نشيد جنين ... وسوى الروم خلف ظهركَ روم ُ ...!     

بقلم : أحمد عز الدين

لا تروض كلماتك ، ولا تراودها عن نفسها ، بل أتركها كالجياد العصية ، تجمح بنفسها إلي حيث تشاء ، إلي حيث تجد السهل أو الجبل ،الموت أو الحياة ، لأنك إن لم تفعل ، أصبحت الكلمات قيودا ومنافي وسجونا ، وأصبحت أنت أسير القيد ، والنفي والسجن ، ولأنك إن لم تفعل لن يكون لك إلا خيار أن تعمل مروضا لجياد الناس الجامحة رفضا وغضبا في براري الوطن .
(1)

إذا لم تعترف أن هذه لحظة الحقيقة التي تشبه يوم القيامة ، فسوف تفرض علي نفسك أن تري صور الأشياء مقلوبة ، تقف علي رؤوسها .
سوف تري أن المجد لإسرائيل ، وهي تعود إلي لحظة خلقها الأولي ، وحشا همجيا خارجا لتوه من حفريات ما قبل التاريخ ، وأن المجد لجنودها الذين يتنفسون حقدا وردي ، قطعان حيوانات مفترسة ، أحسنوا علفها في مزرعة الصهيونية ، وسوف تري أن المجد لشارون بطل السلام الجديد ، الذي أمر "بوش" المتحدث بأسمه أن يمنحه وسام البيت الأبيض ، منحوتا عليها " عبارة " رجل السلام" ، وأن يعلقه فوق صدره علي الهواء مباشرة من واشنطن ، وأن المجد-أيضا- لأمريكا وريثا شرعيا لروما القديمة ، إمبراطورية الشر ، ونسلا خالصا من صلب أباطرتها ، الذين تقول الأسطورة الرومانية عنهم إنهم ملأوا فجاج أوروبا والشرق الأوسط الكبير دما ، لأن ذئبة تبنت طفولتهم ، وأرضعتهم لبنها الكريه .
سوف تري أن المجد لرب الجنود والموت في إسرائيل ، ولرب النفط والقوة في البيت الأبيض ، وأن المجد لهذا الجنون الصهيوني الذي يتساقط فوق رؤوسنا ، كسفا من الليل مظلما ، المجد للدبابات التي تطحن عظام الشهداء ، وللجرافات التي تبني من البيوت الآمنة مقابر عائلية ، وللصواريخ التي تصطاد رءوس النساء والصبية ، وهم يفرون كالعصافير المذعورة من فوهات المدافع ، فالمجد للقوة التي تصنع من جماجمنا كئوسا ، وتشرب فيها دمانا ، وتسكر حتى الثمالة منها ، وتفرغ شهوتها الحيوانية فوق أسرّة من لحوم بنينا .

(2)
المجد لرب الجنود والنفط ، والسلام علي العقلاء الذين يمسحون عن أعلامهم ألوانها الوطنية ، لتصبح بيضاء من غير سوء ، نعلقها لترفرف كأجنحة الدجاج الأليف ، علي أسوار المدن ، ومنارات الموانئ ، وصواري السفن ، وأسطح البيوت، و نرشقها فوق وسائد النوم ، وكتب المطالعة المنزلية .
والسلام علي العقلاء الذين يكتبون مراثي ساخنة لأمة العرب ، قبل أن تموت ليرحموها من سكرات الاحتضار الطويل ، ويعلنوا موت الرصاصة وهي تتنفس حية تحت جلدها ، ويشطبوا لغة البنادق والسكاكين والحجارة من قواميس اللغة العربية ، ويعلمونا من المحيط إلي الخليج دروسا عبقرية ، في فضائل الانحناء المذل ، والسجود الخاشع ، ويقرأوا علي مسامعنا قرآنا جديدا أعجمي القلب واللسان .
السلام علي جماعة " كوبنهاجن " دعاة ومريدين ، وعلي الذين بنوا لهم من قلب السلطة سلالم الصعود إلي منابر الإعلام والسياسة ، وعلي الذين أسبغوا عليها الحماية ، وفتحوا لهم جمعية السلام بغير سند من القانون ، ومنحوهم شرعية أن يلوثوا فضاءنا ، وأن يدفنوا فضلاتهم السامة في عقول أجيالنا الصاعدة .
السلام عليهم جميعا ، عقلاء هذه الأمة ، الذين حملوا بيننا بشجاعة رايات ثقافة السلام ، والتسامح ، والحوار مع الآخر ، والذين ينتصب مجدهم جزءا من مجد سادتهم الصاعدين فوق رمادنا ، وانقاضنا ، وجثثنا إلي سارية شمس العولمة ، التي لن تغيب أبدا .

(3)

والسلام علي الذين يتبجحون في افتتاحيات الصحف بأن " النظام العربي أصبح يواجه هجوما من جبهتين ، كلتاهما تهدف إلي القضاء عليه ،الأولي عصابات اليمين الإسرائيلي ، والثانية جماعات الإسلام السياسي ، وبقايا القوميين والناصريين الحالمين بعودة التاريخ إلي الوراء"
السلام عليهم لأنهم يرون أن إسرائيل بذاتها أصبحت لا تشكل خطرا ، لأنه لا خطر إلا في بعض دوائر يمينها ، ولأن العدو في الداخل بقايا القوميين والناصريين والإسلاميين الذين لا يقلون خطرا عن شارون ، وتلك هي العقلانية والواقعية ، التي تفصح بصراحة عن نواياها ، فإذا لم يكن ممكنا أن نواجه أعداء الخارج ، فلنواجه أعداء الداخل ، وإذا لم نكن قادرين علي ذبح شارون ، فلنذبح صقور القوميين والناصريين والإسلاميين .
السلام علي هذا العقل المبدع ، الذي يحرض نظام الحكم نفسه ، ويحرض قاعدة المجتمع علي الانقسام علي ذاتها ، ويدعي أن الهروب من حرب الخارج ، يمكن أن تتم بإشاعة الاحتراب في الداخل ، السلام علي هذا لعقل المبدع الذي يدرك بفطنة ووعي ، مطالب أرباب القوة والنفط ، وهي محصورة ومحددة : أن تتمزق الأوطان في أوج لحظة توحدها ، وأن تتفتت صخرة الوحدة الوطنية ، في أكثر لحظات الحاجة إلي الاعتصام بها .
السلام علي أولئك الذين يملأون أقلامهم حبرا أجنبيا ، ويملأون قلوبهم نبضا أجنبيا ، وتتحرك عقولهم بذبذبات كهرومغناطيسية ، تأتي من وراء الحدود والبحار ، لهم السلام والبقاء ، وعلينا السقوط والانتحار .

(4)

لا مجد لنا ، ولا سلام علينا ، نحن الذين نرفض أن ننكس أعلامنا ، ونحني هامات بنادقنا ، ونؤجر عقولنا صناديق بريد للآخرين .
لا مجد لنا ولا سلام علينا ، نحن الذين لا نريد أو نقتنع بخصائص حوار " الديموقراطيات " مع بعضها ، والذي يتم كما يقول المتحدث باسم البيت الأبيض ، فوق قاعدة من الصداقة والاحترام ، فهكذا تتحاور الديموقراطية الأمريكية ، مع الديموقراطية الإسرائيلية ، أما نحن اللاديموقراطيين ، فلا أساس للصداقة معنا ، ولا أساس للاحترام ، لأن من حق الديموقراطية الإسرائيلية أن تتحاور مع اللاديموقراطية الفلسطينية ، بالصواريخ والطائرات والدبابات ، ومن حق الديموقراطية الأمريكية أن تتحاور معنا جميعا- نحن العرب- حوارا حضاريا خلاقا ، بكل أسلحة الإكراه المادي والمعنوي ، ولكي ندخل في معسكر الديموقراطيات ، ونكتسب خصائص حوارها الحضاري ، فإن علينا أن نوقع علي أوراق الاعتماد التي تقدم إلينا ، وهي لا تختلف عن الأوراق التي طلب من عرفات أن يوقع عليها ، صك استسلام كاملا غير مشروط ، فلم يعد كافيا أن نسلم أسلحتنا ونتنكر لحقوقنا ، وأن ندمر بأيدينا ما تبقي من مصادر المقاومة لدينا ، لأن علينا أن نعيد تسليم أرواح شهدائنا ، المطلوبين للمحاكمة كي تصدر بحقهم عقوبات الإعدام الأدبي بعد المادي ، وأن نعلن بالصوت والصورة ، أننا ندين جنونهم اللاإنساني ، واستشهادهم المأفون ، وأننا نتبرأ منهم ، ومن مجد ادعوه ، ومن حقوق اختلقوها ، ومن أرض وعقيدة وتاريخ زعموا كذبا أننا أصحابها .
لا وقت لدينا ، لكي نحصي فوارغ الطلقات ، ونرفع أحجار الأنقاض ، ونواري ما تبقي من بقايا الجثث ، التي أكلها البارود والحصار والزمن ، لأن علينا علي وجه السرعة ، أن نغسل بألسنتنا نزيف دمنا ، الذي تجلط فوق شفرة السيف الإسرائيلي ، ليعود لامعا ومصقولا ، ولا وقت لدينا لنبحث عن الآلاف الذين تمت تعبئتهم في عربات السبي والقهر ، كأنهم أكوام لحوم ذبيحة تنقل وهي لا تزال تنزف من السلخانة الإسرائيلية العامة ، إلا دكاكين الجزارة الفرعية .
لا وقت للوقت ، لا وقت للتنقيب عن المقابر الجماعية ، ولا وقت للبحث عن آلاف الصبية والعجائز الذين هاموا علي وجوههم في شعاب الأرض ، محاولين الخروج من بركة الدم ، ولا وقت لسماع صوت تلك العجوز ، التي خرجت من بين أنقاض البيوت الشهيدة ، وهي تصرخ بصوت ذبيح: " ماء ماء " ، لا وقت للاهتمام بمثل هذه التفاصيل الصغيرة ، فانهار العرب لا تزال مملوءة بالمياه ، ثم أنه لا وقت للتفكير ، ولا وقت للاعتراض ، ولا وقت للحوار ، لأنه كلما أدرك الإسرائيليون أنهم لم يحققوا أهدافهم السياسية ، رغم كل القوة العسكرية التي قذفوا بها في وجه الفلسطينيين ، كلما انتبهوا لشئ واحد أن الوصول إلي الأهداف نفسها ، يحتاج إلي قذف قدر أكبر من القوة ، وكلما استخدم لاجيش الإسرائيلي هذا القدر الأكبر من القوة ، ارتفعت شعبية شارون ، في بورصة الدم الفلسطيني .
إذا أردنا أن نبدأ ، فإن علينا أن نهدأ ، وأن نفعل كما فعل الجنود الإسرائيليون ، فقد هدموا حوائط جنين ، علي رؤوس أطفالها ونسائها ، ثم استرخوا في المزارع التي تحيط بها ، بعد أن هدأت ثورة الدم فيهم ، ثم علينا أن نعيد طلاء الوجه الأمريكي القبيح ، بمزيد من مساحيق الألوان ، فقد تسلخ جلده في الحريق ، وتناثرت عليه بقع من دمانا ، وظهر للناس ، كما لا نحب أن يظهر ، دميما ومنحازا ومتواطئا وشريكا في شحن البنادق وإطلاق النار ، والواجب أن نعيده إلي صورته الأولي ، راعيا معتمدا لعملية السلام ، ودافعا للتنمية ، وصديقا استراتيجيا ، يحرص علي الأمن والاستقرار ، ثم بعد ذلك لا بأس أن نلخص الوقائع كلها ، في حادثة سيارة يمكننا تغطية ضحاياها ، بأوراق الجرائد ، ويمكننا أن نجمع نثار الزجاج ، وشظايا الحطام ، ونمسح بقع الدم من فوق طريق السلام ، لنعاود الجلوس هادئين ، إلي مائد المفاوضات .
(5)

أكثر من دورة أسبوع ، وحفنة رجال ، وكومة بنادق ، في شقوق جنين ، يوقفون زحف مئات الدبابات ، وآلاف الجنود المدججين بالسلاح ، من رؤوسهم إلي أقدامهم ، أكثر من دورة أسبوع ، وحفنة رجال ، وكومة بنادق ، يجبرون مدافع الدبابات الإسرائيلية ، علي أن تتمسح محنية في تراب المخيم .
نفد رصاصهم ، بينما صناديق الرصاص ، تدفع عنها الصدأ في أنحاء العالم العربي ، متمنية أن تكون لها أرجل من حديد كي تمشي إليهم .
أكثر من دورة أسبوع ، وحفنة رجال ، وكومة بنادق ، يصنعون من أنفسهم متراسا ، ليس من أجل صون أمتار من الأرض ، ومكعبات من الطوب ، وإنما لصون معني الوجود العربي ذاته ، وهم يعيدون طلاء الرصاص الذي لونته دماء الذين ، يصعدون من جنين ، إلي سماوات لم يروها ، وإلي بلاد لم يسكنوها ، مبرهنين في نشيد صمودهم المعجز أن العرب لم يفقدوا قدرتهم علي صنع المعجزات ، عندما ترفرف في أرواحهم إرادة المقاومة ، وتتدفق في دماهم إرادة الصمود ، فموقع جنين ، لم يكن موقعا فاصلا في المواجهة الفلسطينية الإسرائيلية ، ولكنه كان موقعة فاصلة ، في المواجهة العربية الإسرائيلية ، لأن جنين لم تقدم درسا ، وإنما فرضت منطقا ، ولم تطرح سؤالا ، وإنما قدمت إجابة ، ولم تصنع متراسا من اللحم والدم ، وإنما زرعت شمسا ، لا تغطيها الغيوم ، ولا تطفئها الرياح .
مع ذلك فإنني مضطر لأن أبشركم أن دما أكبر من هذا سيفيض ، وموتا أكبر من هذا سيتجول طليقا في أنحاء الوطن ، وأكوام خراب وجبال ضحايا ، ستغير الطوبوغرافيا فوق خرائط العرب ، عندما كان "بوش" يرص كلماته ، في تعليقه الأول علي الاندفاعة العسكرية الإسرائيلية ، في شرايين الضفة الغربية لم تخف كلماته أن افتتاحية قد بدأت للمرحلة الثانية ، من الحرب ضد الإرهاب ، لكنه لم يقل أن المرحلة الجديدة كلها ستقاوم الإرهاب في دماء العرب ، وفي عقول العرب ، وأن وقودها سيكون عربيا خالصا ناسا وحجارة .
لهذا فإن متراس الصمود الفلسطيني ينبغي أن يبقي في مكانه ، وعلي العرب أن يحتشدوا خلفه بقواهم دما ومالا، ليمنعوا السكين الأمريكية في يد الجزار الإسرائيلي ، من أن تحصد قمح الهجمة العسكرية الإسرائيلية ، من تحت جلود الفلسطينيين ، لأنها تريد أن تعجنه وتخبزه وتوزعه أرغفة تتقوت عليها هجمة أوسع وأعمق .
متراس فلسطين هو متراس العرب جميعا الآن ، وإذا نجحوا في أن يحرموا اليد الإسرائيلية من قطف الثمار السياسية التي تريدها ، من مزرعة الدم الفلسطيني ، فقد كتبوا علي افتتاحيتها الدموية أن تتحول إلي خاتمة مهزومة كسيرة .
لا أحد يستطيع أن يطلب من التاريخ ، أن يمشي إلي الخلف ، ولكن مشكلة بعض هؤلاء الذين يدافعون عن مقاعدهم ومصالحهم ، لا عن النظام ولا عن الوطن ، أنهم لا يبصرون أن التاريخ إنما ينحط إلي طور غابر قديم ، ويتطور تطورا عكسيا ، فهو لا يتقدم إلي الأمام ، ولا يتراجع إلي الخلف ، وإنما ينحط إلي درك أسفل من تاريخ البشرية .

(6)

لا تروض كلماتك ، ولا تروض نفسك ، لأن السموات التي أحملها فوق كتفيك ، ليست مرايا من زجاج ، يمكن أن تنكسر شظايا ، متاريس المقاومة سوف تنتصب هنا وهناك ، ولكن عليها أن تستعيد قول المتنبي ، لسيف الدولة ، في غمار معركته :

وسوي الروم خلف ظهرك روم
فعلي أي جانبيك تميل

15/4/2002

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :