مرحلة جديدة على مستوى الهوية في العالم العربي: مرحلة هدم المضامين     

مصر ليست سوريا ... وسوريا ليست مصر

على هامش نقل الرئاسة في سوريا

الإعلام المصري ومشروعية السلطة

بقلم : أحمد عز الدين

للرئيس الإسرائيلي " عزرا وايزمان " مقولة لا تزال تتنفس في أروقة المعاهد العسكرية الإسرائيلية ، يقول منطوقها : إن أفضل خط دفاعي على تل أبيب يقع عموديا بين القاهرة ودمشق .

وما رآه وايزمان من ناحيته خطا دفاعيا عن تل أبيب ، يتمتع بالأفضلية ، يشكل منذ بواكير التاريخ من الناحية الأخرى القاعدة الراسخة للدفاع عن تلك المنطقة النابضة من قلب العالم .

ولهذا لا يمكن فهم خصوصية العلاقة بين القاهرة ودمشق ، أو بين مصر الكبرى والشام الكبير ، إلا بالوقوف عند مفصل هذه الزاوية الحرجة ، على البحر الأبيض المتوسط ، التي يتشكل أحد ضلعيها من مصر والآخر من الشام .

فبقدر ما كان الشام الكبير هو المعبر لفيض قلب آسيا الذابل مرات ، ولفيض الجفاف الأوروبي المدفوع تارة بالانفجار السكاني والإقطاع ، وتارة بقطعان الظاهرة الاستعمارية ، بقدر ما كانت مصر في النهاية هي المصب وهي المصد وهي الهدف .

ولم يكن الارتباط المصري التاريخي بالشام الكبير ، إلا تعبيرا عن ذلك الارتباط العضوي بين مصر وخط دفاعها الطبيعي الأول ، الذي يقع شرق حدودها الشرقية وليس غريبا أو مدهشا لذلك أن أهم معارك القوة المصرية لرد التمدد الأجنبي عن المنطقة ، وعن مصر ذاتها ، سواء مع صلاح الدين أو الغوري أو إبراهيم باشا قد حملت أسماء : حطين ، وعكا وحمص وحلب وطرطوس .

لذلك ليس من قبيل المبالغة القول أن العقل الاستراتيجي المصري ، أدبى دوما استجابة حادة تلقائية ، تجاه المخاطر التي قد تحدق بسوريا ، وأبدى دوما حرصا شديدا على سلامتها واستقرارها وعافيتها ، وهذا وحده ، وليس عنده ما يفسر موقف مصر منذ أن جاء الإعلان مدويا عن غياب الرئيس حافظ الأسد .

وليس في ذلك ما يدعو إلى البحث عن عوامل أخرى ، أو مؤثرات أخرى ، قد طبعت موقف الدولة المصرية بلونها الخاص ، بل أجازف بالقول أنه مهما كانت طبيعة المواقف الدولية التي أحاطت بمقدمات مرحلة ما بعد الرئيس الأسد ، ومهما كانت طبيعة عملية نقل السلطة ، فإن الموقف المصري كان سيظل داخل حدوده ، رؤية واستجابة ، لأنه ينطلق من أبجديات الأمن القومي .

لكنني أحسب أنه بقدر وضوح الموقف المصري ، بقدر التباس المفاهيم واختلاط الدلالات والمواقف ، في ثنايا كثير من كتابات الصحافة المصرية ، ولست أقصد بذلك بعض المبالغات التي ظهرت ، عندما أكد عدد من الكتاب لقرائهم بضمير مستريح ، أنهم أقاموا في مخدع الأسد خلال أيامه وساعاته الأخيرة ، وأنهم أنصتوا إلى كلماته ، وتنصتوا على نبضه ، وحالته المعنوية ، وسجلوا حواره مع زوجه وبنيه ، وأحصوا مقابلاته ، وأطباق طعامه ، فالحقيقة أن روايات هؤلاء قد أبطلت كل منها الأخرى ، فلم تتناقض مفرداتها فحسب ، بل يكفي أن الحالة المعنوية للرجل ، قد تراوحت في الروايات بين سطوعها عند القمة ، وبين أفولها عند السفح .

وقد يكفي أصحابها من وجهة نظرهم ، أنهم صنعوا سبقا على الموساد، التي لم تستطع الإدعاء بأكثر من أن بعض عملائها ، كانوا يحومون حول بيت الرئيس الأسد ، في لحظات احتضاره .

ما أقصده بخلط الدلالات والمواقف والمفاهيم أبعد من ذلك بكثير :

أولا : في مقدمة مظاهر هذا الخلط ، وضع قاعدة تماثل مصطنعة بين مصر وسوريا ، سواء على مستوى المكون التاريخي العام ، وعلى مستوى النظام السياسي الخاص .

وهذا أمر ليس صحيحا ، ولا مفيدا ، فمصر ليست سوريا ، وسوريا ليست مصر ، وكل منهما شخصية تاريخية ونظام سياسي مختلف ، وهي حقيقة لا تنسحب على الماضي ، ولكنها تطول المستقبل ، لأن الشعوب قد تغير حكامها ، وقد تغير أنظمتها ، ولكنها لا تستطيع أن تتنكر للقوانين التي تفرضها مكوناتها التاريخية .

ليس هدفي أن أعقد مقارنة بين المكونين التاريخيين لمصر وسوريا ، ولكن استبصار بعض الفروق ضروري ، لاستبيان فساد تلك القاعدة المصطنعة للتماثل التي أطلت من شقوق كثير من الكتابات .

فمصر كائن عضوي غير قابل للقسمة ، وهي دولة لم تتفكك وحدتها السياسية منذ ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد ، والوطن السياسي المصري راسخ في موقعه يشبه السد الجغرافي الهائل ، لا تأكل منه عاديات الزمن ، والدولة المركزية المصرية القوية ، لم تكن في تاريخها الطويل صنو الاستبداد ، فقد أتى الاستبداد إلى مصر من الخارج أغلب الوقت ، ولكنها ظلت صنو الأمن القومي ، كما أن الدولة في مصر سابقة على أغلب طبقاتها الاجتماعية ، بل أن الطبقة المتوسطة المصرية ولدت من ضلعها ، ولهذا فإن الولاء الوطني يعلو دائما على كافة الأشكال الأخرى للولاء .

يضاف إلى ذلك ، أن التجربة الحية لمدرسة العسكرية المصرية بعمق مئات القرون ، تؤكد أنها باعتبارها ، وعاء القوة التاريخي المنظم ، ظلت متمسكة بصياغات ناضجة مع مجتمعها الوطني ، بكل قواه الاجتماعية ، مما أتاح لها أن تلعب دورا متميزا في صيانة وحدته الوطنية ، جنبا إلى جنب ، مع الحفاظ على ترابه الوطني .

لكن الأمر جد مختلف على الجانب الآخر ، يكفي فيه دون تفصيل مراجعة تلك الحقيقة التاريخية ، التي تقول أن الاستعمار الغربي ، الذي ورث الشام من الدولة العثمانية الآفلة ، استطاع أن يقوم بتقسيم سوريا نفسها ، إلى خمس دويلات مستقلة على أساس طائفي .

أما على مستوى النظام السياسي ، فإن القاعدة التي يقوم عليها النظام المصري ، جد مختلفة عن القاعدة التي يقوم عليها النظام السوري ، لا أقصد فقط درجة التطور السياسي ، وإنما أقصد بنية النظام نفسها بالمعنى العقائدي ، والعرقي والاجتماعي .

وتأكيد ذلك مهم من ناحيتين :

1. لأن بعض الأقلام تصورت من منطلق قاعدة التماثل أن دفاعها عن النظام هناك ، ينطوي تلقائيا على دفاع عن النظام هنا .
2. ولأن بعد الأقلام تصورت من منطلق القاعدة نفسها ، أن بعض ما يحدث هناك ، قد يكون قابلا كله للحدوث هنا .

ثانيا : وفي مقدمة مظاهر هذا الخلط ، اعتبار أن طبيعة الاستجابة الغربية للمنطق الذي حكم نقل السلطة في سوريا ، هو نفسه المنطق الذي حكم طبيعة الاستجابة المصرية للأمر نفسه ، وهو خلط يقود إلى نتائج غير صحيحة :

1. أن أمريكا وأوروبا أبديتا تفهما لطبيعة وأسلوب عملية نقل السلطة في سوريا ، رغم ما جرى هناك – وهو باليقين ملك خاص لشعب سوريا – لا يتوافق مع المفهوم الغربي ، ولا منظومة قيم الثقافة السياسية الغربية ، فليس ثمة دستور في الغرب ، يمكن القبول بتعديله ، وإعادة تفصيله خلال ثلاثين دقيقة ، ليكون على مقاس شخص بعينه ، مهما يكن حجمه ، ومهما تكن الضرورات من حوله ، سابقة على المحظورات .
لكن الغرب كله ، شاهد وبارك دون أن يهتز جفنه الليبرالي الرقيق ، فهو ليس معنيا بفرض ثقافته السياسية على العالم الثالث ، بمنطق وظيفة إصلاحية خيرية ندب نفسه أخلاقيا لها ، ولكن ذلك كما هو مرتبط بتعميم صورته ، مرتبط بتأمين مصالحه ، وعندما تتقاطع المصالح مع القيم ، فإن البقاء يكون من نصيب الأولي .

2. قد يكون السؤال البديهي التالي ، وما هي مصالح الغرب في ذلك ؟
ولست أتصور أن مصالحه مبنية على أن الرئاسة الجديدة المرشحة في سوريا ، ستكون ، أكثر سلاسة في القبول بشروط المصالحة الإسرائيلية ، كما أنها ليست على أن هذه الرئاسة الجديدة المرشحة ، سوف تكون أكثر قدرة على النسيج التقليدي ، والاندفاع بخطوات متعجلة صوب عمليات تحديث مفتوحة ، فكلا الأمرين مرتبط بشروط بنية سياسية حاكمة ، أكثر من ارتباطها بشخص بعينه ، مع الاعتراف بأهمية تقارير إيجابية تلقتها الإدارة الأمريكية ، عن شخص الرئيس المرشح ، وعن مفاهيمه ، قيل أنها محصلة لقاءات دورية مع " ريان كروكر " السفير الأمريكي هناك ، كانت تتم سعيا إلى تحسين أوضاع الاقتصاد السوري .

كما أن هذه المصالحة – أيضا – ليست مرتبطة بالدفاع عن استقرار حقيقي في سوريا ، فالحقيقة أن تعبير الاستقرار قد أمتهن من كثرة استخدامه في الخطاب الموجة إلينا من الخارج ، وبما يتناقض مع محتواه ودلالاته ، ذلك أن الاستقرار ليس بالضرورة هو الاستمرار ، وليس بالضرورة هو التهدئة ، كما أنه ليس تلك الصيغة التي يتم بموجبها توصيفه في الخطاب الغربي على أنه : " القدرة على تنفيس الأزمة في الداخل ، وتخفيض مستوى التناقض مع الخارج " .

3. إن طبيعة الاستجابة الغربية للمنطق الذي حكم نقل السلطة في سوريا ، قد تشكلت من عاملين أساسيين :
الأول : أن منطق عملية نقل السلطة قد أخذ - دون أن يكون كلامي متعلقا باستحقاق السلطة – مسارا جديدا انتهى بها إلى أن تمثل نصف تحول مدني ، فالرئيس الجديد المرشح ، ليس نبتا طبيعيا للمؤسسة العسكرية السورية ، وإنما زُرع كالنباتات التي تزرع في غير موعدها ، في صوبة خاصة مجهزة داخلها ، فهو في المؤسسة العسكرية وليس منها ، وقد وضع على قمتها برتبة فريق ، لكنه لم يصعد على سلالمها بالتدرج العسكري إلى أعلى .

وهكذا ولأول مرة منذ أكثر من نصف قرن ، تم بنجاح قطع نصف الطريق إلى " مدنية السلطة " .

وإذا كان مطلوب من دول أخرى في المنطقة ، أن تقطع هذا الطريق كله ، دفعة واحدة ، فإن نصفه في حالة سوريا يبدو – غربيا – مرضيا ومبشرا .

الثاني : ليس هو الاستقرار بمعناه الاصطلاحي ، وإنما هو بالضبط التهدئة ، أي ضبط عوامل الانفجار ، لماذا ؟

لأن انفجار سوريا – لا قدر الله – يعني انفجار كتلة هائلة معقدة التركيب ، إلى شظايا صغيرة ، في حالة تشبه انفجار قنبلة عنقودية ، فهي بنية خاصة من فسيفساء عرقية ودينية ، واجتماعية وسياسية ، مشحونة بالتعدد والخصوصية ، وهو فوق ذلك ، مفتوح الأطراف تتداخل فروعها كالشجرة ، مع فروع جيرانها في حديقة الشام الكبير .

أي أن الانفجار لن يكون داخل وعاء مغلق ، وإنما ستتمدد آثاره المباشرة ، عنيفة ، حرائق في لبنان ، وتصدعات في الأردن ، وزلزلة في تركيا والعراق ، ثم أن انعكاسات ذلك كله على المنطقة ، يصعب حساب تأثيرها ، ونتائج تفاعلاتها ، فضلا عن أن نتائجها ، ستصب في ذلك المحور ، أو الرصيف الاستراتيجي الجديد ، الذي يراد له أن يمتد من إسرائيل حتى شمال العراق ، موصولا بتركيا .

ثالثا : وفي مقدمة مظاهر هذا الخلط ، ذلك الأسلوب التلفيقي ، للحديث عن الأجيال في العالم العربي .

إن أحدا لا يستطيع أن ينفي أن توازن الأجيال في مفاصل العمل الوطني هنا وهناك ، يحتاج إلى رد اعتبار صحيح لكن السيدة مادلين أولبرايت ، هي التي عقبت بالقول : " أن المثير للاهتمام في الشرق الأوسط هو أن المنطقة ، تسير نحو جيل جديد " ، في الوقت التي تتناثر في وسائل الإعلام العربية ، حملة تبشيرية للبرهنة على المعنى نفسه ، وكأن استبدال جيل قائم بجيل قادم ، بغض النظر عن ملامح الوجوه المنتقاة للقيادة من ألأجيال الجديدة ، يحمل وحده تميمة سحرية ، لتغيير هذا العالم العربي ، نحو الأفضل ، أو كأن تراث الجيل القائم لا سواه ، هو الذي يقطع الطريق ذاتيا ، على محاولات التجديد والإصلاح .

وهكذا فنحن بصدد إضفاء مشروعية جديدة على القيادة في العالم العربي ، محكومة بالانتماء الجيلي وحده ، ولا علاقة لها بأية أشكال أو صيغ أخرى ، للانتماء الاجتماعي ، أو الفكري أو السياسي .

وتكون النتيجة ، إما أن يكون هذا الجديد ، مجرد صورة غضة من قديمه ، في وعاء أكبر من حجمه ، أو أن يكون هذا الجديد ، منتوج سلسلة مغلقة لزواج الأقارب من القديم نفسه ، وهو زواج طبيعي ولكنه ليس صحيا ، لأنه ينحي الصفات الجيدة ، لمصلحة سيادة الصفات الأقل جودة.

إن القيادات تنتسب إلى الجيل الذي يختفي من العالم العربي ، ومهما تكن معايير الحكم عليها ، ونتائجه قد شقت طريقها إلى الحياة السياسية ، من قاعها الشعبي والاجتماعي ، وملأت رئتيها بكل غيار صراعاته ، ودخان معاركه ، وعاشت حياتها بقلوب مثقلة ، ونامت بعيون مفتوحة ، ولا يمكن أن يكون بديلها الصحيح فوق مقاعد الحكم ، عناصر نشأت في ترف العزلة ، وتلقت تلقينها في غرف مغلقة ، وتكونت ونمت في حضانات صناعية ، أشبه بحضانات الأطفال المبتسرين ، وتعرفت على شعوبها بالدرجة الأولى ، من خلال أجهزة التليفزيون .

أما هذا الجيل الوسيط في العالم العربي ، الذي يملأ مفاصل العمل السياسي والوطني هنا وهناك ، وكأنه الجسر المشدود بين القديم والجديد ، فعليه أن يذهب إلى معاشه المبكر ، وكأنه قوة العمالة الزائدة في شركة وطنية ، يتم خصخصتها .!

رابعا : وفي مقدمة مظاهر هذا الخلط ، تلك المحاولة الدءوب لشحن الجمهور العربي العريض ، بمواصفات خاصة للرئاسات المنتقاة ، التي عليهم أن يأخذوها مقياسا لمنع التأييد والثقة .

لقد كتب أحد رؤساء تحرير الصحف المصرية ، متغزلا في مميزات شباب الأجيال الجديدة الحاكمة ، أو الساعية إلى الحكم يقول : " أن الأيديولوجية تقل لديهم إلى أقصى حد ، وترتفع لديهم المصلحة الاقتصادية ، والرغبة في المشاركة إلى أقصى حد " .

وكتب كثيرون غيره في باب الغزل نفسه ، معددين مآثر وميزات أخرى ، غير الضمور الأيديولوجي ، في مقدمتها الانفتاح على الثقافة الغربية ، خاصة الاهتمام بالكمبيوتر والانترنت ، وتكنولوجيا الاتصالات.

إن هذه الميزات ، وما يشابهها ، هامة بالفعل ، عندما يكون مطلوب اختيار رئيس شركة للعلاقات العامة ، أو للتجارة الخارجية ، لا عندما يكون المطلوب اختيار رئيس دولة وشعب .

لكن تزكية هذا الفهم ، وشحن الناس به ، إنما يعني الوصول بمعايير الاختيار السياسي في العالم العربي إلى أمرين :

الأول : أن يتم نزع الصفة الأيديولوجية عن الاختيار ، حتى رغم تشبعه بأيديولوجية طبقة أو فئة أو طائفة .

الثاني : أن يكون الاختيار صحيحا ، إذا تم من منظور حاجة الخارج لا الداخل ، أي على قاعدة " الآخر " السياسية والفكرية ، التي تشكل أيديولوجية المصالحة .

ويبدو أن المطلوب ، هو أن نحث الخطى بسرعة في العالم العربي ، للانتقال من مرحلة " هضم المضامين " إلى مرحلة " هدم المضامين " فتبدو كل الأبنية السياسية والاجتماعية والفكرية ، هياكل جميلة وبراقة ، وعصرية من الخارج ، لكنها كالمصطلحات الجديدة نفسها ، مجرد مكعبات فارغ داخلها ، حتى من الهواء .

خامسا : وفي مقدمة مظاهر هذا الخلط ، محاولة البحث عن مشروعية خارجية ، لإضفاء صفة الاستحقاق ، على تغيير داخلي ، فإذا كان العالم الخارجي ، مطمئنا ، ومتفهما ، فلماذا لا نطمئن ولا نتفهم .

وإذا كانت كوريا والهند ، قد جربتا قبلنا نمط الوراثة العائلية للحكم فلماذا لا نجربه ، ثم إذا كانت هذه الوراثة نفسها قد تجلت في بعض الأحزاب والحركات السياسية العربية ، - كحزب الكتائب اللبناني مثلا – فهي بالتالي ليست صيغة مستوردة .

إن هذا بعض ما كتبه البعض ، مبرزا ومزكيا ، قبل أن يضيف على رأس الكعكة التي خبزها ، كريمة " خصوصية الحالة الراهنة " .

إن العالم العربي مرشح لمرحلة انقسامات حادة على مستوى الهوية ، فالمخاطر التي تحيط خاصة بالدولة القطرية البالغة الحداثة فيه ، تأتي من أن التحالفات الداخلية قد لحق بها ، كثير من الاهتزاز ، لأسباب يطول شرحها .

وقد ساهم هذا الانحسار العضدي في مفهوم النظام الإقليمي العربي ، وتقليص المفهوم القومي بدور في ذلك ، بعد أن مثل في مرحلة سابقة دور المادة اللاحمة لجانب من التناقضات الداخلية ، لذلك ليس غريبا أن تتناثر في بعض الأدبيات السياسية الغربية ، مقولات تؤكد ، أن المفهوم الغربي للدولة القومية لم يعد يصلح للمنطقة ، وأنه أحد أسباب عدم الاستقرار فيها ، وأن الدولة الطائفية بالتالي يمكن أن تتيح تماسكا أكثر ، واستقرارا أطول ، وبالتالي فإن المطلوب ، أن يعنينا ، شكل السلطة لا مضمونها ، وسطح الهدوء لا جوهر الاستقرار ، والقدرة على التهدئة ، لا تكلفتها السياسية والإنسانية ، ورضا الخارج لا قبول الداخل ، وإمكانية الاستمرار ، لا القدرة على تمثل الدور والوظيفة .

وهكذا سيسود الخلط بين القبيلة والحزب ، وبين الطائفة والشعب ، وبين الأسرة وقمة السلطة ، وبين المشروعية والاستحقاق ، والتهدئة والاستقرار ، انتقالا إلى مرحلة جديدة على مستوى الهوية في العالم العربي ، أظن أنها مرحلة ستسعى إلى تحقيق الهدف السابق نفسه هو : هدم المضامين !

25/6/2000

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :