في المشهد العربي الراهن     


بقلم : أحمد عز الدين

هذه لحظة للحقيقة ، بل هي لحظة الحقيقة ذاتها ، التي تشبه يوم القيامة ، حيث تتبعثر الأفكار القديمة كالقبور ، ويهم الجديد بالخروج من رحم القديم ، بالقوة الجبيرة ، لأن جدران الأوعية القديمة ، إذا بقيت على حالها ، فإنها لن تكون قادرة على أن تتحمل ، طاقة الضغوط المتصاعدة في سلسلة مفتوحة من التفاعلات :

1. في المشهد العربي الراهن ، فإن الدم الفلسطيني يظل هو الحقيقة الساطعة ، التي لا تقدر على طمسها كل مساحيق إزالة الألوان ، ولا يقدر على ردمها كل تراب الزمن ، ولذلك إذا كنا نريد للناس أن تهدأ ، فإن علينا أن نتيح لعقولها وأفئدتها أن تتنفس حرة ، لأن صور الإبادة والقتل المتوحش الجماعي ، التي تشد في داخلهم أقواس إحساسهم بالهوان ، لا تتبدد في الفراغ ولا تتطاير في الهواء ، وإنما تختزن تحت جلودهم طبقات من الوقود الجاهز للاشتعال ، والقابل للانفجار ، بغير توقيت محدد ، وبغير سبب معلوم ، وبغير أسلوب مسبق .

وإذا كنا نريد للناس أن تهدأ ، فإن علينا أن نعينهم على الفهم الصحيح ، وبالرواية الصادقة ، لتتنفس الحقائق في عقولهم بدلا من أن نحقنهم بقناعات كاذبة ، ينكشف عنها الغطاء ، فتذهب انفعالاتهم مضاعفة ، لتتراكم كاسطوانات الغاز المضغوط ، في انتظار عود ثقاب.

2. في المشهد الفلسطيني الراهن ، فقد وصل منحنى الضغط العسكري الإسرائيلي إلى ذروته ، باستخدام القوة الغاشمة ، التي توسع وتعمق من بركة الدم الفلسطيني ، ولقد امتلأت فجاج الضفة الغربية دما ، وما زال الإسرائيليون عطشى ، لا يرتون ولا يمتلئون ، وليس من العبث أو الجنون أن يتحول المشهد الفلسطيني كله ، أمام أعيننا وأعين العالم ، إلى أكوام دمار وخراب ، وتلال جثث وأنقاض ، وشريان دم جماعي لا يتوقف عن النزيف ، إن ذلك لا يمكن تفسيره فقط ، بنزعة التوحش التي تملأ نفوس هذه الحيوانات المدججة بالسلاح ، بعد أن تم علفها بالأيديولوجية العنصرية ، في مزرعة الصهيونية ، بل أنه لا يمكن تفسير دفع كل هذه القوة العسكرية التي تربو على 550 دبابة و600 مدرعة ، وفوقها طائرات الأباتشي ، وحولها عشرات الألوف من القوات الخاصة والمظليين ، من أجل منازلة شيوخ ونساء وصبية عزل ، تكتنفهم أسيجة دفاعية في كل مدينة وقرية ، تعد بالعشرات أو بالمئات ، تواجه الدبابات والمدرعات بصدورها العارية ، وبنادقها الفردية .

لماذا تستخدم آلة الحرب الإسرائيلية ، دولابا من السواطير الثقيلة ، لتقطيع نتف من اللحم الفلسطيني ، إذا كان التقطيع ممكنا بالمطواة ؟
لأن إيصال منحنى الضغط العسكري الإسرائيلي إلى ذروته الدموية العنيفة ، ليس هدفه فقط ، انتزاع إرادة القتال من قلوب الفلسطينيين مرة واحدة وإلى الأبد ، وليس هدفه فقط إطفاء جذوة الانتفاضة ، وكسر إرادتها ، وفرض منطق الهدنة عليها ، تلك الهدنة التي وصفها شارون وصفا موحيا ، بأنها على غرار هدنة رودس ، التي تلت هزيمة حرب 1948 ، وإنما الهدف فوق ذلك كله ، استخدام الضغط العسكري ، في إحداث موجات خلخلة شديدة في الدول العربية ، خاصة دول الطوق ، لتضطر إلى أن تأخذ ردود أفعالها ، أحد اتجاهين :

• إما أن تتكيف على نحو سلبي ، فتلجأ إلى محاولة طرد الضغوط المتزايدة بالقفز إلى الخلف ، لترتكز على مرجعية مواجهة المخاطر المتزايدة ، على تحسن الموقف الأمريكي ذاته ، وهو خيار كفيل بتعريض الأمن القومي لمزيد من الضغوط ، بارتهانه في حيز تغيرات جوهرية غير منتظرة في الموقف الأمريكي ، مثلما هو كفيل بتصعيد الضغوط الداخلية على نحو يساهم في تحويل الخلخلة الناجمة عن الضغوط الخارجية إلى تصدعات داخلية خطيرة .
• وإما أن تتكيف على نحو إيجابي ، فتلجأ إلى محاولة امتصاص الضغوط الداخلية الواقعة عليها ، بالقفز إلى الأمام ، في صيغ ذات طبيعة عسكرية ، تصبح بنفسها مبررا لتوجيه ضربة عسكرية إسرائيلية إلها ، في مسرح لم تحدده ، ووتوقيت لم تختره .

من المؤكد أن القفز إلى الأمام عمل لا يتسم بالصحة ، لكنه من المؤكد أيضا أن القفز إلى الخلف ، أو الجمود في الموقف ، لا يقل عن سابقه مغامرة وضررا ، ليس فقط لأن جانبا من دفع عملية التحول الاستراتيجي في أوضاع الإقليم ، يتطلب إعادة بناء بعض الأنظمة العربية ، وتغيير سلطاتها ونخبها الحاكمة ، خاصة تلك التي ستفرض عليها أدوارها الوظيفية الإقليمية ، أن تبدي مقاومة متصاعدة في مواجهة هذا التحول ، وليس فقط لأن إسرائيل تريد بضغوطها العسكرية ، أن تدفع دولا عربية إلى حالات احتراب داخلي بدلا من الحرب معها ، ولكن لأن طبيعة المخاطر المتزايدة في الأوضاع الإقليمية والدولية ، لا يمكن مجابهتها إلا فوق قاعدة واسعة من التوحد الوطني .

3. وفي المشهد الإقليمي كله ، حول الحواف المضطربة لبركة الدم الفلسطيني ، يبدو العالم العربي ، وكأنه سيقطع الطريق نفسه ، الذي فرضته الضغوط المتزايدة على المجتمعات العربية برمتها ، بعد ما تمخضت عنه أعمال القتال في حرب عام 1948 .

إنني لا أريد أن أكون صوت النعي لأنظمة عربية ، يزداد وضوح علامات الإجهاد عليها ، ولا لنظام إقليمي عربي ، يسعى البعض إلى تبديد ما تبقى من طاقة مقاومته وتماسكه .

ولكن الحقائق الجديدة ، تفرض علينا أن ننظر بقدر أكبر من العمق والفهم ، إلى طبيعة المخاطر والتحولات الجديدة في أوضاع الإقليم ، وإلى نتائجها على المستوى الوطني والقومي ، فالنتائج المباشرة ليست مجرد تفكيك للسلطة الفلسطينية ، أو تدمير بنيتها ، أو استئصال إرادة المقاومة من الشعب الفلسطيني ، أو إنهاء السلام ، " الذي أكدت من قبل أنه سقط بالفعل استراتيجيا " وإنما تأجيج صراع مفتوح في المنطقة ، ومده بكل أسباب الحريق والانتشار .

إن ما يحدث في ميادين المواجهة ، وما يتخلق في العمق العربي ، لم يكن معزولا ، حتى عندما كانت ميادين القتال معزولة ، فنكبة 1948 لم تهز – على سبيل المثال – قواعد الأنظمة العربية ، سياسيا واجتماعيا ، بل إن تأثيرها امتد من قوانين الحياة ، إلى قوانين الشعر ، فحطم الشعر العربي ، تفعيلته البنائية ، وموسيقاه التقليدية ، فما بالنا هذه المرة ، وميادين العدوان مفتوحة ، والأنقاض تملأ العيون ، وبقع الدم والشظايا ، تتناثر على شاشات التليفزيون ، وتسقط في أطباق الطعام ، وما بالنا هذه المرة ، والإحساس بالهوان والخذلان ، لا سابقة لحجمه ، ولا راد لقضائه .

إن منحنى الضغوط بالغ الشدة في هذا الوضع الإقليمي ، بالغ الشدة حول بركة الدم الفلسطيني ، في لحظات مشبعة بالتحول والتغير ، من تحول في أوضاع إسرائيل ، إلى تحول في أوضاع الإقليم ، وأوضاع العالم ، وأنماط الصراع الدولي ، تقود بدورها إلى سلسلة متصلة من التناقضات والتفاعلات ، ستبحث بالقوة الجبرية عن صيغ توازن ، من أنظمة محاصرة بجماهيرها ، إلى جماهير محاصرة بأنظمتها ، إلى أنظمة وجماهير محاصرة بحالة إقليمية جديدة ، لم تكن تتوقعها ، ولم تكن تنتظرها ، فضلا على أنها لم تحسب احتمالاتها وتفاعلاتها ، بالدرجة المطلوبة من الدقة .

إن تشبعنا بالعنف يصل إلى مداه ، ويتم اختزانه طبقات كثيفة من الوقود القابل للاشتعال ، تحت جلد الفلسطينيين والعرب ، ولا أحد يستطيع أن يحدد بشكل قاطع حجم الأسماك المفترسة التي لابد وأن تتوالد وتنمو في بركة الدم الفلسطيني ، وعلى حوافها العربية هنا وهناك ، ولا أحد يستطيع أن يحدد على سبيل اليقين ، متى وكيف وأين ، يمكن لطاقة العنف المختزلة تحت جلود الناس ، تحت تأثير مشاهد الإرهاب الإسرائيلي ، والإحساس معها بالهوان ، أن تترجم نفسها إلى حركة وفعل ، وعلى أي وجه وشكل ؟

ثم إنه - وأنا أكرر كلاما سابقا – إذا أقتنع العرب أو بعضهم في قواعدهم الشعبية ، أنهم يواجهون قوة عسكرية لا يقدرون على مواجهتها ، وأنظمة لا تستطيع أن تجمع شملها وإرادتها ، لتدير مبارزة إستراتيجية ومصيرية مفروضة عليها ، ومعادلات توازن لا تستطيع أن تدفع تكلفة الخلل فيها ، فماذا تبقى لهم غير أن تنطلق في صفوفهم ، جيوش من العفاريت ، يطلبون منها ومعها الحل والحماية ، فيما وراء الطبيعة ، لتتم خلخلة الفضاء السياسي والفكري والاجتماعي ، أمام استقواء عقل سلفي بمركبات الضعف التي تحيط به ، ليضع تيارا سلفيا ، يرغب في أن يصعد على أكتافه إلى مواقع التأثير والحكم .

4. بهذا الفهم ، فإن أكثر الفجوات خطرا في هذا التوقيت ، هي الفجوات التي يمكن أن تنشأ بين الجديد ، الذي يتخلق في قلب المجتمع ، وبين ما يظل على ثباته وقدمه في أساليب ومناهج العمل الوطني ، سياسيا واقتصاديا وإعلاميا ، وتلك مساحة جديدة بتأمل أعمق إذا أريد للجبهات الداخلية أن تظل آمنة ، وللتفاعلات أن تكون محسوبة ومرشدة ، وبغير ذلك ستكون التهديدات متنامية ، والفيضانات جارفة .

وبهذا الفهم – أيضا – فإن قوة النظام السياسي – أي نظام – تظل مرتبطة بقدرته على الحيلولة دون أن يتعرض النظام المعنوي للسلطة إلى التآكل ، ذلك أن الأنظمة السياسية لا تحكم بأدوات الضبط الاجتماعي ، وإنما تتحدد درجة فاعلية استخدام أدوات الضبط ، بدرجة تماسك النظام المعنوي ، وظني في ذلك بوضوح وأمانة ، أن الدولة المصرية مطالبة بأن تضفي على نظامها المعنوي ، قدر أكبر من الصلابة والتماسك ، وإن ذلك يتطلب منها في الحدود الدنيا ، تخفيف أحمال باتت تثقل مفاصل الحركة ، وتقلل من جاذبيتها .

وفي كل الأحوال ، فإن الجديد في مصر ، أفكارا وأجيالا ، ينبغي أن يسمح له بأن يتنفس بشكل صحي وصحيح ، مع شحن قاطرة الحياة الحزبية بوقود جديد ، بعيدا عن أولئك الذين تصلبوا في مقاعدهم من قيادات الأحزاب .

وليس صحيحا ما يروج له البعض ، من التغيير في ظروف دولية وإقليمية مضطربة وضاغطة ، عمل لا يتسم بالرشاد ، لأن الرشاد نفسه بالمعنى السياسي والاجتماعي وبالرؤية الإستراتيجية ، هو الذي يحرض على التغيير ، ويعجل به ، فالتحديات الجديدة ، تتطلب أساليب عمل جديدة ، ومناهج عمل بديلة ، كما تتطلب وجوها جديدة ، لا تقع في دوائر معتمة من قبول الناس ، بقدر ما تشع عليهم وتبعث فيهم تفاؤلا مفقودا .

لقد أكمل الجيش الإسرائيلي ، قبل عام من صعود شارون على سدة الحكم ، تشكيل وحدات عسكرية إسرائيلية للقتال في المدن الفلسطينية ، وفي شوارع القرى وأزقتها ، بأساليب مختلفة عن الأساليب التقليدية للعمل في ميادين القتال الفلسطينية ، حد أن الجيش الإسرائيلي قام ببناء مناطق ونماذج منقولة ، عن خرائط دقيقة لأحدث أوضاع القرى والمدن الفلسطينية ، وقد مارست الوحدات الإسرائيلية الخاصة ، تدريبات على أساليب القتال التي تستخدمها هناك في المستقبل القريب ، تحت عنوان محدد هو " إستراتيجية الردع الجارف " .

ومن المؤكد أنه قبل أربع وعشروين ساعة من العملية الفدائية في " ناتانيا " كانت قرون الاستشعار الأمريكية ، قد التقطت بوضوح ما يؤكد بالصورة الحية ، أن إسرائيل أنهت إعادة تعبئة فرقتين مدرعتين كاملتين ، تقفان على خطوط الاستعداد ، للقيام بعملية فتح استراتيجي ، فوق المحاور الرئيسية التي تربط مدن الضفة الغربية ، وبالتالي ربط الرئيس الأمريكي ووزير خارجيته ، بين الحرب الإسرائيلية الواسعة ضد الفلسطينيين ، وبين عملية " ناتانيا " أو غيرها ، لا يعدو أن يكون إيهاما كاذبا ، لأن أمريكا في الحقيقة ، لم يتم تضليلها إسرائيليا ، ولم يتوقف دورها عند حدود إعطاء ضوء أخضر لمغامرة عسكرية إسرائيلية ، بهذا الحجم والعمق ، فنحن لسنا بصدد مغامرة عسكرية إسرائيلية ، صدقت عليها الولايات المتحدة الأمريكية ، وإنما بصدد خطة إستراتيجية أمريكية ، لإعادة صياغة أوضاع الإقليم كله ، تقوم إسرائيل بتنفيذ افتتاحيتها الدموية ، عامدة إلى أن تحدث أكبر قدر من الفزع والرعب ، وأكبر مساحة من التدمير والخراب ، مستخدمة نهر الدم الفلسطيني الذبيح ، لدى أفدنة لا حدود لها فوق التخوم العربية الواسعة ، بالخوف واليأس والكراهية .

إننا لا نريد أن نفهم بالقدر الكافي ، أن إسرائيل والولايات المتحدة ، تقومان بقياس دقيق لدرجة وطبيعة المواقف العربية في مواجهة ما يحدث من ذبح وتنكيل في الأراضي الفلسطينية ، وأن نتيجة هذا القياس درجة وطبيعة ، هي التي ستحدد عمق التوجه العسكري الإسرائيلي والأمريكي القادم في المنطقة ، سواء بالنسبة للبنان وسوريا أو العراق وإيران أو غيرها ، وبالتالي فإنه إذا أبقى الموقف العربي الرسمي في حدوده الراهنة ، فإن الأنظمة العربية لن تضيف فحسب إلى أوضاعها المجهدة ، إجهادا فوق إجهاد ، ولكنها ستساهم في شد قوس التهديدات في أوضاع الإقليم ، إلى درجة تغري الولايات المتحدة الأمريكية ، بأن تترك لسهامها العسكرية ، في فرصة الانطلاق نحو أهدافها ، ولذلك فإنه بقدر احتشاد النظام الإقليمي العربي ، خلف أسلحة ردعه ، ومقاومته ورفضه من خلال صيغ عملية واضحة ومؤثرة بقدر ما يمكن للنظام العربي أن يجنب نفسه ، مغبة حالة واسعة من الشروخ والتصدعات والانهيارات .

ولذلك إذا اكتفي النظام الإقليمي العربي ، ووحداته الفاعلة ببقاء رهانه على تحسن الموقف الأمريكي ، فإنه سيعمد إلى تعريض حلقات أساسية في الأمن القويم العربي ، وفي الأمن الوطني ، إلى مخاطر هائلة ، وتهديدات مستجدة .

وربما يكون من حسن حظ إسرائيل ، أن التوافق بين حكومة شارون وإدارة بوش ، مزدوج ومن جانبين ، توافق قاعدي على اساس أن حكومة شارون تمثل منظومة القوة في أمريكا ، وتوافق على طبيعة التوجه ، أو في اللحظة الكونية المشتركة ، على اعتبار نخبة القوة في إسرائيل ، تريد بناء مفصل تحول إستراتيجي في أوضاع الإقليم ، وأن نخبة القوة في أمريكا ، تريد بناء مفصل تحول إستراتيجي ، يشكل مقدمة انقلاب إستراتيجي كامل في أوضاع العالم ، ولا يحتاج الأمر إلى عناء كبير ، لرسم خريطة لرؤوس الجسور الأمريكية الإسرائيلية ، ومساحات تداخلها ، وتوجهها في أوضاع الإقليم ، لنستطيع أن نفسر على وجه صحيح ، طبيعة الموقف الأمريكي من الحرب الإسرائيلية القائمة ، وقبل أن تبدأ إسرائيل بإطلاق الطلقة الأولى في افتتاحيتها الدموية .

إن أمريكا ما تزال تصر عمليا ، على اعتبار أن القضية الفلسطينية أصبحت قضية داخلية إسرائيلية ، ولهذا من حق إسرائيل أن تحاصر عرفات ، وأن تعبأ آلاف الفلسطينيين في شاحنات القهر إلى سجون العبودية ، وأن تترك مئات الفلسطينيين ينزفون حتى الموت في مداخل البيوت ، وزوايا الشوارع ، ومن حقها أن تهدم المنازل على رؤوس أصحابها ، وأن تتعدى على المساجد ، وتروع الكنائس ، وتدمر محطات الوقود والمياه والكهرباء ، وتمزق الطرق ، وتطفأ بالقوة عيون عدسات المصورين ، وتخيف الصحفيين بقنابل الدخان ، وفوهات البنادق ، ومن حقها أن تقطع طريق وفد الترويكا الأوروبي إلى لقاء عرفات ، وتمنع زيني من لقاء المفاوضين الفلسطينيين ، والحقيقة أن الجنرال زيني ، قائد القيادة المركزية الأمريكية السابق في المنطقة ، والذي يحفظ عن ظهر قلب ، الخرائط الأمريكية ، للاستحواذ على الشرق الأوسط ، لم يلعب للحظة واحدة منذ عودته ، دور ساعي السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين ، وإنما لعب دور المنسق السياسي لآلة الحرب الإسرائيلية ، ولعله بات معروفا أنه أطلق إشارة بدء الحملة العسكرية الإسرائيلية ، عندما حمل إلى الرئيس الفلسطيني ، شروطا تعجيزية ، تمسخ " تينت " قبل " ميتشل " وهو يعرف مقدما وعن يقين أن عرفات ، سوف يرفض شروط استسلام فلسطيني كامل ونهائي ، ليكون الرفض الذي استنطق عرفات به ، هو الإشارة الأمريكية العلنية ، لبدء حمام الدم ، وعندما بلغ حمام الدم ذروة تدميره الإبداعي ، استعاد دوره السابق ، في اليوم الثامن ، وذهب إلى لقاء عرفات ، كي يرى ما إذا كانت الثمار السياسية الفلسطينية ، قد نضجت للحصاد الإسرائيلي ، أم أنها تحتاج إلى أن تروى بمزيد من الدم الفلسطيني .

مع ذلك فإنني استطيع أن أجزم ، أن ثمة مفاجأة أمريكية وإسرائيلية ، بأمرين :

• مفاجأة بارتفاع قامة المقاومة الفلسطينية ، إلى ما هو أعلى من ارتفاع الطائرات الإسرائيلية ، واتساعها إلى ما هو أبعد من مرمى الدبابات الإسرائيلية ، تلك المقاومة الأسطورية البطولية ، التي أبداها رجال لا يملكون غير البنادق والأيدي ، في مواجهة فرقتين مدرعتين ، ولواءا مظليا ، ولوءا من القوات الخاصة ، وكتائب دعم مدججة بالسلاح حتى الأسنان ، إن هذه المقاومة الفلسطينية هي التي أضفت على العرب في عيون الدنيا ، صورا من الكرامة والعزة ، وبرهنت على أن الصخر الفلسطيني أقوى من قرون الوعل الإسرائيلي ، لأن إرادة القتال ما تزال تحلق في روح فلسطين كعصفورة النار ، التي تقول الأسطورة القديمة ، أنها تصعد إلى السماء ، لترسم الفاصل بين الليل والنهار .
• ومفاجأة بهذا الرفض الشعبي ، الذي أكد أن عوامل التعرية وأحماض الإذابة ، المادية والمعنوية ، لم تستطع أن تفصل القاعدة الشعبية العربية ، عن جسور تواصلها التاريخي ، وامتدادها القويم ، ومن المؤكد أن هناك في أمريكا وإسرائيل ، بل في الوطن العربي ذاته ، من فركوا عيونهم دهشة ، لأن هذا الوطن الذي تصوروا أنه شيع مرات عديدة إلى مثواه الأخير ، ينفض عن ترابه التجزئة والقعود ، ويخرج من جلده الرخو ، في موجة غضب عارمة ، تمد نارها مشتعلة من المحيط إلى الخليج .


قبل أن يقوم الجيش الإسرائيلي بهجومه الدموي ، في أعماق الضفة الغربية ، بثلاثة أيام فقط ، كان معهد بيجن السادات في جامعة بارايلان ، يؤكد أن نتائج استطلاع واسع للرأي أجراه في إسرائيل ، قد أفادت أن 73 % من الإسرائيليين يؤيدون منطق شارون في استخدام القوة العسكرية ضد الفلسطينيين ، وبعد أربعة أيام من نزيف الدم الفلسطيني ، ومن أعمال القتل والتدمير والهدم ، أكد استطلاع آخر للرأي أجرته صحيفة الجيروزاليم بوست الإسرائيلية ، أن 72% من الإسرائيليين يؤيدون توسيع الحملة العسكرية للجيش الإسرائيلي ، وأن ثلاثة من بين كل أربعة من الإسرائيليين يؤيدون شارون ، وأن 23% من الإسرائيليين يؤيدون إقدام الجيش الإسرائيلي على قتل الرئيس عرفات ، و32% منهم يؤيدون اعتقاله ، ودفعه خارج الأراضي الفلسطينية ، وعندما جرى الاستفتاء على ثلاثة قادة إسرائيليين هم – شارون – نتنياهو – أليعازر – حصل شارون على 32% من الأصوات ، وحصل نتنياهو على 26% ، بينما لم يحصل اليعازر سوى على 4% فقط من الأصوات .

في اليوم السابق على بدء الحملة العسكرية الإسرائيلية ، كان زيني يقدم لعرفات ، أوراق انتحار السلطة الفلسطينية ، كي يوقعها ، وفي اليوم الثاني لإعلان الحرب الإسرائيلية ، كان راديو الجيش الإسرائيلي يؤكد أن القوات الإسرائيلية تحتاج إلى 8 أسابيع كاملة ، من أجل تمشيط كامل للضفة الغربية ، مبشرا العرب بأن القوات الإسرائيلية قد أخذت احتياطيها لكيلا تزيد خسائر المدنيين الفلسطينيين من القتلى عن عشرة آلاف ، رغم أن عدد المطلوبين الفلسطينيين ، يربو على مائة ألف ، وفي اليوم السابع للحرب الإسرائيلية ، وقف الرئيس بوش يطالب عرفات بوقف العنف ، ويتهمه بأنه خان آمال شعبه ، ويتحدث دون برنامج أو توقيت أو إطار عن انسحاب القوات الإسرائيلية من الضفة الغربية ، وفي اليوم الثامن كان الجنرال زيني يحمل مرة ثانية إلى عرفات أوراق انتحار السلطة الفلسطينية كي يوقعها ، وفي اليوم التاسع ، كانت الدبابات الإسرائيلية ، تهدم البيوت على أهلها ، وتسحق جثث الجرحى والشهداء في الشوارع بجنازيرها ، وكانت بركة الدم الفلسطينية ، تفيض فيها دماء ساخنة جديدة ، أكثر من أيام الأسبوع مجتمعة ، وفي اليوم العاشر والحادي عشر كان النظام العربي ، يترقب خطوات وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية ، كي يقتنع بأن يُقنع السكاكين الإسرائيلية ، بأن تهدأ ، وفي اليوم الثالث عشر والرابع عشر وما بعدهما ، كانت قاطرة العالم العربي ، تفور منهكة ومكدودة ومثقلة بالغضب والهوان ، وهي تتجه نحو الطريق غير المعبد ، الذي بدأت سيرها المضطرب فوقه ، في أعقاب هزيمة 1948 .



 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :