"قبول الآخر" هل هي تنويعات على "ثقافة السلام"؟!     




بقلم : أحمد عز الدين

ينحدر تعبير "الآخر" فلسفيا من المتن الوجودى لسارتر,ولكنه ينحدر سياسيا ,من خطاب "البروسترويكا" الذى استبق الانهيار السوفيتى الكبير.وقد نقله بعض مفكرى اليسار,الذين راهنوا على أن "جورباتشوف"هو" لينين" الجديد وان الماركسية إنما تجدد نفسها على يديه. ولقد سقط الرهان كغيره. وسقطت "البروسترويكا" كسواها. لكن تعبير "الآخر"عاش عندنا وقدر له أن يكبر وأن يستقل. وأن يرتدى ما شاء من أقنعة, وأن يظهر ويختفى ربما دون مقدمات.

أذكر اننى التقيت مفكرا مصرياً بارزا, كان عائدا لتوه من جدل الآخر فى الاتحاد السوفيتى ,قبيل انهياره,وكان متشحا ومزهوا بفكرة الاعتراف بالآخر .وقد اخذ يعبر عن انتقال الحياة الإنسانية كلها إلى ضفاف أخرى,بعد اختفاء الآخر ,وانتهاء الصراع الدولي ,فما دام اختفاء الآخر سينهى دراما الصراع الدولى,فأنه سيفرض على دراما الابداع الفنى فى الرواية والمسرح,وابتكار صيغة اخرى غير تلك الصيغ الصراعية,والصدامية.التى يقوم عليها !

ومن المؤكد أن الصراع لم يتوقف ,وان الدراما لم تسقط ,ولكن الذى سقط وحده هو الاتحاد السوفيتى,الذى بشر بقبول مطلق بهذا الاخر,ثم تعثر فى أطروحته:
1- لهذا فانى اتساءل دون دهشة:لماذا يبدو أن هذا الاخر يلح علينا كثيرا هذه الايام,وانه لا يلح علينا من خلال صيغ البحث النظرى,ولكنه يلح علينا ايضا فى الابداع الفنى ,بدليل هذا "البيان النظرى"الذى يقدمه باحث قدير متعمق كالاستاذ"سيد ياسين",عن "رفض الاخر"وبدليل هذا البيان الفنى الذى يقدمه مخرج قدير متعمق كالفنان يوسف شاهين,الذى لم يختر لفيلمه الجديد عنوان الاخر فقط ,انما صاغ جمل موسيقاه الفنية ,على الوتر المشدود بين الانا والاخر.
واذا لم يكن هذا هو مكان التوقف امام فيلمه الاخر ,او بيانه الفنى ,والذى يكاد يصب فى مجرى تجاوز رفض الاخر بدوره فقد يكون مكانا صالحا للتوقف امام البيان النظرى للاستاذ سيد ياسين عن "رفض الاخر" وهو بيان فيما أحسب ,بالغ الاهمية , شديد الخطورة...
2- ماذا يقول البيان؟
يتسال الاستاذ الدكتور سيد ياسين فى البداية : هل رفض الاخر , خاصة فيما يتعلق بقيمه وأفكاره وممارسته,أصبح سمة أصلية من ممارساتنا الثقافية المعاصرة؟
ويجيب بنفسه ,انه توصل بعد طول تامل فى خبراته المتعددة من الالتحام بالجمهور فى اكثر من عاصمة عربية أنه هناك اتجاهين رئيسيين يسيطران على بعض تيارات العقل العربى فى هذه المرحلة هما:
أولا : الرفض المطلق للاخر .
ثانيا: النزعة الى الاكتفاء الذاتى الثقافى.

ومع انه دقق فى عزل هذين الاتجاهين باستخدام تعبير "بعض تيارات العقل العربى",فى مكان .الا ان منح هذين الاتجاهين .حصانة ضد العزل أو التقليل .بقوله فى مكان اخر:"ان رفض الاخر و الادعاء بالاكتفاء الذاتى الثقافى أصبحا من السمات الاساسية لممارستنا الفكرية "فلم يعد الامر متعلقا وفق هذا التعميم ببعض تيارات العقل العربى ,دون سواها ,لينتهى الى نتيجتين هامتين :

الاولى: ان هذا قد يكون نتيجة الاحباط الشديد ازاء الهجمة الامريكية و ما تمارسه من غطرسة القوة.
الثانى: أنه بغير ان تتحر ر من هذه الممارسات الفكرية التقليدية فلن يتاح لنا أن نتقدم.
3- من المؤكد لدي ,ان الاستاذ سيد ياسين .قد استرق السمع بشكل جيد, وابصر بروية, وأن هناك بالفعل ,اتجاها يزداد تعمقا لرفض الاخر اضافة الى صيغ مستحدثة لتلك النزعة الى الاكتفاء الذاتى الثقافى.

لكنه من المؤكد لدي-ايضا-أن رؤية الاستاذ سيد ياسين قد ركزت على طرف واحد من بنية ذاتية واحدة,لا يمكن فصل طرفيها ,لاتكوينا,ولا تأثيرا,ولا تفاعلا.
.فالاتجاه الاول الذى يطلق عليه الباحث ,لرفض المطلق للاخر,يعيش فى بنية واحدة مع صيغته المقلوبة التى تزداد توحشا –لا أقول توغلا- وتشكل بدورها اتجاها:هو القبوال المطلق بلأخر.

كما تعكسه كتابات واطروحات وافكار نمت بقوة وكثافة على حواف الازمة العربية,وكأنها نباتات الفطر ,التى كانت تعتقد بعض الاساطير أن الشيطان يزرعها والناس نيام.

.أما الاتجاه الثانى الذى يطلق عليه الباحث ,النزعة الى الاكتفاء الذاتى الثقافى,فهو يعيش فى بنية واحدة أيضا.مع صيغته المقلوبة.التى تزيد بدورها توحشا,وتشكل اتجاها هو:النزعة الى الانفصال عن الذات الثقافية,أى النزعة الى الالتحاق كليا بالاخر.والذوبان فيه,والانفصال عن الخصوصية الثقافية الوطنية والقومية.

ولعل أبسط قواعد البحث العلمى تدعونا الى عدم الفصل بين كل اتجاه من هذين الاتجاهين,ونقيضه فى بنيته,لأن الفصل بينهما لن يساعد فى الوصوال الى تفسير صحيح ,او الى ادراك صحيح يحرك بنفسه الاجابة على الاسئلة المطروحة.

لذلك فإنى اتساءل- مندهشا هذه المرة-هل يمكن الحديث عن وجود سمة أصلية من سمات الممارسة الثقافية العربية المعاصرة,هى الرفض المطلق للآخر.,دون الحديث فى الوقت نفسه عن سمة اخرى من سمات الممارسة الثقافية العربية المعاصرة ,تتغذى عليها الأولى,وهى :القبول المطلق بلأخر؟!

وهل يمكن الحديث عن سمة أصلية من سمات الممارسة الثقافية العربية المعاصرة , هى النزعة إلى الأكتفاء الذاتى الثقافى , دون الحديث فى الوقت نفسه عن سمة اخرى من سمات الممارسة العربية المعاصرة , تتغذى عليها الأولى ,هى:النزعة الى الأنفصال الذات الثقافية؟!

أخشى أن أقول ان هذه الصيغ المستوردة كليا,والمصاحبة لعولمة السوق,والتى تنتشر فى الفضاء العربى ,وتتوالد وتتكاثر كالجراثيم ,للآلتحاق بالأخر ,والآندماج فيه,وتجاوز الخصوصية الوطنية والقومية,من منظومات القيم والتراث ,الى منظومات الأمن القومى,وهى التى تتحوال الى أبقار سمان, يتغذى على لبنها المسمم,الرفض المطلق للآخر ,ونزعة الأكتفاء الذاتى الثقافى,وأذا لم نبصر ذلك فى تركيبته الفريدة,فإننا نضل طريق الفهم قبل الفعل.

4- يبدأ البحث العلمى بالتعريف ,أي بيان دلالات المفردات,ولذلك من حقنا ان نتساءل:من هو هذا الأخر؟

هل هو اوربا,هل هو الولايات المتحدة الآمريكية , هل هو اسرائيل؟

إن الباحث يتحدث عموما عن شيوع رفض الافكار القادمة من اوربا وأمريكا ,ولكنه يقول ان الاخر بالنسبة لنا الان هو الولايات المتحدة الامريكية ,فهل تكون اسرائيل على هذا النحو جزءا من نسيج هذا الاخر ,مثلما تعتبر نفسها امتدادا عضويا له,ويعتبرها كذلك , وهل يكون رفض الاخر أو قبولة على هذا النحو,هو مجرد وجه اَخر لتعبير" ثقافة السلام"؟!

إذا حشرنا زورق الحوار فى هذا المضيق الفكرى , فأنه سيتحطم , ولذلك سيكون من الآفضل ,إن نسقط اسرائيل تماما من التعريف ,حتى اذا كانت صيغته المطروحة لا تضيق عليها ,مع ذلك فإننى أخشى أن أقول على هذا المستوى,أن ثمة خلطا مزمنا لدينا يحدث بين أمرين مختلفين تماما:

الأول هو القبول بمبدأ الاستفادة من منتوج الحضارة الغربية,فى صوره المتعددة,وخاصة مناهج البحث والعلوم والتكنولوجيا ,وصيغ الآبداع الأدبى والفني.
.الثانى هو القبول بمبدأ إن تكون الحضارة الغربية هى المرجعية الثقافية والفكرية لنا.

وسوف أزعم أن جانبا من المشكلة يتبدى لدينا فى إننا لم ننضج فهما صحيحا يعين على فرز هذين الموقفين المختلفين , مثلها أن الآخر ظل حريصا,على أن يدخل بينهما ,ويدمجهما فى صفة تاريخية واحدة , لم يقدر لها لذلك أن تكتمل.

5- لقد استطاع اليابانيون –مثلا-أن ينضجوا فهما صحيحا,أعانهم على فرز هذين الموقفين أو المبدأين , فقبلت اليابان بمنتوج الحضارة الغربية فى صوره المتعددة دون تحفظ ,لكنها حافظت من خلال مصفاة دقيقة , على مرجعيتها الذاتية , وخصوصيتها الوطنية,وتراثها القومى وهو ما جعل "هتنجتون"صاحب نظرية صراع الحضارات , يسجل منبهرا فى كتابه أن اليابان وحدها استطاعت أن تكون عصرية , دون أن تكون غربية.

ولقد ظلت –فيما أحسب- هذه هى مشكلة بعض مفكرينا المزمنة , الذين ظلوا يدفعون مصر,الى ان تكون غربية ,حتى دون أن تكون عصرية بينما كان المطلوب شيئا أخر,هو أن نكون عصريين وأن نكون أنفسنا فى نفس الوقت , وبينما استطاع الصينيون-مثلا-أن يؤسسوا فهما أكثر نضجا ,فى الفصل بين القبول بمنتوج الحضارة الغربية والتفاعل معه,وبين التمسك الى أقصى الحدود بالمرجعية الذاتية.

عندما كان نائب وزير الدفاع الامريكى السابق (جوزيف منى) ذات مرة فى زيارة للصين قال لمضيفه: "إن معدل النمو الصينى على المسرح العالمى يطرح على أمريكا اليوم المشكلات التى طرحت على أثينا عند صعود اسبراطة قبل 2500 عاما"يبدأ أنه تلقى بعد ذلك رداً صينيا مهذبا ,يقول أن مرجعية الصين الثقافية ليست مؤسسة كالمرجعية الغربية,على التاريخ الاغريقى ,ولأن المفهوم الذى يتناولوه الصينيون فى هذا السياق هو مفهوم الهيمنة,الذى يعد بعدا أساسيا فى تحليل علاقات القوى بين الامم فى المنظور الصينى .

ماذا يعنى هذا التفسير الصينى؟

يعنى أن الصين فى أوج تفاعلها مع الغرب متمسكة بمرجعيتها الثقافية , ولهذا فهى ترفض أن يفرض عليها ,أن يصبح التاريخ الأغريقى جزءا من هذه المرجعية,مع ملاحظتين: الاولى أن مقولة إن الفرد فى المجتمع الاغريقى قامت على أساس فردى,بينما تقوم مقولة الفرد فى المجتمع الصينى على اساس جماعى,(فالاغريقى وحده هو الذى ولد حرا سواء بالنسبة لارسطو أو أفلاطون).والثانية إن هذا التاريخ الاغريقى بفنه و فكره يمثل واحدة من ثلاثة جذور تشكل القاعدة الثلاثية للفكر الغربى ,أو المرجعية الغربية,هما أضافة اليه:المسيحية والقانون الرومانى.

6- لا حظ أن الغرب هو الذى صحح موقفه من الصين وليس العكس، لقد ظل الغرب يرى إن جوهر التخلف أو جوهر التباين بين الصين و الغرب ,إنما يعود الى ما أطلق عليه (وليم دى بارى):كثرة العناصر المتعلقة بالغياب التاريخى لاسلوب الفردية فى الصين

كما أن اللغة الصينية عند (توبى هاف)هى لغة فظة عاجزة عن توصيل الافكار,وعن تقبل الجديد ,والفلسفة الصينية-فى متون الفكر الغربى الشائعة- تميل الى الاحتفاظ بالماضى,وليست قائمة على الايمان بالعقل.

كما أن الملكية الفردية ليست ذات محتوى تاريخى فهى حالة خاصة قابلة للطعن لأنها أنانية فردية,أما مستقبل العلوم فى الصين فقد ظل الغرب ينظر اليه على انه واقع تحت التهديد,لأن الصينيين فقراء فى التعبير عن المجردات ,إضافة الى أن التقاليد الصينية قد أقترنت بالتحقير العنيف للافكار الاجنبية,كما أن لغياب الفصل بين الدين والدولة,صدى عميق فى عمق المركزية الصينية.

أما الأن فقد اختلفت رؤية الغرب للصين فى متونه الفكرية,وأصبح ما عَد من أسباب التخلف الصينى,هو نفسه من اسباب التفوق والغلبة.

فقد أصبح الغياب التاريخى للفردية فى الصين ,وعمق المركزية هما أكثر الأسباب التى يفسر بها الفكر الغربى التفوق الأقتصادى للتجربة الصينية,واللافت للنظر حقا فى هذا التفسير ,أن نقائض مقومات الليبرالية فى الفكر الغربى نفسه ,وهو يبحث عن مزايا لتفسير خصوصية الحالة الصينية,وهو ما يعنى التسليم بأن التقدم يمكن أن يقوم فى غياب نزعة فردية عامة,ويمكن أن يتحقق فى وجود دولة مركزية قوية, لاتسمح بمجتمع مدنى قوى , ولا بتعددية سياسية ذات تأثير ,والأهم من ذلك كله ,أنه يمكن ان يقوم على مرجعية أخرى,عند تلك المرجعية الغربية,التى يرى الأستاذ سيد ياسين أنه بدونها لن يتاح لنا أن نتقدم.
7- لست أعرف معنى هذا الأنفصام الذى يفرض على بعض الذين يدعون الى التعامل بمنهج نقدى مع الموروث- وهى دعوة صحيحة دون شك- إن يسقطوا هذا المنهج النقدى عند تعاملهم مع الوفد.

هل يعنى ذلك أن تراثنا دون سواه ,وتاريخنا دون سوانا هو الذى يحتاج الى مراجعة نقدية لفصل زبده , عما ينفع الناس فيه؟

أن هذا الانفصام قد يعكس شكلا من التحيز فحسب ,ولكنه يشى بمنهج انتقائى كامل , هو الذى يسعى الى خلق تلازم وهمى بين العصرية و التقدم,وبين الأستعارة الكاملة لمرجعية الغرب الثقافية والفكرية ,أو القبول غير المشروط "بهذا الآخر"..

هل صحيح رفض الآخر ثقافيا –كما يقول سيد ياسين- هو تعبير عن الاحباط؟ لست أعتقد فى دقة مثل هذا التفسير لأنه يحول الرفض من تعبير عن حالة فكرية إلى تعبير عن حالة نفسية,لسنا فى مجموعنا مرض نفسيين,كما أن مشكلتنا مع هذا الآخر , ليست مشكلة نفسية, أو جدارا نفسيا يمكننا أن نتجاوزه,بأن نحطمه أو تقفز فوقه,فيتم اللقاء والقبول .

أن الأستاذ سيد ياسين يتحدث تحديدا فى بيانه عن "رفض الأخر" قيما وأفكارا و ممارسة وهو على هذا النحو يقوم بتغليب البعد الثقافى للصراع , أخشى أن أقوال أن تغليب البعد الثقافى فى الصراع الدولى ,لا يعطى فقط على الصراع الاساسى القائم بين القوى الاقتصادية المهيمنة دوليا والقوى التى يجرى تهميشها بين فقراء الجنوب وأثرياء الشمال ,بين الذين يموتون بالجوع والمرض والنسيان و نصائح البنك الدولى ,والذين يريدون تحويل العالم الى سوق واحد كبير,أو مزرعة دولية واحدة , لنزع الارباح والمغانم,ولكنه يضفى شرعية على منطق الآستغلال الدولىنفسه,بارجاعة الى تكوين بنية العالم الثالث ذاته ونحن فى قلبه,أى ارجاعه الى ثقافته وتراثه ومكوناته التاريخية والحضارية.

ذات مرة وصف كرمل (المعتمد البريطانى),محاولات التحديث الليبرالى فى مصر ,بانها بمثابة"صنع كيس نقود غربى"واتصور أن هذه النظرة الغربية لم تتغير جوهريا ,لهذا فإننا نعيش تجليات فشل المصالحة السياسية والفكرية مع الغرب والتى بدأت بصيغ صحيحة للتوافيق بين الموروث والوافد,او بين قيم الحضارة العربية والحضارة الغربية.وغمرت بنبضها العقلى العشرينات من هذا القرن,لكنها سرعان ما تحولت الى نزعة قبولية شبه مطلقه بهذه الحضارة الغربية,جسدها فكريا لمنظومات القيم والاخلاق ,وقعا كبيرا فى الوجدان الجمعى لهم,وهو شعب متدين وفق هذا الفهم الواسع,لآن فراغه الروحى لابد أن يملأ,اذا لم تملأه جماعية الهدف,ازدهار وطنيا,وتجديدا فكريا,وعدالة أجتماعية ,وسكنته الآشباح والعفاريت لأن الطبيعة بدورها لتعرف فراغاً.



 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :