض رؤيته توقيتا غير مناسب ، مما يعني أن السوء في التوقيت ، وليس في الكلمات ، والثانية حين لم تسعفه حكمته في أن يري حديثه ، وقد أسيئ تفسيره ، أي أن المشكلة ليست في أن البابا أساء القول ، ولكن السوء ترتب علي عدم رؤيته للتفسير المسيء لقوله ، وهو تفسير بالطبع ينتسب إلينا ، لا إلي سوانا ، بدليل أن جمهرة من المفكرين والكتاب الغربيين ، استحسنوا كلماته ، وأضفوا عليها ما تستحق من صفات ، المواجهة والشجاعة ، وطالبوه بأن يصعد فوق سلالمها ، إلي شرفة مواجهة أعلي ، لتعريف المسلمين بحقيقة دينهم .

خامسا : إن افتتاحية الأهرام ، لم تجد شهادة فكرية تضحد بها ، افتقاد البابا لحكمته في الظروف الراهنة ، سوي شهادة يهودي إسرائيلي ، عرف عنه بحثه المتهم باللاواقعية عن السلام ، ولم يعرف عنه يوما أنه مفكر أو باحث ، في شئون الفلسفة العربية الإسلامية ، أو في المقارنة بين الأديان .

ولا تسريب علي الأهرام في هذا الاختيار طبعا ، طالما أن حدود الثقافة التي كتبت افتتاحيته ، لم تجد في مخزونها الفكري غير هذه الشهادة اللقيطة ، فهي لم تسمع باسم مفكر غربي واحد ، يعتد به في نسيج الفلسفة الغربية ، نظر إلي الإسلام من زاويته الحضارية التاريخية .

وإذا كانت رؤية افتتاحية الأهرام تعبر عن الفهم الذي يعتمر في عقل الدولة المصرية ، أو ما تبقي منها ، فنحن بالتالي أمام منحدر خطير للغاية ، حيث لم تعد المشكلة وفقا علي ما تنطق به مظاهر المعاناة من العمى الاستراتيجي ، والعمى الفكري ، ولكن في أن سيكولوجية المرض قد أصبحت غالبة ، ومعنية بالتالي ، بأن توزع مناظير هذا العمى ، علي جموع المواطنين المبصرين .

( 3 )

أعرف أن الرد سيجئ جاهزا من الجانب الآخر ، فهو يريد أن يطفأ النار التي كادت أن تمسك بالقش ، ونحن نريد أن نمدّها بلهب ووقود ، ونحن علي هذا النحو ، نفتح أبواب معركة صراع الحضارات ، كما يسعى الغرب ويريد ، خاصة وأن البابا نفسه ، قد غير عنوان اللافتة المعلقة علي باب الحوار ، فأصبح حوار الحضارات ، بدلا من حوار الأديان ، وفي هذا السياق الجديد ، قد تكون الانتقادات أو الاتهامات مقبولة واعتيادية ، طالما وجهت سهام نقدها إلي الحضارة لا إلي الدين ، مع أننا بصدد تغيير شكلي بحت ، لأن الغرب نفسه حتى في أزيائه العلمانية ، يعتبر المسيحية واحدة من ثلاثة مصادر أساسية في تكوين الحضارة الغربية ، التي هي في منظوره أم الحضارات ، ومركز المركزية الأوروبية ، بينما نعتبر الإسلام ، العصارة الحية التي دخلت إلي شجرة الحضارة اليابسة الجرداء ، فأخصبتها ، وحولتها إلي خضرة وظل وثمر ، توزعت عوائدها علي البشرية جمعاء ، وأيا كان الأمر فإن مسعانا وفق هذا الاتهام الجاهز ، لن يكون غير تكريس منطق المواجهة والاحتراب ، بديلا للحوار .

وليس في ذلك كله شئ من الصحة ، فتغطية الأعين عن سحب الدخان المتصاعدة تحت القش ، لن يبددها ، وتغطية النار بمزيد من مكعبات الخشب لعزلها ، قد تخفي الشرر ، ولكنها تمنحه فرصة أن يتحول بمرور الوقت إلي حريق ، كما أنه ليس بمقدور أحد أن يبشرنا ، علي غرار تلك النزعة السياسية التبشيرية ، التي دفعتنا قبل أكثر من حقبتين من الزمن إلي الرهان ، علي أن هناك نظاما دوليا جديدا ، سوف تكون أهم وظائفه ، دفع أعداد من عربات الإطفاء إلي حيث تشتعل الأزمات ، لتصب من خراطيمها ، ما يحول الحرائق ، إلي برد وسلام ، فقد جربنا أن عربات الإطفاء ، التي دفع بها هذا النظام الدولي ، لم تغمر هذه الحرائق بالماء ، وإنما غمرتها وغمرتنا بالدم .

غاية القصد أن القبول بمنطق الحوار وتعزيزه ، ليس مجرد إعلان للتهدئة ، وليس مجرد قبول أو رفض لاعتذار ، لأنه سيكون بغير قيمة وبغير عائد ، إذا لم يستند إلي رؤية استراتيجية ، وفكرية صحيحة ، تحيط بالحقائق والوقائع ، التي تدخل في تشكيل صلب رؤية الآخر ، واستراتيجيته ، والتي تصوغ أهدافه ومراميه ، وإذا لم تستند هذه الرؤية الاستراتيجية والفكرية ، إلي إدراك صحيح للخطر ، ودوائره القريبة والبعيدة :

أولا : أن الشواهد الدالة في قلب الإعلام الغربي ، وفي أهم أطروحات مفكريه المعتمدين ، وفي متون وثائقه الأمنية والاستراتيجية ، تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أو التردد ، أننا أمام خطوط هجوم سابقة الإعداد والتجهيز ، محددة الأهداف والغايات ، محشوة البنادق بالذخيرة الحية ، وأن زخات رصاصها لم يتوقف ، قبل كلمات البابا ، أو مدفعيته الثقيلة ، وبعد كلماته ، عن تصويب نيرانها ، إلي لوحة التنشين المركزية ، التي تحتل قلبها النواة الصلبة ، للحضارة العربية الإسلامية .

ثانيا : إن علينا أن نلاحظ بالقدر الكاف أن المفردات ، التي كان يستخدمها الإعلام الغربي ، إضافة إلي الوثائق السياسية والاستراتيجية المعلنة ، مثل "الإسلام والمسلمين" ، و "الأسلمة والإسلاميين " ، و " الإسلام السياسي " وغيرها ، قد طردت من بنية الخطابين – الإعلامي والاستراتيجي – وحلت محلها مفردات أخري ، مثل " العنف الإسلامي " ، " التطرف الإسلامي " ، " الإرهاب الإسلامي " ، " الراديكالية الإسلامية " ، " البينة الإسلامية للإرهاب " الخ ....

فلم يعد العنف أو الإرهاب راجعا في مفهوم الخطابين ، إلي تجاوز في فهم شخص ، أو جماعة ، أو تيار ، وإنما أصبح مردّه إلي بنية الذات الإسلامية والعربية ، سواء بالمعني التاريخي أو الثقافي ، وكأن المطلوب منا – وهو كذلك بالضبط – أن نضع قطيعة معرفية مع التراث ، وقطيعة وجدانية مع الموروث ، وقطيعة عقلية مع الواقع ، فإذا كانت كلمة العقيدة ، قد اشتقت في اللغة العربية ، من العقدة ، فإن علينا أن نفك العقدة ، ونتحرر من حصارها ، لكي نتحرر من حصار الآخر .

ثالثا : لا تتقدم الاستراتيجيات الكبرى لتحقيق أهدافها التاريخية ، مدججة بالقوة العسكرية وحدها ، أو معتمدة علي درجات الاختلال الكبير في موازين القوى فوق الأرض ، فالجيوش تزحف علي بطونها – كما قال نابليون – ولكن الاستراتيجيات الكبرى لا تتقدم دون غطاء أيديولوجي ، وفكري ، وثقافي ، يضفي علي نزوعها العسكري ، مسحة عقلانية وروحية وأخلاقية ، وإنسانية ، وحضارية ، ولسنا في احتياج إلي استنطاق شواهد من التاريخ علي ذلك ، فقد كانت كل موجة استعمارية علي امتداد هذا التاريخ ، مدججة بترسانة من هذا الصنف ، مارست دورا لا يقل فاعلية ، عن ترسانة السلاح ، وحتى مع روما ، إمبراطورية الشر القديمة ، عندما لم يكن هناك رجال دين أو قساوسة ، يقدمون بطاقة روحية وأخلاقية ، لتلك النزعة الاستعمارية الأصلية ، فقد انتدبت روما شعراءها الكبار ، مثل هوراس وفيرجل ، ليشغلا المكان الخالي ، ويضعان بين يدي روما المحاربة ، رسالة إلهية ألقاها الرب علي كاهلها ، لتوحد العالم وتبسط سلامها الروماني علي أنحائه بالقوة .

رابعا : ثمة قوانين تحكم العلاقة بين السقف الأيديولوجي والثقافي ، الذي يرفرف كحمامات السلام فوق رؤوس الحضارة أو القوة الغازية ، وبين الاستراتيجية العامة لها ، وبين الاثنين وبين منظومة القوة العسكرية ، التي تتحرك فوق الأرض ، فالاستراتيجية هي الأساس ، والسقف الأيديولوجي والثقافي ، وكذلك القوة العسكرية ، تابعتان لها ، ويصدران في النهاية عنها ، أما العلاقة بينهما – الأيديولوجية والقوة – فهي علاقة تنظيم تعاون دائم ، تكاد أن تكون علي شاكلة تنظيم التعاون بين المشاة والمدفعية ، في وحدات الجيش المقاتل ، فمهمة المدفعية الثقيلة هي تهرئة دفاعات الخصم ، وتمزيق خطوط دفاعه الأمامية ، وإسكات مصادر نيرانه ، لتنفتح بعد ذلك الخطوط الدفاعية سهلة ، ومتاحة ، أمام المشاة ، التي تكون مهمتها تنظيف وإسكات ما تبقي من قوة الدفاع ، ثم التمسك بالأرض .

ولذلك دون فهم هذه العلاقة المركبة ، التي تضع قوانينها الخاصة بين هذه المستويات الثلاث ، الاستراتيجية ، والأيديولوجية ، والقوة العسكرية ، فإن المشهد الذي يواجهنا يبقي ناقصا ، ومبتورا ، ومسطحا ، وتبقي رؤيتنا له بالتالي ، علي النحو ذاته ، ناقصة ، ومبتورة ، ومسطحة .


( 4 )

إن السلامة الحقيقية لا تقتضي أن نفكر نحن المصريين ، بمنطق ضيق ومأزوم ، فنتصور أن الحريق بعيد عن ثيابنا وعن أصابعنا ، وأن بمقدورنا أن تنقل مصالحنا ومساكننا بعيدا عن ناره وضحاياه ، ذلك أننا – في الحقيقة الأخيرة – هدفه وقبلته ومرماه .

وعندما طرح هنتنجتون في كتابه " صياغة الحضارات والنظام الدولي الجديد " تصور حدوث حرب شاملة تشارك فيها علي حد تعبيره " الدول النواة في الحضارة العالمية الرئيسية " وعد ذلك أمرا ليس مستحيلا ، جاءت مصر في مقدمة هذه الدول النواة في الحضارة العالمية الرئيسية ، جنبا إلي جنب مع أمريكا وألمانيا ، والصين واليابان ، والهند وروسيا .

والحقيقة أن هنتجتون لم يضف جديدا ، لا إلي قيمة مصر الاستراتيجية ، ولا إلي مكانتها الحضارية ، والدولية ، ولهذا ظل كل تصور موصول بمصر في كافة الاستراتيجيات الغربية ، محتفظا بجوهر سياسة دول غرب أوروبا البحرية تجاه مصر تاريخيا ، وهو مفهوم يتلخص في عدم السماح بقيام مركز قوة دولي حقيقي في مصر ، أي أنه نقيض سياسة مصر منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر ، التي كانت في جوهرها محاولة علي الجانب الآخر ، لبناء قاعدة قوة في المنطقة ، تسترد مصر بموجبها وظيفتها الحضارية الإقليمية ، التي طوقتها الدولة العثمانية ، ولقد كان هذا هو حال الدولة العظمي الأولي تجاه مصر دائما ، ففي كل مرحلة تاريخية لصعود قوة عظمي ، كانت مصر لا يمكن استبعادها من الاستراتيجية الكونية ، للقوة العظمي الساعية إلي الهيمنة المنفردة ، علي الساحة الدولية ، فدون إخضاع مصر يصعب علي استراتيجية دولة عظمي ، أن يكتمل نجاحها ، ولهذا فإن انجلترا ، لم تنجح في بناء إمبراطوريتها بغزو الهند ، وإنما بانتصارها في معركة أبو قير البحرية ، ولهذا فإن إمبراطورية نابليون انهارت ، ليس بنتائج معركة وواترلو ، وإنما بنتائج معركته لاحتلال مصر ، والإمبراطورية الرومانية نفسها لم تصبح قوة دولية ، إلا عندما تقدمت فوق الجسور المصرية .


( 5 )

إن أحدا يصعب أن يتخيل ، عنف الضربات الأجنبية التي وجهت إلي مصر ، وما تكبدته ، من نزيف في الطاقة والقوة ، ربما إلي حد التصفية ، في أعقاب كل محاولة لبناء قوة يرتفع علي أكتافها ، دور إقليمي فاعل ، يزيد التوافق بين المكان والمكانة ، وإذا كان الحديث موصولا بالسقف الأيديولوجي لعمل القوة المسلحة ، أو بالمدافع الأيديولوجية، التي تلعب دور التمهيد النيراني ، في كل مواجهة ، فيكفي التذكير ، بما تعرضت له مصر ، في أعقاب ردها علي موجات الهجمة الأوروبية ، التي جاءت مدفوعة بالانفجار السكاني ، والطغيان الإقطاعي ، تحت علم الحملات الصليبية ، فبعد تحرير عكا نهائيا ، تعرضت مصر لأول حصار دولي تجاري في التاريخ ، خاصة علي مستوي السلع الاستراتيجية ، وقد استند هذا الحصار ، إلي قوانين الكنيسة الملزمة ، باسم السلطة الروحية ، بدءا من حظر تصدير الخشب والحديد إليها ، وانتهاءا بالمواد الغذائية ، ومن مرسوم ( نيقولا الرابع ) الذي حرم توريد الأسلحة والخيل والحديد والخشب لمصر ، ولكافة البلاد الخاضعة لسلطانها ، وأوقع علي المخالفين عقوبة الحرمان من الحقوق المدنية ، ومن أهليتهم في أن يوصوا وأن يورثوا ، إلي مرسوم البابا ( كليمنت الخامس ) الذي حرم التجارة مع مصر في كل البضائع ، وفرض علي المخالف ، أن يعامل كرقيق ، ويوصم بالعار ، والحرمان الكنسي ، إلي مراسيم مجمع فيينا الديني ، ورئيس كهنة بواتييه ، وهنري الثامن ، التي نصت جميعها علي تحريم كل تجارة مع مصر ، بل إن البابا " كليمنت الخامس " وحلفاؤه ، تنادوا إلي تخصيص تشكيلات من السفن الحربية ، في البحر الأبيض المتوسط ، تتجول بين آسيا الصغرى ومصر ، لتطرد وتأسر وتحاكم ، السفن التي تضبط متلبسة بالتجارة معنا ، فتاريخ مصر ليس تاريخ الهيمنة ونقيضها فحسب ، ولكنه في تلخيصه العميق ، تاريخ البناء الحضاري ، والتفاعل الحضاري ، والمقاومة الحضارية ، ولذلك إذا كانت الخبرة التاريخية المصرية ، ليست مستقلة عن الخصائص الإقليمية ، والجيوبولوتيكية المصرية ، فإن خبرة القوى الدولية مع مصر ، معاشة أو منقولة ، ليست منفصلة أيضا عن هذه الخصائص .

( 6 )


مرة أخرى فإن القبول بمنطق الحوار وتعزيزه ، ليس مجرد إعلان للتهدئة ، وليس مجرد قبول أو رفض لاعتذار ، لأنه سيكون بغير قيمة وبغير عائد ، إذا لم يستند إلي رؤية استراتيجية ، وفكرية صحيحة ، تحيط بالحقائق والوقائع ، التي تدخل في تشكيل صلب رؤية الآخر ، واستراتيجيته ، والتي تصوغ أهدافه ومراميه ، وإذا لم تستند هذه الرؤية الاستراتيجية والفكرية ، إلي إدراك صحيح للخطر ، ودوائره القريبة والبعيدة ............ وفي إطار ذلك يتواصل الحوار .










 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :